سلامة النفس والجسد


الدكتور/ هيثم مناع التعذيب في العالم العربي في القرن العشرين بحث جماعي في مناسبة الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الانسان

Haytham Manna (Coordinator)  PHYSICAL AND MENTAL INTEGRITY "Torture in the Arab world in the 20th century"  L'INTEGRITE PHYSIQUE ET MENTALE ” Violences et torture dans le monde arabe

 تقــــديم

 في تاريخه الطويل، أدخل الإنسان بمختلف ثقافاته مفهوما سلبيا للحقوق. هذا المفهوم يعتمد غالبا على منطق الانتماء للجنس أو اللون أو اللغة أو القربى الخ.

مفهوم سلبي، لأنه كان قائما على إعطاء البعض وحرمان البعض الآخر، على تشييد حدود بين الإنسان وأخيه الإنسان غذت باستمرار المراتبية التمييزية للقيم ودفعت الكائن الإنساني اكثر نحو العدوانية والخصومات والحروب.

لقد شكل انتهاك حرمة النفس والجسد جزءا لا يتجزأ من منظومة القيم العقابية هذه. فالحضارات القديمة لم توفر لا الروح ولا الجسد من كل أشكال الاعتداء بما فيها تخليد التعذيب في معظم الأساطير القديمة. يذكّرنا كوستاس بابايوانو بالاستنتاج الراجم لهيجل حول تاريخ الجنس الذي ننتمي إليه بالقول : " علينا معرفة أن الإنسانية قد تحررت " بشكل أقل من العبودية منه بالعبودية نفسها".. بنفس الطريقة التي قاومت بها الكنيسة البربرية "بأسلوب بربري وإرهابي". كون الرعب السماوي كان ضروريا "لإنهاك النفوس الجامحة وترويضها حتى تصبح هادئة".

لكن هل يمكن الاكتفاء بتحليل متفهم للرعب ؟ هل يمكن الاكتفاء بـ "الضرورة" التاريخية لتفسير الفظاعة ؟ لقد كسر قرننا بأهواله كل مقاربة تطورية للموضوع ودفعنا نحو واجب أساسي يكمن في اليقظة الدائمة. أليس سيجموند فرويد هو الذي وقّع في 1911، مع أسماء مشهورة، عريضة عالمية تقر " بالانتقاء في إعادة إنتاج النسل" من أجل إعطاء المجال " لتطور الإنسانية نحو الكمال الجسماني والنفسي للعرق" ؟

 كيف يمكن التطرق لإعادة بناء الكمال الذهني والجسدي دون التعرض لغياب الرؤية المرافق لهكذا اطروحات ؟ يذكّرنا بونوا ماسان  بأن " الإحصاء التصنيفي ثم "المعالجة" بالتعقيم والإخصاء والصدمات الكهربائية والقتل الدوائي وغيره من الوسائل لاستئصال "غير الاجتماعيين" ( من مهمشين وشبيبة جانحة وعصاة الخ)، والمجرمين "بالوراثة" والغجر وممارسي الجنس المثلي كانت تتم على أيدي أطباء شرعيين وأخصائيين في علم الجريمة البيولوجي وفي علم الوراثة الإنسانية وأطباء نفسيين وعلماء انثروبولوجيا".

لقد أعطى التعذيب في معسكرات الاعتقال النازية الدرس الأكبر في عالم يفقد إنسانيته أكثر فأكثر : ليس هناك حضارة بمنجى عن الخطر، وليس هناك شخص واحد في مأمن كامل: إن المعاملة اللاإنسانية والمهينة حاضرة بشكل يجعل التعبئة من أجل مقاومتها نوعا من الحماية الذاتية.

حقوق الإنسان التي ندافع عنها عالمية، والتعذيب الذي نناهضه عالمي الطابع أيضا. إلا أن تعبيرات عنف الكائن الإنساني تجاه أبناء جنسه تختلف بين البلدان والشعوب وتأخذ أحيانا شكلا شديد الخصوصية. من أجل هذا، فان مشروعنا الجماعي يركز على الحق في السلامة النفسية والجسدية أولا قبل التطرق إلى الوضع داخل الدول العربية بنقاطها المشتركة أو المتمايزة. وفي هذا المجال، تأتي دراسة الصديق منصف المرزوقي لتفتح النقاش واسعا حول مسار مفهوم الحماية على الصعيد العالمي وبشكل خاص في التجربة الغربية.

إن أي طرح شامل لقضية التعذيب يعني خوض معارك على جبهات عدة. فلا أحد يجهل دور المنطق العقابي في العهد القديم. وفي القرآن ترد الكلمة أكثر من 280 مرة . كما وتربط كل الديانات التوحيدية ذات المرجع الإبراهيمي منظومتها التصورية على الثواب والعقاب، الترهيب والترغيب، الجنة والنار.

إلا انه لا يوجد أبشع من إنزال هذه النار إلى سطح البسيطة مهما كانت الحجة أو الدافع. "كل دولة تمارس التعذيب، يقول المرزوقي، ليست سوى مرحلة متجددة من فشل الايديولوجيا والدولة والانسان".

عبر هذا القرن، سجل النضال ضد التعذيب نقاطا هامة. إلا أن الطريق مازالت طويلة وشاقة. يكفي فتح الأعين على الأشكال المختلفة للعنف في محاولة فيوليت داغر تفكيك الآليات التي يرتكز عليها، أو إحكام النظر في تقديس العقوبات الجسدية التي تعود من جديد إلى التشريعات في عدة بلدان بعد تراجعها في منتصف القرن عبر الفصل المخصص للتعذيب والإيديولوجيا.

لقد تم تخصيص القسم الأخير من الكتاب للتعذيب البوليسي، تقنياته، أدواته، ضحاياه عبر أمثلة مقتطفة من عدة بلدان عربية.

يرجع الاهتمام بمثل دولة إسرائيل إلى كون هذا البلد هو الوحيد في العالم الذي يشرّع بشكل قانوني التعذيب الممارس على الفلسطينيين. " فاستنادا لمراجع رسمية ولشهادات مختلفة بما فيها منظمات حقوق الإنسان، كتب حقوقيو منظمة "بتسلم" في تقرير نشر أثناء إعداد هذا الكتاب: "يقدر عدد المستجوبين من قبل شين بيت بين ألف و 1500 شخص. قرابة 85% منهم - أي على الأقل 850 شخصا في العام- تعرضوا لطرق مختلفة في التعذيب". في هذا الصدد يلقي فصل الباحث الفلسطيني عصام يونس الضوء على دور الأطباء والجهاز الطبي في مؤسسة التعذيب الاسرائيلية.

لم يكن بالإمكان إتمام هذا المشروع دون إسهام مدافعين عن حقوق الإنسان عبر ملفات

وضعوها تحت تصرف الفريق المحرر. بإمكاننا أن نذكر منهم : زينه العربي،

سعد عبد الرحمن ومحمود خليلي. ولا ننسى شهادة وتوثيق عدد من الضحايا وبالأخص حموده فتح الرحمن ورشيد مسلي وي ناصر والمرحوم رضا حداد وكمال الخلف.

إن العيش في مجتمع منعتق من التعذيب ليس فحسب حلما طوباويا وإنما ضرورة جماعية قابلة للتحقيق. من أجل ذلك، بات كل شخص قادر على فعل شئ مهما صغر، علّه يتاح لأطفالنا فرصة العيش بكرامة وبشكل أفضل من آبائهم.

                                                                    

                                                          المنسق  الدكتور/هيثم مناع

  حقوق الإنسان في العالم العربي :

  مقدمــة تاريخـــية

 

 حدثان هامان طبعا نهاية القرن التاسع عشر في العالم العربي: الأول، ولادة أول نقابة بالمعنى الحديث للكلمة بعد إضراب طويل لعمال التبغ في مصر. والثاني، صدور كتاب "تحرير المرأة" عام 1899 لقاسم أمين (1863-1902). إن ما يجمع بين هذين الحدثين هو نزع القداسة عن فكرة الحق. فمنذ هذا التاريخ، لم يعد بالإمكان اعتبار الحقوق التي تأتي من فوق (دينية كانت أم سياسية) كحقوق طبيعية بامتياز. فقبل عام 1888، كان إلغاء التعاضديات كأشكال تاريخية للتعاون المهني وتطور أولى الجمعيات الاجتماعية في مصر يأخذ مكانه على الأغلب بقرار سياسي أو غطاء ديني.

بعد عدة أعوام فاصلة، يمكن الحديث عن تغييرات مشابهة في سورية ولبنان وفلسطين والعراق.

لقد خالج الشك والنسبية تعريف الشخص. فولادة الانتلجنتسيا العربية قد ترافقت بكلمة سحرية : النهضة، وبتعبير آخر، رغبة جامحة في تغيير ظروف الوضع البشري السائد.

في عام 1901، نشر المحامي السوري عبد الرحمن الكواكبي ( 1854-1902) في مصر  "طبائع الاستبداد". في هذا الكتاب يقدم الكواكبي نقدا للاستبداد بأشكاله السياسية والدينية والمجتمعية. وهو يرى في الاشتراكية الديمقراطية الجواب على تحديات الشرق العربي ويعتبر  ضرورات الترقي في الاستقلال الشخصي:

أمين على السلامة في جسمه وحياته بحراسة الحكومة،

أمين على الملذات الجسمية والفكرية باعتناء الحكومة في الشؤون العامة،

أمين على الحرية،

أمين على النفوذ كأنه سلطان عزيز،

أمين على المزية كأنه في أمة يتساوى جميع أفرادها،

أمين على العدل،

أمين على المال والملك المشروعين،

أمين على الشرق بضمان القانون ونصرة الأمة (1).

يتصدى الكواكبي للعنف كوسيلة للتغيير والنضال ويطالب بإلغاء الخدمة الإلزامية كما يعتبر فصل السلطات شرطا ضروريا للحؤول دون تجاوزات وعسف السلطة.

من الضروري التذكير بإغتيال الكواكبي من قبل العثمانيين في 1902 وبالهجوم الشرس الذي تعرض له قاسم أمين من قبل القوى المحافظة في المجتمع.

في 1901، نشر فرح انطون (1885-1922)، أول مدافع عربي عن حقوق الإنسان، ترجمة  "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" مع مقدمة عنوانها : حقوق الإنسان لا يجوز أن يدوسها إنسان وضرورة تعليمها في المدارس (2).

كذلك ستأخذ فكرة الإصلاح بعدا في غاية الأهمية. وتؤكد الجمعيات الثقافية والسياسية اللبنانية-السورية والعراقية ضرورة إصلاح نظام الخلافة باتجاه نظام دستوري برلماني. في حين يدافع جمال الدين الأفغاني عن فكرة  الإصلاح الديني في الإسلام.

هذا الاتجاه الإصلاحي سيتعزز مع الثورة الدستورية في إيران والتغييرات التي ستعيشها تركيا. وفي عام 1910، نشر جميل معلوف في ساوباولو كتابه "تركيا الجديدة وحقوق الإنسان " ودافع بعد ذلك بعامين (1912) منصور فهمي عن أطروحته للدكتوراه حول وضع المرأة في الإسلام  (3).

شكلت الثورة الفرنسية مصدر الهام لأول جيلين من هذا القرن قبل قيام ثورة أكتوبر (1917) ودخولها في الوعي السياسي لليسار الناشئ. وهكذا تبنت الحركة الشعبية المصرية في 1919 ألف باء الحقوق المدنية والسياسية في خطابها السياسي. وبفضل رموز الليبرالية المصرية الكبار، وبشكل خاص احمد لطفي السيد، أصبحت كلمات مثل حرية تشكيل الجمعيات، حرية الاجتماع والتظاهر والتعبير، دولة دستورية مستقلة يدافع عنها بقوة من قبل الأحزاب السياسية والمثقفين في مصر وسورية والعراق وفلسطين وتونس. هدى شعراوي تشكل من جهتها في مصر الاتحاد النسائي سنة 1923، وبعد ذلك بعشرة أعوام، يتشكل الاتحاد النسائي العربي السوري في دمشق الذي ضم عشرين جمعية نسائية.

في ديسمبر 1933، شكلت الرابطة الاسبانية لحقوق الإنسان فرعا لها في المغرب (4) . وفي 1937، اصدر رئيف خوري كتابه : "حقوق الإنسان ، من أين ؟ وإلى أين المصير؟ " (5) . في مقاربة ماركسية لينينية متنورة لقضية حقوق الإنسان يقسم الكاتب تاريخ البشرية إلى ثلاث مراحل: إنسان بلا حقوق، إنسان مع حقوق مدنية وسياسية، إنسان مع كامل الحقوق . وهو يخصص فصلا لتشريح ونقد الفاشية باعتبارها إلغاء للحقوق وللحريات الديمقراطية ولحقوق الإنسان التي ناضل الإنسان من أجلها أجيالا بالقول : أجل، إن الفاشستية لترمقنا بعيون يقدح منها شرر شهوة الافتراس. هي تطمع فينا، في بسط استعمارها الذي هو أوحش أشكال الاستعمار علينا. ولكننا نبغض الاستعمار، ونريد الاستقلال والسيطرة على مقدراتنا ومرافقنا بأنفسنا. ونحن جنود الديمقراطية وحقوق وحريات الإنسان في أوطاننا، كما نحن جنود في خارج أوطاننا أيضاً - في الدنيا بأسرها لأن مصيرنا لن ينعزل عن مصير غيرنا. وما أصدق العربي الذي قال : " أنا أدافع عن دمشق في خنادق مدريد !" وإباؤنا واعتزازنا القومي لا يعنيان مطلقاً إننا لسنا مستعدين للتعاون على مشاكلنا ومشاكل العالم اجمع مع الأمم الديمقراطية الحقة - أي : الأمم التي تعترف لنا بحريتنا وتعاملنا على أساس الإنصاف، ولا يجول في ذهنها أننا من طينة أحقر من طينتها خلقنا لكي نطأطيء لها الرؤوس ! "

يعتبر خوري الديمقراطية شرطا وجوديا للمستغلين في العالم العربي وينتقد الأبعاد الكارثية للفاشية ( عنصرية، تعذيب، اغتيالات، استغلال الجماعات المستضعفة الخ). وذلك عبر شواهد وأمثلة لانتهاكات حقوق الإنسان في إيطاليا وألمانيا.

تأخذ حركة مناهضة الفاشية وفكرة جبهة ديمقراطية على الصعيد العالمي أكثر فأكثر مكانها في المشرق. وفي بيان وقعه أربعون مثقفا وفنانا مصريا بعنوان "يحيا الفن المنحط" في 22/12/1938، يستنكر الموقعون التعديات الواقعة على الفن والإبداع في المعسكر النازي وينتصرون للضحايا (6).

في 1939، وزّعت مناشير في العاصمة المصرية تحمل توقيع "لجنة حقوق الإنسان" كما تشكلت في العام نفسه عدة منابر علنية لليسار المصري ولقطاع من الشبيبة الوفدية. وفي بيروت، انعقد المؤتمر الأول "للرابطة السورية اللبنانية لمناهضة العنصرية" (6-7مايو1939) التي أصبحت في 1941 "رابطة مناهضة العنصرية والفاشية". في هذا العام طبع الشيخ عبد الله العلايلي في بيروت "دستور العرب القومي". في هذا الكتاب، يتناول المصلح الإسلامي الكبير حقوق الإنسان باعتبارها حقوقا طبيعية ويركّز على الحقوق الفردية التالية : حق الحياة، حق العمل، حق الحرية، حق المساواة، الحقوق السياسية، حق التعليم، حق الملكية، حق الاجتماع التكافلي، حرية الضمير والرأي، حق الطفولة ( حماية الطفل من الاستغلال، مجانية التعليم الخ) (7).

في سنة 1942، شكلت مجموعة من الديمقراطيين العرب الشبان في دمشق "رابطة الطلاب الديمقراطيين العرب" تجمعا ديمقراطيا مناهضا للفاشية يدعو  لقيام دولة ديمقراطية عربية مستقلة.

بعد سنتين أي عام 1944 ، ولد في دمشق "اتحاد المحامين العرب"، وأعلن أكثر من 400 محام في مؤتمرهم الأول" : يؤكد المؤتمرون تأييدهم جهاد الأمم الديمقراطية في الدفاع عن حريات الأفراد والأمم واثقين من أن مساهمة البلاد العربية بالعقيدة والعمل في جهاد الديمقراطية كفيل بمساهمتها أيضا في إنشاء عالم جديد تسود فيه الحريات التي بذل العالم أغلى التضحيات في سبيل نشر لوائها" (8).

لقد تركت قضية الاستقلال والتصرفات الاستعمارية للبلدان الغربية بصماتها واضحة بعد الحرب العالمية الثانية في الوعي الجماعي في المشرق والمغرب، مع إحساس مشروع بالخيانة ساد الطبقة السياسية والشارع. وجاءت القضية الفلسطينية لتعزز هذا الشعور في أوساط اليمين واليسار على حد سواء.

وفي 27 نوفمبر 1947، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة بـ 33 صوتا ضد 13 وامتناع 10 عن التصويت، قرار تقسيم فلسطين لدولة عربية ودولة يهودية، مما خفّض شعبية المنظمة الدولية إلى الحضيض في البلدان العربية والإسلامية.

ففي العالم العربي، يشكل 1948 عام النكبة، وسيتبع إعلان دولة إسرائيل في 15 مايو (أيار) من هذا العام حرب 1948 بين العرب والإسرائيليين، مع هيام إحساس عميق بالظلم والعداء. وكما يقول المحامي المناهض للفاشية، نجاة قصاب حسن : " لقد دفع العرب ثمن الجرائم التي ارتكبتها النازية عبر تبني مشروع استعمار استيطاني يقوم على الأسطورة اليهودية التي يرفضها كل من العلمانيين والإسلاميين " (8).

الدكتور محمد مندور أحد رموز حقوق الإنسان في مصر والعالم العربي في الأربعينات يعلن عن رفضه لوقف إطلاق النار مع "العصابات الصهيونية" ويدين كل تقسيم لفلسطين (9). لقد تكسرت الثقة بالأمم المتحدة ليمر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان دون اهتمام يذكر من قبل كل من لم يعد يثق بالهيئة الدولية. ونستطيع تتبع انتقادات القوميين العرب الذين يطالبون الأمم المتحدة بالتوفيق بين خطاب إنساني كبير وممارسات هيمنة استعمارية. وقد أيد معظم الليبراليين هذا الإعلان في حين وضع الماركسيون عدة تحفظات عليه.

نظرا لأهمية وجهات نظرهما، نرى من المناسب استعراض رأي اثنين من المثقفين العرب بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 1948: شارل مالك ورئيف خوري.

كان شارل مالك، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، العربي الوحيد الذي شارك في صياغة وإعداد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد ألقى في 25 يناير/ك2 1949 محاضرة في الجامعة اليسوعية في بيروت بدأها بتعداد نقاط القوة في الإعلان العالمي، وهي برأيه :

هذه البراءة إعلان عالمي يربط بين السلام وحقوق الإنسان،

تأكيدها الصريح على سلامة العقل والضمير والجسد للكائن الإنساني،

رفضها الصريح الكامل لأي شكل من أشكال التمييز بين الأفراد،

تأكيدها على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للإنسان،

تأكيدها على أهمية العائلة،

دور التعليم في الحقوق والحريات والاشتراك الخلاق في الحياة الثقافية.

يردّ مالك على الذين لا يأخذون على محمل الجد التزام الدول باحترام الإعلان بالقول : " إذا استهزأ المشككون بقرار قيمته انه توصية للدول الأعضاء. و إذا استهزأ المشككون بقرار قيمته أنه توصية فليتذكروا إن قرار تقسيم فلسطين كان أيضا توصية من قبل الهيئة العامة. وإذن يتمتع إعلان حقوق الإنسان بنفس القيمة القانونية التي يتمتع بها قرار 29 نوفمبر سنة 1947 بتقسيم فلسطين. و إذا وجد وراء قرار 29 نوفمبر قوى عالمية دفعته شوطا بعيدا نحو التنفيذ، أفلا يمكن أيضا أن تعبأ ارادات بعض الدول وراء هذا الإعلان فتتعهده بالإذاعة والدفع والتنفيذ ؟"

 ثم يضيف في نفس المحاضرة : "تثير براءة حقوق الإنسان، في نصها وتكوينها، بضعة مشاكل نهائية يجب علينا في لبنان وفي العالم العربي مجابهتها وحسمها". وهنا يتناول العلاقة الجدلية بين الحقوق والواجب، مركز الحقوق الاقتصادية في النظام الحقوقي العام، العلاقة الجدلية بين الفرد والمجتمع، و أخيرا ولاء الإنسان الأخير. ويسأل : أيحق للإنسان، أيحق لي ولك، أن يكون لنا ولاء أخير غير ولائنا للدولة أو للأمة، أم هل ولاؤنا القومي جامع مانع لجميع الولاءات ؟ أينتظم مع حقي الطبيعي كإنسان أن أسمح للدولة أو لطابعي القومي الخاص بأن يعين جميع عقائدي وأفكاري وحتى آمالي، وأن ينسج لي حلل حياتي كلها ؟ أين العائلة والدين، أين دائرة الأصدقاء الخلّص ؟ أين ألبحث العلمي المستقل ؟ أين التراث الفلسفي الإيجابي الدائم ؟ أين الأدب الشعبي والأغاني والتقاليد الشعبية التي لا علاقة لنشوئها البتة بأية حكومة أو أية دولة ؟ ألا يحق لي كإنسان أن أحرص وأنمي ولاءاتي الشخصية لهذا الملأ الخضم الواقع بين الفرد والدولة ؟ يؤكد ميثاق الأمم المتحدة سبع مرات على "الحقوق الإنسانية والحريات الأساسية"، ولكن أسألكم أين ومتى أكون أنا وتكون أنت بالفعل إنسانا حرّا   ؟ أفي الشارع ؟ أفي علاقتنا المباشرة مع الدولة ؟ ألا نتمتع بالأحرى بأعمق إنسانيتنا في العائلة، في الكنيسة والمسجد، في الحلقة الصداقية الحميمة ؟ ألا نرقى إلى أصدق حريتنا عندما نغوص بفرح في الحياة المرحة بين أهلنا وشعبنا، في طلب الحق وإدراكه ورؤيته وإعلانه ؟

إن هذه المنشآت المتوسطة بين الفرد والدولة هي التربة الخلاقة لكل حق وحرية. ومأساة العالم الحديث أن هذه المصانع الطبيعية لكرامة الإنسان في خطر. فالعائلة عرضة لتفسخ مريع، والدين منصرف للفعل الدفاعي، والإنسان العصري وحيد كئيب لا صديق له، والحقيقة المستقلة الفاعلة دُحرت أمام النفع العملي. ولكن أؤكد لكم أن إعلان حقوق الإنسان لا يسمح قط بأن يكون ولاء الإنسان الأخير وقفا على الدولة أو الأمة فحسب، بل يتيح الفرص ويوفر الشروط لامكان إزدهار هذه الولاءات المتوسطة جميعها"(11).

أما الكاتب الماركسي رئيف خوري فقد نشر في مجلة "الطريق"، المجلة النظرية للحزب الشيوعي السوري اللبناني، مقالة بعنوان "إعلان حقوق الإنسان الذي أقرته جامعة الأمم المتحدة نواقصه، نواحيه الإيجابية، واقتراح على المثقفين اللبنانيين" (12). لا ينتظر فيه الكاتب كثيرا لكي يضرب على الوتر الحساس في الإعلان : غياب أية إشارة لحق الشعوب في تقرير مصيرها، مؤكدا : "فلنسرع إلى القول أن إعلان حقوق الإنسان، هذا الذي صدر أخيرا عن جامعة الأمم المتحدة، لا يتقيد حق التقيد برعاية الحقائق التي أسلفنا ذكرها. فليس فيه ما يومئ من قريب أو بعيد إلى أن الإنسان الحديث يكون عضوا في أمة، وأن هذه الأمة لها الحق في تشكيل دولة خاصة وفي الاستقلال التام وسيادة نفسها. فمن حق الإنسان إذن - بل رأس حقوقه- أن يكون عضوا في أمة مستقلة ومواطن دولة سيدة نفسها. أجل، وليس في هذا الإعلان لحقوق الإنسان ما يومئ من قريب أو بعيد إلى أن الإنسان في دولة ما قد يكون عضو أقلية قومية تابعة لهذه الدولة، فمن حقه إذن - بل رأس حقوقه - أن تكون جماعة الأقلية القومية التي ينتمي إليها متمتعة بحقوق كتعليم لغتها وطبع الصحف والكتب بها واستعمالها في المراجع الرسمية واقامة الإدارة الذاتية إذا كانت الشروط مهيأة وافية ..

إن في اللواء السوري السليب، في اسكندرون، مثلا أكثرية من العرب لا يمنحهم هذا الإعلان لحقوق الإنسان ضمانا ما لعروبتهم من التتريك. وهكذا يخلو هذا الإعلان لحقوق الإنسان من كل  نص يؤكد حق الأمم في أن تكون مستقلة وأن تشكل لنفسها دولا ذات سيادة، كما يخلو أيضا من كل نص يكفل حق الاقليات القومية. فهو بذلك يترك الحبل على الغارب للمستعمرين يضحون بالأمم وبالتالي حقوق الإنسان، ويخلي المجال لاستبداد الدولة تتحكم بالاقليات القومية".

 ثم ينتقل إلى المساواة بين الأشخاص فيقول : " ليس فيها مثلا نص صريح يؤمّن حق المرأة في خوض ميادين الحياة كلها، والمشاركة في نشاط حكوماتهن الدولي واعمال مؤسسات جامعة الأمم المتحدة نفسها. كذلك تخلو هذه النصوص من نص صريح على حق كل إنسان أن يَنتخب ويُنتخب من جميع هيئات السلطة . وقد كان مثل هذا النص الصريح ضروريا، لأن كثيرا من البشر حتى في كبريات الدول يجدون مناصب الدولة والوظائف العامة مقفلة في وجوههم. يكفينا مثلا زنوج الولايات المتحدة فإن حالتهم تبلغ من السوء انهم لا يحرمون عمليا حق الانتخاب والترشيح وحسب، بل يعيشون معرضين لضرب من ضروب "التسلية" يتلهى به بعض الأمريكيين يسمى "اللنسنغ" يعني الشنق !"(13).

بعد هذا النقد يعدد الكاتب اللبناني الحقوق التي اقرها الإعلان معتبرا إياها مقدسة مؤكدا على : منع الاعتقال التعسفي، افتراض البراءة وعلنية المحاكمات، حرية التنقل، حق اللجوء، حرية الرأي والتعبير، حرية التجمع و التنظيم، حق التصويت، حق العمل، حق الصحة، حق الغذاء والمسكن، حق تشكيل النقابات، حق العطلة السنوية المدفوعة الأجر وحق المشاركة في الحياة الثقافية.

وأخيرا يوجه رئيف الخوري نداءا إلى المثقفين وسؤالا كبيرا : " علام لا يؤلف المثقفون اللبنانيون من محامين وأطباء ومهندسين وأساتذة وكتاب، لجنة وطنية للدفاع عن حقوق الإنسان تسهر على المطالبة بالأمانة لتطبيق نص حقوق الإنسان وتشهير كل مخالفة لهذه الحقوق على كل منبر؟" (14).

"لكن ترى هل نحن على يقين من أن الحكومة اللبنانية "الديمقراطية" توافق على تشكيل لجنة يكون دستورها، بالضبط، هو هذا الإعلان لحقوق الإنسان الذي اذاعته جامعة الأمم المتحدة ووافقت عليه الحكومة اللبنانية نفسها، الحكومة العضوة في جامعة الأمم المتحدة ؟".

بعد خمسين عاما من صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يحق لنا أن نوجه السؤال نفسه الى اكثر من نصف الحكومات العربية.

لقد شكلت سنة 1948 نهاية حقبة طبعتها الاحباطات وسقوط الأوهام لجيل كامل اعتقد باقتراب آخرة الكابوس الاستعماري ونزاهة الحلفاء في بناء جبهة مشتركة لكل الديمقراطيين. كذلك، كانت خلاصة فشل الأنموذج الليبرالي الاستعماري في العالم الثالث. وقد كان رد الفعل القومي خير مؤشر على هذه التغيرات. فالمدافعون عن الديمقراطية الدستورية وعن العلاقة الجدلية بين الاستقلال والحريات الأساسية يتبنون خطابا صارما ضد المستعمر، وتصبح كلمة الاستقلال هي البرنامج الذي يضحي، بوعي أو بدون وعي، بهواجس حقوق الإنسان (15). وعلينا انتظار عقد من الزمن، قبل أن تعطي المنطقة العربية لحقوق الإنسان والحريات الديمقراطية الأهمية التي تستحق في مجتمعات هزها في الأعماق تمزق الوجود الفلسطيني وحرب الجزائر والعدوان الثلاثي على مصر، وعاشت حقبة حبلى بالتغيرات والاضطرابات (16).

بمبادرة من الجمعية اللبنانية للعلوم السياسية تم تنظيم مؤتمر عربي حول الديمقراطية جمع في 1959 عددا كبيرا من المثقفين والسياسيين العرب، وذلك لدراسة القضايا الأساسية لأهمية الديمقراطية في بلدان المنطقة. ورغم أهمية أبحاثها ونقاشاتها، بقيت هذه المحاولة دون غد. فقد همّشت الدول التسلطية هذا التوجه الذي نعت بالرجعية.

في عام 1960، شكّل عدد من المثقفين العراقيين جمعية حقوق الإنسان في العراق. وفي 1962، بادر عدد من المحامين السوريين، برئاسة الدكتور موفق الدين الكزبري إلى تشكيل الرابطة السورية للدفاع عن حقوق الإنسان. وقد اعتبرت المنظمتان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المرجع الأساسي لهما. في 1967، شكلت مجموعة من الجامعيين السودانيين  اللجنة القومية لحقوق الإنسان في السودان التي تعرّف عن نفسها كمنظمة غير سياسية تعمل لتشجيع وتعميق مبادئ وأفكار ومثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية (17). لقد تميزت تجربة الستينات بالاستقلالية والتعددية، مع التركيز على الحقوق السياسية والمدنية،كما وانتقدت حالة الطوارئ والنواقص الدستورية فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان. كذلك لحظت بقلق تصاعد العسف في عملية بناء الدولة الاتوريتارية (التسلطية) في البلدان الثلاثة (سورية، العراق، السودان).

زرعت وفاة الرئيس عبد الناصر في مصر وهزيمة المقاومة الفلسطينية في أيلول الأسود ووصول الفريق حافظ الأسد في سورية الفوضى في صفوف الجماهير وعززت الدولة البوليسية في العالم العربي. وقد أصبح الخيار الأمني هو السائد على حساب الحريات الأساسية. فالحكام الجدد أو القدامى لم يعد لهم أية شرعية شعبية وأصبحت القوة الصلفة ضمانة بقائهم في الحكم. لقد أصبح أمير المؤمنين، القائد الملهم، روح الأمة، من الألقاب الرسمية لمن يحكم هذا الجزء من العالم. لم يعد الخليفة ظل الله في الأرض، بل أصبح الله ظل القائد في السماء.

بالرغم من ذلك، ان التقدم الذي حققته لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة وتصديق عدة دول عربية على العهدين الخاصين بالحقوق الخمسة سيعيدان الاعتبار لحقوق الإنسان في مفهوم اكثر توازنا وإيجابية في دول العالم الثالث، ولو أن النتائج على الأرض لم تكن مباشرة خاصة وأن العديد من مطالب أبناء الجنوب تجد صداها في العهدين. وهكذا تشكلت حركة مكونة من الكوادر والمحامين في اكثر من بلد للدفاع عن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

في عام 1970، قامت جمعية الاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع بطباعة "الموسوعة العالمية لحقوق الإنسان": كتاب من 600 صفحة مع أربعين وثيقة خاصة بحقوق الإنسان. وفي 1972 شكلت مجموعة من المغاربة من حزب الاستقلال "الرابطة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان". في سنة 1977، تشكلت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان من عدة اتجاهات سياسية وشخصيات مستقلة. بعد ذلك بعام،  شكل عدد من الجامعيين في مدينة أسيوط بمصر "جمعية حقوق الإنسان". في 1979، تشكلت في الإسكندرية جمعية أنصار حقوق الإنسان. في العام نفسه، تأسست الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، المنظمة الفلسطينية لحقوق الإنسان (الحق)، وجمعية الدفاع عن حقوق الإنسان في البحرين (في المنفى)، ولجنة الدفاع عن المعتقلين السياسيين في الشرق الأوسط (في المنفى كذلك).

بين عامي 1977 و 1983 (تاريخ ولادة المنظمة العربية لحقوق الإنسان)، تشكلت 18 جمعية لحقوق الإنسان في البلدان العربية أو المنفى. وفي أقل من عشرة أعوام، بلغ عدد التنظيمات غير الحكومية ثلاثة أضعاف ما كان عليه (18).

لقد حمل الجيل الثالث للمنظمات غير الحكومية هذه آثار هيمنة الحزب الواحد والقبيلة الواحدة والزعيم القائد وأمن الدولة وتغذى بفكرة جبهة ديمقراطية بين سياسيين نبذتهم القوانين الاستثنائية.  لهذا، لم يتمكن هذا الجيل باستمرار من الفصل بين المشروع السياسي للوصول إلى السلطة ومشروع سلطة مضادة. الأمر الذي جعله يحمل عاهات الأحزاب السياسية في حقبته. في العديد من الدول العربية، كانت السلطات التسلطية أول من يستثمر نقاط ضعف حركة حقوق الإنسان والنيل من حيويتها عبر الترهيب والترغيب. فقد حاورت السلطات السعودية بشكل ماهر مسألة حل تنظيم لحقوق الإنسان للجزيرة والخليج ينشط في المنفى واستطاعت عدة أنظمة بوليسية تحييد رؤساء منظمات غير حكومية بمنصب وزارة. ولا شك بأن "عروض العمل" المغرية قد ضعضعت روابط حقوق الإنسان في أكثر من بلد. كذلك فإن الجنوح المؤسساتي المفرط يشكل نقطة ضعف إضافية. أما تمويل المنظمات غير الحكومية فيطرح على بساط البحث مشكلة  كبيرة أخرى.

في دراسة ميدانية أجراها الزميل فاتح عزام حول 51 منظمة غير حكومية تضم 22500 عضوا، يظهر الباحث الفلسطيني أن عدد الأعضاء النشيطين لا يتجاوز 950 عضوا ( أي قرابة 4 % )، من بينهم 231 شخصا يعمل بأجر. من هذه المنظمات ثلاث فقط لها استراتيجية عمل طويلة الأمد وثلاث أخرى قامت بتقييم تجربتها السابقة. وينوه  كاتب الدراسة إلى أن كل منظمة غير حكومية تكتفي بخبرتها ونادرا ما تتعلم من تجارب الآخرين. كذلك يبدو التنسيق بين المنظمات غير الحكومية في البلد الواحد أو على الصعيد الإقليمي محدود جدا (19).

بالرغم من نقاط ضعفها وعاهاتها، تقاوم حركة حقوق الإنسان كل محاولات الاحتواء ومن كل الأشكال، كما ونبصر في صفوف هذه الحركة تجديد الفكر النقدي الإنساني والديمقراطي في عدة بلدان عربية. إن حركة حقوق الإنسان تمتلك بذرة تحد مزدوج : حالة الطوارئ وثقافة الطوارئ كإنتاج رد فعلي لها. وبحكم طبيعتها نفسها، تشكل الخطر الأول على المشاريع التسلطية في هذا الجزء من العالم.

هيثم مناع: طبيب ودكتور في الانثروبولوجيا، متحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الانسان، عضو مجلس امناء مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، عضو المجلس الاستشاري للبرنامج العربي لنشطاء حقوق الانسان. له قرابة عشرين كتابا في الاسلام والمرأة والتنوير وحقوق الانسان.

 مراجــع

 عبد الرحمن الكواكبي ، طبائع الاستبداد، دار القرآن ، بيروت ، 1973، ص 136-137.

الجامعة، 1901، السنة الثالثة، الجزء الرابع، ص 250-255، أعيد نشرها في رواق عربي، العدد 4، أكتوبر 1996(مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان)، ص 148-151. انظر أيضا ، هيثم مناع، طفولة الشيء : المخاضات الأولى لحقوق الإنسان في العالم العربي، منشورات الجمل، كولونيا، 1998.

منصور فهمي، أحوال المرأة في الإسلام، صدرت الطبعة العربية عن منشورات الجمل، 1997.

تحديات الحركة العربية لحقوق الإنسان، عمل جماعي أعده وقدم له بهي الدين حسن، فصل:  "الحركة المغربية لحقوق الإنسان"، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 1997، بالعربية والإنجليزية.

رئيف خوري، حقوق الإنسان، من أين و إلى أين المصير؟ دار ابن زيدون، دمشق، 1937. قسم هام من هذا الكتاب أعيد نشره في : هيثم مناع ، طفولة الشيء، مذكور أعلاه.

انظر : هيثم مناع ، مصر في 50 عاما (1888-1948) ، تحديات التنوير، كولونيا، 1991، ص 29-65.

عبد الله العلايلي، دستور العرب القومي، دار الجديد، الطبعة الثانية، بيروت، 1996، ص 199-212.

عمران محمد بورويس، موسوعة المحامي العربي، الجزء الرابع ، ص 50.

يلخص الكاتب المصري الراحل لطف الله سليمان موقف أغلبية المثقفين التقدميين العرب وبشكل ممتاز بقوله: " إحنا بناضل لإلغاء الدولة الدينية والغرب يجي يفرض علينا دولة قائمة على الأسطورة والطائفية" (مقابلة مسجلة في ديسمبر 1988).

انظر: صوت الأمة، 26/7/1948 و ‌28/7/‍1948. يشكل محمد مندور مع محمود عزمي ورياض شمس الدين وابراهيم طلعت أول الرموز المصرية المدافعة عن حقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية. درس في فرنسا بين 1930و1939 وترجم للعربية "التاريخ الفكري والسياسي للإعلان حقوق الإنسان  لالبير بابيه في 1950. (أعاد مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان في مصر نشره حديثا) بالنسبة لمندور، حقوق المواطن ذات صلة وطيدة بالاستقلال و سيادة الشعب( صوت الأمة 18/1/1947 : حقوق المواطنين) أعيد نشره في كتاب صفحات من التاريخ المصري، دار المستقبل العربي، القاهرة ، 1993.

شارل مالك، "شرعة حقوق الإنسان"، مجلة الأبحاث، 2 ، جزء 1 (3/1949) ص 23 وما بعدها. أعيد نشره في هيثم مناع، طفولة الشيء ، مرجع مذكور.

نفس المصدر، ص 31-33.

الطريق، العدد 2، 1949، ص 5-11.

نفس المصدر، ص 11.

انظر على سبيل المثال كتابات احمد لطفي السيد، محمد مندور، أنور كامل، سامي الكيال،  صلاح الدين البيطار ورئيف خوري (الذي غادر صفوف الحزب الشيوعي) بين أعوام 1947 و 1950.

باستثناء بعض الأعمال مثل "حقوق الإنسان لسليم خياطه، الإسلام وحقوق الإنسان لمحمد عبد المنعم خفاجه، حقوق الإنسان في الإسلام لعلي عبد الواحد وافي ومقالات لعلي الوردي، احمد حسن الزيات، جوزيف مغيزل وادمون رباط، نادرة هي النصوص المنشورة حول حقوق الإنسان في هذه الفترة.

انظر : اللجنة القومية لحقوق الإنسان في السودان، حقوق الإنسان في النظرية والتطبيق، الدكتور مدثر عبد الرحمن، دار الفكر، بيروت، 1968.

تشكلت المنظمة السودانية لحقوق الإنسان في 1984، المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في 1985، الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان في 1985، الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان في 1987، المنظمة المغربية لحقوق الإنسان في 1988. في سورية تعرضت الرابطة السورية لحقوق الإنسان لحملة اعتقالات في 1980 بعد طلبها رفع حالة الطوارئ في البلاد وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإقامة التعددية السياسية والنقابية. وقد بقي رئيسها الدكتور الكزبري ست سنوات في المعتقل دون محاكمة أو حكم. وفي 1989 شكل جيل جديد لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتعرض التنظيم لحملة اعتقالات واسعة في 18/12/1991 وما زال خمسة من كوادره في السجن في يومنا هذا. أحصينا أكثر من خمسين منظمة لحقوق الإنسان والمرأة والطفل ومنظمات مختصة أخرى غير حكومية في فلسطين.

فاتح عزام، دراسة غير منشورة حول وضع 51 منظمة عربية غير حكومية ، 1997. 

 الدكتور منصف المرزوقي *                        

القضاء على التعذيب في الوطن العربي :

 معارك  السطح ومعارك العمق

 هذا الكتاب الذي نبغي به كحركة عربيّة لحقوق الإنسان الاحتفال بخمسينيّة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان  هو حوار جماعي لتفعيل نضالنا من أجل القضاء على ظاهرة التعذيب في الوطن العربي بما هي وصمة عار في جبين مجتمعاتنا وبما هي دلالة على خلل عميق في عمل الدولة وطبيعة المجتمع.

وفي هذا الإطار شرّفني  د. هيثم منّاع، منسّق الكتاب، مرّتين : عندما طلب منّي المساهمة في هذا العمل النظري والنضالي الهام وعندما افترض فـيّ قدرة الإجابة عن جملة من إشكاليات بالغة التعقيد.

" لماذا لم تتناول المدارس الفكرية الكبرى قضيّة التعذيب باعتبارها واحدا من أهمّ أسس هدم الأنسنة المجتمعية والكرامة الفردية ? ولماذا حلّقت مسألة انتهاك حرمة النفس والجسد في أنماط الإنتاج وحدود الأمم واختلاف الأديان والثقافات لتقف شامخة فوق المكان والزمان عالمية الطبع مع خصوصيات في التعبير والتمثيل والتأثير ? أليس من جرائم المثقّف اعتبار هذا الموضوع قضيّة ثانوية تحلّ تلقائيا بعد الوصول إلى نمط الحياة الذي يقترحه ? ولماذا انتظرت الكنيسة السبعينيات في هذا القرن -قرابة ألفي عام-لتظهر من داخلها حركة مناهضة للتعذيب? ولماذا لم تحلّ مشكلة سلامة النفس والجسد في الديانتين اليهودية والإسلام وما زال التعذيب مقرّا بالقانون في إسرائيل وإيران والسعودية ? وأين موقع الطبيب في هذا المعامع خاصّة وإنّ الطبّ والفلسفة والعلوم كانت تتمركز حتّى نهاية العصور الوسطى في رموز مشتركة كابن سينا والرازي وابن الجزّار مثلا وأنّ الطبيب الحديث بالتعريف يعمل لوقاية وحماية ومعالجة النفس والجسد."

قرأت الأسئلة مرّات ومرّات لأكتشف أنّني لا أستطيع أن أقدّم ردّا عليها وإنّما في أحسن الحالات فرضيّة  تبقى مطالبة بالبرهنة العلمية وقابلة لكلّ أنواع النقد والمراجعة، لكنّها المصباح الذي أهتدى على نوره منذ سنوات لفهم ومقاومة التعذيب.

إن  فرضيّتي بشديد التبسيط والاختصار والحذر هي أنّ من عناهم هيثم منّاع بأسئلته كانوا  لا "يرون " التعذيب لأنّهم كانوا  لا "يرون " الإنسان، وإنّما الفرد. وانّنا أصبحنا "نرى" التعذيب لأننا أصبحنا لا "نرى" الفرد، وإنّما الإنسان. وأنّ تغيّر الرّؤيا هذا هو نتيجة مراجعة جذريّة حديثة العهد ومتعدّدة الأسباب حصلت داخل الثقافة الغربيّة لوضعيّة الشخص وقيمته بالنسبة لمختلف المؤسّسات المجتمعية.

 

الرؤيــا الجــديدة

لننطلق من ملاحظتين بديهتين أوّلهما قدم التعذيب وعالميته كظاهرة، وثانيهما حداثة ومحليّة الحساسية تجاهه .

إن استشراءه في كلّ مكان كجزء لا يتجزأ من ممارسة الحكم ظاهرة لاجدال فيها. حقّا قد تفاجئنا أبحاث معمّقة بجهل قبائل "البويبلو" الأمريكية به، لكن الشواذ لا يلغي قاعدة يعطينا منها تاريخ أغلب الشعوب المعروفة أمثلة بليغة.

الثابت أيضا أنّ الظاهرة موغلة في القدم وقد تكون قديمة قدم الدولة نفسها، حيث هي موجودة أين تواجدت جزءا ممّا يعرض على خشبات مسرح السلطة .

نعرف اليوم أنّ أباطرة الصين كانوا يقسّمون المغضوب عليهم من فوق إلى تحت عموديّا بالسيف وأنّ الرومان كانوا يصلبون وأنّ المسلمون كانوا ولا يزال منهم من يقطع الأيادي والأرجل باسم إله عرّف نفسه بأنّه الرحمان الرحيم وأنّ الأوروبيون كانوا يتفنّنون في المسائلة  (La question) وهم أصحاب اختراع الموت حرقا للملاحدة.

نكتشف أنّ عصرنا هذا لم يفعل سوى تحديث وسائل التعذيب بإدخال الكهرباء مثلا وإيتاءه وظائف جديدة كالتجارب الطبيّة النازية وغير النازية على المساجين .

 ولا يكاد يخلو دين أو عصر من شهداء التعذيب ونحن لا نعرف من ضحاياه إلاّ بعض الأسماء الشهيرة لا شكّ  أنّها الجزء الظاهر من جبل الجليد. فالتاريخ اليهودي يفسح مجالا كبيرا  لموت "أكيبا بن يوسف" سنة 50 م وهو أحد الشهداء العشر في الديانة اليهودية الذين يذكرون في الصلوات. كذلك يتذكّر التاريخ تعذيب القدّيسين بطرس وبولس والمسيحيين الأوائل ويتذكّر المسلمون تعذيب بلال وفظاعة قتل الحلاّج وابن المقفّع.

 لقد التصق  التعذيب بعمليّة الاستشهاد في كلّ الديانات تقريبا بل هو من أهمّ علاماته. ولا نستغرب أن نرى الشيعة إلى اليوم يلحقون بأنفسهم أشدّ الأذى في ندبهم للحسين مشاركة في آلام المعذّب الكبير وتكفيرا عن الخطيئة الكبرى التي دنّست الشهيد .

إنّ أهمّ رمز للتعذيب وأوسعه انتشارا وأقواه أثرا في عمق الوعي الجماعي هو بدون شك أو منازع الصليب المسيحي. فهذا الذي تراه  مصلوبا، سواء اعتبرته إنسانا أو إلها، هو كائن عرف أبشع أنواع التعذيب وأبشع موتة حفظت كتب التاريخ تفاصيلها الدقيقة. لقد أجبر تحت السّوط على حمل صليبه على طول طريق الآلام ثمّ علّق على الخشبة ورشقت المسامير في راحتيه ورجليه وترك شبه عار ليموت ببطء شديد  معانيا آلاما لا قبل لنا بتصوّرها، وذلك أمام عيني أمّه وأهله وأتباعه لمزيد التنكيل المعنوي به وبهم .

إنّ هذه اللّوحة التي عبرت التاريخ وأصبحت رمزا لدين من أهمّ أديان البشرية لأصدق تعبير عن خطورة  التعذيب ودوره المتواصل تاريخ الإنسانية أكان ذلك على الصعيد الرمزي المعنوي أو على صعيد الفعل المباشر .

 الملفت للنظر أنّه حتّى هذا الدين الذي عذّب مؤسّسه وعذّب حواريه وأولى أتباعه لم يأخذ الموقف الذي تطالبه به بصفة رجعية حساسية جديدة لا تفهم أنّها نتاج ظروف فكرية سياسية تاريخية خاصّة بحاضرنا.

لا غرابة أن لا تأخذ الكنيسة الكاثوليكية موقفا واضحا ضدّ التعذيب إلاّ في السبعينيات، أي بعد ألفي سنة من تعذيب المسيح وبفعل تأثير خارجي لا انطلاقا من مبادئها وتطويرا لها.

 لقد انتصبت محاكم التفتيش في فرنسا لأول مرّة سنة 1231 لمحاربة الهرقطة قبل أن تمتدّ آثامها إلى إيطاليا وخاصّة إلى أسبانيا في القرن الخامس عشر والسادس عشر. كما يمكن القول أن البابا Innocent  الرابع شرّع سنة 1252 التعذيب بكلّ براءة وراحة ضمير. ألم يكن بصدد الدفاع عن الكنيسة بأكملها والدين الحقّ ؟.

يذكر التاريخ كذلك ضلوع الكنيسة الكاثوليكية في تعذيب وحرق عالم وأديب ومفكّر من الطراز الأوّل تبهرنا حداثته إلى اليوم وهو الرّاهب الإيطالي Giordano Bruno في بداية القرن السادس عشر ناهيك عن ضلوعها في قضيّة  Gallilée الشهيرة .

في نفس السياق نحن لا نجد في حضارتنا العربية الإسلامية حركة فكرية أو سياسية حاربت التعذيب كظاهرة  وإشكالية في حد ذاتها، وذلك حتى بداية هذا القرن. في الوقت الذي نستطيع فيه تصفيف مئات الأسماء لمن ناضلوا منذ بداية التاريخ المكتوب ضدّ وأد البنات مثل : صعصعة بن ناجي بن عقل في الجاهلية، وضدّ الظلم والاستبداد السياسي مثل أبو ذرّ الغفاري، والاضطهاد الديني مثل ابن المقفّع، والتعصّب مثل ابن عربي،  وإزهاق الروح مثل الرازي وابن ماسوية وابن اسحاق، ودونيّة المرأة مثل قاسم أمين والطاهر الحدّاد.

فالثابت إذا أنّ التعذيب لم يرمى في كواليس السلطة أو الدين إلاّ في فترة قريبة جدّا منّا وأنّ حساسيتنا تجاهه ظاهرة حديثة.

أي أنّه كان موجودا طوال التاريخ كظاهرة وغير موجود كإشكالية .لقد كانت المسائلة والاعدامات وحرق الأحياء  وقطع الرقاب تقع على قارعة الطريق  وفي الساحات العمومية في أوروبا إلى قرنين أو ثلاث خلت ولم يصبح التكتّم قاعدة  إلاّ في هذا القرن.

إنّ الكتابات والدراسات والقوانين أو الجمعيات المناهضة للتعذيب دوليّا وعربيّا ظاهرة وليدة اللّحظة الفارطة بمقياس التاريخ وكذلك إنكار  بعض الدول للممارسة. مع العلم أنّ هذا الإنكار ليس بالوضوح والعمق الذي نتصوّر ولا أعتقد أنّه أمر نهائي. إضافة إلى تواصل الجلد وقطع الرؤوس بالسيف أو تفجيرها بالرصاص على قارعة الطريق في دول ممثّلة في الأمم المتّحدة وداخل مجلس الأمن .

نعرف كذلك حداثة المؤشّرات الإيجابية كظهور الرفض الاجتماعي الذي تتّسع رقعته يوما بعد يوم،  والانتباه المتزايد لموضوع كان موجودا في منطقة عمياء من مناطق الوعي الجماعي.

إنّ التعذيب بتعريف  معاهدة 1984  "أيّ عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسديّا كان أم نفسيّا يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول على اعتراف أو تخويفه أو إرغامه " هو أمر مرافق لتاريخ الحضارات والمعاهدة كأوّل إدانة رسميّة جاءت متأخّرة بعشرات القرون.

ما الذي حصل حتّى أصبحنا  اليوم "نرى" ما كنّا "لا نراه" ?. كيف ولماذا خرج  التعذيب من المنطقة العمياء التي عاش داخلها عشرات القرون ليصبح إشكالية محورية في الصراع الفكري والقيمي والسياسي الدائر رحاه اليوم في العالم ?.

 كيف انتقلنا من حالة  اعتبر فيها أمرا عاديا إلى حالة  اعتبر فيها منكر المنكرات ؟

إنّ  أوّل خطر منهجي يتهدّدنا ونحن نبحث عن الردّ هو الركون إلى البحث عن سبب واحد واضح جليّ نبسّط به ما هو معقّد بطبيعته. وهو منحى طبيعي وبالغ الخطورة على أيّ مشروع جدّي لفهم الظواهر والتعامل معها على قاعدة أقصى الفعالية .  وعلى سبيل المثال لا شئ أصعب قبولا للطالب المبتدئ في الطبّ من التخلّى عن بداهة فكرة أنّ سبب السلّ هو عصية كوخ وأن تراجع المرض هو نتيجة اكتشاف الطب  للدّواء واللّقاح المضادّ للعصيات .

لإعادة صياغة الفكر الناشئ لا بدّ من مواجهته بالدراسات التي تثبت انهيار السلّ قبل اكتشاف الجرثومة والدواء والتلقيح ضدّها وإفهامه أنّ الجرثومة جزء من شبكة سببيّة بالغة التعقيد فيها الظروف الاجتماعية والاقتصادية والمناعة الذاتية الخ، وأنّ الجرثومة شرط ضروري لوجود المرض، لكنّه غيركاف إذا لم تتوفّر العوامل المسبّبة الأخرى كالفقر والجهل والكرب .

في نفس السياق يجب أن نحذر السبب الواحد في تفسير ظاهرة هامّة كحداثة الحساسيّة ضد التعذيب. بل يجب أن نبحث عن أكبر قدر ممكن من العوامل التي تداخلت بصفة بالغة التعقيد لكي تبرز الظاهرة الجديدة  متذكّرين دوما أنّنا لا نتحدّث في المطلق وإنما عن تطوّر الظّاهرة داخل الحضارة الغربية .

لنحاول استحضار بعضا من هذه العوامل الكبيرة الاحتمال :

-ارتفاع المستوى  المادّي والتعليمي والصحّي بفضل الثورة الصناعية، وبالتالي ارتفاع القيمة البشرية لعدد متزايد من النّاس.

-انتقال الرعاع - الرعايا  بفضل الثورات المتتابعة إلى وضعية شعب من المواطنين .

-نجاح المدن في أوروبا في استيعاب جحافل المهاجرين من الريف وتمدينهم وإدماجهم في قيمها وممارساتها.

-تراجع الحروب الأهلية وانتقال الصراعات السياسية  من الحرب الدموية  إلى الحرب الرمزية بفضل الديمقراطية.

-تحجيم السلطة المطلقة وتغلغل مفهوم دولة القانون بما هي تقنين الواجبات والحقوق من منطلق المساواة  أمام سلطة ليست مشخّصة  .

- ردّة الفعل ضد  الفظاعات التي  مورست ضدّ قطاعات واسعة من النّاس وبلغت ذروتها إبّان الدكتاتوريات الستالينية والفاشية والنازية .

-اتّضاح خواء الايديولوجيا وعمق الآلام التي تحدثها نظريّات مجنونة تدّعي تحرير من توثق بأمتن سلاسل الاستبداد.

- وأخيرا وليس آخرا العامل الثقافي أي  تغيّر  عميق في مستوى الصورة التي يحملها المجتمع عن عناصره المكو نة بحصول تطوّر ذهني (واكب ومهّد وتبع التطوّر السياسي الاقتصادي والاجتماعي ) بلور من  "البروليتاريا " مواطنين، ومن المواطن انسانا ومن الإنسان "إ نسانا حراما ".

إنّ  قائمة العوامل الممكنة قد تكون أطول من هذا بكثير، إلا أنّني أودّ  أن  أتوقّف عند العامل الثقافي بصفته العامل  المركزي الذي لا بدّ منه لوجود الحساسية الجديدة، مثلما لا بدّ من وجود جرثومة كوخ حتّى يوجد السلّ دون أن يعني هذا أنّها سببه  .

إنّ  الفرضية التي أقدّمها لمزيد النقاش هي أنّ العوامل المذكورة الأخرى قد تكون من ترتّبات أو من أسباب العامل المحوري، إلاّ أنّها ما كانت تفعل فعلها لو غاب هذا العامل : أيّ حصول تغيّر عميق وجذري داخل الثقافة الغربية في تصوّرها ( ثمّ في بلورتها لهذا التصوّر تشريعا وسياسة )  للعلاقة بين الفرد والمجموعة، أي في رؤيتها الجديدة للإنسان نفسه.

 نأتي هنا إلى أهميّة مفهوم  الرؤيا Paradigme وأهم  من استعمله في  الفكر الغربي هو فيلسوف العلوم الأمريكي) Thomas kuhn 1) إذ جعله محورا نظريّا هامّا في تفسير تطوّر الفكر العلمي وأشاعته في شتّى الميادين  الفكرية الأخرى .

أنّ الفكر الانساني ليس آلة تسجيل يقع داخلها تحميض صور عالم موضوعي مستقلّ بشأنه عن المشاهد وهو ليس فكرا مستقلاّ عن هذا الواقع يستطيع أن يشكّله حسب أهوائه كما يفعل ذلك في أحلام المنام أو اليقظة.

إنّه يتعامل دوما  مع العالم الخارجي بتسجيل المعلومات التي تحملها  إليه الحواسّ وبتنظيمها باللّغة بما هي صيرورة تاريخية وفق تشكيلة متناسقة تعطي للمعلومات معناها ووظائفها. هكذا ترانا نتفاعل دوما مع العالم بما هو صانع ومصنوع من خلال هذه النظّارات الإجبارية  .لأسباب مختلفة يكفّ الفكر عن اعتبار العالم مثلا  مسرحا لقوى غيبية  "ليراه " في شكل آخر محكوما بقوى موضوعية خالية من كلّ  إرادة غيبية . تنطلق بعد هذه الرّويا الفرضيات التي ستولّد الفيزياء أو الكيمياء تدعمها وتبلورها إلى أن تتغيّر هي الأخرى بفعل تغيّر الاستعدادات الذهنيّة والعاطفية، تنجم بدورها عن تبلور معلومات جديدة لا تتماشى مع الرّؤيا القديمة.

فالرّؤيا إذن  تغيّر شامل في التعامل مع ظواهر قارّة أو هي إعادة قراءة لها وصياغة جديدة تقطع مع رؤيا قديمة. وترتكز نظرية  kuhn في تطوّر العلوم والفكر بصفة عامّة على فكرة حدوث تغيير في الرّؤيا وليس في تكديس المعلومات "الصحيحة"  كما يتصوّر البعض .

هكذا، ولتظافر جملة من الاسباب المعقّدة  أصبحت الحضارة الغربية تنظر للإنسان بغير العين التي كانت تنظر  له بها قبل منعطف ما من تطوّرها. حيث أنّها بلوّرت من مادّة خام إسمها الفرد مولودا جديدا هو الشخص .                                              

 نحو القطيعة الابستمولوجية يقول Althusser  أنّ الصراعات الفكرية هي صراعات سياسية داخل الفكر.لا ينطبق هذا الرأي على إشكالية قدر انطباقه على الشدّ والجذب القائمين منذ القدم داخل الفكر والسياسة حول العلاقة بين الفرد والمجموعة وقيمة هذا بالنسبة لذاك.لقد طرحت دوما هذه العلاقة من منظور علوية القيمة والمصالح  وكانت الغلبة دوما فيها للمجموعة على الفرد  .

إنّ دور هذا الموقف في تجاهل التعذيب أو التنقيص من خطورته وحتّى تبريره أمر بديهي في سياسة الدولة خاصّة الاستبدادية منها. لكنّه تواجد حتّى في الطب ومن ثمّة ضرورة تتبّع تطوّر الإشكالية داخل الفكر والسياسة لفهم خلفيات بروز الحساسية الجديدة . لم يكن تطوّر الشخص من الفرد تطوّرا طبيعيا كتطوّر الكهل من الطفل وإنّما كان نتيجة صراعات فكريّة سياسية مريرة استغرقت الثلاث قرون الأخيرة.

إن اعتبار الإنسان مجرّد فرد ليس فقط من ركائز  الفكر السياسي الاستبدادي في كل زمان ومكان وإنّما هو موقف موجود داخل مدارس فكريّة محترمة كالماركسيّة والبنيوية structuralisme  . فقد اعتبرت هذه المدارس الفرد مجرّد وحدة عدديّة تبنيها العلاقات الجماعية وتعكس صراعاتها، ولا وجود لها ولا قيمة  لها بذاتها. ورأت فيه خليّة تابعة لنسيج يسهل الاستغناء عنه ويمكن التضحية به ولا يستمد  قيمته إلا مما يقدّمه من طاعة ومن خدمات لأيدلوجيا المجموعة ومصالح المجموعة ومشاريع المجموعة .

بالمقابل نكتشف أن مدارسا فلسفية أخرى بالأساس المدرسة المثالية لـ BerkleyوLeibnitz  ركّزت على أن الفرد ( بما هو جملة من الحقوق الغير معترف بها لذات غير معترف بقيمتها ) موجود كذات هي مركز عالمها وتجربة يتيمة  لا تعوّض. وهو ما يترتب عنه ويمهّد لفكرة الحقوق الغير قابلة للتصرّف التي فرضت وجودها في هذا القرن.

كما نجد " متشدّدين" عند عبدة  المجتمع والأمّة والقوانين الموضوعية  للتاريخ والمستعدّين دوما للتضحية بالثلثين الفاسدين من أجل إنقاذ الثلث الصالح،  نجد " متشدّدين" في الاتّجاه المعاكس. فقد تصاعدت عبادة الذّات إلى درجات منقطعة النظير عند أحد منظّري الفوضوية في القرن التاسع عشر، هو Stirner  وكان ذلك ردّة فعل أكثر منه موقفا فكريّا.

تندرج محاولة Emmanuel Mounier  في بداية هذا القرن لوضع أسس المدرسة الشخصاوية Personnalisme  في إطار محاولة إيجاد مخرج من مأزق المواجهة بين المدرستين المتناحرتين وذلك بمحاولة التوفيق بين قيمة الفرد وضرورة تفتّحه على المجموعة.

يتبيّن نجاح تبلور الشخص من الفرد في غرب القرنين الأخيرين ليس فقط في الفعل السياسي وإنّما في المكانة المركزية التي أصبح يحتلّها داخل العلوم. فهو في" الفلسفة الكوجيتو الديكارتي" والذات المكو نة للعالم في المدرسة المثالية وهو في علم النفس الموضوع الأوحد بما هو مواقف وتصرّفات وهو في علم الاجتماع جملة الوضعيات والأدوار ومنطلق ومركز العلاقات التي تشكّل المجتمع وهو في القانون موضوع الحقوق والواجبات وهو في السياسة المواطن والناخب وهو في الاقتصاد المنتج والمستهلك .

نرى عبر كل  هذه الأمثلة أن  الشخص أصبح مركزيّا وفاعلا ولم يعد مجرّد خليّة طيّعة في نسيج أو رقم في مجموعة حسابية.

 لا نستغرب أن يواكب هذا الصراع النظري السياسي انطلاق نضال متفرع عنه من أجل حرمة جسدية  لهذا الشخص الجديد لا زالت تنتظر الاعتراف بها بعيدا في إحدى منعرجات المستقبل. كما لا نستغرب أن لا  ترجع أهمّ الكتابات المعروفة ضدّ التعذيب إلاّ لعصر التنوير أيّ لبداية القرن الثامن عشر.

يعود الفضل الكبير في تهيئة الفكر الغربي لهذه القطيعة الإيستمولوجية حسب تعبير Foucault لرجل القانون الايطالي  Beccaria (1794 -1738)  الذي ألّف كتابا " عن الجرائم والعقوبات " سنة 1764 أدان  فيها المظالم باسم القانون وشجب فيه  التعذيب وعقوبة الإعدام. وكان  أوّل من أشاع فكرة التربية كوسيلة لمحاربة الجريمة، وقد كان لآرائه دورا هامّا في إصلاح القانون الجنائي في العديد من البلدان الغربية منها الولايات المتحدة. في نفس السياق لعب رجل القانون الألماني  Paul Feurbach (1833-1775)(وهو أب الفيلسوف المعروف) دورا هامّا في  مملكة بافاريا حيث ساهم نضاله في سنّ  أوّل قانون معروف ألغى  التعذيب وصدر سنة 1813.

من المعروف أن  Voltaire أبدع في إدانة الظاّهرة والتهكّم عليها في دفاعه الشهير عن رجل اسمه Callas  عّرض للتعذيب وأعدم  سنة  1762 بعد أن أتهم ظلما بقتل ابنه البروتستانتي لنيّته اعتناق الكاثوليكية. لقد طرح جد المثقّفين(1) في نضاله الناجح من أجل ردّ الاعتبار للضحيّة البريئة كلّ المواضيع الحديثة  المتعلّقة بالتعذيب أي ضلوع المؤسّسة الرسميّة ومنها العدالة في ذلك وغرابة طبيب  يراقب الضحيّة حتى يتواصل التعذيب  أطول وقت ممكن ساخرا من القاضي ومن زوجته التي تسأله  بعد رجوعه من يوم عمل شاق :

-وهل أمرت اليوم بالتعذيب ياحبيبي ؟

لقد كان الفيلسوف الساخر بحق  أوّل مثقّف بمفهوم العصر حيث سخّر قلمه لا لخدمة مصلحته الشخصيّة أو مصلحة السلطان وإنّما لخدمة قضيّة عادلة تتجاوزه وقبل بتحمّل مسئوليتها .

 الثابت  أن  إدانة Voltaireجاءت متقدّمة على عصرها ورغم أنّها لم تكن  صرخة في واد فإن التعذيب تواصل بل وتكثّف بعد انطلاق الثورة الفرنسي،  رغم أنّ هذه الأخيرة كانت تقدّما ملحوظا في عملية إنضاج الشخص من رحم الفرد. هذه العمليّة القيصريّة البالغة الطول والصعوبة والهشاشة.

إنّ  المهمّ في هذه المعارك الفكريّة هو وجودها نفسه. ذلك أنّها تفضح تمرّدا متصاعدا ضدّ ما بدى طوال التاريخ أمرا بديهيا، أيّ دونية الفرد.كما تبرز تواصل التحرّر السياسي المتواصل للإنسان الغربي ونضاله من أجل حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية. معنى هذا أنّ الحركة الاجتماعية في الغرب تطوّرت في نسق تزامن فيه التحرّر الديمقراطي مع بلورة الشخص كقيمة لا تقلّ عن قيمة المجموعة وتزامن فيه تبلور الشخص كقيمة لا تقل عن قيمة المجموعة مع التحرّر الديمقراطي .

 من بين الفرضيات التي أريد أن أتقدّم بها للنقاش أنّ الحساسية الجديدة  لا تبرز إلاّ في مجتمعات أعطت للأدب وخاصّة  للرواية مكانا متميزا. ذلك أن بطل الأدب في شكله المسرحي أو الروائي هو الشخص في حين أن بطل الدين هو اللّه وبطل التاريخ هو الشعب أو الأيدلوجيا. لا شكّ  أنّ الأدب الرّوائي لعب دورا هامّا في بلورة  الشخص والتعريف به بما هو جملة من الآلام والأوجاع والرغبات معطيا الكلمة مباشرة  للذات التي تبقى في العلوم الإنسانية الأخرس المتحدّث عنه. لا غرابة أن نجد الأدب الرّوائي الغربي مثقلا  محمّلا بهموم الشخص وبما يتعرض إليه من عذاب وتعذيب، ونجد هذه الصور في كتابات   Dostoievsky وZola   إضافة إلى (2) Arthur Koestler و Michel Foucault (3) و  . Henri Alleg (4)

إنّ  الاعتراف بأنّ الفرد أكثر من مجرّد رقم في معادلة وأنّ  له  ذات وكرامة أصيلة فيه وحقوق تفرضها هذه الكرامة وتتبلور عبرها أمر عظيم. لكن الإشكالية الآن هي بمن يشمل هذا التعريف الجديد للوحدة الاجتماعية الجديدة? 

لا شكّ  أنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (5) هو الذي لعب الدّور الأكبر في وضع النقط على الأحرف ولو بصفة طوباوية. إنّ أهمّ كلمة فيه ليست الحقوق ولا حتّى الإنسان، وإنّما هي التركيز المتواصل الذي يفتتح كلّ فقرة أي : " لكلّ  شخص".

لقد حدّد الإعلان الإنسان خلافا للثورة الفرنسية، بأنّه ليس الكهل الذكر الأبيض المتعلّم دافع الضرائب وإنّما كلّ شخص أيّ كلّ  آدمي أكان ذكرا أم  أنثى طفلا أم كهلا  أبيضا أم أسودا  غنيّا أم فقيرا ...الخ . لا يعني تتبّع بلورة الرّويا الجديد أكثر من تتبّع توسيع مجال الحقوق الفردية والجماعية  داخل المجتمع وسنكتشف آنذاك هشاشة  المكتسبات في عالمنا العربي وحداثتها حتّى داخل أرقى البلدان. فالمرأة الفرنسية لم تحصل على حقّ الانتخاب إلاّ سنة 1945 والمرأة السويسرية لم تحصل على هذا الحقّ إلا بنسبة ضعيفة للغاية بعد استفتاء شعبي رجالي سنة....1972.

 لقد جاء الإعلان  كأوّل  وفاق عالمي بين الحضارات البشرية ليؤسس في الميدان النظري والقيمي لما أسميته "الإنسان الحرام"(12)، جاعلا من بلورته على أرض الواقع الهدف الأسمى لمستقبل الإنسانية . هذا الإنسان  هو الذي تضمن له المجموعة حرمة الروح وحرمة الجسد أيّا كان الجنس والعرق والوضع الطبقي والسياسي  أو الثقافة التي يتجسد فيها. ذلك عبر تمكينه من جملة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية غير القابلة للتصرّف التي تتولّد عن هذه الحرمة المتقدمة على كل أسبابها بحكم ما له من كرامة ثابتة أصيلة فطرية.

 مفهوم "المصلحة العليا " : الواقع والتوظيف

إن هذه  الصراعات الفكرية-السياسية  لا تطرح قيمة  الإنسان داخل المجتمع  في المطلق والهلامي والنظري وإنّما بالنسبة  للدولة والدين والقانون. ممّا ينجرّ عنه آليا من مراجعة إشكالية المصلحة العليا وترتيبها وفق سلم قيمي جديد .

لنتتبّع بشيء من الدقّة علاقة الطبّ بالتعذيب حيث نرى كيف تعامل مع هذه النقطة الحاسمة وكيف يمكن اعتبار موقفه نموذجا يجب أن يمتدّ إلى بقيّة الميادين الفكرية-السياسية.

لا نستغرب في البداية أن لا يوجد، وذلك على امتداد أكثر من ألفي سنة، أيّ أثر للتعذيب في الطبّ. بما أن الإنسان لا زال في طور التبلور فنحن لا نكتشف للتعذيب أو لمضاعفاته اسما محدّدا ووصفا دقيقا، كما لا نعثر لأيّ أثر له كمشكل أخلاقي. فقسم أبو قراط أو ابن ميمون خاليان منه كذلك الأمر في وصيّة الزهراوي لأبنائه.

هكذا بقي هو الآخركجزء من الثقافة السّائدة لا "يرى"  الإشكالية طوال ألفي سنة. فجأة ها هو ابتداء من منتصف هذا القرن يجعل منه جزءا من مشاغله على مستوى سنّ المبادئ الأخلاقية والبحوث والدراسات والتدريس وبناء الهياكل المختصّة بمعالجة مضاعفاته.

من أوّل مظاهر انتهاء العمى أنّه أعترف لأوّل مرّة في تاريخه الطويل بالمخلّفات التي ينتجها التعذيب وذلك في آخر مراجعة لقائمة الأمراض المعروفة المنشورة في سجل  DSM .III ومطلقا عليها اسم Post traumatic stress disorder  أو- .  -PTSDإن الترجمة العلمية الحرفية لهذه المتلازمة (تناذر) syndrom   هي  اضطرابات ما بعد الرضح الكربي وبالعربي البسيط المخلّفات النفسية الجسدية للتعذيب (أ).

لقد أدّى هذا الاعتراف الهام إلى تعدّد الدراسات العلميّة حول الظاهرة "الجديدة . وأغلبها تتعلّق بالمضاعفات المختلفة المدى لعمليّة التعذيب على الصعيد النفسي كالقلق والانهيار العصبي واضطرابات المزاج والنوم  والتركيز والصعوبات المهنيّة والعائلية، وعلى الصعيد الجسدي كارتفاع الضغط والرضوض أو تأثير عمليّة التعليق على أعصاب الأطراف (6).

كما تركّز دراسات أخرى على دور الطبيب في التصدّي للظاهرة اعتبارا للمهام  التي يختص بها الطبّ (7). إلا أنّ الباحث في هذه الدراسات يكتشف توجّها آخر عند المؤلّفين الأمريكيين بالخصوص كدراسة مخلّفات التعذيب عند سجناء الحرب بنيّة إحكام تدريب المتعرّضين للأسر (8) أو دراسة عتاة المجرمين الذين مارسوا التعذيب والقتل المتتابع لمعرفة دقيقة بشخصيّتهم (9).

ومن علامات الوعي الجديد أنّ الطبّ لم يتعامى حتى عن التعذيب الذي مورس باسمه .

لقد جمع  الطبيب الفرنسي  Francois Bayle (11) في كتاب ضخم  صدر في بداية الخمسينيات بروتوكولات التجارب على الإنسان في المحتشدات النازية لتنهار معها إلى الأبد الصورة الملائكية للطب والأطبّاء خاصّة بعد أن أثبت الدفاع إبّان محاكمة نورمبرج للأطبّاء المجرمين أنّ التجارب الوحشيّة على الإنسان كانت موجودة في كلّ أصقاع العالم منذ بداية القرن وحتّى في أمريكا نفسها.

إنّ  المرء لا يكاد يصدّق ما وصل إليه الأطباء النازيون من مطلق الفضاعة وهو يقرأ بروتوكولات تجارب استئصال البعض لذراع كاملة على سجين حي ومحاولة زرعها على جندي جريح أو وضع فئران المختبرات الآدمية في ظروف قصوى كالبقاء ساعات طويلة في الماء المثلّج أو بأقلّ قدر ممكن من الأكسيجين لدراسة فيزيلوجيا البحّارة أو الطيّارين .

 لقد كان اكتشاف هذه الممارسات منعطفا في تاريخ  التعذيب وفي تاريخ الطبّ على حدّ السواء، لأنّها بينت أنّ  الطبّ  يستطيع ممارسة  أقصى أنواع التعذيب لحسابه الخاص وليس لحساب السياسة. وكان لهذا الاكتشاف وقع ضخم في الضمير الجماعي للأطبّاء (12).

لا غرابة أن يتزامن هذا الاهتمام بالظاهرة في العشرينتين الأخيرتين مع ظهور مراكز لتأهيل ضحايا التعذيب ساهم في بعثها الأطبّاء غالبا في إطار عمل المنظمات غير الحكومية وكان لها دور هامّ  في معرفتنا بالظاهرة  وفي تقديم بعض العون إلى الضحايا وذلك في بلدان مثل  الدانمرك وسويسرا وفرنسا والباكستان  .

لا بدّ من الإشارة هنا إلى ظاهرة بالغة الأهمية تتمثّل في  تجاوز الطبّ  كواليسه وكواليس الدولة  لينفذ ببصره إلى كواليس المجتمع نفسه وأين توجد أنواع متعدّدة وخطيرة من المعاملات القاسية والمخلّة بالكرامة.وحتّى التعذيب والذي تشكّل المرأة والطفل أهمّ ضحاياها، وتدلّ على أن إنكار إنسانية الإنسان ليس من اختصاص الدّولة وحدها.

 يرجع الفضل الكبير في انطلاق دراسات علمية تظهر مدى ما يتعرّض له الأطفال من سوء معاملة وقسوة  ومعاملات مشينة ومخلّة بالكرامة وإرغام على الجنس إلى طبيب الأطفال الأمريكي.Henry  Kempe والذي كان أوّل من حطّم أسطورة  اجتماعية حول حرمة الطفل وتمتّعه الآلي بالحبّ والحماية (ب) داخل عائلته (ج).

 كان فضل الرجل  في الاعتراف بفظاعات يعرفها  أغلب أطبّاء الأطفال  ويسكتون عنها تارة باسم سرّ المهنة وتارة أخرى باسم مصلحة الطفل والعائلة.

لقد انطلقت ابتداء من الثمانينات العديد من الدراسات التي أظهرت عالمية الظاهرة وخطورتها وقد نشرت أغلبها في مجلة الجمعية  Kempe التي منها أبحاث   Finkelhor التي درست انتشار سوء المعاملة والاعتداءات الجنسية(10). وقد أثبت هذا المؤلف، وذلك في المجتمعات التي لها الشجاعة الكافية لفتح  أصعب وأمر الملفّات الاجتماعية وأكثرها غموضا وسرّية، أنّ  معدّل انتشار  المعاملات القاسية والمهينة يصل إلى 7% وأن  نسبة الاعتداءات الجنسية  في اليونان 3% بالنسبة للذكور 10% بالنسبة للإناث وفي كوستاريكا   13% و33%  وفي بريطانيا  8% و12%   وفي كندا   7% و17 % وفي هولندا   33% بالنسبة للإناث  وفي الولايات المتحدة 16% بالنسبة للذكور و 27% بالنسبة للإناث (13).

إنّ من أهمّ دلالات هذه الدراسات الجديدة من جهة توسّع مفهوم المعاملات المهينة ومن جهة أخرى رؤية الطفل بمنظر جديد أي بصفته  إنسانا-طفلا  له حرمته مثلما للإنسان -المرأة حرمتها.

الأهمّ من هذا كلّه الموقف الأخلاقي الحاسم  الذي اتّخذه الطبّ.

حقّا لا يوجد ناطق رسمي باسمه  مثلما لا يوجد ناطق رسمي باسم الفلسفة أو الأدب لكن الجمعيّات الطبّية العالمية أخذت على عاتقها مهمّة بلورة مواقف تشكّل تحديث وتواصل القيم الأبوقراطية وأصبحت المواقف الملزمة أخلاقيا لكلّ الأطبّاء ويوجد حولها حاليّا إجماع واسع.

يكتشف الباحث في هذه القوانين الأخلاقيةّ الداخلية للمهنة (والتي سنّت  قبل إعلان الأمم المتحّدة للأخلاقيات الطبية الذي لن يصدر إلا في سنة 1982(  عمق "تحيّزها " لمصلحة الشّخص. ففي إعلان نورنبرج سنة  1948 يحرّم مطلقا ممارسة أيّ شكل من أشكال التجريب على الإنسان دون الموافقة الحرّة والواعية  للمعني بالأمر أيّا كان التبرير ( وقد تمّ  إثراءه في نفس الاتّجاه ببيان هلسنكي سنة 1956).

وفي إعلان  طوكيو سنة  1975 للجمعيّة الطبّية العالمية  يحرّم على الأطبّاء المشاركة  في التعذيب بأيّ صفة كانت وأيّا كان  التبرير. وقد ألحقت به  سنة 1981 لائحة تحرّم على الأطبّاء المشاركة في تنفيذ إحكام الإعدام (15). وفي إعلان هاواي سنة 1977 و1983 أصدرته الجمعيّة العالميّة للطبّ النفساني يمنع استعمال  هذا الاختصاص في أغراض سياسية كعقاب المعارضين أو معاملتهم كمرضى. وهو الأمر الذي كان شائعا خاصّة في بلدان الكتلة الشرقية السّابقة أيّا كان التبرير.

 كما ينصّ إعلان أثينا سنة 1979 على ضرورة معاملة المسجونين بنفس الكيفيّة التي يعامل فيها بقيّة المحتاجين إلى الخدمات الطبيّة أيّا كانت جريمتهم .

بهدف تفادي كلّ التجاوزات سواء جاءت من داخل الطب أو من خارجه، أصبحنا نرى تدريس الأخلاقيات الطبيّة أمرا متزايد الانتشار عبر العالم في جلّ الكليات الطبّية. إلاّ أن جامعة Tromsoبالنرويج هي أوّل جامعة ذهبت إلى أبعد من هذا حيث خصّت التعذيب جزء من برنامجها في تعليم السنة الرابعة (14).  ومن نافلة القول أنّ الأطبّاء هم الذين كانوا وراء هذا التغيير وأنّ  أحدا لم يفرضه عليهم.

 إنّ الهدف من هذا الاستعراض المطوّل لموقف الطبّ هو إثبات حداثة التوجّه الجديد وعمقه، لكن المرمى الحقيقي هو التمهيد للتساؤل عن سبب التغيير الجذري في موقف التجاهل واللاّمبالاة القديمين.

لقد أقحمت الصراعات السياسية الاجتماعية العقائدية طوال هذا القرن بين الدول وبين الدولة الاستبدادية والمجتمع  بعض الأطباء في التعذيب بالتغطية ( تزييف شهادات الوفاة مثلا) أو بالمشاركة الفعلية عبر مساعدة الجلاّدين في تفادي المناطق الخطرة و"إعانة "الضحيّة على تحمّل تواصل التعذيب. وكان التبرير الغالب ( ولا يزال) إطاعة الدّولة وأحيانا التخفيف من آلام الضحايا. لقد دافع الأطبّاء النازيون أمام محكمة نورممبرغ عن أبشع أنواع التجارب الطبّية على المساجين بالتركيز على أهميّة هذه التجارب بالنسبة  للعلم والدّولة والإنسانية. فأيّ  قيمة لبعض الآلاف من الغجر أو اليهود أو مجرمي الحقّ العام أمام رهان اكتشاف مصلّ واق من الملاريا والعديد من الأدوية الكفيلة بإنقاذ بشريّة هلامية نظرية ؟

 معنى هذا أن الظروف السياسية والاجتماعية والتطوّر المتسارع للعلم  وحاجته هو نفسه للبحث فرضت على الطبّ خيارات جديدة صعبة تتعلّق أساسا بالمفاضلة بين مصلحة الشخص وما يسمّى المصلحة العليا للدّولة أو العلم، وأنه وضع مصلحة شخص لا حول له ولا قوّة فوق مصالح بعابع بقوّة الدين والإنسانية والعلم والوطن الخ ؟

السؤال الآن لماذا وصل إلى قرار بمثل هذا التجذّر والوضوح ؟

نحن لا نستطيع أن نفهم الدوافع الحقيقية للموقف إن لم نعرف أنّ التقييم العلمي للتجارب الوحشيّة و /أو اللأخلاقيّة أثبتت خواء مفهوم "المصلحة العليا "من كل  مصلحة عليا.

إن  مفهوم المصلحة العليا  هو مجرّد غطاء إيدولوجي، لكن ماذا يوجد تحته ؟

إن تقييم  التجارب النازية أظهر بوضوح دور جشع الأطبّاء وبحثهم عن الشهرة والمال والتقرّب للسلطة وعنصريتهم ولا إنسانيتهم، وأن مصلحة العلم والإنسانية كانت مجرّد غطاء يخادعون به أنفسهم .

في نفس السياق يظهر  تحليل التجارب التي لا زالت واقعا في السجون الأمريكية نفس الغطاءْ وهشاشته إذ نكتشف وراء الستار البرّاق جملة من المصالح الحقيرة كمصلحة الباحثين المادّية ومصلحة شركات الأدوية التي ذهبت إلىحدّ تأميم سجون بأكملها لتجاربها على المساجين ومصلحة مديري هذه السجون ومصلحة آنية للمساجين يقايضون بها مصلحتهم الفعليه لأنّه لا خيار لهم (12).

تخدم إذا التضحية بالأشخاص واعتبارهم وقود في محرقة التقدم نظريا مصالح هلامية لكائن هلامي هو العلم أو الإنسانية. ولكنها ليست إلا التغطية والتبرير على واقع المصالح المادية لأفراد وجماعات محددة تستغل وتستخدم وتوظف أجساد البشر لمواصلة تحقيق غايات سلطوية في إطار علاقة القوة البدائية لاستغلال الإنسان للإنسان.

 هكذا يتضح أن التعذيب أيّا كان الشكل الذي يتّخذه ليس أكثر من  جريمة تبرّرها خدعة.

 لذلك بتّ الطبّ  في الإشكالية  بوضوح رافضا رفضا باتا أن يتخلّى عن وظيفته الأزلية في رد الصحّة  الأفراد ووقايتها على صعيد المجموعات والاعتراف بأيّ  قيمة لتعلة المصلحة العليا للدّولة أو الدّين أو الإنسانية أو العلم التي يقع بها دوما تبرير انتهاك الحرمة الجسديّة والنفسيّة البشريّة.

إشكاليات بلورة" الإنسان الحرام " في ثقافتنا

تثبت هذه الدراسة السريعة للأسباب والمراحل المعقّدة التي أدّت إلى تراجع التعذيب في الغرب أنّ محاربته في بلداننا قضية بالغة التعقيد و لا تقتصر على  مجرّد النضال السياسي (رغم أهمّيته ) بإدانة التعذيب ليلا نهارا وفضحه في كلّ  مجال . فنحن لسنا مطالبون بتغيير البنية السياسية الفوقية فقط وإنّما بربح معركة فكرية قيمية في عمق الحضارة التي نحمل انتماءنا إليها إكليل شوك وإكليل غار .

يتعلّق الأمر بداهة بإعادة هيكلة العلاقة بين الفرد والمجموعة في صلب المجتمع نفسه أىّ بكل بساطة بإعادة صياغة الذهنيّة العربيّة في إحدى أهمّ "الملفّات " الاجتماعية   .

لنحدّد في البداية ما نتوفّر عليه من عوائق وأوراق ونحن نضع طموحنا في هذا المستوى.

لاجدال أنّ التيّار الغالب إلى اليوم في حضارتنا هو التيّار "المجموعاتي". فليس للفرد من كرامة وقيمة إلا  تلك التي يستعيرها من انتماءه إلى القبيلة أو الدّين أو الأمّة أو الدّولة وفي اضطلاعه ب"واجباته "تجاههم.

يبقى أن هناك قانون في الكون يسنّ على أنّه لا يوجد شيء إلاّ ووجد بالضرورة نقيضه ومن ثمّة وجب علينا أن ننقّب داخل حضارتنا عن النقيض لعلّه يكوّن قوّة دفع ننطلق منها ونطوّرها .

 نكتشف بسرعة أنّنا أمام نقيض سلبي بل وخطير وهو ما يمكن أن نسمّيه ب "الفردانية  المتشدّدة" التي رأينا عيّنة منها في الحضارة الغربيّة عند الفوضوي  . Stirner

إنّ تاريخ الشعر العربي ملآن بصرخات هذه الفردانية المتمرّدة  كصرخات الصعالكة أو المتنبّي الذي فاخر بأن قومه  هم الدين فاخروا به وليس العكس أو المعرّي  "الأخير زمانه الآت بما لم تستطعه الأوائل " أو أبو نواس المزدري لقيم وقوانين المجموعة.

لا جدال أنّ أحسن ما يعبّر عن هذه الذهنيّة المتمرّدة هي المقولة الشهيرة "واحد كألف وألف كأفّ " وهي المخرج  الوحيد طوال تاريخنا الذي اقترح على الإنسان العربي .

إنّ ما لا يزال يطبع  مخيالنا ونحن نعاني من "المجموعاتية المتشدّدة" هو دور البطل الخارق للعادة أي "السوبرمان " بمفهوم نيتشه أو بمفهوم كتب الأطفال ويشكّل منذ القدم البديل المغري.

هكذا ترانا نجاهد كلّ من جهته لننقذ ذواتنا من الاختناق والرداءة والامتثال لعقليّة القطيع التي تفرضها "المجموعاتية " بأن نصبح الواحد كألف تاركين الألف كأفّ للرعي والرّاعي للذئب. معنى هذا أنّ عمليّة إنقاذ الذات هذه وتلبية حاجتها للكرامة والاعتراف بها من قبل المجموعة هي عمليّة فردية صراعيّة، العدوّ فيها هو كلّ آخر، شعارها "إنّما العاجز من لا يستبد  ".لا غرابة أن يبقى التعذيب في المنطقة العمياء من الوعي الجماعي. فما قيمة واحد من "الألف كأفّ  "وقد انتصرت الذات وملكت نواصي المجموعة وطوّعتها بالاستبداد العائلي أو القبلي أو السياسي ؟.

وهذا بطبيعة الحال طريق مسدود بل هو الطريق الذي يقود حتما إلى بيوت الأشباح، ومن ثمّة ضرورة البحث عن طريق آخر مبني على اعتراف كلّ ذات بالذوات الأخرى واعتبار عملية الإنقاذ من الاختناق والرداءة والسلبيّة وعقليّة القطيع عملية جماعية ننتصر فيها الكل أو ننهزم فيها الكلّ.

يعني هذا أن ندخل بدورنا الرّؤيا الجديدة.

ولقد بدأنا ندخلها لا بفعل العدوى والتقليد ولكن أساسا لأنّ العوامل الموضوعية التي رأيناها تفعل فعلها في الغرب قد بدأت تأتي أكلها عندنا أيضا.

إنّ  التقدّم الاقتصادي والاجتماعي والصحّي والتعليمي عامل بأهميّة إخفاق الأنظمة الاستبدادية وأيدلوجيتها المبنيّة على مزيج غريب من الفردانية المتشدّدة والمجموعاتية المتشدّدة .

من بين المؤشرات الإيجابية العديدة على انخراطنا في الرّؤيا الجديدة أنّنا بدأنا نعرف أدب الرواية عندنا وأيضا بروز إشكالية التعذيب داخله ابتداء من السبعينيات مثلما هو الأمر في رواية عبد الرحمان منيف  " شرق المتوسّط" والتي تذكرنا برواية Koestler في الثلاثينيات. يبقى أنّنا ما زلنا في بداية طريق طويل مهدّد بكلّ  أنواع الردّة والتراجع والجمود، وأنّنا سنجد صعوبات كبرى في جعله المسار الملكي لفرط تجذّر وقدم التيّارين الآخرين .

  إن الإشكالية بالنسبة للمناضلين العرب هي كيف نعجّل بمفاعلة استقامت بعض شروطها?

إنّ دور معارك السطح  مواصلة التشهير بالتعذيب وفضحه. ولا بدّ هنا من التنويه بالعمل الجبّار الذي قامت به المنظّمات العربية لحقوق الإنسان منذ نشأتها في نهاية السبعينات.

لقد سلّطت النّور على الظاهرة وأخرجتها من المنطقة العمياء للوعي الجماعي وهيّأت الذهنية العربية لحتمية إلغاء هذه الآفة .كما لا ننسى أن أكثر من مائتي أستاذ قانون وقاض وضابط وصحفي ودبلوماسي من الوطن العربي اجتمعوا أربع مرّات ما بين سنة 1988 و 1989 بدعوة من المعهد الدولي للدّراسات في العلوم الجنائية بمدينة سيراكوازا في إيطاليا لوضع مشروع اتفاقية عربية لمنع التعذيب، نشرت بنودها سنة  1990،  لكنّها لا زالت تنتظر التصديق من قبل الدول والجامعة العربية (16). بداهة هناك وعي عربي جديد بالظاهرة وهو المكسب الكبير في هذه المرحلة من تطوّر الإشكالية.

لكن هناك  معارك العمق وهي الأساسية في القضاء على التعذيب ومهمّتها بلورة  " الإنسان الحرام " عبر الأدب والفلسفة والفنّ  والسياسة في إطار برنامج واعي طويل المدى يدرك أن تغيير ذهنيّة  حضارية أمر صعب معقّد مكتسباته هشّة سريعة الزوال إن لم يقع تعهّدها طول الوقت تعهّد أطرى نبتة وأسهلها عرضة للتلف .لا جدال أنّ هذا المنحى الجديد سيواجه بصفة ضارية من قبل المتشبّثين بالمجموعاتية . بداهة سنخطئ  إذا أردنا إقناع النّاس بالتصدّي للتعذيب أو عقوبة الإعدام وهم لا يزالون على الرؤيا القديمة .

إن استراتجية مبنية على الدعوى والإيمان بأفضلية أفكارنا وعلميتها وإنسانيتها وحداثتها الخ ومن ثمّة على ضرورة انتصارها عاجلا أو آجلا تنبع  من الرّؤيا لا من حقيقة مطلقة سابقة متقدّمة على المتصارعين. ترتطم أفكارنا بالرؤيا الأخرى التي يمكنها على غرار الجسد المهدّد بالجراثيم إفراز أجسام فكرية مضادّة تبطل مفعول أفكارنا .

بداهة نحن لم ننتقل إلى الرّؤيا الجديدة من باب الحجج والإقناع وإنّما من باب الانقلاب النظري الشامل ثم بدأنا نبحث بعدها عن الحجج والمبرّرات. معنى هذا أنّنا سنفقد كلّ معارك الحجج العقلانية لإدانة التعذيب وعقوبة الإعدام طالما لم نغيّر الرّؤيا التي نتوّجه إليها. وأنّنا إذا نجحنا في تغييرها ولو جزئيا فإنّ أيّ موضوع محدّد سيجد طريقه إلى الفكر والقلب دون مقاومة تذكر. إنّ زعزعة الرّؤيا القديمة أمر سهل حتّى عند القوى الإسلامية التي يجب أن لا ننسى أنّها هي التي تعرّضت إلى أبشع أنواع التعذيب. ويكون ذلك بالتركيز على نقطتين أساسيتين:

-فضح ما يختفي وراء مفهوم مصطلح " المصلحة العليا " لهذا البعبع أو ذاك.

 -إثبات خطأ اعتبار الإنسان في الرّؤيا الجديدة فردا وقع تأليهه على حساب المجموعة.

 المخادعون والمخدوعون

ينتمي المؤمنون بأولويّة المجموعة وعلويّتها على الشخص إلى فريق المخادعين والحديث عنهم وليس معهم. والمخدوعون الذين يجب أن نتوجّه إليهم بالحديث هم من عرّفهم الفكر الغربي بمفهوم l'aliénation  أي التغرّب .

 يصبح  المرء ضحيّته عندما يعتنق  المبادئ التي تتنافى مع مصلحته، عندما يصبح جلاّد ذاته، عندما يتعهّد بنفسه القيود والأغلال التي يرسف فيها. إنّ العمل السياسي الفكري للتحرّر هو مواصلة كشف الخديعة التي هي حجر الزاوية في التغرّب وذلك بتفكيك مفهوم "المصلحة العليا "التي تنتهك باسمها حقوقنا وكرامتنا. إنّ نفس عمليّة التفكيك التي رأيناها في الطبّ يجب أن تتواصل في الميدان السياسي مثبّتة  أن " المصلحة العليا" للوطن التي يبرّر بها التعذيب ليست إلا غطاء مصلحة أنظمة عنيفة فاسدة معدّل حياتها عشرون سنة  وطغمة من الأفراد يمارسون الإجرام القانوني. نعرف أيضا أن تطبيق أحكام الشريعة باسم المصلحة العليا للدين لا يقع إلاّ على  الفقراء والضعفاء وأنّ كبار أسماك القرش لا تعرف الجلد وبتر الأطراف لأنّها هي التي تفرضه .

لا جدال أنّ تعريف "المصلحة العليا " في غياب الشفافية والحرّية يعني التسليم بهذه  المصلحة لتكون الغطاء النظري للمصالح الحقيرة التي تشكّل في الواقع والفعل النقيض الأقصى للمصلحة العليا الحقيقية.

إنّ من أهمّ عوامل موقف الطبّ من التجارب الوحشيّة على الإنسان اكتشافه أن نتائجها الهزيلة لا تغطّى بلغة الاقتصاديين كلفتها ممّا تحدثه من شرخ في صورة الطبّ وافسادها وتعفينها للأطبّاء أنفسهم وضرب العلاقة الطبيعية والضرورية التي يجب أن تربط بين الطبيب ومن يلتجئ  إليه. إضافة إلى هذا اكتشف الطبّ أنّه يستطيع أن يجد لتجاربه متطوّعون مستعدّون للتضحية بحياتهم من أجل مصلحة عليا حقيقية يشاركون من موقع المعرفة والمسئولية في تحديدها.

والقانون أنّه بقدر ما يكون تحديد المصلحة العليا مبنيّا على الحوار الحرّ والمسئول بين كلّ أطراف المجتمع  بقدر ما يحصل عليها الوفاق ويسهّل قبولها والدّفاع عنها.

لنذكّر المخدوعون المقتنعون بأنّ المجتمع لا يستقيم إلاّ إذا أخضع الفرد للمجموعة بهذا القانون الثاني الذي أعطانا منه التاريخ ألف عيّنة وعيّنة تاركين لحصافتهم تفسير المفارقة.

بقدر ما تكون الثقافة السّائدة والممارسة السياسية مرتكزة على تقديس المجموعة عبر أيّ شكل من أشكالها (الأمّة -الدين - السياسة-الوطن) بقدر ما يكون الحكم فردانيا سرّيا استبداديا. وبقدر ما تكون الثقافة السّائدة والممارسة السياسية مرتكزة على قيمة الإنسان بقدر ما يكون الحكم شفّافا ضعيف التشخيص وجماعيا.

إنّ ضرب التعذيب لصورة الدولة والنظام السياسي وإطلاق أحطّ الغرائز وتعفين العلاقات السياسية والاجتماعية وتغذية الحقد وما يترتب عنه من عنف وعنف مضادّ ظواهر نعايشها يوميّا ولا تحتاج لشرح مطوّل. يبقى علينا أن لا ننسى دوما أنه ليس إلاّ جزءا من كلّ حضاري ثقافي وخاصّة سياسي.

إنّ ضعف الأمّة هو ضعف الإنسان والمواطن داخلها وطول مدّة تبلورهما.

لقد كان الخطأ والخطيئة في الأيديولوجيات الوطنية أنّها اعتبرت أن الوطن شيء أخر غير جملة المواطنين الذين يكوّنونه. وأنّها اعتقدت أن حقوق الشعب لا تعني ضرورة تمكين الأشخاص الذين يكوّنونه من حقوقهم وحرّياتهم الفرديّة والجماعية. هو ما يعني أن معركة الاستقلال الثاني التي نحن بصدد خوضها ليست إلاّ معركة بلورة المواطن الحقيقي والإنسان الحرام شعارنا. أنّه لا حرمة للوطن ألاّ عبر حرمة كلّ مواطن.

إنّ الفكرة الثانية التي يجب تدميرها في ذهنية المخدوعين هي أنّ الإنسان اسم جديد نغلّف به البضاعة القديمة للفردانية التي تضع مصالحه الأنانية فوق مصالح المجموعة، وهو الأمر الذي لا يمكن لعاقل أن يقبل به لما يتضمّنه من أخطار على التماسك الاجتماعي، أيّ الدرع الواقي للفرد والمجموعة على حدّ السّواء.

فالإنسان في الرّؤيا الجديدة ليس الفرد أي هذا" السوبرمان "أو ذاك الناجي من المذبحة الجماعية للذات وكرامتها وقدراتها والذي أطلقت لنرجسيته العنان، وإنّما هو كلّ شخص تشكّل حقوقه واجبات كلّ شخص آخر وتشكّل واجباته حقوق كلّ شخص آخر. وهو الممثّل الشرعي والوحيد للإنسانية والوطن في كلّ لحظة ومكان ويشكّل التعدّي على حرمته تعدّ على حرمة الوطن والإنسانية نفسها. لأن حرمة الإنسانية وقداستها لا تتجسّم إلاّ في احترامها في كلّ ممثّل لها أي الإنسان الحرام بما هو جزء في كلّ وكلّ في جزء .

تختفي داخل الرّؤيا الجديدة الإشكالية التفاضلية المغلوطة أيّا كان الطرف الغالب فيها لندخل علاقة أخرى ليس فيها أولوية وهرميّة وإنّما ارتباط وثيق وتشابك والتحام أفقي ودائري تستمدّ المجموعة فيها قوّتها من قوّة الإنسان ويستمد فيها الإنسان قوّته من قوّة المجموعة التي يغذّيها بدوره لكي تغذّيه وهكذا دواليك .إنّ هذا الحلم مشروعنا للقرن المقبل نواصل به  من أجل أطفالنا حلم كلّ من حلموا لنا طوال أجيال الألم والنضال وطنا لا نستحي منه ولا يستحي منّا .

 * منصف المرزوقي: استاذ في كلية الطب في جامعة سوسه، رئيس اللجنة العربية لحقوق الانسان، الرئيس السابق للرابطة التونسية لحقوق الانسان، له قرابة عشرين كتابا وبحثا في الطب وحقوق الانسان والديمقراطية.

 ملاحظات

(آ) بلغ عدد المقالات المصنّفة في بنك المعلومات Medline سنة  1990  79 دراسة  و102 سنة 1990  و77 ما بين 96-97 . ولا شكّ  أن الدراسات ستتواصل وتتعمّق خاصّة إذا دخل الأطبّاء العرب هذه السّاحة التي تعنيهم حاليّا  أكثرمن بقيّة أطبّاء العالم. إنّه من الأسف الشديد أن  لا نكتشف في الأدبيات الطبية المكتوبة بالعربية أو في بنوك المعلومات أثرا  لهذه المتلازمة  تحت أقلام طبيّة عربيّة. والحال أن  هناك مؤلفون أتراك مثل Basoglu (10)  وباكستانيين مثل نقوي وايرانيين مثل اسماعيلي.

(ب)لازالت الدراسات العربيّة  في هذا الميدان البالغ الحساسية والأهمّية خاصّة في ما يتعلّق بختان البنات في طور البداية.

(ج) حصل كاتب هذه السطور سنة 1996 على جائزة  Kempeالفخرية للمدافعين عن حقوق الطفل. لكن منعته السلطة التونسية من السفر إلى ايرلندا لتلقّيها إبّان مؤتمر المنظّمة العالمية ضدّ سوء معاملة الطفل وإهماله، وذلك في إطار ما يتعرّض له من شديد المضايقات منذ سنوات (المنسق).

 مراجع

 

 1)Thomas Kuhn, Structures des révolutions  scientifiques,1967.

2) Koestler A, Le zero et l'infini, éd.  du Seuil.

3) Foucault M ., La naissance de la prison, 1975.

4) Alleg. H, La question, éd. du  Seuil .1957.

5)حقوق الإنسان  المجلّد الاوّل الوثائق العالمية والاقليمية  إعداد د. محمّد شريف البسيوني . دار العلم للملايين

6 ) 0GE .A, “Magnetic nerve root stimulation in two types of brachial plexus injury”  -muscle nerve 1997 jul 20 (7) .  

7)Anonyme, “The role of physician in conflicts and humanitarian crisis” -JAMA ;1993 Aug 4,270(5) P 616-20. 

8) Wood D., “Self hypnosis training and captivity survival” -Am J clin hypn 1997 jan .39 P 20-21. (3 ).

9) Warren  J, “The sexually sadistic serial  killer” -J  Forsenic Sci ,Nov 41(6);P970-4 .

10) Basoglu and all, “Psychological effects of torture  : a comparaison of tortured  and non tortured political activists in Turkey”, in American .Journal of  Psychiatry: 1994 15 (1) P 76-81 .

11) Francois Bayle, Caducée contre croix gammée, Neustadt imprimerie nationale .1952

12) Moncef  Marzouki, L'arrache -corps ou l'expérimentation humaine en médecine, éd Alternatives -Paris 1979.

الإنسان الحرام - الدار البيضاء 1996

      حقوق الإنسان .الرّؤيا الجديدة . مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان 1996

13) Collectif, A contre -coeur ,A contre corps,  Regards pluriels sur les abus sexuels d'enfants éd médecine et hygiène -Genève, 1997.

14) Cohn J, “Medical education on violations on human rights, the responsability of health personnel”, MED EDUC -  1996 may 30

15) منظمّة العفو الدولي : الأطبّاء والتعذيب بين المشاركة والصمود . ترجمة الفرع التونسي - تونس

16) المعهد الدولي للدّراسات العليا في العلوم الجنائية، مشروع إتّفاقية لمنع التعذيب والمعاملة غير الإنسانية والمهينـة

            

   الدكتورة فيوليت داغر*

 

العنف في المجتمعات العربية:

 آليــات تكوينه وإعادة إنتــاجه

مـدخــــل

 تعطي إتفاقية مناهضة التعذيب  وغيره من ضروب المعاملة او العقوبة القاسية أو اللاإنسانية او المهينة التي إعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة وفتحت باب التوقيع والتصديق والإنضمام اليها في القرار 39/46 المؤرخ في 10/12/1984 لكلمة التعذيب التعريف التالي: "أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسديا كان أم عقليا يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول منه أو من شخص ثالث على معلومات او على إعتراف، أو معاقبته على عمل إرتكبه او يشتبه أنه إرتكبه هو او شخص ثالث او تخويفه او إرغامه هو او أي شخص ثالث، او عندما يلحق مثل هذا الألم او العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه او يحرض عليه او يوافق عليه او يسكت عنه موظف رسمي او أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية. ولا يتضمن ذلك الألم او العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية او الملازم لهذه العقوبات او الذي يكون نتيجة عرضية لها".

إن قراءة متفحصة لهذا التعريف ومراجعة مدققة لجملة النقاشات التي أوصلت اليه تقودنا الى ضرورة تجاوز المفهوم السطحي والإختزالي لهذه الكلمة الى مفهوم شامل ومتعدد الميادين. فالتخلص من التعذيب لا ينحصر في منعه القانوني، كما لا يمكن إختزاله بممارسات أجهزة الأمن. من هنا حرصنا على تناول جملة أشكال عنفية تمارس بحق الإنسان  تجعل من كلمة التعذيب، ليس فقط الجسدي وإنما أيضا العقلي والنفسي، معاناة يومية تسلك طرقا مختلفة وتترك آثارها السلبية بشكل مباشر وغير مباشر على الفرد والمجتمع والدولة.

من هذا المنطلق، إن مفهوم العنف كما نفهمه هو كل ضغط لا يُحتمل يمُارس ضد الحرية الشخصية ومجمل أشكال التعبير عنها بهدف إخضاع طرف لصالح طرف آخر في إطار علاقة قوة غير متكافئة سياسيا أو إقتصاديا أو إجتماعيا او غيره، أكان هذا الإختلاف قائما على الجنس او المنشأ او العرق او السن او ما عدا ذلك. إنه مساس بالشخصية الإنسانية وبالتالي عائق لنموها وانعتاقها ولأنسنة الوجود البشري.

لكن هناك ضروبا من الإكراه لا تسمى عنفا وتعتبر طبيعية في مجتمع ما بينما ينظر لها كعنف في مجتمعات أخرى، حيث أن تعريف العنف نسبي. ألا يطالب المجتمع افراده بالرضوخ لمعاييره ويمارس الإكراه بفرض قواعد سلوكية تلزمهم بالتلاؤم معها، معتبرا من يرفضها منحرفا ؟

ما نود التشديد عليه هنا خاصة هو أن الإكراه والقمع لا بد أن يولّدا بالمقابل حالة عدوانية قد تتحول عنفا عند من يتحسسها كعنف ممارس ضده. فالى جانب آليات التصعيد المختلفة التي يلجأ لها المرء لتصريف العدوانية، يمكن لهذه ان ترتد على الذات بحركة مازوشية او على الغير بحركة سادية وتصبح مرضية محدثة حالات عصابية. فالعنف إذاً لا بد وأن يستدعي:

1 - عملية رد فعل لإعادة شئ من التوازن بحكم "مبدأ الثبات"، 2- إن آلية رد الفعل لا تكون بالضرورة آنية وميكانيكية حيث قد تخضع لقانون التراكم،  3- يمكن لرد الفعل أن يتخذ أشكالا مستترة ومنحرفة تبدو أحيانا دون علاقة مباشرة وواضحة بالمنشأ.  

يأخذ العنف الممارس على الآخر وردود الأفعال العنفية إزاءه أشكالا متعددة  نتطرق لها من خلال دراسة نظرية حول تشكل آليات العنف وإعادة إنتاجه (القسم الأول)، مدعومة بنماذج عيانية من عدة بلدان عربية (القسم الثاني) لثلاث فئات مستضعفة (الطفل والمرأة والعمال الأجانب). نرى هذه الأشكال العنفية بتعبيراتها الأكثر حدة في بلدان الخليج العربي التي ستحتل مساحة لا بأس بها من بحثنا، نظرا لأهميتها كنموذج ولندرة ما ينشر عنها خاصة باللغة العربية.

القســـم الأول

أنماط العلاقات الأسرية

تعيش مجتمعاتنا العربية منذ عقود مراحل إنتقال تدريجية من ثقافة تقليدية لأشكال ثقافية أكثر معاصرة. فالعولمة الزاحفة اليوم والتداخل مع ثقافات العالم الصناعي أدخلا تغييرات وظواهر جديدة تتسارع تعبيراتها الحالية. ينتج عن الإختلاط هذا وتداخل الجديد بالقديم غالبا محاولات توفيقية بين مرجعيات متناقضة تتراوح المسافة من كل منها بإختلاف الأفراد ومعاييرهم الشخصية والإجتماعية. فتغدو قيمة الفرد أقل تعلقا بالدور والمكانة الإجتماعية والجنس والعمر. كما ويتراجع دور الدين وما هو غيبي مع إزدياد العقلانية وإحتلال القوانين مساحة أكبر على حساب الأعراف والتقاليد. مما يحوّل تدريجيا ولو ببطء الفرد لمواطن ويخفف من حدة التمايز الإجتماعي (1).

لكن عملية التثاقف (Acculturation) هذه تحدث إختلافات وتضاربات يسفر عنها أزمات في النمو وإختلالات في السلوك والمعايير والقيم تختلف حدتها من بيئة ثقافية لأخرى. فالمعاناة النفسية التي ترافقها قد تكون مؤلمة، حيث من تعبيراتها ظواهر العنف المختلفة وإنقطاع  قد يكون كبيرا بين الأجيال. فالأجيال الجديدة تعيش ظروفا وأنماطا تربوية مختلفة عما عاشه جيل الأهل الذي يجد صعوبة بالتعرف على نفسه من خلال أبنائه.

لا بد من الإشارة الى أن هذا الإختلاط بين الثقافات لم يحصل بشكل متكافئ وإنما عبر أشكال مختلفة من التبعية والإستلاب وعلاقات إنتاجية مشوهة فرضتها السيطرة الإقتصادية والسياسية للنظام الرأسمالي الإستعماري بشكليه القديم والمعاصر. كذلك تفرض الأنماط التربوية والتقاليد وممارسات المؤسسات السلطوية  نفسها عبر عملية التكييف المستمرة للأفراد بشكل يجعل من الصعوبة بمكان مقاومة التقليدكلية لصالح التجديد. لهذا تأخذ عملية الجمع بين الأضداد على حساب الحفاظ على وحدة الذات الشكل الأكثر بروزا.

أما بما يخص البطريركية (الأبوية) العائلية تتوزع  السلوكات عامة بين الرضوخ لها وللجماعة من جهة وبين تحقيق الذات ومواجهة المجتمع بالإمكانات الفردية والخيارات الذاتية من جهة أخرى. لكن بما أن التغييرات التي دخلت على الهيكلية الأبوية للأسرة العربية بقيت سطحية ولم تمس مضمونها وجوهرها، فهي إن أثرت على شكل الأسرة ودورها الإجتماعي والثقافي لم تؤثر على نوعية العلاقات داخلها. ففي ظل ظروف التخلف الإقتصادي والإجتماعي والقهر السياسي كرس العنف تهميش فئات واسعة  لصالح الطرف الذي يملك موازين القوى.

على صعيد علاقات الجنسين كان التقدم في العديد من معالمه لصالح الرجل الذي فُتحت أمامه إمكانات جديدة وحصل على حريات لم يُسمح بها للنساء. مما كرس سيطرته على الأصعدة الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والقانونية والسياسية. في هذا الوضع لم تحظ المرأة بقدر كاف من التعليم والعمل المهني بما يسمح لها بتحقيق ذاتها وبتغيير موازين القوى بشكل أكثر تكافئا. مما زاد من التفرقة بالمستوى بين الزوجين وبين أفراد العائلة ومن التوتر في العلاقات التي يحكمها منطق القوة والسيطرة والإستغلال التي يكرسها الدين والثقافة والقانون (2).

عندما تضاعف عمل المرأة في المنزل مع عمل آخر خارجه بسبب الأزمة الإقتصادية لم يشارك الرجل المرأة بالأعمال المنزلية. كذلك لم يسمح لها العمل المأجور بتحقيق نفسها بقدر ما كان من أجل مساعدة الأسرة على تحسين مستوى معيشتها. وتجسد المرأة الريفية التي تؤدي أدورا عدة، منها الإنتاجية الزراعية، ذروة واقع القهر والإستغلال الذي تتعرض له النساء في إطار تقسيم العمل.

لقد بقيت العلاقات داخل الأسرة العربية محكومة ببقايا من علاقات العبودية التي نشأت تاريخيا في ظل سيادة النظام الأبوي. هذا النظام الذي أعطى السلطة المطلقة للرجل وفرض على المرأة والأبناء الخضوع له بالقوة. فكونهم إمتداد طبيعي لملكيته يحق له أن يتصرف معهم كيفما شاء، مكرسا لديهم الشعور بالتسامح تجاه بعض أفعاله غير المقبولة بإعتبارها سلوكا طبيعيا. والرجل إن أخطأ بحق المرأة لا يتعرض بسهولة للعقاب كونه "وقع ضحيتها". فهي فقط التي تدفع الثمن أو أكثر منه.

واليوم، رغم أن فرص التعليم والعمل بالنسبة للفتيات قد أصبحت أكثر شيوعا، فهي للأسف لا تهدف في غالب الأحيان لأكثر من تحسين فرصها في الزواج ورعاية الزوج وتربية الأبناء. فهي تعد منذ طفولتها لهذا الدور وتشجع على إبراز أنوثتها وتعيش في الوقت نفسه حالة قمع وإستلاب نفسي وجسدي في ظل أسرة الأب ومن ثم أسرة الزوج.

يحصل ذلك ضمن قوانين صارمة في ظل التحريم الديني والقانوني وجو من القهر الإجتماعي. ويكون للرجل أبا أو أخا أو زوجا أو إبنا الحق بالتحكم بحريتها وحركتها وكيانها حفاظا على شرف العائلة كونه يُنظر لها كأداة للجنس والمتعة والإنجاب. ذلك رغم أن المعاملة المهينة للفتيات وتفضيل الذكور عليهن وتدجينهن على القبول بهذا الواقع يترك أثارا جد سيئة على تكوينهن النفسي وبالتالي على مستقبلهن وعلى ذريتهن من بعد. وهذه الظاهرة أكثر بروزا عند الشرائح الإجتماعية الأكثر فقرا والأقل مكانة إجتماعية، ما يجعلها أقل حماية قانونية وإجتماعية وأكثر تأثرا بالثقافة السائدة.

أما الإيديولوجية الرسمية للدولة فلا يمكن إلا أن تكون على صورة منظومة القيم السائدة في المجتمع الذي تنبثق عنه. ما يسهل  تلمسه من خلال تعامل أجهزتها ومؤسساتها بما يخص موضوع النساء والفئات المستضعفة وما تعكسه وسائل إعلامها التي تهدف لخدمة أغراضها. ويكون هذا بتزييف الوعي وتعميق فكرة دونية المرأة بالتركيز على دورها كأم متفانية وزوجة خاضعة أو كأنثى وكموضوع تشيؤ وجنس وإثارة في خدمة الملكوت الرجالي (3).

لقد غدت العدوانية والفحولة والتسلطية والقوة البدنية وإستعباد الآخرين وحب الإمتلاك والتبجح بالمقتنيات والمظاهر وممارسة الرياء والزيف والتناقض بين ما هو معلن وما هو مبيت سماتا بارزة تغرس جذورها في الثقافة السائدة والتراث الشعبي والدين والقوانين. ذلك، ضمن علاقة جدلية بين العنف السياسي والمجتمعي والأسري وإعادة إنتاجه وتوزيعه تبع موازين القوى. مما عمق عند الفئات المستضعفة حالة الشعور بالدونية والإغتراب على جميع الأصعدة وخلق أجواء محمومة من الكبت والعنف والعنف المضاد.

 العنــف السيــاسي

قبل التطرق لأشكال عنفية أخرى تمارس من قمة الهرم الإجتماعي، تجدر الإشارة  لأنواع من العلاقات الدولية التي تترك تأثيراتها على الشعوب برمتها. فالى جانب الهيمنة في العلاقات الإقتصادية، هنالك الهيمنة السياسية لدول على أخرى، بما يأخذ شكل عقوبات إقتصادية وإحتلالات عسكرية قد لا تسمى بإسمها. هناك خاصة الإحتلال الإسرائيلي لأراض عربية والعنف الواقع على شعوبها وبشكل خاص على الشعب الفلسطيني. يضاف لهذه الأرضية تزايد سكاني هائل وتفاوت لا يطاق في توزيع الثروات ومظالم صارخة في ظل تواطؤ المصالح الفئوية للشرائح الحاكمة. ذلك ضمن أنظمة إستبدادية ذات طبيعة تقليدية او زعامية أكثر منها عقلانية وديمقراطية.

إذا كان أصلا مرمى المجتمع السياسي السعي وراء الخير الجماعي، ففي البلدان العربية -كما هو حال البلدان النامية - هو المولد الأول للعنف. فنشهد تآلف السلطات السياسية البوليسية بالإعتماد على السيطرة الإقتصادية وعنف أساليب القمع ووسائط الضغط المادية والقانونية والإعلامية والى ما هنالك. ذلك،  بهدف الحؤول دون أي إعتراض فعّال من أجل الإبقاء طويلا على نفوذها الذي لا تتخلى عنه تلقائيا (4). هذه السلطات تفرض نظامها هي لا النظام الذي يريده المواطنون، حيث عند معظمها إن لم يكن جلّها كان لإستعمال العنف والقوة الفضل بوجودها. هل من قبيل الصدفة أن تكون مدة البقاء في السلطة في هذه البلدان أطول مما عداها في انحاء العالم وأن تكون بالمقابل نسبة الإنتاج الثقافي أقل بكثير من أي مكان آخر ؟

إن القوانين الوضعية التي تعكس بشكل جدلي أنماط العلاقات السائدة في المجتمعات العربية وعقلية القوى المهيمنة إجتماعيا التي تستعملها لتنفيذ أغراضها ولخدمة مصالحها هي بالضرورة أبوية. نستبين ذلك من دراسة قوانين الأحوال الشخصية السائدة، ذلك رغم بعض القفزات النوعية التي حققتها أكثر من دولة عربية في هذا المضمار (تونس) وفي ظروف إستثنائية. مما يفسر حدة المعارك الدائرة حول تعديل أو وضع قوانين جديدة للأحوال الشخصية (في الجزائر ولبنان مثلا) (5) تكفل إعادة تنظيم وتحديد العلاقات بما يضمن تحقيق المساواة بين الجنسين. ذلك تمشيا مع اتفاقية القضاء على جميع اشكال  التمييز ضد المرأة ومن أجل تحقيق رفاهية الأسرة والنهوض بالمجتمع والإسهام على قدم المساواة بعمليات التنمية الإجتماعية والإقتصادية والسياسية.

أما مسألة حقوق الإنسان في هذه المنطقة فما زالت تطرح إشكالات للأجهزة الحاكمة والسلطات التسلطية  التي لم  تحسن بعد التعامل معها ولا التغلب على مخاوفها منها بالسماح للنشطاء بالوجود وبحرية الحركة. كأن هؤلاء بدعة غريبة وغربية ينظر اليهم كدخلاء يجب تحجيم مكانهم وتشويه دورهم. ذلك كون المبادرات التحتية غير الحكومية لمراقبة التجاوزات السلطوية والتنديد بها تتعارض مع سياسات الحزب الواحد والقبيلة الواحدة والزعيم الأوحد. إنها تخيف الطاغية الذي يهمه من مؤسسات المجتمع  التمجيد بشخصه وخدمة "عظمة النظام" بدل بناء مجتمع مدني قائم على أسس سوية وعادلة وديمقراطية.

إن الإعتياد والتدجين على الطاعة والقبول بما يفرض من الأقوى يؤدي بدوره للأسف للإذعان  لمن يحتل قمة الهرم السياسي والخنوع لممارساته المرَضية وغير العقلانية في سلبية لا تليق بالكائن البشري. فبهذه الممارسات السلطوية والأشكال القمعية ما يشلّ الإمكانيات الفردية عن القيام بعمل خلاق بهدف إحداث تغييرات جدية وبناءة. حيث تخضع الحاجات الإنسانية العميقة للكبت والتحويل وتعلو لغة الكسب وتقديم المصالح الآنية والحاجة للإشتراك في لعبة الأنظمة من أجل الإستمرار.

تجاه الأبواب الموصدة والمساس بكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية قد تتأجج فورات عنفية غالبا ما تزداد بإزدياد المقاومة التي تلقاها، تقوم بها فئات ترفض العيش غريبة عن الواقع او الإستسلام له. فهؤلاء يحلمون بالمشاركة في تنظيم الحياة الإجتماعية على أساس التعددية السياسية وممارسة الديمقراطية بما يسهم بضبط العنف وإنقاذ المواطنين من ضياعهم الوجودي ويسمح بتطور المجتمع وإطلاق فعالياته وإمكاناته الحبيسة. لكن غالبا ما يكون خيار هذه القلة من المناضلين بين العمل السري أو شبه الشرعي في ظروف شديدة الصعوبة أو النفي القسري عندما لا تختبر تجربة الزنازين أو تنجو من التصفية الجسدية.

تظهر دراسة تناولت طفولة شخصيات معروفة في التاريخ نشأت على كراهية وإهانة وقساوة أهلها لها - حيث أن أية فكرة جديدة أو مبادرة لم تكن إلا لتقمع في التربية على الطاعة والنظام والإنضباط- كيف أن المعاناة التي عاشتها في طفولتها لم تنتج سوى أشخاص مستبدين حاقدين على الغير. لقد إستغلوا فرصة وصولهم للسلطة لتدمير المجتمع والتضحية بألوف الأبرياء لتحقيق مآربهم بإسم الدفاع عن الوطن والنهوض به (6). ربما لا توجد دراسات نفسية معروفة تناولت شخصيات عربية تصلح كمثل في هذا المضمار. لكن بالنظر للتراث الثقافي الذي هو غالبا محكي، هناك قصص تروى حول نشأة اكثر من عسكري او غيره إستحوذ على مقاليد السلطة واصبح دكتاتورا في عدة دول عربية مقترفا المظالم بحق الإنسان والمجتمع العربيين. لم يكن تبوء هؤلاء سدة الحكم ليحل بالضرورة مشكلاتهم النفسية ومعاناة طفولتهم بل على العكس. كان الإستيلاء على السلطة العليا الفرصة التي سمحت لهم بمضاعفة أشكال التعبير عن هذه العقد عبر آليات الإكراه في تكرار الممارسات العدوانية(mécanisme de compulsion de répétition). يتم ذلك بالإنتقام ليس ممن كانوا المسبب المباشر لهذه الآلام، وإنما نزولا لمنطق آليات النقل العاطفية (déplacement)، عبر عملية التحويل على مواطنين بدائل ليس لهم أية علاقة بآلامهم سوى أنهم قد يرمزوا لموضوع التركيز العاطفي الأول (premier objet d’investissement) وبذلك يصلحوا أن يكونوا كبش المحرقة.

إن مجرد ممارسة العمل السياسي او التعبير عن الاختلاف مع نهج الحاكم هو مصدر قلق لهذا الأخير وتهديد لشرعيته. ذلك ضمن عقلية اختزالية سائدة تبرر الإنقضاض على الآخر عبر توجيه الأوامر بمس كرامته والتنكيل به بوسائل لا يهم ان تجاوزت ما يقبله العقل والمنطق. إن ما يبرر أفعال السلطان من منطلقه إيهام نفسه ان كل تنظيم مستقل خصم له وأن كل معارض فوضوي أو متطرف يريد إحداث الخراب أو كذلك خائن ومأجور للأجنبي.

إنه نتاج المخاوف والشعور بالقلق الكامن لدى هذه الفئة من الحكام. فهم بحاجة لأوهامهم تلك حتى ولو أمكن القول أنهم في أكثر الأحيان واعين ما يفعلون. هم يعتقدون أنهم المؤتمنون الوحيدون على مصير البلد  بحيث تنزع هيمنتهم لأن تشمل جميع الفعاليات. فيصبح الدستور قابلا للتأويل وتعدّل القوانين على مقاسهم وتضحى السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية نموذجا نظريا للتدريس وليس للتطبيق. ومن أجل التضييق على العدالة ومنعها من القيام بعملها بشكل طبيعي، يتم اللجوء لإجراءات قانونية خاصة ولمحاكم إستثنائية في أكثر من نصف البلدان العربية حسب إحصاءات منظمة العفو الدولية.

إن في خوفهم المرضي هذا من الآخر على سلطتهم وجنون العظمة لديهم ما يدفعهم لإطلاق آلة القمع دون حدود مهيئين الأرضية للإنفجار الذي ينتهي يوما بالقضاء عليهم.

لو توقفنا لحظة وتأملنا هذا "الأب -المثل الأعلى" وتفرسنا بملامحه وسبرنا أغوار نفسه لاستنتجنا أنه لم يكن يصلح حقيقة أن يكون حاكما. لكننا تصرفنا معه كما تصرفنا أطفالا تجاه آبائنا، فصدقناه وأغدقنا عليه من الفضائل ما ليس له به صلة. لقد ربعناه على العرش وصفقنا له ليفعل ما يشاء حتى ولو كان في ذلك قيادتنا نحو الهلاك. فعلنا ما فعلناه  ليحمينا، فما كان منه سوى الإستئثار بكل ما مكنته سلطته للقضاء علىكرامة الشعب وحقوقه والتمتع مع حاشيته بمقدّراته وأقداره. لكن المصلحة العامة تستبعد الشك بالأب الأكبر والتجاسر على من يمثل الدستور والشرعية بنقد نظامه وزبانيته. أليس المعيار التسلطي لتعريف الوطنية هو مصادرة عصبة السلطة للدولة والغاء المواطنة، مما يبرر الطعن بوطنية وشرف وكرامة من يجرؤ على النقد ومن يعارض ؟ هذا الوضع يجعل من التعدي على الحريات الأساسية وقمع الأفراد والمجتمع مسألة مباحة بغياب مؤسسات الدولة وتجمعات المجتمع المدني الكفيلة بحماية المواطن من عسف الحكام ومخابراتهم وأجهزة قمعهم وتجمعاتهم المصلحية.

إن اليوم الذي تصبح فيه نسبة المتعلمين من بنات وشبان مرتفعة وتعامل الأجيال الناشئة بإحترام وتجد مكانها الطبيعي كمواطنين لهم حقوقهم ويحق لهم النقاش بأمورهم وإبداء آرائهم دون وجل وخوف، اليوم الذي يبدأ العصيان فيه على من يرمز للسلطة المدمرة للنفس والوقوف بوجه القوة والمطالبة بعالم يسمح بالحرية والتنفس والإختلاف والعيش دون قمع وضغوط واكراه، اليوم الذي تصبح فيه منظمات وجمعيات المجتمع المدني متواجدة بشكل مستقل وفعلي وبنّاء، يومها يمكن أن نؤسس لدولة حقوق ولمجتمع متنوع ومتنور تسعى به القوى الحية نحو آفاق جديدة  يطلق فيها الخيار الحر والواع  وقوة الإدراك والنظرة المستقيمة. مجتمع الانعتاق من الفساد والدجل والرياء والخلاص من مستنقع التخلف والعبودية والإنتصار على التبعية والإستلاب وعدم الثقة بالنفس. مجتمع لا يبقى فيه المرء أسير خوفه من القمع وغرائزه المكبوتة وتعقيدات تربيته المحافظة  التي ما كان منها الا أن تجمّد ملكاته العقلية وتمنعه من النمو قابعا دهورا  في ظلمات الجهل والتخلف.

إن تخلفنا هو نتاج تربيتنا القائمة على تعطيل طاقات الإبداع لدينا وهدر كرامتنا الإنسانية. فمنذ تفتّح أعيننا على الحياة تبدأ عملية التدجين التي تطفئ النور في العيون وشعلة الحياة في النفوس. فإلى متى نقبل إستمرار القهر والإستبداد والإستغلال ونراوح ضمن منطق التكرار في لعبة القامع والمقموع ؟ إن ضرورة التغيير تنبع ليس فقط من حقنا بذلك، وإنما أيضا من واجبنا تجاه أبنائنا ومجتمعنا ضنّاً بطاقات هائلة يمكن بدلا من إهدارها أن تساهم بنهضته إن أطلقت إيديها للخوض بالتجربة من أجل مستقبل أكثر شروقا.

 في تربـيــة النا شـئـــة

يقبل طفل الإنسان على الحياة ولديه من الامكانات الفطرية والكفاءات الذاتية ما يجعل من الضرورة لكي تتفتح وتنمو الإعتماد على والديه ومحيطه ضمن علاقة متميزة مع الأم (7). فيتطور من كائن لا يميز ذاته عن العالم الخارجي- الموجود بالنسبة له من أجل سد حاجاته- الى فرد مستقل له شخصيته الخاصة به. يتم ذلك عبرعملية تفاعل مستمرة يؤثر فيها على من حوله كما يتأثر بهم ضمن قوانين حفظ التوازن والثبات والحاجة للتغيير. يجتاز من أجل ذلك مراحل متتابعة ومتداخلة يحقق خلالها قدرا كبيرا من نموه العقلي والجسدي والنفسي والإجتماعي. فمن خلال سلوك والديه ونوعية علاقتهما به ونمط تعاملهما معه تتكون الأنا لديه وصورته عن نفسه وفكرته عن قيمته وشعوره بالأمن التي تحدد أشكال علاقته بنفسه وبالآخرين فيما بعد.

من خلال اللعب أيضا يطور الطفل عقله وجسده ويحقق التكامل بين وظائفه الإجتماعية والإنفعالية والعقلية التي تتضمن التفكير والمحاكمات وحل المشكلات والحديث والتخيل وتكوين معايير خلقية. فينمي اللعب مهاراته وطاقاته الخلاقة، ومن خلاله يكتشف نفسه ويصرف التوتر الذي يعاني منه والإنفعالات العدوانية المكبوتة لديه.

كذلك يطرح الطفل، خاصة حوالي السنة الثالثة من عمره، أسئلة كثيرة على والديه وظيفتها تحقيق توازنه النفسي وتكوين تفكيره الإستنباطي والتعرف على المحيط والبيئة والقيم الخلقية والسلوكية المرتبطة بها. فيشعره الإصغاء له والصدق بالإجابة على أسئلته والدقة بإستعمال التعابير المألوفة لديه بالإطمئنان وبإحترامه ومشاركته همومه بما يحقق له توازنه النفسي. لكن تشكل أحيانا كثرة الأسئلة وعدم إدراك كيفية الإجابة عنها أو وعي أهميتها وعدم تيسر الوقت الكاف المخصص للطفــل عوامــلا لإهمال الأجوبة وعدم تشــجيعه الإستمرار بطرحـها.

بالمقابل، قد يدرك الطفل بعفويته وبراءته أشياء يمكن ان يعبر عنها بطرق مختلفة دون أن ينتبه  لها الراشد. ذلك نظرا لآليات الدفاع عن النفس والكبت والتحوير وغيره التي تتحكم بهذا الأخير وتحول دون إدراكه الاصح والانسب. وهناك من المسائل التي يتكتم عنها الراشد او ينقلها محورة للطفل ما هو كفيل بخلق جو من القلق لدى هذا الأخير.

عادة ما يجهد الأهل في سبيل تربية أبنائهم، لكن عدم إلمامهم  بخصائص هذه المراحل ومتطلباتها وبحقائق التكوين النفسي والتطور الإجتماعي الملازم للنمو البيولوجي للطفل، يجعلهم يخطئون بالتعامل معهم. فيسلكون سلوكات تتعارض مع المبادئ التربوية، بينما هم في الوقت نفسه مقتنعين بصحة ما يفعلون. فعبرهم يقدم المجتمع نماذج ثقافية تخضع إمكانات الطفل الفطرية لعملية إنتقاء عبر التربية تحتم عليه تبنّيها كي يتبنّاه مجتمعه ويرضى به أهله.

قد يشكو الأهل مثلا من حركة زائدة عند الطفل، لكن خوفا من الإنقياد لنزواته ورغباته، يلجأون الى القمع والمعاقبة. في الحين الذي تدل فيه هذه الظاهرة على وجود قلق كامن لديه ومعاناة نفسية تتطلب الحل. بانتظار ذلك وفي جو من عدم التفهم والقمع، لا بد ان تأخذ المشكلة أبعادا غير محسوبة وان تجد مسربا لها في سلوكات تنحى منحا غير مفهوما. فتكرر نفسها بشكل متواتر يظهر مع الوقت في سلوكات باثولوجية (مرضية) موجهة نحو النفس والآخر.

عندما يقبل الطفل على الحياة  في جو غير سليم من عدم الإحترام والتفاهم والإنسجام بين الوالدين وغياب العلاقات الديمقراطية وإشكالات إجتماعية وإقتصادية وغيره،  يُخشى حينها أن يطرأ خلل في البنية العامة لشخصيته نتيجة الصدمات والأزمات التي يعيشها. وقد يكون التوتر على درجة تتعدى قدرة الطفل على السيطرة عليه والتحكم به، مما يمكن أن يكوّن عقدا تهدد نموه النفسي. نذكر على سبيل المثال عقدة الذنب والرغبة في العقاب الذاتي أو عقدة النقص والشعور المرضي بالخوف من مواجهة الآخرين بسبب اللوم والإستهزاء والتحقير او الحماية الشديدة، وعقدة التنافس التي تشيع البغضاء بين الأخوة وتنعكس على العلاقات الإجتماعية، والى ما هنالك من إشكالات تترك آثارها السلبية على مستقبله إن لم تعالج في حينها.

إن الحاجة للأم في تربية أبنائها حاجة ماسة، يترتب على نوعية العلاقة القائمة معها (من محبة وتفهّم وإرشاد او عدم إهتمام وتعنيف وعدم إحترام) نتائج مستقبلية هامة (من تفاؤل وتوفيق وإقبال على الحياة أو إنزواء عن المجتمع وتشاؤم وفشل وغيره). إن قرب الطفل من أمه وسلطتها المتناهية عليه قد تكون سيئة العواقب عندما يعتريها الخلل والتشويه. فالأم تمرر عبر أطفالها كل القمع والعدونية والمعاناة التي قاستها بحياتها(8).

نظرا للإعتبارات الثقافية والتقاليد المتوارثة وكذلك لإختلال العلاقات الزوجية، غالبا ما يوكل دور تربية الأطفال برمته الى الأم ويتخلى الأب عن القيام بدوره - أو يغيّب رمزيا من هذا الميدان من قبل الزوجة في عملية رد فعل واعية او لا واعية على التسلطية الرجالية والإستلاب الذي تعاني منه ضمن دونيتها الإجتماعية -.  مما يؤدي لخلل في التعامل مع الأطفال ويعرّض صحتهم النفسية وعلاقاتهم ببعضهم وبذويهم للخطر. إن أكثر من يقع عرضة لخطر إختلاط الأدوار بين الأجيال الولد البكر وخاصة الصبي الذي يحل رمزيا مكان أبيه بشكل لا يتماشى مع سنه وموقعه. بينما أظهرت الدراسات الحديثة مدى أهمية دور الأب في تنشئة أطفاله وقربه منهم والتفاعل معهم في بناء شخصيتهم بشكل أكثر توازنا (9).

 عند الصغر يكون الآباء موضع خوف وإعجاب من قبل أبنائهم الذين لا يضعون كلامهم موضع الشك ويسبغون عليهم صفات الخلود والجبروت، بسبب غريزة الشعور بالأمن والإطمئنان وصون الذات. فحرصا من الولد على محبة أهله له، غالبا ما يؤثر إدانة نفسه من غير حق على إدانة أهله بحق. فيحاول أن يكبح جماح نزعته الفطرية نحو الإستقلال الذاتي والإستكشاف وحب الإستطلاع وأن يكبت مشاعره ومشاكله لحمايتهم. فيأخذ تشويه النمو النفسي عند الطفل أشكالا عديدة من ضمنها ما نراه في محاولته الدفاع عن أهله وتبرير سلوكهم والشعور بالذنب تجاههم. وينقلب بنظر نفسه من ضحية الى مسؤول عن سلوكاتهم المرضية. فقواه النفسية والعقلية لا تسمح بعد بفهم مسببات ومبررات سلوكات الكبار ومحاكمة الأحداث. وعندما يكبر، يبقى الطفل الذي لم يعش طفولته مغمورا بالعطف والحنان، قابعا في داخله يستفيق عند كل إهتزاز وكل تجربة. فيعيشها كصدمة ويهتز كيانه ووجوده منها دون أن يفهم كنهها وسببها ودون القدرة على مواجهتها والتأقلم معها. إنه لا يدرك ان ذلك صدى لما هو مكبوت ومنسي ضمن دائرة  لاوعيه.

غالبا ما يكرر المرء الآليات السلوكية التي نشأ عليها. لكن كيف له أن يدرك أنه يكرر رغما عنه ما عانى منه عندما ينجب أطفالا وأنه لن يكون بإمكانه أن يعطيهم ما حرم هو منه ويربيهم على ما لم يتعرف عليه ؟ فيدخل من جديد في دوامة العنف والعنف المضاد، حيث أن شعوره بالقلق وعدم الإطمئنان يجعله يخاف من نفسه ومن الآخرين على نفسه. وكائن كهذا لا يمكنه أن يتعرف على السعادة والإكتفاء الذاتي. فالأنا العليا تكونت تحت ضغط المحرّمات والممنوعات والشعور بالذنب ومفاهيم الخطيئة والحرام. مما حوّل طاقاته للخلق والإبداع الى سلوكات سلبية وجعل نظرته للوجود يكتنفها التشاؤم والحذر والحقد (10).

تتعدى سوء المعاملة الضرب ومظاهر العنف الجسدية الى سلوكات قد تكون أكثر أذى كونها أقل ظاهرية. يكون ذلك ليس فقط عبر إستعمال قنوات الكلام وإنما بتغييبها وبالإهمال وعدم الإهتمام. كما يمكن أن يكون عبر إعطاء أجوبة والقيام بتصرفات لا تتناسب مع المطلوب وحاجة الطفل، وعبر التدخل السافر بشؤونه وخصوصياته وإغتصاب إستقلاليته. كذلك، وبسبب التشدد الجنسي ولإرضاء رغبات "الراشدين" بأقل كلفة لهم، هناك حالات أكثر شيوعا مما نتصور من الإبتزاز الجنسي للأطفال من قبل ذويهم. مما يفقد الأمل بالخير والمستقبل ويحلل الشعور بالعار والذنب والنقص ويبرر التشاؤم والتدمير الذاتي ويعرض للأمراض والإضطرابات النفسية الشديدة.

جرى في عدة مستشفيات فرنسية بحث (11) تناول عينة شملت (300) من الشباب والفتيات تتراوح أعمارهم من 18 الى 35 سنة تعرضوا لحوادث سير متكررة كانوا هم سببها أثناء قيادتهم السيارة. وقد بانت العلاقة وثيقة جدا بين الإصابة بهذه الحوادث وبين مدة وتواتر التعرض للضرب والقسوة والتعنيف في طفولتهم. كذلك كشفت الدراسة عن وجود صلة وطيدة بين هذه الحوادث وأمراض متعددة وأحيانا خطيرة عانوا منها سابقا، وعن علاقة النتائج الدراسية السيئة بالضرب لمدة زمنية أطول. في معرض تفسيرها للنتائج تتحدث الباحثة عن مسؤولية رد الفعل المشروط. فقد تسبب التعرض للضرب وعدم إمكانية الهرب او الدفاع عن النفس بردع إمكانيات الجملة العصبية العضلية المسؤولة عن رد الفعل في المواقف التي تتطلب ذلك، وحين التعرض للحادث.

يمكن أن ننظر لحوادث السير هذه بإعتبارها أيضا عملية مفتعلة لاشعوريا غرضها إختبار حدود الذات والتلاعب مع القدر ومقارعة الموت. كما يمكن أن تكون أشكالا مساوية للمحاولات الإنتحارية التي تفشل والتي هي غالبا ما تكون صرخة إستغاثة لطلب المساعدة والإنقاذ من الضياع يطلقها غريق قدر لم يمنح من الحب والعطف ما يكفي للانفصال عمن يجسّـــد شاطيء الأمان.

إن السلوكات المنحرفة عند الأطفال غالبا ما تظهر أشكالها الأكثر حدة وخطرا في فترة المراهقة، عندما يتصاعد التوتر بشكل إستثنائي وتنقلب المقاييس. فتجد التربية الصارمة محاسبة لها بضرب القوانين والقواعد بعرض الحائط ورد الصاع صاعين. ويصل ذلك لأوجه عند غياب تفهم من الأهل وخاصة لما يتعلق بهذه المرحلة من مراحل النضج. في حين ان وظيفة هذه الأساليب بالتعبير هي المطالبة، التي قد تكون  لا واعية، بالحنان والتفهم والمساعدة في مرحلة إنتقالية صعبة لها متطلباتها النفسية والجسدية والإقتصادية والإجتماعية. فيمكن أن تتحول النقمة والرغبة بالإنتقام لثورة على كل ما ومن يمثل هذه السلطة. وقد تلجأ أحيانا للسلاح عندما تسمح الفرصة بذلك، بما يمكنها  من تنفيس المكبوتات تحت ذرائع عقائدية.

إن إتباع  قواعد تربوية صارمة مع الناشئة وعدم التعامل معهم بإحترام وكأفراد يتمتعون بكيان خاص وحرية شخصية وحق بالإختلاف، والسماح بالقيام بمبادرات فردية قد لا تستجيب بالضرورة لقواعد الجماعة، والنظر اليهم كقاصرين  يجب تنشئتهم وفق مقاييس تطالب بالتشبّه والتقليد وتقوم على الإذعان والطاعة وعدم فتح المجال أمامهم للتعبير عن مشاعرهم وما يراود ذهنهم من خواطر وتساؤلات، هو كما نستنتج من أخطر ما يكون على صحتهم النفسية.

 الإكراه والعنف في السلوكات التربوية السائدة

غالبا ما يُعدّ الأطفال الذين يشكّلون أكثر من نصف عدد سكان مجتمعاتنا العربية ممتلكات شخصية لأهلهم وبشكل اكثر تحديدا لرب البيت (12). فيما يعبر عنه بحديث ينسب للنبي محمد "انت ومالك  لأبيك". ومن أجل "تنشئتهم تنشئة صالحة" و"حسن تربيتهم" يعاملون معاملة قاسية تأخذ طابع التطويع. يتم ذلك خلف أبواب موصدة وبغياب ضوابط وقوانين  تمنع ممارسة العنف على ممن هم أضعف. ويعتقد الآباء أن الأساليب التربوية العنيفة التي إستعملت معهم تصلح مع أبنائهم وينسون الآلام التي سببتها لهم. فيعودون لتكرار ما خبروه دون الأخذ بعين الإعتبار التغيرات الزمنية والتربوية ودون إدراك أن هذه الطريقة تعرض علاقتهم معهم لأخطار شديدة، حيث أن المشاعر المكبوتة اثناء الطفولة تبقى فاعلة طوال العمر.

بإسم المبادئ التربوية التي نشأوا عليها،  يحاول الأهل أن يربّوا أولادهم بنفس الشاكلة. فآليات الدفاع القوية التي كانت وظيفتها كبت آلامهم جعلتهم ينسون أنهم عانوا من آبائهم ما يعاني أولادهم منهم. فهم ربما لا يدركون أنهم بسلوكهم هذا يطفئون شعلة الحياة فيهم كما اطفأها أهلهم فيهم من قبل. وبإنعدام دقة التمييز والروح النقدية يصبح كل شئ ونقيضه ممكن. ولا عجب أن تجتمع الأضداد في سلوك يوهم بأنه متجانس لكسب الأشياء بالرياء والنفاق الإجتماعي حيث يتفادى المرء المواجهة مع الحقيقة لأنها مؤلمة ولأنه غير قادر على إجتياز هذا الإمتحان العسير.

بالمقابل، هناك من الأهل من يتجنب القصاص كرد فعل على سوء معاملته في طفولته، ويترك الولد يتصرف حسب ما يحلو له دون إرشاد وتوجيه واضح او ألفاظ مفهومة وحركات دالة عندما يكون صغيرا. لكن الإفراط بالتدليل وتلبية جميع الرغبات والتساهل بكل شئ ليس بديلا للتربية الصارمة. فهو يمنع إدراك الحدود بين ما هو ممكن وما هو غير معقول، ولا يلبث أن يولد تذمرا وتمردا عند الطفل.

غالبا ما يكون الأهل متطلبين ويريدون أبناءهم في أعلى المستويات ليحققوا ما لم يحققوه هم بهدف الصعود الإجتماعي. فيطلبون منهم ما هو فوق إمكاناتهم النفسية والعقلية والجسدية.  مما يجعلهم يتعرفون على مرارة الفشل ويتذوقون خيبة الأمل ويضيفون حواجز داخل الأسرة توتر أو تلغي التواصل بين أفرادها. ومن الآباء من يكون ضعيف البناء النفسي، عديم الثقة بنفسه، ذو حساسية مفرطة للأمور، ما يجعله ضمن علاقات القوة مع أبنائه يطلب الطاعة والإذعان لرأيه ولا يتحمل أي تفرّد وإختلاف بالرأي عنه. فالأب الظالم والمستبد لا يأخذ برأي طفله بالأمر الذي يعنيه وإنما يقرر هو وحده ما يتعلق به ولا يقبل مناقشة أو معارضة، دون تقدير الضرر الذي ينتج عن هذه الطريقة بالتعامل.

تتخذ ردود الفعل على ذلك مناحي متعددة منها عدم الثقة بالنفس والهرب من المواقف الإجتماعية والفشل في الدراسة، كما تسفر عن نوبات غضب للتعبير عن عدم الرضى عن القيود المفروضة على الحرية في العمل والقول والحركة وعن الحرمان العاطفي والجنسي.

عندما تكون العلاقات السلطوية لصالح فرد من هذا النوع لا بد وأن تكون مدمرة للآخرين لأنه سيطارد ما يعتبره خطأ وما لا يتماشى مع رأيه. فهو يخشى المعرفة ويتوجس من كل ما ومن يمكن أن يكشف له جوانب في شخصيته ومن طفولته قد تؤلمه وتحرمه من أوهامه وشعوره بالطمأنينة. هذه الآليات تتحكم بالمرء من أسفل الهرم الإجتماعي الى أعلاه دون تمييز، مع فارق أنها قد تكون مقنّعة وأن تسلك معابر أكثر تعقيدا في أعلاه. فبقدر ما يمتلك من سلطات بقدر ما يمكنه ان يحد من إمكانيات من عداه  ويغيّب دورهم  باللجوء للترغيب والترهيب وللوسائل الأكثر قمعا وعسفا. إن علم النفس التحليلي قد أوضح بما فيه الكفاية ان ممارسة السلطة، أية سلطة كانت، قد تؤدي لإستعمالها كوسيلة للتصريف وللهرب الى الأمام عبر تدمير او إستعمال وإستعباد الآخرين. بينما يبقى الحل في محاولة فهم المسببات وإكتشاف منابع الآلام التي تقبع في خبايا اللاوعي وتجارب سنوات الطفولة الأولى (13).

إنه من الصعب جدا أن يمارس فرد ما أو جماعة أعمالا مهينة بحق آخرين، خاصة عندما يكونوا أطفالا، دون أن يقدّروا مغبة ما إقترفت أيديهم. لكنهم يلجأون لتبرير ذلك لسبب أو لآخر. والأسهل عندما يقدم لهم المجتمع هذا التبرير حيث تصبح هذه الممارسات جماعية الطابع، عامة ومألوفة وغير إستثنائية. لكن عندما تأخذ التربية طابع الترويض وتسود القوة العلاقات الإجتماعية ويصبح العنف مبررا من المجتمع ومؤسساته بإسم المحبة والغيرة على المصلحة، يختلط بذهن الطفل الحب باللجوء للعنف. وويل له إن لم يجد من ينتصر له ويواسيه في أحزانه ويفهم معاناته لينقذه من توجيه قوى التدمير ضد نفسه والآخرين.

إن المجتمعات العربية لا تتعاطى عموما بشكل واع مع مشاكل الناشئة ولا تواجه مواجهة جدية مسببات هذه الممارسات السلوكية الباثولوجية. فتتكرر آليات العنف ويعاد إنتاجها من جيل لآخر على قاعدة الهرب للأمام والنفي والإلغاء واللجوء لآليات دفاع عن النفس فيها من التصلب أو الخفة بالتعامل مع الأمور أو الشعور بالعجز والأخفاق عن مواجهتها، ما هو كفيل بتأجيجها.

نظرا للمهمات الملقاة على عاتق العائلة من ناحية تربية الناشئة في مجتمعاتنا النامية وإنعدام أو قلة تواجد مؤسسات السلطة السياسية المكلفة برعايتهم، تبقى الأسرة هي الخلية الأساسية بالنظر للأدوار المختلفة المناطة بها. فهي بالتالي مصونة ومقدسة وحرمتها لا تمس. وهي حرة التصرف بأفرادها كما تشاء ولا يمكن أن يُنظر لها بعين الشك والتجريح.  لهذا يبقى جدار الصمت مطبقا طويلا على ما يدور داخلها، وما من يعترض أو يشتكي أو يراقب أو يحاسب من خارجها. وأين لرجال الشرطة أو المحاكم أن تقوم بأكثر من دور رمزي في هذا المضمار طالما أنها ثقافة الجميع يتداولها ويربى عليها جميع أفراد المجتمع ؟

من جهة أخرى، يوكل المجتمع للمدرسة والمؤسسات التي تشرف على تربية الطفل - إن وجدت-  مسؤولية القيام بالدور المكمل للأسرة في عملية الترويض هذه. والمدرسة التي هي وليدة زمانها ومكانها ليست بأفضل حال. فهي تأتي بعد الأهل لتعيد إنتاج نفس نمط الأساليب التربوية القائمة على التطويع والتغييب والعنف. والأنظمة المدرسية لا تشجع غالبا على الإكتشاف وتنمية الطاقات الإبداعية وتطوير القدرات الذاتية بما فيه الكفاية. فيعوّد الطفل منذ الصغر على التلقين والقبول بما يقدمه المدرّس دون تغليب حس نقدي والتعود على طرح الأسئلة بما فيه الكفاية. إن بهذا ما يحدّ من قدراته العقلية بدل أن ينميها ويجعله أسير أسلوب غير ديمقراطي في التعليم. فالإنسان الذي تعود على الطاعة وعدم إستعمال النقد وفقد قوة الملاحظة  لا يمكنه أن يبصر الأشياء الا بشكل غير مستقيم. وهو حتى إن أبصر شيئا ما جيدا فلا بد أن يشك بقدرته على التمييز حيث يكون ذلك شيئا غير مألوف لديه.

هكذا وكما رأينا تتضافر في السنوات الأولى الدراسية عوامل بيئية (ثقافية، إجتماعية، إقتصادية) ونفسية-عاطفية مع عوامل جسمية (إضطرابات في النمو وأمراض) لتكتمل السلسلة التي من شأنها أن تهدد مستقبل الطفل وتدخله في حلقة مفرغة (14).

عبر مجموع الآليات التي أوردناها سابقا يمكن أن نفهم كيف يوّلد المجتمع بهيكليته ومؤسساته العنف ويعيد إنتاجه ويشرّع له ويبرر سادية "الراشدين" وشذوذهم المسلكي ويجعله سمة بارزة له. فتتقونن تفاصيل الحياة ويصبح كل فرد رقيب وحسيب للآخر ولا يفلت من رقابته وعدوانيته، كما وتخضع حرية الفكر والجسد والجنس والتعامل مع الجنس الآخر لضوابط صارمة. فتكثر بالتالي آليات الدفاع المرضية ويشتدّ تطويع الأنا غير العادي تحت رقابة الأنا العليا التي تأخذ على عاتقها مهمة الضبط والرقابة.

لحسن الحظ، توجد في مجتمعاتنا العربية شرائح أكثر حظا من أترابها تعرف معنى السعادة توفرها لها حماية أسرية ناجعة. لكن تبقى الحماية الفعلية المجدية والعامة تلك التي يضمنها لأطفال العالم الالتزام الفعلي بالإتفاقية العالمية لحقوق الطفل. فهذه الإتفاقية تدعو الدول التي صدّقت عليها أن تتيح للأطفال الظروف التي تسمح لهم بالمشاركة في الحياة الإجتماعية والسياسية لبلدهم.  وقد أقرّت بعدم إمكان الفصل بين الحقوق، مسلمة بوجوب حماية الطفل من جميع أشكال الإستغلال. كما وفتحت مجالا جديدا بإعترافها بحقه في أن يكون عنصرا فاعلا في نموه وبأن تؤخد آراءه بعين الإعتبار عند إتخاذ القرارات المتصلة بحياته.

تشعرنا قراءة كهذه أن الهوة مرعبة بين ما ذكرنا ووضع نسبة واسعة من الأطفال العرب، خاصة اولئك الذين يعيشون ظروفا جد سيئة في ظل فقر مدقع معرّضين للأمراض والإعاقة والحصار والتشرّد. فهناك منهم من يجبر على التسوّل او إرتكاب الجرائم او إستخدام المخدرات او بيع أجسادهم، وكثير منهم  محرومون من التعليم والوقاية الصحية او مضطرون للعمل بشروط قاسية أقرب ما تكون للعبودية.

رغم كل التقصير والحرمان بمختلف أنواعه يبقى الأطفال غير متساوين أمام الشدائد والشقاء. فهناك من يجد بداخله من طاقات غير منتظرة ما يساعده على مواجهة المحن دون إلحاق ضرر ذي قيمة على نموه. إن وجود دعامة إجتماعية حقيقية له يمكن أن تساعده على مقاومة الوحدة والعنف والقابلية للتأثر الشديد، كما وتدعم جهوده وتقديره لنفسه وتوجهه الإجتماعي الإيجابي.

 القســــم الثانــي

حـالات عيانيــة

حــول ســوء معاملــة الأطفــال

نبدأ من تونس من خلال دراستين أجراهما أطباء حول سوء معاملة الأطفال. يقول الفريق الذي أعد إحديهما (15) أنه يبدو للمراقب للوهلة الأولى أن سوء معاملة الطفل ليست ظاهرة جديرة بالإهتمام. فمراكز العناية الصحية وأطباء الأطفال لا يجدون ما يدلون به حول هذا الموضوع عندما يُسألون عن سوء معاملة الطفل وعن وجود حالات يترك فيها العنف آثارا جسدية (16) ونفسية تستوجب المعاينة الطبية. لكن يبدو بعد التحقيق الذي أجري مع الأهل الذين يرتادون هذه المراكز أن العنف ضد الطفل هو من المرتكزات التربوية في العائلة التقليدية حيث عدد الذين يتذكرون أنهم لم يضربوا في طفولتهم قليل جدا مقارنة بالآخرين الذين في غالبيتهم يبررون هذه الطريقة في تربيتهم على أساس أنها مفيدة وإيجابية. أما بالنسبة لإستعمالها بدورهم مع أبنائهم فان الأكثرية تلجأ لها لتطويع الطفل على السلوكات الحسنة ومن أجل الحصول على نتائج دراسية أفضل وكذلك بهدف تعويد الناشئة على الطاعة وترهيبها.

يرى الدكتور المرزوقي أن هذه المسألة مبررة كما هو مبرر ضرب المرأة حيث هنالك أمثال شعبية عديدة تتغنى بإيجابيات إستعمال العصا. ويظهر أن الأطفال الذكور ما دون الثانية عشر سنة هم أكثر من يضربون بالمقارنة بالبنات. أكثر من يتعرض لذلك هو الأبن البكر حيث أنه أكثر أهمية وقيمة بنظر المجتمع. تكثر هذه الممارسات على الطفل حسب الدراسة حوالي السنوات الثالثة والسابعة من عمره. وتكون جميع أجزاء الجسد عرضة للضرب دون فارق، فيما عدا منطقة الرأس. يأتي الأب في مقدمة المؤدبين وتتبعه الأم ثم المدرسين، بينما لا يذكر الأقارب والأجداد كمسؤولين عن هكذا سلوكات نظرا للوظيفة المناطة بهم التي هي حماية الطفل.

يخلص الباحثون للقول أن اللجوء للعنف الذي لا يرافقه أي شعور بالذنب او الخجل سواء من قبل الأهل او المدرسين، يبدو أكثر شيوعا في المدرسة. ذلك، نظرا لدورها الرئيسي في توفير فرص الإرتقاء الإجتماعي، ولأن العائلة تقبل بالتضحية بما يسمح للطفل بتسلق سلم المعرفة والسلطة.

في الدراسة الثانية (17) قامت الباحثة بدراسة وتحليل 354 حالة طفل ما دون الخامسة عشر من العمر كانوا قد أدخلوا قسم الطوارئ الجراحية في أحد المشافي التونسية (من 1994الى 1996) نتيجة تعرضهم لإعتداءات جسدية وجنسية. من النتائج التي توصلت لها الدراسة النسبة الكبرى من الذكور الذين تعرضوا للإعتداءات الجنسية حيث أكثر من نصفهم تتراوح أعمارهم بين 12 و15 سنة، جلهم من سكان المدينة وقد وقعوا ضحية أشخاص معروفين منهم في أكثر من نصف الحالات ( يتراوح عمر الجاني عند معظمهم من 10 الى 29 سنة). وقعت الإعتداءات بشكل كبير في أواخر النهار والنصف الأول من الليل وخلال عطلة نهاية الأسبوع على الطريق العام غالبا بما يخص الذكور وفي المنازل بما يتعلق بالفتيات، بينما تمثل الإعتداءات التي حصلت في المدرسة أو أماكن اللهو  نسبة قليلة جدا.

مما يجدر الإشارة له هو أن نسبة البنات اللواتي تعرضن للضرب كانت أكبر من نسبة الذكور، وحصل ذلك في أكثر الأحيان على يد الآباء. تراوحت أعمارهن من 1 الى 15سنة، وكانت جروحهن  شديدة نسبيا، مما إستوجب تعطيلا بحوالي عشرة أيام كمعدل وسطي. بينما شوهدت الإعتداءات الجنسية على الأطفال الذكور الذين تراوحت أعمار معظمهم من 7 الى 15 سنة، وكان الجاني معروفا من ضحيته في أكثر من ثلث الحالات.

ختان البنــات

في مصر، هناك عادة شائعة بشكل لا مثيل له في غالبية الدول العربية هي عادة ختان البنات. هذه العادة تشكل بؤرة لعدد من الإنتهاكات لحقوق المرأة الأساسية وتترك آثارا فيزيائية ونفسية وجنسية على مدى العمر. لقد تعرضت حسب التقديرات الأكثر تداولا ما بين 85 -114 مليون فتاة في العالم  لهذا الإنتهاك،  أي ما يعادل مليوني فتاة كل سنة و6000 كل يوم. وهن من أكثر من30 بلدا معظمهم في شرقي وغربي افريقيا. يرجع ذلك لأسباب ثقافية وإجتماعية وإقتصادية ومعتقدات دينية بما هو تكريس للسلطة الأبوية المهيمنة والعقلية الرجالية السائدة (18).

تعكس هذه الظاهرة الخلل الواضح في تطبيق الإتفاقيات الدولية وبخاصة ما يتعلق منها بحقوق الطفل وبالتمييز ضد المرأة. فقد أدانت الإتفاقية العالمية لحقوق الطفل هذه الممارسة بإعتبارها تعذيبا وإنتهاكا جنسيا للطفلة وطالبت في المادة 24 الحكومات بإتخاذ التدابير اللازمة لمنع هذه الممارسات التقليدية الضارة بصحة الأطفال. وقد بدأ القاء الضوء على هذه القضية بشكل متزايد منذ التحرك العالمي للتصدي للعنف ضد النساء في السنوات الأخيرة والإهتمام المتزايد بقضايا المرأة وصحتها. كما طالب مؤتمر بكين للمرأة سنة 1995 حكومات الدول المعنية بهذا الأمر بمنع بتر الأعضاء الجنسية عند النساء وبإتخاذ إجراءات من شأنها معاقبة المسؤولين عن هذه الأعمال. يجدر بالذكر أن معظم هذه الدول قد وقعت على اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة التي تتعرض في مادتها الخامسة لهذه المسألة مطالبة بالقيام بما يلزم للقضاء على هذه الممارسات التقليدية القائمة على مفهوم دونية المرأة. لكن رغم منعها في بعض الدول الإفريقية ووضع برامج توعية سكانية ما زالت هذه الممارسات قائمة بشدة.

في مصر، تبدو مسألة بتر الأعضاء التناسلية للمرأة عادة تقليدية عميقة الجذور في العادات والتقاليد. هناك تضارب بالآراء حول بداياتها، لكن منهم من يقول أنها لم تكن معروفة عند الفراعنة ثم إنتشرت قبل المسيحية والإسلام بإحتلال مصر من وافدين من أفريقيا. ما زالت هذه العادة تمارس حتى اليوم بشكل واسع بين المسلمين والمسيحيين على حد سواء. لقد ساعد على ذلك تضافر عوامل ثقافية وإجتماعية وإقتصادية ودينية ومفاهيم أبوية سائدة منعت الجمعيات الأهلية والهيئات الحكومية الى سنوات خلت من التصدي لها بشكل فعال وطرحها أولويات "أهم" في العمل مع النساء.

يفسر لنا هذا الواقع الرقم المرتفع جدا للنساء المصريات المختونات الذي تدل عليه إحصائية أجراها المجلس الوطني للسكان المنبثق عن وزارة الصحة المصرية التي تجري التحقيق عادة كل 3 سنوات (19). لكنها المرة الأولى التي يشمل فيها هذا العدد ويتناول الختان بشكل منفرد. وقد أبانت الإحصائية التي تناولت حالة 14779 إمرأة متزوجة تتراوح أعمارهن من 15 الى 49 سنة أن 97% منهن مختونات. كذلك أظهرت في نفس البحث دراسة سريرية أجريت على نساء من عدة مناطق مصرية أنه في أكثر من نصف الحالات (64%) تعدى الختان إزالة البظر فقط.

إن هذه العملية التي تتم وسط طقوس إحتفالية، يقوم بها غالبا أفراد غير مؤهلين وفي ظروف صحية سيئة بإستعمال آلات غير صالحة او مطهرة وبدون مخدر. مما يحدث صدمة نفسية، ويؤدي لنزيف والتهابات قد تكون حادة تسبب الوفاة. تعتبر هذه العملية "جريمة طبية بكل معنى الكلمة تركن وراء جانب كبير من المشاكل الإجتماعية والصحية والنفسية التي يعاني منها المجتمع المصري" (20).

إنها تنقسم من حيث قسوتها الى عدة أنواع : بدءا بقطع غلفة البظر، مرورا بإزالة حشفة البظر أو البظر بأكمله بالإضافة لشفرا الفرج جزئيا او كليا، وانتهاءا بإزالة الشفرين الخارجيين إضافة للبظر والأنسجة المجاورة مع خياطة حافتي الجروح معا وترك فتحة صغيرة جدا للتبول وللدورة الشهرية. أما المضاعفات الحاصلة عن ذلك فتنقسم الى أربعة أقسام أساسية : بولية، نسائية، متعلقة بالتوليد ونفسية-جنسية. الى جانب  المضاعفات الفورية التي ذكرت فيما قبل، يمكن أن تحدث مضاعفات أخرى بسبب إحتباس البول في الأيام التالية نتيجة الألم الذي يحدثه الخوف من التبوّل وبسبب تورم الأنسجة. كما وتظهر بشكل خاص بعد الزواج آلام ومشاكل صحية وزوجية وبرود جنسي وحرمان من المتعة وعقم مرده صعوبة الإيلاج، بالإضافة لإشكالات الوضع والولادة وما يلي كل ذلك من توتر وإنهيار عصبي وغيره من مشاكل نفسية.

إن التقاليد القديمة السائدة في ظل غياب قانوني وإنتشار الأمية والجهل وعدم الصراحة والتحرج في مواجهة هذا الموضوع وشيوع مفاهيم خاطئة وتناقضات في الآراء حوله وعدم وعي كافي وتصور مغلوط لموقف الدين ووجود إتجاهات متطرفة تتخذ منه ذريعة لمقاومة التغيير السلوكي، كذلك عدم التعرض لهذه المسألة في المناهج الدراسية بالإضافة لنظام سياسي له موقف سلبي من القضية يقبل بالمساومات وعدم وجود نساء في مراكز قضائية عليا تواجه تحكّم المفهوم الرجالي باستصدار القوانين، كلها عوامل تفسر إستمرار هذه الممارسات الشنيعة والمنحطة والأفكار المحافظة التي تعمل للإبقاء على دونية المرأة وإستلابها.

 بما يخص العنف الواقع على النساء

نبقى في مصر لنتطرق لأشكال أخرى من العنف ضد المرأة. فبمعزل عن العوامل البنيوية من إقتصادية وإجتماعية وثقافية وقانونية سائدة في المجتمع تحرّض على العنف وتبرر إستخدامه، تبدأ أشكال العنف عمليا حسب دراسة ميدانية (21) من الإعتداء على المرأة باللفظ من سب وشتم مرورا بالهجر او الإمتناع عن الإنفاق الى الإعتداء بالضرب والطرد من المنزل او الإعتداء الجنسي وصولا الى القتل بالرصاص أو ذبحا أو حرقا أو خنقا. هذا التقسيم كما تنبه له الباحثة يمكن أن يكون أحيانا إعتباطيا حيث تتداخل أنواع الأذى المختلفة من مادي وجسدي مع النفسي والمعنوي الذين لا يمكن قياس نسبتهما ولا يتم الإعتراف بهما في الإجراءات القانونية. في حين أن تأثيرهما يمكن أن يكون أعمق على شخصية المرأة وخاصة على المدى البعيد.

تظهرالدراسة أن غالبية ضحايا العنف الأسري هن من الزوجات، تليهن الأمهات ثم الأبناء الإناث فالأخوات وتمتد أخيرا الى نساء ذات صلات قربى كالحماة وزوجة الأب وإبنة الخالة او العم. برغم تعدد أسباب العنف، تحتل الأسباب الإقتصادية المكانة الأولى : من سوء الأحوال المعيشية الى رغبة الرجل في الإستيلاء على ممتلكات المرأة. أما من بين أهم الأسباب الإجتماعية تبرز مسألة تعدد الزوجات وإجبار المرأة على ترك بيت الزوجية او التنازل عن حقوقها ما قبل الزواج. كذلك تظهر مسألة إجبار الفتاة على الزواج بغير رضاها أو زواجها بدون رضى الأسرة. أما الأسباب الثقافية كالشك في سلوك وأخلاق المرأة فتبدو من أقل الأسباب تأثيرا.

من جهة أخرى، تظهر العلاقة واضحة بين إنتشار العنف ضد المرأة في الأسرة وإنخفاض المستوى التعليمي والثقافي للزوج والزوجة. كما ويكثر العنف بشكل ملحوظ بين أبناء الطبقة العاملة من فلاحين وعمال وحرفيين وصغار موظفين. مما يؤكد على إزدواجية القهر الذي تتعرض له النساء في الطبقات الفقيرة. غالبية النساء الضحايا لا يعملن خارج المنزل، بغض النظرعن دور المرأة الريفية الزراعي والإنتاجي الذي يعتبر جزءا من دورها العائلي طالما هي لا تتقاضى أجرا. ويمر العنف الذي يمارسه الرجل على المرأة بمعظم مراحل العمر أي إبتداء من فترة مراهقته، بينما تقع المرأة ضحيته في جميع مراحل عمرها إبتداء من الطفولة حتى الشيخوخة، لكن في الحالتين يتركز في مراحل شباب الجاني والضحية.

 إن إنتشار ظاهرة العنف ضد المرأة لم يظهر حسب الدراسة فروقا بين الريف والحضر، لكن ما يلفت النظر هو تكاثرها في الحضر الشعبي الفقير والمكتظ بالسكان في العاصمة. أما ردود أفعال المرأة من العنف الواقع عليها فتتدرج بين الإذعان والإستسلام للرجل وشروطه (وغالبا ما يظهر بين النساء الفقيرات اللواتي لا سند لهن مادي أو عائلي) إلى رد الفعل في إطار القانون عندما تلجأ للقضاء لطلب حمايتها او حقوقها (وهذا غير متوفر لجميع النساء من كل الطبقات) أو عندما ترد على العنف بعنف مضاد قد يصل لإرتكاب جريمة قتل. هذه الظاهرة بدأت تتزايد خاصة في السنوات الأخيرة كما أثبتتها دراسة عيانية لنفس الباحثة (22).

أما فيما يتعلق بالأحكام الصادرة على الرجال الذين لجأوا للضرب، فهي تتميز بالضعف وتتركز معظمها على الحبس من شهر الى ثلاثة أشهر او دفع غرامة مع وقف التنفيذ. مما يثني المرأة عن اللجوء للقضاء ويشجعها على الرد بإستخدام العنف. إن ما يلفت النظر كذلك وجود تناقضات في الأحكام الصادرة بخصوص دعاوى متشابهة وقضايا لا تختلف ظروفها وملابساتها. مما يترك الجواب حائرا فيما إذا كان السبب يتعلق بمكانة المرأة المدعية ووضعها الإجتماعي والطبقي أو بغموض القوانين وتحيزها، أم أنها مسألة تعود للقاضي الذي يحكم في القضية ؟

أما في الجزائر، فالعنف داخل نطاق الأسرة لا يظهر البتة إذا ما إعتمدنا على الأعلام الذي يتعرض للأسرة بإحترام متناه ويعتبرها وحدة مقدسة. لكن رغبة التعمق بالموضوع تكشف، من خلال بحث أجري في الجزائر العاصمة (23)، فظاعة الوضع في مجتمع تعمم فيه العنف وتداخلت أشكاله العائلية بالإجتماعية والسياسية. مع ذلك يسود نوع من العمى الاجتماعي تجاه العنف المنزلي الذي يعتبر مسألة عادية وبديهية وموضوعا مبتذلا لا يجدر التطرق له. ذلك رغم أنه يطال كل الفئات الإجتماعية وكل الأعمار وحيث ان الضرب والإذلال يخرج من نطاق المنزل الى دائرة المدرسة التي تربي على الحق بممارسة العنف كمبدأ يشرّع له الدين. تجدر الإشارة الى إستعمال العنف  أيضا كشكل من أشكال العلاج في طرد الارواح الشريرة والشياطين، كما ويلقى رواجا في السنوات الأخيرة رغم الحوادث التي تسبب بها.

 إن العائلة بمفهومها الواسع التي لم يعد بإمكانها أن تضمن الدعم لأفرادها قد إنحسرت الى الاسرة الصغيرة وتخلت عن حمايتها للنساء فارضة عليهن القبول بكل أشكال العنف بما فيها الأكثر بشاعة. في الوقت عينه ألقت باللوم على المرأة معتبرة إياها مسؤولة عن كل ما يمس العائلة : من زيادة النسل التي تهدد الحياة الإقتصادية الى الإخفاق في المدرسة وتراجع صحة أفراد العائلة او تدهور العلاقات فيها وغيره.

إستنادا للأطباء وللقابلات في الأقسام النسائية الذين أجري معهم التحقيق (24) لقد أصبح العنف الجنسي والسفاح واغتصاب الفتيات الصغيرات كما المراهقات من قبل الأخوة والآباء ورجال الأسرة الآخرين شيئا مألوفا جدا. كما وان الإعتداءات الجنسية على الفتيات  لا تستلزم بالضرورة  اللجوء للطبيب إلا في الحالات القصوى، أي خطر فض البكارة. بينما تبقى الصدمات النفسية الناتجة عن ذلك والتي تترك آثارا لا تمحى مدى العمر غير ذات أهمية. في حالات الحمل التي يسببها إغتصاب محرّم يساعد الأطباء الفتيات على الإجهاض عندما يكون ذلك ممكنا، لكن فيما عدا ذلك لا يسمح بالإجهاض البتة.

كثيرة هي أيضا حالات الإعتداء الجنسي الذي تتعرض له الزوجات من قبل أزواجهن بما فيهن الحاملات. ويلاحظ هذا النوع من العنف على العروس أيضا إثر الليلة الأولى لزواجها. وطبعا ما من يكترث لما قد يخلّفه هذا السلوك من آثار ليس فقط جسدية وإنما بالأخص نفسية على مستقبل العلاقة الزوجية وإمكانية الحمل والتوازن النفسي للمرأة وغيره.

إن المضايقات الجنسية المصحوبة بإعتداءات على النساء أصبحت أيضا مألوفة في الأماكن العامة ووسائل النقل، وما من يحرك ساكنا. إنها تستهدف النساء غير المصحوبات بهدف تحديد إرتيادهن قدر الإمكان للأماكن العامة ومراقبة طريقة عيشهن. فالعنف الإجتماعي يحل محل العنف العائلي ما أن تخرج المرأة من السجن البطريركي الى الأماكن العامة حيث تصبح عرضة لرغبات الرجال الآخرين وحقهم بتقويم سلوكها. عليها وحدها ان تتحمل مسؤولية ذلك وأن  تستنتج أنها غير معتبرة ككائن إنساني. إنها لا تملك أي حق لا يطرح للنقاش، وشهاداتها او مكانتها الإجتماعية ليست لهما إعتبار أمام حقوق أي رجل عليها. فالعنف الذي يطالها مبرر دوما.

هذا الوضع لا يختلف تجاهها في المؤسسات العامة. فقسم الطب الشرعي مثلا لا يسمح بالتحقق من الأرقام. وفي كل الأحوال لا تتضمن السجلات أي دليل على هوية المعتدي وجنسه، لأن العنف الذي يطال المرأة ليس موضوعا يستحق التوقف عنده. فيجري اتلاف  الملفات  بعد مرور سنة عليها دون إبقاء أي أثر لها. إن الرقابة على سلوك النساء مسألة تهم السلطات الحكومية أيضا التي تتعرض بالمعاكسات والإزعاجات للمرأة التي تشاهد برفقة رجل من غير زواج. فهي تهان وتساء معاملتها وتقاد الى مخافر الشرطة كما وتهدد بإدراج إسمها في سجلات بائعات الهوى.

في مكاتب الشرطة تستقبل المرأة كمصدر إزعاج ولا تشجع ابدا على متابعة الملاحقة لأنها بذلك "ستزيد من إشكالات وضعها". إن الحالة الوحيدة التي يتم فيها للتو توقيف الجاني هي إعتداء الابن على والدته التي لا تحتاج لإثبات. فيما عدا ذلك، على الضحية أن تقدم شهادة طبية من الطب الشرعي تثبت ان الحادث أدى لتعطيلها أكثر من 15 يوما. بينما في التوقف من 8 الى 15 يوم لا ينال المذنب أكثر من دفع غرامة مالية. لكن ما يجدر ذكره انه مع بدء حالة الحرب منذ عدة سنوات لم تعد معظم مخافر الشرطة تتلقى شكاوى بسبب مخاوف من يتوجه اليها من ان يعتبر مخبرا. منذ ذلك الحين أصبحت المشاكل العائلية تسجّل في خانة العنف الإرهابي.

 إن أي شكل من أشكال العنف المنزلي او الإجتماعي في الجزائر لا يتم التصدي له حسب الدراسة بأحكام قانونية أو الوقاية أو المحاربة من قبل الدولة او القوى السياسية او الإجتماعية. بل بالعكس يصار لتبريره والشك بمسؤولية الضحية، اضافة لاعتباره غير كاف لرفع شكوى أمام المحاكم. فالمحامون من ناحيتهم غالبا ما يتعاملون مع القضايا هذه ضمن منطق قانون العائلة والإيديولوجية السائدة.

بالرغم من خطورة عواقب العنف على الضحايا يتفق الجزائريون وبمعزل عن إختلاف مسؤولياتهم ومكانتهم بوجوب عدم التدخل بشؤون العائلة. يعني هذا ضرورة إستسلام المرأة للواقع كي لا ترمى في الشارع. فالزواج ما زال للأغلبية العظمى من النساء الإطار الوحيد الذي يؤمن لها عيشها وسقفا تحتمي به ووضعا إجتماعيا. مما يثني المرأة عن المغامرة بمعارضة مفتوحة، حيث يصبح التشجيع على التمرد بوجه الخضوع دعوة للمخاطرة بالإرتماء بأحضان الدعارة خاصة وان البغاء أصبح ظاهرة واسعة الإنتشار في العاصمة.

تخلص الدراسة للقول أن العنف ضد النساء لم يكن في يوم من الأيام مسألة مقلقة لأحد، لكن عندما طال عناصر النظام الأبوي والسياسي كان لا بد ان يلقى مواجهة. حينها أصبح هتك أعراض النساء وقتلهن موضوعات تستعمل لمحاربة الإسلاميين وأصبح اعتبار الضحايا شهداء "القضية". فزواج المتعة الذي إستعمله الإسلاميون، والذي يغلّف الإغتصاب، يتعرض "لشرف" الرجال. في البداية لم يتم التوقف عنده كثيرا ولم يشكل موضوع إحتجاج شديد من قبلهم الى حين إتسعت دائرة الخطف والإغتصاب والقتل. فقد أصبح يُنظر للمرأة كموضوع حقوق من اليوم الذي لم تعد وحدها ضحية العنف الذي بدأ يطال كل الفئات الإجتماعية بما فيها الأطفال والشيوخ، أي الفئات ذات الطابع "المحرم" في المقاييس الإجتماعية. عندها بدأ المجتمع يتلمس كيف أن عبادة القوة والرجولية والتشدد الأخلاقي السطحي التي حازت طويلا على تواطؤ مختلف الأطراف قد تعدت الحدود المحتملة لنطاق أوسع.

العنف الموجه ضد المرأة والناشئة في المجتمع الخليجي

يرزح المجتمع الخليجي بكامله وإن بدرجات مختلفة تحت كابوس الكبت والتزمت وأشكال القمع البدائية. ذلك بشكل أساسي على أساس التشريع والدين الذي يُستعمل بشكل لا يترك غالبا مجالا لأي هامش من الحرية والتعبير عن النفس إلا بأشكال ملتوية. فالإمتزاج بالثقافات الغربية لم يحصل إلا حديثا وبشكل سطحي، على أرضية من التركيبة العشائرية القوية  ومن التزمت الديني وفق قراءة سلفية مختزلة. كما ويلجأ أصحاب التشريع والمتنفذين في أعلى هرم السلطة  الى الإستقاء من الحديث والقرآن بما يتناسب مع مواقفهم الضيقة الأفق ومصالحهم الإجتماعية السياسية. وهم لا يتورعون عن إجتزاء الآيات أحيانا وإضفاء معان عليها بما يكرس الإيديولوجية الذكورية.

تأتي الأسرة لتعيد إنتاج هذه العلاقات والقيم من خلال التمييز بين الجنسين ولتقوم بعمليات التنشئة والتطويع الإجتماعية في جو تعصف به التناقضات والمشاكل البنوية الخانقة. فيصبح الإنسان مصنوعا بدل أن يكون صانعا لمصيره ضمن آليات الرقابة والضغط الشديدتين. ويزداد الضياع بمقدار ما يفقد المرء القدرة على نقد الحاجات والأهداف التي تغرسها الأنظمة والبنى السياسية والإقتصادية والدينية التي تكبح الأمل بالتغيير الديمقراطي. تتم بعض عمليات تصريف وتحويل القمع بجعل الإثراء والتنعم الإستهلاكي من الأهداف الأساسية وتضخيم الرغبات وتوليد حاجات متجددة عبر الإغراءات التي توفرها هذه المجتمعات الحديثة الثراء. فتجد غريزة المتعة ومبدأ اللذة فرصتهما للإنطلاق والتعويض، بما يكثر من مظاهر الشذوذ الجنسي والمسلكي خاصة عند الناشئة التي تبحث عن نفسها بالهرب الى عالم ليس له علاقة بعالمها المعاش.

إن الفصل التعسفي بين الجنسين والكبت الجنسي الشديد في مجتمع  أفراده بصلة مباشرة مع اشكال متعددة للاختلاط عبر السفر ومتابعة احدث تقنيات الإتصال، من شأنه أن يخلق عدوانية قوية ناجمة عن التناقض بين وعي العالم المعاش وطريقة عيشه. وبدلا من ان توجه هذه العدوانية بإتجاه السلطات الدينية والسياسية المسؤولة عن هذا الوضع تحوّل بإتجاه كبش محرقة، كما يمكن ان تنعكس في الوقت عينه على الذات وعلى المقرّبين. إنها غالبا ما تجد متنفسا لها عبر سلوكات أكثر ما تكون سادية ضد جماعات ليست من ذات الطبيعة العرقية أو الثقافية تلصق بها صفات سلبية. يتركز ذلك إجمالا على كل الضعفاء في السلم الاجتماعي (25) وبخاصة المستخدمين الآسيويين الذين يشكلون حقل ممارسة الحرام بالقوة.

يرى باحثون أن القيم والأفكار والمثل والأخلاق والعادات والتقاليد تختلف من مكان وزمان لآخر وتتأثر بالظروف الإجتماعية والحالة الإقتصادية التي تحددها علاقات الإنتاج السائدة في كل من هذه المجتمعات. فتلقى أفكار التيار السلفي المحافظ رواجا رسميا وشعبيا أكثر في المجتمعات المغلقة التي تتميز أوضاعها بالتخلف أكان إقتصاديا ام سياسيا واجتماعيا وثقافيا (26).

أرسلت لي من الإمارات العربية الباحثة زينة العربي (27) تقول "إن موضوع العنف الذي يمارس على الفئات المستضعفة في المجتمع الخليجي بلغ حدا كبيرا. لكن ما من أحد يجرؤ على التحدث بذلك بسبب الإنغلاق التام والعقوبات المشددة التي يتعرض لها من يحاول التفوه بشئ من هذا القبيل. فالمخابرات كما يتداوله البعض تنفق أموالا طائلة للسيطرة على الوضع بحيث يعتري الخوف الجميع من التطرق لما يمس "سمعة البلد". فلا يطمئن الناس لبعضهم ولا يجرؤون على إنتقاد أي شئ ويدّعون أن هناك سماعات مخفية للتنصت عليهم.

أما عن وضع المرأة، فهي ترزح بشدة تحت عبء التقاليد ومجتمع الرجال المنفصل بشكل شبه تام عن مجتمع النساء. قلما نجد مثلا إمرأة برفقة رجل في الأماكن العامة التي يرتادها الرجال بمفردهم، ونادرا ما تركب الزوجة في السيارة قرب زوجها ولا تجلس في المقعد الخلفي. وبالرغم من أن الدعارة في أوجها بوجود أجنبيات، يمكن ان يعتبر مد يد زوج على كتف زوجته في الشارع أو السيارة عملا  فاضحا.

إن المرأة الإماراتية إجمالا بسيطة وطيبة حيث لا يتجاوز عمر التحضر في الإمارات لاغلبية المواطنين أكثر من ثلاثين سنة. مما يعني أن الكثيرات من اللواتي ولدن تحت الخيام ما زلن حيّات. النساء في غالبيتهن مسيّرات، والعادات والتقاليد والدين مرجعهن في الحياة. فهناك من يفكر عنهن ويصوغ لهن النهج المفروض إتباعه. ومن لا يعجبها ذلك تحاول ان تجد متنفسا لها بالطريقة  التي تراها مناسبة.

تختلف أوضاع المرأة نسبيا بإختلاف العمر: من هن فوق الخمسين يتمسكن تمسكا تاما بالتقاليد دون نقاش. جيل الأربعين والثلاثين يبقى أكثر إعتدالا وإنفتاحا، لكن بشكل نسبي بحيث يراعي التراث الثقافي والتقاليد كي لا يحارب إجتماعيا. فالرجل لا يساند المرأة إلا شكليا بما لا يعرّض مملكة رجولته. فهن قد يقمن بنشاطات خيرية وثقافية لكن بعموميات ويبتعدن عما يعتبرخصوصيات وضع.

أما الجيل العشريني فتظهر إزدواجيته واضحة حيث يبدو كمن تعب من التناقضات بين ما يحياه من واقع وما يراه بسبب ما يوفره النفط من إمكانيات سفر ودراسة في الخارج وغيره. والفتاة عليها أن تختار بين الزواج في سن مبكر من فارس أحلام أهلها أو إكمال الدراسة إن لم تكن على قسط وافر من الجمال. يتم التفاوض عليها بين عائلة أبيها وعائلة طالب يدها. وتتم المقايضة حسب أصول مرعية ودون الأخذ برأيها حيث تبقى الفتاة صامتة تترك غيرها يحدد مصيرها". غالبا تبقى بدون زواج الفتاة  المتعلمة والتي تعمل بسبب عزوف الشباب عن الزواج من جامعيات حيث باعتقادهم أنه يصعب السيطرة عليهن. فالرجل يحترم المرأة المثقفة كصديقة وزميلة عمل ولكنه عند الزواج يختار إمرأة أقل علما حيث أن الشهادة الجامعية تعني قدرة أكبر على النقاش (28). فما يحصل أحيانا هو أن تتزوج الفتاة أولا ثم تدرس فيما بعد إذا سمح لها الزوج بذلك. لكن العمل بعد الزواج نادر حيث تظهر إحصائية جديدة أن نسبة العاملات من إجمالي المتعلمات لا يتعدى 6%.

إن هذا من اسباب المشكلة المستجدة والمتفاقمة التي بدأ يعاني منها المجتمع الخليجي ويبحث لها عن حل، وهي ظاهرة عنوسة البنات المواطنات. "فالعنوسة هي تحالف ظروف أسرية وإجتماعية وشخصية تقمع رغبة الفتاة في الزواج (...). والحكم بالعنوسة يبدأ مبكرا جدا على الفتاة الخليجية لأن سن الزواج الحالية تقارن بسن الزواج في الماضي حيث كانت الفتاة تتزوج في الرابعة عشرة او الخامسة عشرة. أما اليوم فان بلوغ الفتاة سن الخامسة والعشرين يضمها فورا الى طابور العوانس. وهذا يشكل ضغطا نفسيا رهيبا على الفتاة التي تبدأ رحلة القلق والتوتر بمجرد بلوغها الثامنة عشرة.." (29).

هناك أسباب عدة للعنوسة منها : ديمغرافية ككثرة تعداد الإناث نسبة للذكور، وإقتصادية من إرتفاع كلفة تكوين الأسرة والمهور ومصاريف الزواج و"لأن طلبات الزوجة المواطنة تفوق بكثير طلبات المرأة الوافدة"، يضاف لذلك أسبابا إجتماعية مثل "إمتناع نفر من الشباب عن الزواج إكتفاء بالمتع الحرام المتاحة"، وبفعل التقاليد ومقاييس الحسب والنسب  "يتم حجز البنت لقريب معين كإبن العم أو إبن الخال بحجة أن القريب أولى بها من الغريب، وقد يعرض عنها هذا القريب ويفوت عليها الزواج بالغريب" (30).

إن كانت العنوسة من أسباب تشجيع الدين لتعدد الزوجات، فالرجل يثبت "فحولته" كلما أكثر من الزوجات. وحالما تسمح إمكاناته المادية بذلك يقوم بتكبير عائلته ويقيم عرسا فخما. لضمان مستقبل الزوجة- التي قد يليها زوجات- بشكل أفضل، يتم رفع المهر. ونظرا لإرتفاع الأسعار وعدم قدرة المواطن على القيام بما يلزم في حال تعدد الزوجات، أقر الشيخ زايد مرسوما هذا العام يقضي بإقامة حفل العرس يوما واحدا بدلا من أسبوع، كما وحدد المهر بخمسين ألف درهم مقدم ومثله مؤخر، (أي ما يعادل حوالي ثلاثة وعشرين ألف دولار)، ومنع ذبح أكثر من سبعة جمال. طبعا عند الأغنياء يتم  التعويض عن محدودية المهر بشراء المجوهرات التي أحيانا قليلا ما نجد مثيلا لها وحيث يكون حفل الزفاف للإستعراض أكثر منه للفرح.

هناك أشكال مختلفة للزواج وتعدد الزوجات كزواج المسيار الذي تكتب عنه الجرائد في السعودية هذه الأيام بين مؤيد ومعارض. وهو زواج متعة بمعنى أنه زواج مؤقت يتم خلال سفر الرجل للخارج، بحيث تأخذ مواقعته للنساء طابعا شرعيا على الأقل من وجهة نظر شيعية جعفرية. إنه لا يفترض مهرا بل أجرة يدفعها الرجل مقدما. وليس على الرجل الإلتزام بالأطفال الناتجين عن هذه العلاقة.

توجد زيجات أخرى على طريقة زواج المسيار، حيث يتم توثيق الزواج في الجهات الرسمية بعد موافقة الأطراف المعنية وحضور ولي الزوجة وعقد القران في حضور شاهدين. في هذا النوع من الزواج تتنازل الزوجة عن حقها في إنفاق زوجها عليها ويتنازل هو عن حقه في مبيت زوجته بمنزله. أي أنها تستقر في بيتها مع أولادها أو مع أسرتها ويلتقي هو بها يوميا أو كل عدة أيام. وقد يعود ذلك لظروف إجتماعية معينة تمر بالزوجة كأن تكون أرملة أو مطلقة ومعها أولاد تريد أن تتفرغ لتربيتهم (31).

أما الفئات غير الميسورة فتعاني من مشاكل الطلاق أكثر منه من تعدد الزوجات. لقد أظهرت دراسة ميدانية أجراها صندوق الزواج "أن 90% من حالات الطلاق سببها الإسراف في تكاليف الزواج. مما يضطر معظم الشبان الى الإستدانة من البنوك، طالما أنها الوسيلة الوحيدة. ولا تكاد تمر الشهور حتى يجد نفسه قد سقط في دوامة لا تنتهي من الأزمات المالية التي تحيل حياته الى جحيم. ويختار الطريق الأسهل الذي هو الطلاق وسيلة للفكاك من أسر الديون" (32).

يتم تبرير عدم إلغاء تعدد الزوجات على أساس أن المجتمع الإماراتي محتاج لمعالجة الخلل في تركيب نسبة أعداد السكان الأصليين مقابل الوافدين، حيث يشكل عدد أفراد المواطنين تقريبا ثلث تعداد السكان الإجمالي. خلال شهر رمضان تستدعى داعيات عربيات تلقي على النساء محاضرات تتحدث فيها عن إغراءات الدنيا الآخرة وما ينتظر المؤمن في الفردوس مطالبة بالتقوى وممارسة العبادات لنيل الجنة بما فيها من القصور والذهب والخمر المحرم عليهن في دنياهن. فتحارب مناهضة التعددية بالقول أنه لا يمكن للمرأة أن تعترض على التعدد طالما كان زوجها قادرا على الإنفاق عليها وعلى أولادها، وتبرر حق الرجل بالزواج إن رضيت زوجته أم لا. 

لقد حصلت نتيجة التعددية محاولات قتل أزواج على يد زوجاتهم حيث أن الزواج بهذا الشكل يمكن ان يكون طامة كبرى على الزوجات والأولاد الذين يفقدون الإهتمام والرعاية الكافيين. ففي مطلع العام 98 تم  إعدام  مواطنتين في دولة الإمارات بتهمتهما بقتل زوجيهما. وسبب الجريمتين كان  ظهور شبح الزوجة الثانية في حياة رجليهما.

بالطبع، لا تنحصر اسباب العنف النسوي في تعدد الزوجات وهناك حوادث وسلوكات رد فعلية متنوعة. فقطاع من النساء يلجأن لنفس اسلوب الفحولة الرجالية لرفع الظلم الواقع عليهن من خلال دائرة الأسرة التي يعتبرنها فضاؤهن الخاص بهن. كذلك جهلهن بالمبادئ التربوية في التنشئة يجعل من الأطفال حقل تجارب وتصريف ما يترك شروخا في بناء شخصيتهم.

هنالك من يعتبر أن المرأة الخليجية قوية وليست أبدا كما تبدو ظاهريا،  لها السطوة والكلمة الأولى في البيت وإذا قررت شيئا لابد وأن ينفذ. فالزوج لا يجرؤ على مخالفتها، كما لا يهمها اين يذهب وبما يتسلى لأنها بنفس الوقت تسلي نفسها. وكثيرة الحوادث التي يرى الزوج إمرأته مع أحد خدمه أو حتى مواطنين ورد فعله أحيانا ما يكون بتهديد الغريم بالإتصال بالشرطة إذا أعاد الكرة.

من جهتها، تعزي الدكتورة فاطمة الصايغ مدرّسة التاريخ في جامعة الإمارات الصورة السلبية للمرأة الخليجية لوسائل الإعلام الغربية "التي تستهدف إخفاء الحقائق وإظهار الجانب اللاحضاري وتسليط الضوء على السلبيات، بروح لاعلمية ومتحيزة". وهي تعتبر "ان المرأة في الخليج وعلى مدى الثلاثة عقود الماضية قد قطعت شوطا طويلا في مجال التعليم والعمل ولعبت دورا مهما في حركة التنمية الإجتماعية دون ضجيج او زخم إعلامي محلي. وقد نالت المرأة حقوقا كثيرة وحققت مكتسبات كبيرة في مدة قياسية من عمر الزمن(…) إن المرأة في الخليج لم تدخل كالمرأة الغربية في معارك طاحنة من أجل نيل حقوقها، فقد أعطاها المجتمع إياها مدركا أنها نصف المجتمع، وهذا ما يؤكد زيف الإعلام الغربي والذي حاول جاهدا أن يصور أن المرأة في الخليج هي كمّاً مهملا مسلوب الإرادة والحقوق" (33).

تقول الباحثة زينة العربي عن المرأة المتعلمة التي عاشت في الخارج وخبرت حياة أخرى أنها تتقمص بسرعة الشخصية التي يفرضها عليها المجتمع الخليجي، معتبرة سلوكها هذا طبيعيا كي لا تعيش منبوذة بين أهلها. لكن قد تحاول بالمقابل أن تحقق رغباتها على طريقتها دون الجهر بأفكارها. وكما تشيع في الجزيرة العربية (السعودية) مشكلة التشهير بالنساء التقدميات ويصل الأمر الى توزيع مناشير تحذر من مخالطتهن، ليس من الغريب في الامارات نشر شائعات عن كاتبة او مدرسة تقدمية ونصح النساء بالابتعاد عنها. لقد انتهى أمر اكثر من اسم نسائي بالاقالة من العمل أو بالانتقال الى مدينة أخرى.

 وهي تعتقد أن المتعلمات اللواتي تحتك  بهن لا يشكلن بالضرورة طبقة إنتلجنسيا لها فكرها الحر والمتطور. هن أفضل من العوام قليلا لكن الفاعلات بينهن قلة. وحتى الآن ولعدم تبلور المعاناة بسبب الوفرة الإقتصادية لم يبرز التذمر من الوضع الإجتماعي إلى السطح بشكل كاف لتحريكه. لكن سيحين الوقت الذي ستتفجر فيه التراكمات والتناقضات بشكل خطير.

تنجب المرأة الخليجية كثيرا من الأولاد نزولا عند رغبة الرجل وإعتقادا منها أن ذلك يحميها من الضرّة. ثم أنها تزداد شأنا كلما إزداد عدد أولادها (فهو يسطو عليها في شبابها وهي تسطو عليه في شيخوخته وتنتقم عبر أولادها لما عانته منه، مما يعطيه بالمقابل مجالا للبحث عن زوجة جديدة وشابة). لقد أصبح الزواج والطلاق بتزايد مستمر حيث غالبا ما يتم الطلاق بطلب من الرجل وخاصة بعد أن يزيد عدد زوجاته عن الأربعة. كثيرا ما تتم عملية تكرار تزويج الزوج على يد إحدى زوجاته بإختيارها أو مرغمة.

أما المرأة التي تطلب الطلاق فيجب أن تبرر ذلك حسب الشرع، أي أن تثبت مرضه أو عدم معاشرته لها جنسيا أو عقمه وعدم قدرته على الإنجاب. ويبدو جليا ان الحياة الزوجية منحلة ومفككة من الداخل رغم الأطر الإجتماعية التي تكبلها. فالعيب هو في أن يصل لمسمع الآخرين ما يحدث داخل الأسرة  وليس في ما يحدث والمهم التكتم على الفضائح والعمل لأن تبقى مستورة. أما الإنفصال فهو موجود كواقع في بيت الزوجية حيث يعيش النساء في قسم منه والرجال في قسم آخر، ويتم إلحاق الصبيان بقسم الرجال في عمر مبكر. ليس بالضرورة أن تكون العائلة غنية كي تملك فيلا تتسع لهذه التقسيمات، فالعائلات المتوسطة تحيا هذا الإنفصال. وكقاعدة عامة تملك أغلبية الرجال شققا ثانوية غير بيت الزوجية.

داخل مجتمع النساء هذا تقضي المرأة وقتها بما تجد فيه متنفسا  لها بغياب الرجل عن البيت. وما يسترعي الإنتباه هو إهتمام هذا المجتمع بعالم السحر والخرافات وذلك بتأثير من الحضارات الهندية والفارسية وكذلك من المغرب.

بما يخص وضع "حبيسات القصور"، يمكن القول بإيجاز أنه يحرّم على الشيخات الزواج من غير عائلات الشيوخ حتى ولو بقين عانسات طوال عمرهن. كما يحرّم على  الشيخة طلب الطلاق لأي سبب كان والزواج ثانية حتى ولو هجرها زوجها أو ترملت وهي في ريعان شبابها، او لو لم يعاشرها البتة او ينجبا أطفالا. بينما يحق للشيخ الزواج حتى من أجنبية ومن أي نسب يختاره بشرط أن تكون إحدى زوجاته مواطنة. فتبقى بنات الشيوخ تنتظر دورهن ليتقدم أحد من أبناء الشيوخ بطلب يدهن. كذلك تمنعن من الخروج سافرات كي لا يراهن الرجال، كما ويمنع عليهن إرتياد الأماكن العامة برغم إستعمال البرقع  (34). لا يجوز أيضا نشر صورهن في الجرائد أو أي مكان آخر. ولا تسمى الشيخات بإسمائهن، فهن فقط كريمة فلان أو حرم  فلان. إنهن عادة قليلات الكلام ومطيعات، يتنافس المتزوجات منهن لدى الحماة التي يجب أن لا تغضب على واحدتهن كي لا تزوج إبنها بغيرها وتعزل سيئة الطالع بعيدا عن القصر بدون أولادها، تتسلم مصروفها بإذن القصر وتحيا وحيدة برهن أوامر الشيخ الكبير.

أما فيما يخص الجيل الجديد فهو ضائع لا يعرف أين يجد قدوته أفي فتاوي الأزهر أم في الخروج عن ذلك الى جو التطرف الآخر وضرب العادات والتقاليد عرض الحائط. ما يسترعي الإنتباه فيه هو العصبية الحادة والإستعداد للدخول في مشاجرات عنيفة وبوحشية لأتفه الأسباب. لقد أفاق جيل المراهقات على حياة الترف والإستهلاك محاولا ان يستخدم الإزدواجية في التصرف لصالحه. ففي المرحلة الإعدادية تستغل الفتاة كل ما لديها من إمكانيات لإرضاء رغباتها قبل الزواج. لديها كل ما يلزم من المال ووسائل الإتصال وغيره لتحقيق ذلك. تحمل هاتفها النقال في كل مكان ولديها الكومبيوتر الذي يسمح لها بالإتصال بالأنترنيت تمضي وراءه ساعات لا يعرف أهلها بما تتسلى رغم المراقبة الدائمة من النساء والسائق.

أما من ناحية علاقتها بوالديها فيمكن القول ان العلاقة بين الفتاة ووالدها ليست إجمالا كما يجب ان تكون. فهي تتستر بعباءتها بحضرته وكأنه غريب ترهبه. وللأسف تبقى المسافة بينهما كبيرة خاصة عندما لا يتواجد مع عائلته بإستمرار. علاقتها بوالدتها ليست أفضل من ذلك بكثير حيث ما من مجال للحوار والتفاهم معها في أكثر الأحيان. غالبا ما يردّ ذلك للمسؤوليات التي توضع على عاتق المرأة في جو من الكبت والجهل والهرب للأمام والتعويض بالتسوق والزيارات.

إن الضغوط الإجتماعية الشديدة على الفتيات بالأخص وفقدانهن الحب والتفهم من قبل أسرهن تظهر لديهن أشكالا عنفية عديدة في السلوك. فقد أبدت دراسة ، وهي الأولى من نوعها، أجرتها الدكتورة يسرية أمين أستاذة الطب النفسي في دبي أن حوادث انتحار الفتيات في الدولة تبلغ ثلاثة أضعاف حالات الإنتحار عند الشباب. شمل البحث 82 حالة قمن بمحاولة إنتحار من دبي ورأس الخيمة  تراوحت أعمارهن بين 15 و24 سنة، معظمن عازبات ولم تكن تلك المحاولة الأولى لحوالي ربع عددهن. تطالب الباحثة "بصمامات أمان في شكل هامش من الحرية وبعض الأنشطة الإجتماعية وقدر من الثقة بالبنت وإشعارها بأنها محبوبة" (35).

تقول سوسن إستيتية باحثة وخبيرة تثقيف "إن البنت في هذا المجتمع تركيبة مظلومة (…)وتربية البنات في مجتمع الإمارات بكل معطياته تجربة صعبة(…) كيف ندرب الأمهات والمدرسات والاخصائيات لتقبل عنفوان تلك المرحلة بأفكارها وتغييراتها البيولوجية والنفسية؟ للأسف أعترف لقد فشلنا في التحاور مع الفتيات(…) إن الفجوة اليوم بيننا وبين فتياتنا أصبحت عميقة حتى ولو لم يفصلنا عنهن إلا سنوات بسيطة. فالتقدم جعل الحياة سريعة، والشاب يتحدث عن ضغوطه النفسية والفتاة تصمت فيحدث الإنفجار. ففي هذا المجتمع تخاف البنت من أخيها وتفعل كل شئ من وراء ظهره(…)  وقد حان الوقت لنرفع شعار "أخي كن صديقي" (…) لقد سمعنا عن قصص الحب التي إكتشف بعدها الشاب ان من يغازلها هي أخته او زوجة أخيه…" (36).

 تبدو تصرفات الفتيات غريبة تصدم من يراقبها عن كثب وتشعره بأنهن ممتلئات بالحقد ويهوين الإنتقام من الرجال ومن المجتمع ومن العادات في أقل فرصة تعطى لهن للتعبير عن أنفسهن، وكأنهن جاهزات للتحلل من تربيتهن كردة فعل. إن الشغب في مدارس البنين يبدو شيئا مقبولا بكل أشكاله وأنواعه ووسائل ممارسته، بينما يظل شغب الفتيات هاجسا مقلقا لإدارات المدارس. تقول الاخصائية الإجتماعية في مدرسة بالشارقة عائشة مسعود " أن الطالبة التي تأتي بمثل هذه التصرفات ليست بالضرورة دائما مشاغبة بل أحيانا طالبة هادئة في البيت ومنزوية على نفسها. لكن ما أن تطأ قدماها المدرسة حتى تتحول الى شخصية أخرى وتتصرف بشكل غير لائق، وقد يكون نوعا من التنفيس عن الضغوط النفسية التي تعاني منها في البيت سواء كان هذا الضغط من الوالدين او الأخ الأكبر. وقد تكون ضغوطا بسبب الأحوال المادية السيئة التي تعيشها مما يدفعها لأن تتظاهر بالثراء أمام الطالبات وهذا قد يدفعها لان تمد يدها الى ممتلكات زميلاتها…" (37).

إن العقاب الجسدي في هذه المجتمعات غيرممنوع، وتمتعض المعلمات عند توجيه ملاحظة لهن لتخفيف هذه العقوبات. وكثيرا مايتذمرن  من عدم قدرتهن على السيطرة التامة على البنات بسبب ليونة العقاب. في المباني السكنية الجامعية للإناث تحصل حوادث كثيرة من بينها محاولات الإنتحار التي تطمس معالمها ولا يسمح لأحد بذكرها. يجدر القول أن جامعات البنات التي تضطر لإستخدام مدرسين تحتاط بفصل الجنسين كاملا بحيث يتم إعطاء الدرس من وراء حاجز لا يسمح برؤية ظل المدرّس.

نأخذ كمثل جامعة العين للبنات في الإمارات ومدينتها الجامعية السكنية المعزولة خارج مدينة العين التي يمكن تسميتها بكل معنى الكلمة بـ " الحبس الجامعي "، كما تصفها زينة العربي إثر زيارتها لها. أسوارها شاهقة تعلوها أسلاك شائكة ونوافذ الغرف التي تطل على مدخل الحرم الجامعي مغلقة كلها بإطارات حديدية لايتسنى فتحها. عند بابها الخارجي تقف الحارسات والجنديات كما عند مدخل ثكنة عسكرية ويتم نقل الفتيات بالباصات المحروسة بمجموعة مشرفات إلى بناء الدراسة، حيث لا يصادف وجود اي مخلوق ذكر بعد دخول السور. تخرج الفتيات بتصريح خطي يتجدد إسبوعيا من أولياء أمورهن. تحت المراقبة يتم نقلهن بالباصات إلى حيث يستلمهن أهاليهن أو يتم تسليمهن عند البوابة الخارجية للأب. لا تستطيع الأم إصطحاب إبنتها إن لم تكن تحمل توكيلا خطيا من زوجها بذلك. لقد ورد في شهادة إحدى الفتيات التي إعتادت أن تأتيها أمها مع السائق إسبوعيا لأخذها أنها بقيت مرة شهرا كاملا حبيسة الجدران لأن أباها سافر فجأة ونسي كتابة التصاريح. ولم تفلح جهود إبن عمها ولا خالاتها وأزواجهن بفك أسرها.

تستغل البنات خروجهن في الإجازات للتنفيس عن حرمانهن وللتزود بكل الممنوعات والمحرمات في السكن. فهن يقمن بتهريب أجهزة الفيديو وشرائط البورنو والصور والكتب الجنسية والسجائر وورق اللعب والمشروبات وأجهزة الهاتف النقال وحبوب المتعة. وعادة  يخفين هذه الأشياء عن بعضهن كي لا تتم مصادرتها عند إكتشافها. يتم التفتيش حال دخول الطالبة عند الباب. لذلك فهن يتفنن بطرق التهريب والإخفاء ضمن عباءآتهن وبين أغراضهن. لا ينجو حائط في المبنى من رسومات بذيئة وداعرة تقوم البنات بحفرها تعبيرا عن قمعهن الجنسي. وغالبا ما يتم تشكيل عصابات فيما بينهن والقوية تسطو على الضعيفة التي تكون غالبا من تمارس معها شذوذها.

حسب شهادة طالبة، قلما تنجو فتاة من مداهمات الشاذات، حيث يدخلن في الليل ويهاجمن البنات أثناء نومهن. ومن الحركات العادية عصر الأثداء وقرص المؤخرة عدا التفوه بكلمات نابية لا تخلو من التلميح للجنس. تحلم  الفتيات باللحظة التي يتم فيها زفافهن، ولطالما لطخن بالكاتشب والألوان الحمراء الأوراق وعلقنها على الجدران رمزا لليلة الدخلة. هذا مع العلم أن بعضهن يصرّفن كبتهن عن طريق الخدم والسائقين منذ بداية مراهقتهن.

تمت في دبي تجربة أسميت بـ"الخط الساخن" قامت بها جمعية رعاية وتوعية الأحداث. وقد صرح أمين سرها انه "بعد مرور 15 يوما فقط على بدء التجربة وصل عدد الإتصالات الهاتفية الى 125 إتصالا تطرح مشكلات إجتماعية متعددة : 75 % منها مشكلات فعلية وخطيرة ويمثل المواطنون 76 % من نسبة المتصلين(…) وبدراسة متأنية تبين أن 80% من تلك الحالات بدأت مع التفكك الأسري الذي أدى لسوء التكيف الدراسي ومع عدم دراية بعض أولياء الأمور بأساليب التربية والتعامل مع النشء خصوصا المراهقين…" (38).

يقول مدرس علم النفس التربوي بجامعة الإمارات، الدكتور أحمد عبد العزيز النجار " أن هناك متغيرات إجتماعية وإقتصادية طرأت على الحياة الأسرية بالمجتمع وأفرزت أوضاعا إجتماعية تدفع بالأحداث للإنسياق في أنماط سلوكية إنحرافية (…) ترضي لديهم نزوة تأكيد الذات الفردية والميل للحصول على الإعتراف والتقدير من قبل الأقران في ظل غياب كامل للدور الرقابي الأسري والتربوي (…). فطغيان العامل المادي والرغبة الجامحة في الكسب والثراء جعلت رب الأسرة لا يلقي بالا ولا إهتماما لأهمية الدور التربوي والإجتماعي له تجاه أبنائه وزوجته، كما ان أجواء الأمان والثراء التي نشأ فيها جيل اليوم جعلته محاطا بكافة أنواع الرعاية المادية وأضعفت في داخله قيم العمل والإنتاج والإبتكار" (39).

إن الآفات التي تتهدد هذه المجتمعات كثيرة وخاصة على الأجيال التي تعهد تنشئتها لأسر غير مؤهلة لذلك. وكثيرا ما أصبحت  تتداول الجرائد المشاكل الناجمة عن تعاطي المخدرات التي يتم التطرق لها في مجلس التعاون الخليجي، حيث أن 50 % من المدمنين هم من الشباب ما دون السابعة عشرة. فحسب إحصائية رسمية صادرة عن وزارة الداخلية في الكويت تبين أنه بين 1956 حالة وفاة عرضت على الطب الشرعي عام 97 كان 1090 بسبب تعاطي جرعات زائدة من المخدرات.

يقول مدير إدارة المخدرات بوزارة الداخلية في أبو ظبي بأن "الوفيات الناجمة عن الإدمان غالبيتها من المواطنين حيث في السنتين الماضيتين ضبطت 125 حالة وفاة كان منهما حالتين فقط لأجانب. ويؤم المصحات لمعالجة الإدمان سنويا معدل مئتي مواطن (…) المدمنون يزدادون يوما بعد يوم لأنه مازالت القضية مستترة بالنسبة لنا، حتى المستشفيات أعطاها القانون الحق في التستر في حالات علاج المدمنين…"(40).

أما فيما يخص السعودية، يقر قائد عام شرطة دبي بأن المملكة تعاني جدا من مشاكل الإدمان، حيث أتاه مسؤول مستشفى الأمل بالسعودية (وهي من المشافي الكبرى) وطلب الإطلاع والتزود بالدراسات الخاصة بمراكز التأهيل المقامة في الإمارات لمكافحة الإدمان لكي يتم تطبيقها في السعودية (41). أما في الشارقة فقد تمّ قبل فترة ضبط مخزن كبير لتصنيع المخدر (42).

علاوة على هذه المشاكل التي تعصف بهذا المجتمع، ليس للأسف من يهتم فعلا بمعالجة المرضى النفسيين الذين لا يعلم أحد مدى معاناتهم إلا إذا صدرت منهم ردود فعل عنيفة كالقتل والإنتحار وغيره. فالمشاكل يتم تحميل مسؤوليتها عادة للمرأة حيث تتهم بالإنصراف عن تربية الأبناء وإيكال هذه المهمة للخادمات. إن أسهل الأمور وضع الملامة على الجنس الأضعف طمعا بعجزه عن الرد والدفاع عن نفسه كما يجب.

في ندوة أقيمت حول تهدد الوضع الأسري في الخليج يستعرض الشيخ خالد مبارك المنديل قاضي الأحوال الشخصية بالكويت إحصائية بالقول: " هناك 1919 طفلا مشردا بسبب الطلاق في عام 94 بالكويت ". ونسبة الطلاق في الكويت البالغة هذا العام  35 % قد تجاوزتها الإمارات لنسبة أعلى بلغت  46%(43).

كذلك هناك أعداد هائلة من الأولاد المتبنين والأيتام في الخليج لا تنسجم أبدا نسبتها مع نسبة تعداد السكان الأصليين. ويوجد نسل ناتج عن علاقات الرجال، أزواجا أو أبناء، مع "عشيقاتهم" الآسيويات وغيرهن من الأجنبيات. ففي العائلات الميسورة، عادة ما يضم الطفل الى بقية أفراد العائلة. أما إذا كانت العائلة محدودة الدخل وأقل من المستوى الوسط يعهد بالطفل الى دور الأيتام المنتشرة ضمن المستشفيات أو المجمعات الخاصة بذلك.

ما هي مكانة الأولاد الذين هم حصيلة هذه العلاقات ؟ تبدو النظرة التي يلقيها عليهم المجتمع غير مختلفة كثيرا عن نظرته لأمهم الآسيوية، أي الدونية والإحتقار. مما ينتج بدوره مشاكل نفسية وإجتماعية عند هؤلاء الأطفال. نعطي مثالا على ذلك هذه الحالة العينية التي نقتطعها شبه كاملة من جريدة الخليج نظرا لأهميتها ولما تنضح به من عبر حول هذا النوع من الحالات (44). تحت عنوان "جعلوني مجرما" يقول نزيل دار إعادة تأهيل الأحداث في رأس الخيمة ما يلي:

"عندما كنت خارج السجن رفض الجميع التقرب مني لأني ابن الآسيوية، وعندما ضاع مستقبلي وكرهت دنياي، تهافت الجميع على زيارتي ولكن بعد أن فات الأوان (…) شاب مواطن من أبناء دولتنا الفتية أراد الهروب من تكاليف الزواج الغالية، فوجد ضالته المنشودة في فتاة آسيوية هي الآن أمي.

وبعد أن كبرت قليلا حاولت التقرب من أبناء الجيران، لكني لاحظت نفورهم مني، لم أفهم سببا لذلك، لكني إكتفيت باللعب مع أخوتي.. ودخلت المدرسة، وتكررت المأساة لا أحد يرغب بمحادثتي، ولا أحد يقبل أن ألعب معه، الى أن سمعت تلك الكلمة التي لا يزال صداها يتردد في أذني الى الآن، حيث قال أحدهم لصاحبه عني: لا يستحق ان نكلمه، انه إبن آسيوية.. دارت بي الدنيا، عرفت الآن سبب نفور الجميع مني، هربت من المدرسة، وأنا الطالب المتفوق، هربت وإتجهت الى المنزل.. نظرت الى صورة ابي وامي المعلقة على الجدار.. تجمعت في صدري مشاعر متناقضة..كره..إشفاق..رثاء..إحتقار..حقد..حنان..لم أعرف من هو الشخص الذي سأحمله المسؤولية عما أصابني(…) نظرت الى وجهي في المرآة..ملامحي آسيوية تماما..يا ليتني لم آت لهذه الدنيا..

بعد عدة أسابيع دخلت المنزل، ووجدت أمي وقد دفنت وجهها بين كفيها، وهي تنتحب بصوت يقطع نياط القلب.. سألتها: ماذا أصابك؟ ماذا حدث؟ رفعت رأسها ونظرت إلي نظرة فهمت منها أشياء كثيرة.. فهمت أنها مظلومة، فهمت انني كل أملها بعد ان تخلى عنا شخص عزيز.

مر أسبوع ولم أر أبي، بل انه لم يكلف نفسه عناء إحضار ورقة الطلاق، ولم أحضر للمدرسة..جاءت إلي أمي..وقالت لي -وبلهجة مكسرة كعادتها: يا بني.. لا تترك المدرسة.. أرجوك فأنا أعلق كل آمالي عليك، مصاريفك اعدك انني سأتكفل بها.. نظرت اليها كرهت نفسي لأنني استعريت منها في يوم من الأيام ومضت تلك السنة، وتخرجت من المرحلة المتوسطة بإمتياز، وبينما أنا عائد الى المنزل كي أبشر أمي بنتيجتي، سمعت احدهم خلفي يقول: طبعا..يجب ان ينجح أليست أمه هي التي تصرف عليه وهو جالس في المنزل..التفت الى من قال هذه الكلمات، تطاير الشرر من عيني، وضربته ضربة أفقدته توازنه فسقط على الأرض مغشيا عليه(…) لم أحب العنف في حياتي قط، ولكنني شعرت بلذة ما بعدها لذة وأنا أضرب هذا الشخص وأفقت من سعادتي الوهمية على صوت سيارة الشرطة، وكانت المرة الأولى في حياتي التي أدخل فيها قسما للشرطة، ولكنها لم تكن الأخيرة، فقد اصبحت فيما بعد زبونا دائما، وتوالت المشاكل (…)

كونت شلة من أفسد أبناء الحي، كنا، او كنت بالأصح، اضرب كل من يعترض طريقي، كنت متسلطا للغاية، احيانا كنت أشعر بالذنب، لكني ما ألبث ان أنسى هذا الشعور كلما تذكرت تلك اللذة التي أحسها وأنا أضرب أحدهم. وذات يوم اعترض احدهم طريقي، شاب من أفسد أبناء الحي وأسوأهم خلقا، وطلب العراك معي، وتعاركنا، ومات..نعم مات..ضربته ضربا مبرحا الى أن فارق الحياة، ودخلت السجن، وعاشرت أناسا لم أرهم إلا في الأفلام العربية الرديئة، وتعلمت منهم أشياء كثيرة، أبرزها شم الغراء، وخرجت من السجن بعد مدة، وكرهت العراك مع أبناء الحي، وذهبت مع الغراء لأعيش في عالم أكثر رحابة، عالم استطاع أن يتقبلني كما أنا.. إبن الآسيوية..خريج السجون.

وتم القبض علي، وها أنا الآن، يحاولون إعادة تأهيلي، يحاولون علاجي، أنا أعرف دوائي، دوائي هو مجتمع أكثر طيبة وأكثر تسامحا، دوائي هو مجتمع يرضى بي كما أنا، دوائي هو أن أعيش وسط أناس يحبونني، فلا يعيرونني بأصل أمي او بعملها، فهل هذا المجتمع موجود، لا أعتقد، إذن أتركوني أهدم حياتي، أتركوني أدمر نفسي، فأنا لم أكن - ولم أولد لأكون - مجرما ومدمنا، بل انه المجتمع الذي أعيش فيه، هو من صنع مني مجرما ومدمنا…"

 وضع العاملات والعمال الأجانب في الخليج

تبدو المملكة العربية السعودية من أكثر البلدان إستعانة بالعمال الأجانب (الوافدين خاصة من مصر والهند وأندونيسيا وباكستان والفلبين والصومال وسيريلنكا واليمن). بيد أن سياستها الخاصة بالعمالة الأجنبية تشكو من نقص خطير في الضمانات اللازمة لحماية حقوق العمال، حسب بيان لمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان" ( 45). "بما يترك آثارا بعيدة تتجاوز حدود المملكة حيث تؤثر على سياسات العمل في الدول المجاورة كما تؤدي الى الحيلولة دون صدور شكاوى من البلدان المصدرة للعمالة بما تنطوي عليه من تهديد ضمني بترحيل العمال القادمين من هذه البلدان بشكل جماعي". ويشير البيان  الى أن "الإجراء 1503" السري الذي إعتمدته الأمم المتحدة لمعالجة أوجه القصور هذه لم يسفر عن أي تحسن. تبقى المشكلة جسيمة حيث من مؤشراتها أن أكثر من نصف الذي علم أنهم أعدموا منذ عام 1990 (أكثر من 630 شخصا) كانوا من العمال الأجانب.

تكفل القوانين السعودية لأرباب العمل سلطات هائلة على العمال الأجانب، بينما تكاد لا تنص على ضمانات تسمح للعمال بالحصول على تعويضات لما يلحق بهم من إنتهاكات. ويلجأ أحيانا أرباب العمل لمصادرة جوازات سفر العاملين عندهم. وفي حال تعرضوا للتوقيف يتم ترحيلهم بإعتبارهم أجانب بدون وثائق هوية. كذلك على العامل أن يحصل من كفيله على تصريح خطي إن أراد تغيير وظيفته أو إستئجار مسكن أو السفر الى خارج المدينة مكان عمله أو البلد. فأحيانا ما يرغموا  على قبول شروط عمل تختلف عما نصت عليه العقود من : عدم السماح بالعطل، العودة الى بلدهم، عدم دفع نفقات التسفير الى البلد بحال الفصل من العمل، الإجبار على قبول أجور أدنى، عدم تقاضي رواتب لأشهر، العمل لساعات أكثر، القيام بوظائف أقل مهارة أو بأعمال سخرة، الخ.

ينطبق هذا خاصة على خادمات البيوت اللائي يتعرضن فوق ذلك للإيذاء البدني والجنسي، كما ويمكن أن يطلب منهن التعهد بعدم الحمل أو بأن لا تكون حوامل عند إستلام العمل. كجميع بنات جنسهن يمنعن أيضا من قيادة السيارة (46) ودخول بعض الأماكن العامة والقيام بتصرفات تعتبر غير أخلاقية مثل عدم إرتداء الحجاب او التواجد بصحبة رجل لا يمت لهن بصلة قرابة (جريمة الخلوة) أو السير بمفردهن. تفضي هذه القيود لعقوبات شديدة منها الجلد والسجن.

ليس من السهولة فض المنازعات أمام مكتب العمل لأنه غالبا ما يكون الوصول له صعبا بالإضافة الى أن قراراته تأتي في معظمها لصالح أرباب العمل كما أن صلاحياته لا تشمل فئات الخدم والذين يعملون بصورة غير قانونية.

يتعرض المهاجرون غير الشرعيون والذين إنقضت مدة الإقامة الممنوحة لهم والذين صدر ضدهم أمر بالإبعاد لشتى صنوف المعاملة السيئة منها الإنتظار شهورا عديدة أو سنوات قيد الإعتقال في ظروف صعبة قبل أن يتسنى لهم مغادرة البلد. أما الذين يتهمون بإرتكاب جرائم فيحالون للمحاكمة أمام محاكم عادية يمكن أن تصل أحكامها لبتر اليد أو الساق أو الإعدام بقطع الرأس. تشكو المحاكم من التمييز وعدم إصدار أحكام عادلة والتحيز لفئات ضد أخرى: المسلم على حساب غير المسلم، الرجل على حساب المرأة (47). فالجلسات تعقد سرا من غير أن يكون للمتهم الحق بتوكيل محامي أو طلب مترجم أو مسؤول من سفارة بلده. غالبا ما يكون السند الوحيد لقرار الإدانة والحكم الإعترافات التي إنتزعت خلال الإستجواب أو محضرا موقعا من دون أن يفهم الأجنبي مضمونه. ورغم إمكانية إستئناف الحكم أمام محكمة أعلى فالمحكوم عليه قد يبقى بمنأى عن المشاركة في إجراء الإستئناف وحق الدفاع والعلم بصدور الحكم، بما فيه الحكم بالإعدام.

هذا ما تؤكده منظمة العفو الدولية (48) عندما تتعرض للسجل المروع للسعودية في مجال حقوق الإنسان بالقول أن نظام العدالة الجنائية فيها موجه لخدمة قوة الدولة مع التجاهل التام لحق الأفراد في المحاكمة العادلة. وخاصة ضد الفئات الأكثر عرضة للتمييز كالنساء والفقراء وبالأخص العمال الأجانب الذين يقعون ضحية إبتزاز أصحاب العمل بشتى الطرق. فالمشتبه بهم (بمن فيهم المعارضة السياسية والدينية) يتعرضون للقبض دون إذن قضائي من قبل شرطة الأمن العام والمباحث العامة التابعتان لوزارة الداخلية، وكذلك من طرف المطوعين (49) الذين من واجبهم تسليم من يحتجزوهم بعد إستجوابهم الى شرطة الأمن العام. فهم يوقفون لفترات طويلة دون إشراف قضائي بما يسمح بالقيام بكل الإنتهاكات الجسيمة الممكنة، إنطلاقا من الحرمان التعسفي من الحرية وإنتهاءا بالتعذيب وإصدار الأحكام والعقوبات الخطيرة.

يودع  المحتجز السجن بإنتهاك فاضح للضمانات المقبولة دوليا (حظر القبض دون إذن قضائي، ضمان الإتصال بالعائلة والمحامي،  الحق في الطعن) (50). وحتى يمثل أمام القاضي ينتظر طويلا قبل توجيه التهمة رسميا اليه ومحاكمته. كذلك قد لا تستغرق جلسة المحكمة أكثر من بضع دقائق حيث يقتصر الدفاع على الإجابة عن أسئلة القضاة في حال رفض ما يُنسب له. إذا صدر الحكم وقبِله بدأ التنفيذ وإلا يصار لإستئنافه. لكن نظرا لعدم توافر الشروط في الإستئناف القضائي يفضل الموقوف أن يقبل العقوبة حتى وإن كانت قاسية كي لا تطول مدة الحبس ويصار لفرض عقوبة أقسى. فالإجراءات المعمول بها لا تفي بالشروط الواجب توافرها في الإستئناف المستقل الذي يكفل فحص القضية بحضور من يعنيهم الأمر.

أما في الإمارات العربية، فكما تورد زينة العربي، يصنّف العمال الأجانب الوافدين اليها الى ثلاث درجات:

-الأولى يحتلها الخبراء والعاملون الأمريكان والأوروبيون الذين يتميزون برواتبهم العالية وبعض التسهيلات وبإحترامهم والسماح لهم ببعض التصرفات التي لا يسمح بها للغير،

-في الدرجة الثانية يأتي الوافدون العرب من بلاد الشام وشمال افريقيا ومعظمهم مهندسين وأطباء ومدرسين وأصحاب مهن حرة . رواتبهم توازي نصف رواتب الشريحة الأولى. وكما يتم تسليط أجهزة المخابرات عليهم ومحاسبتهم على كل صغيرة وكبيرة، فالسجون ملأى بهم الى أن تتم محاكمتهم وتغريمهم وترحيلهم.

-في الدرجة الثالثة يأتي الآسيويون الذين يتميزون برواتب متدنية جدا ويقومون بالأعمال الأقل شأنا من خدم البيوت الى عمال البناء وكناسي الطرقات، وهم يرضون بالقليل من الدخل. ليس لهم وزنا إجمالا ومشاعرهم لا تعني أحدا كما وليس لديهم من مجال للتعبير عن رغباتهم أو إبداء كبريائهم كي لا تنقطع أرزاقهم. والخدم كالبضاعة يمكن إجراء حسم على سعرهم. ففي مواسم الحسومات التجارية والتنزيلات تزدهر تجارتهم نظرا لبراعة مستورديهم حيث تشمل خدمات التأجير أيضا. لكل خادمة سعرها حسب الجنسية وقوة التحمل وغيره من مواصفات (51).

رغم كثرة العمالة، ليس من قانون يحدد أيام وساعات العمل والإجازة. فحقوقهم محدودة بالراتب والإجازة السنوية. أما الشروط عليهم فهي كثيرة ولا يتم ذكرها جميعها في عقد الإستخدام. فهي تنص على أنه لا يمكن للخادم أن يترك بيت سيده إن تأذى منه دون موافقته. عادة ما يحتفظ المستخدم بوثائق سفر الخدم. وحين يهرب الخادم ملتجئا الى سفارة بلده لا تستطيع السفارة من أجله شيئا، حيث يكون الحق دائما لصالح المواطن. إن أقصى ما يمكن عمله هو ترحيله ومنعه من العودة من جديد الى البلد. لذلك، على من يأتي للعمل أن يكون مستعدا لتقبل كل الظروف بغض النظر عن إختلاف التعامل معه من بيت لآخر بإختلاف مزاج مستخدميه.

ان هذا الشكل المعاصر للعبودية يولد ظواهر متعددة للعنف الاسري والعنف بين الجماعات. فهناك أمثلة لا تحصى للجنوح الجنسي والاعتداء بالضرب والتعذيب بحق الاجانب قلما يعاقب الفاعل عليها او حتى ان تشتكي منها المعتدى عليها. وفي حين تسود حالة الطغيان بحق العمال الآسيويين يقع الأوروبيون وخاصة الأمريكان في الطرف الآخر للمعادلة. فما زالت في الاذهان صورة العسكريات الامريكيات يقدن السيارة دون حجاب اثناء حرب الخليج، في حين منع الجهاز الديني ووزير الداخلية النساء السعوديات من قيادة السيارات بأنفسهن ابان الحرب. هذه التناقضات المسلكية مولدة بالضرورة للعدوانية وتترك بصماتها في النمو المضطرب للشخصية وما ينجم عنه من تظاهرات عنفية أخرى.

أخيرا، وتوخيا للموضوعية في طرح موضوع العمال الأجانب يبقى التطرق للأشكال العنفية التي تمارس عليهم لا يفي بالغرض إن لم نتعرض للجانب الآخر من ظاهرة اللجوء للخدم الأجانب بكثرة في هذه المنطقة وما سيتركه ذلك من آثار على مستقبل الأجيال القادمة. لقد بدأ التداول في الخليج بتأثيرات الخدم على الأولاد، والمشاكل الناجمة عن كثرة الزواج بأجنبيات. فقد أصبحت الخادمة الأم البديلة التي تشرف على شؤون المنزل وتقدم شتى الطلبات لكل أفراد العائلة بحيث أصبح لديها مكانة مهمة في قلوبهم. ويحار الولد بأي لغة يتكلم لغة أمه أم لغة الخادمة التي تقضي معه معظم الوقت وتعنى به. لذلك فالناشئة تتكلم عربية ركيكة مخلوطة بألفاظ أجنبية. كثيرة القصص التي تتحدث عن الأطفال الذين ينفرون من أهلهم ويحتفظون سرا بصلبان أو رموز هندوسية او يهربون مع الخادمة ويسرقون أهلهم بإيعازها.

 تحت عنوان "عصر الخدم" يتساءل مواطن  لماذا كل هذا التعلق بالمربيات ؟ مجيبا: "لأن أهلهم إبتعدوا عنهم فصاروا مشغولين بأعمالهم أكثر من تربيتهم لأطفالهم(…) غابت الأم عن  الطفل فابتعد عنها وكذلك غاب الأب في أعماله وإبتعد تفكيره عن البيت ومسؤوليته الأسرية فصار لا يأتي الى البيت الا للنوم ولا يكلف نفسه السؤال عن البيت والأسرة ولما يسأل ما دام السائق والخدم موجودين وقائمين على العمل على خير وجه…" (52).

كما تورد زينة العربي، هناك من الخدم من يعملن في دور الرجال وتنشأ أحيانا علاقات متينة بين الطرفين تصل للزواج وإنجاب الأطفال. يعلل زواج الرجل من الآسيوية  بأنها غالبا متعلمة أكثر من زوجته وهي تعنى به وتدير شؤون بيته. فيشعر معها بأنه أكثر قربا منها مقارنة بزوجته المواطنة التي ترهقه بطلباتها المادية بينما مع الآسيوية يحصل على ما يريد بكلفة أقل. النساء أيضا تقتني الخادمات لإلقاء أعباء الأسرة عليهن ولتأمين بعض الخدمات الخاصة جدا حيث يمتلكن قدرات مميزة للعناية بهن جسديا ونفسيا وجنسيا.

إن أية بيئة مولدة للعنف بهذا الشكل تتعايش مع التعذيب باعتباره امرا بديهيا. فضرب الابن او الخادمة او اهانة الزوجة تصبح جزءا من العلاقات السائدة بحيث يصعب تفهم من يناهضها او ينادي بالقضاء عليها. ليس من الغريب والحال هذا ان يتم النظر الى من يطالب بمنع ختان المرأة او ضمان حقوق الطفل او احترام القواعد الانسانية الادنى مع العمال والعاملات الأسيويات بأنه حامل لايديولوجية غريبة أو مدافع عن مصالح خارجية أو مستهتر بالقيم المحلية. فيوضع المدافع عن كرامة الانسان في خانة المتهم، والمنتهك لهذه الحقوق في خانة المدافع عن العادات والتقاليد والهوية القومية. مما يخلق للأسف هوة عميقة بين المسيرة العالمية لمنع اشكال التعذيب وجملة خصوصيات ثقافية وآليات محلية لحمايته.

 *فيوليت داغر: دكتورة في علم النفس، الامينة العامة للجنة العربية لحقوق الانسان، عضو مجلس امناء مركز القاهرة، عضو المجلس الاستشاري في البرنامج العربي لنشطاء حقوق الانسان، لها عدة دراسات وتقارير حول حقوق الانسان والمرأة والهجرة والطائفية.

المراجع

1-Camillieri C., Vinconneau G., Psychologie et culture: concepts et  méthodes, Armand  Colin, Paris, 1996

(2) هيثم مناع،  المرأة في الإسلام، دار الحداثة، بيروت، 1980

(3) ليلى عبد الوهاب، العنف الأسري: الجريمة والعنف ضد المرأة، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق وبيروت، 1994.

(4) المجتمع والعنف، كتاب جماعي صادر بالفرنسية ومترجم للعربية عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1985 .

(5) أنظر تقرير اللجنة العربية لحقوق الإنسان حول مشروع الزواج المدني في لبنان من إعداد فيوليت داغر، 1998.

6- Miller A, La souffrance muette de l’enfant, trad. française, éd Aubier,1990, p.63

7-Brazelton B., “Comportement et compétence du nouveau-né”, in La psychiatrie de l’enfant, Vol.XXIV, 1981. 2

8- Martine Lamour, “Des nourrissons avec leurs mères psychotiques”, in La revue de pédiatrie, T.XXI, N° 7, Sep. 1985. Voir aussi Favre D, “Pathologies de mères isolées, les conséquences sur les interactions, mères-enfants”, in Publications APAMI, 1989.

9-Lamour M. et Serge Lebovici, “Les interactions du nourrisson avec ses partenaires”, in  Encyclopédie Médico-Chirurgicale, Paris, 10, 1989.

10- René Clément, Parents en souffrance, Stock, Paris, 1996.

11- Jacqueline Cornet, “Faut-il battre les enfants”, in La Revue du praticien, n° 345, 1996

  (12) الطفل العربي والمستقبل، كتاب جماعي، بيروت، إبريل  1989

13-Miller A, L’enfant sous terreur, traduit en français par Jeanne Etoré, éd.Aubier, 1986

  (14) ) الطفل العربي والمستقبل، المرجع المذكور سابقا.

15-Marzouki M.et all, “L’enfant battu et les attitudes culturelles: l’exemple de la Tunisie”, in Child Abuse & Neglect, USA, vol. 11, 1987, PP.137-141

   (16) ما يعرف بتناذر سيلفرمان. كان أول من قام بوصف الأعراض التي تسببها سوء معاملة الأهل للأطفال الطبيب الفرنسي تارديو وذلك منذ 1860. لكنه حورب بشدة من قبل الجسم الطبي الذي لم يقبل الإعتراف بهذه الحقائق الى أن وقع سيلفرمان الطبيب الأمريكي الجنسية على أعمال تارديو والوصف السريري الذي قدمه عن التشوهات التي تنتج عن الضرب. فعمل عليها، مما سمح بإدخالها مجددا الى فرنسا مع إطلاق إسمه عليها.

17-Chibi A., L’enfant victime de violences, Thèse de doctorat en médecine, Faculté de Sousse- Tunisie, 1997

 (18) هو تقليد يمثل إنتقال الفتاة من مرحلة الطفولة لمرحلة البلوغ ويتعلق بمفاهيم العفة وزواج الفتاة وحماية شرف المرأة والعائلة. وهناك من يعتقد أنه يزيد في خصوبة النساء ويمنع طفلها الاول من الوفاة. وينظر للبظر كزائدة لا نفع منها قد تضر بالطفل الذي يمكن أن يلد أعمى او يحمل مشاكل نفسية او ان يصبح عنيدا.  وينظر للمرأة غير المختونة على أنها جنسية وتشبه الصبي وتجعل من عملية إيلاجها مسألة مزعجة للرجل، بينما يؤمن الختان المتعة للزوج ويخفف الشبق الجنسي للمرأة. أنظر تقرير منظمة العفو الدولية الصادر عن مؤتمر غانا، 10-11 أبريل/نيسان 1996

19-Journal le Soir, Paris, fevrier 1998

(20) د. محمد فياض، "ختان الأنثى من وجهة النظر الطبية"، تقرير عن ورشة عمل حول ختان الإناث في مؤ تمر الصحة الإنجابية للمرأة المنعقد في مارس 1995، مطابع روز اليوسف الجديدة.

(21) ليلى عبد الوهاب، المرجع المذكور سابقا.

(22) المرجع السابق. ثبت إنتماء أسر قاتلات الأزواج الى الشرائح المهمشة من الطبقة العاملة والمعاناة من القهر الإقتصادي. أما القهر الإجتماعي فيبدو من خلال الزواج المبكر لمعظم الحالات وإختلاف فارق السن بشكل كبير  وعدم إختيار الزوج وزواج الأقارب بالإضافة للأصول الريفية أو من أسر معدمة جئن الى الحضر.كذلك بدى أن جميع الحالات لجأت للأهل ولم تجدن الحماية. أما قهر الرجل للمرأة فيأخذ شكلا حادا يفسر اللجوء للجريمة كالممارسات العنيفة جدا ضدها والإمعان في إذلالها مع رفض الطلاق. من المؤشرات الأخرى التهديد بتعدد الزوجات أو إقامة علاقات خارج إطار الزواج، يضاف لذلك عودة الأزواج من العمل في الخليج في أقل من نصف العينة وتعاطي معظمهم المخدرات والمسكرات وتبديد مدخراتهم على ملذاتهم. كذلك يذكر العمل الموسمي المتقطع للرجل وإقامته في المنزل وإستغلال زوجته بما فيه تسهيل علاقتها مع آخر يقوم بالإنفاق على البيت.

 في دراسة عن العنف ضد المرأة نشرتها (مساعدة) النشرة الصادرة عن مركز المساعدة القانونية لحقوق الانسان في مارس 1997 يتحدث عزة ابراهيم عن العنف النفسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والديني والسياسي والتشريعي. ومن الأمثلة على هذا الأخير، حرمان قرابة 400 الف طفل من الجنسية لكونهم من أم مصرية وأب غير مصري. في لبنان لا يختلف الوضع عن ذلك حيث لا يحق لأولاد اللبنانية بجنسية أمهم طالما ان الأب غير لبناني.

يتطرق مقال نشر في مجلة البديل الفلسطينية لحوادث قتل نساء فلسطينيات بسبب جرائم عرض على يد رجال من عائلاتهم (اخ، زوج، إبن عم، أب، الخ) متسائلا : الى متى تبقى أرواح ومصائر النساء مرهونة بأيدي رجال العائلة يمنحونها متى شاءوا ويزهقونها دون رقيب متى شاءوا أيضا، بينما قتل رجل يجر مسلسلا من الثأر بالدم وطلب الدية بين العائلتين ؟ وتظهر اللائحة المرفقة أنه فقط بين عامي 1995و1998 وصل عدد النساء المقتولات من أجل "غسل العار" عن العائلة الى 28 إمرأة.

23-Djerbal-I. D., “Violence familiale, violence sociale, violence politique”, in Droits de l’Homme et violences au Maghreb et en Europe, ouvrage collectif, Publication de l’association Hourriya, 1997, PP. 41-53

(24) يجدر التنويه الى أنه كان من الصعوبة بمكان إجراء هذه الدراسة بسبب العدائية التي قوبلت بها الباحثة من قبل العاملين ولخوف العناصر النسائية من تقديم شهاداتهن علنا. فهن يظهرن كمن أصبحن ضحية ممكنة للرجل بحيث لا يكفي وضعهن المهني لتوفير الحماية لهن. كذلك يأخذ الأطباء، رجالا ونساءا، على عاتقهم عندما يطلب اليهم التحدث عن العنف، الخطاب المألوف عن الكبت عند الرجال وحاجاتهم الجنسية التي لا تحتبس والضغوط الثقافية وضرورة الإستسلام وأن النساء التي تتعرض للعنف ليست سوى "حالات إجتماعية".

(25) بسبب ظاهرة الفقر الآخذة في الإنتشار في السعودية بدأت نسبة الممرضات السعوديات بإزدياد. وكون هذه المهنة محتقرة أصلا فقد أقرّت الدولة السماح "لطبقة الممرضات" بالزواج من أجنبي، علما أن زواج المسلمة من غير مسلم مسألة غير مستحبة أبدا.

(26) ليلى عبد الوهاب، المرجع المذكور سابقا.

(27) أتوجه بجزيل الشكر للصديقة زينة لإقدامها على هذا العمل الجرئ ولما وفرته من معلومات من أجل إنجاز هذا القسم من البحث.

(28) درة الإمارات، العدد 92 ، يونيو/حزيران 1998.

(29) المرجع السابق

(30) البيان  26/1/98

(31) الخليج 5/6/ 98

(32) الخليج 4/3/98

(33) البيان 16/2/98

(34) يحجب حواجبهن وأنوفهن وشفاههن والمتعصبات منهن تغطين به أيضا ذقونهن  ثم يسدلن من فوق ذلك كله  خمارا  أسودا على كامل الوجه.

(35) مجلة زهرة الخليج، شباط، عدد 988، 1998

(36) زهرة الخليج، المصدر السابق.

(37) البيان 3/2/1998

(38) زهرة الخليج، المصدر السابق.

(39) درة الإمارات، المصدر السابق

(40) البيان 3/6/98.

(41) ان سعر الكيلو الذي يبلغ 2000 درهم في المنشأ، يصل الى 6000 درهم في دبي ، 12000 في أبو ظبي،  و50000  درهم بالسعودية، علما أن كل 66, 3 درهم تساوي دولارا واحدا.

(42) ) تعتبر الشارقة الإمارة الأكثر تعصبا وتمسكا بتطبيقات الدين. حتى أن تدخين الشيشة في قهاويها محرم خوفا من إستغلال البعض وخلط التبغ بالحشيش وما شابه. تبعد الشارقة مسافة عشرة دقائق عن دبي التي تحوي العجائب من خليط بشر وإنفتاح وملاهي.

(43) البيان 9/6/98

(44) الخليج20/2/1998

(45) قدّم الى لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في دورتها الرابعة والخمسون، آذار/مارس 1998.

(46) بدأ كقاعدة عرفية وعندما قامت مجموعة من النساء سنة 1990 بقيادة قافلة من السيارات في طريق رئيسية في الرياض قبض عليهن واحتجزن ساعات قبل أن يوقع أقاربهن من الرجال تعهدا بعدم خرقهن للحظر. وقد تحول من حينها الى قاعدة مكتوبة باعتباره جريمة جنائية.

(47) سجلت منظمة العفو الدولية 82 حالة بتر أطراف من عام 81 الى 95 كان منهم 59 من الأجانب و560 حالة إعدام من 1990 الى 1997 كان منها 204 مواطن سعودي وتعتبر المنظمة إن هذا الإختلاف بالنسبة ربما يعود لدور الهيكلية القبلية والاسرية في تسوية القضايا بالتعويض المالي بدلا من الإعدام والتقدم بالإلتماسات الى ذوي النفوذ.

(48) تقرير لمنظمة العفو الدولية أوردت عنه مجلة التضامن الصادرة عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، العدد 56، يناير 1998.

(49) أي الشرطة الدينية التابعة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يطلق عناصرها لحاهم المحناة ويرتدون الجلابيب القصيرة التي يصل طولها حتى منتصف الساق إسوة بالرسول الذي كان يجتاز الصحراء ويحملون سوطا يهددون به النساء والرجال.

(50) لقد صدّقت أخيرا المملكة العربية السعودية في شهر سبتمبر الماضي 1997 على إتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة او العقوبة القاسية أو اللاإنسانية او المهينة، مع التحفظّ على بندين.

(51) البيان 23/2/1998

(52) الإتحاد 2/3/1998

     الدكتور هيثم مناع

 التعذيب والإيديولوجيا :

 الإسلام، حقوق الإنسان والعقوبات الجسدية

 

 ليس التطرق للإسلام وحقوق الإنسان والتعذيب بمهمة سهلة. فالعنوان نفسه يحمل شحنة سلبية في حقبة مضطربة وغامضة مطبوعة بعدة أشكال للإرهاب الثقافي. ولكن، هل يمكن توفير مشقة مقاربة شاملة ونقدية للموضوع؟ هل يمكن إلغاء التعذيب دون توجيه إصبع الاتهام إلى صيغه الإيديولوجية والمجتمعية ؟

لقد طلبت من ثلاثة إسلاميين معتدلين الإدلاء بوجهة نظرهم في الموضوع ففضلوا عدم الرد على طلبي. وكان لأحدهم الجرأة الثقافية ليخبرني في الهاتف بأنه من الصعب دائما أن نقول ما نفكر به وبصوت عال. أما بالنسبة للمدافع عن حقوق الإنسان، فبرأيي هنا عين المحرق، ولا مجال للغمغمة، فمصداقية التزامه هي في الميزان. من هنا سنبدأ بمقدمة حول بضعة عناصر تتناول الإسلام وحقوق الإنسان قبل التطرق مباشرة لموضوع العقوبات الجسدية في الإسلام. ذلك، من وجهات نظر إسلامية وعلمانية تعطي فكرة عن أهم جوانب الموضوع وتشكل بوابة ضرورية لنقاش صريح ونقدي ضروري للإسلاميين ولنشطاء حقوق الإنسان بآن. ولتكن البداية في بضع بديهيات أولية:

1 - لو أخذنا مئات آلاف الكتب والرسائل التي كتبها العلماء المسلمون قبل 1900، لما وجدنا دراسة واحدة مخصصة لحقوق الإنسان في الإسلام. ولا غرابة في ذلك كون نشأة وانتشار دين سماوي كانت تاريخيا وباستمرار مؤشر تداخل عميق، وبالإمكان القول، لا يتجزأ، بين الحق الإلهي والحقوق البشرية. في حين أن وراء صعود الأفكار الأسـاسية لحقوق الإنسان تكمن فكرة الفصل بين الحق الإلهي وحقوق الإنسان، دون أن يعني هذا الفصــل بالضرورة تعارضا جوهريا أو علاقة صراعية.

فصل، لأن الديني يوحي بالأبدي، المطلق والمقدس ؛ بينما يتناول الإنساني الضعف، غياب الإنجاز والنسبـية. وإذا كانت معظم الأديان تقيم الجسر الضروري لمنطقها الداخلي عبر مفهوم التبعية الإنسانية، فان المدافعين الأوائل عن حقوق الإنسان قد وضعوا نصب أعينهم الاعتراف بالشخصية المستقلة ورفض مفـهوم القاصر للأشخاص، مهما كان جنسهم أو معتقدهم أو قوميتهم .

2 - لا تشكل حقوق الإنسان دينا جديدا، كذلك فهي ليست إيديولوجية . إنها شرعة مقترحة من رجال ونساء من بلدان وأديان وألوان مختلفة في لحظة معينة من تاريخ البشرية. ولحسن الحظ ليست لها صفة القداسة، ولذا فهي بالضرورة في حالة تطور وتبقى بالتعريف مشروعا غير منجز. أما قضية الدين فهي مختلفة تماما. فعالميته المعلنة لا تلغي الحــدود بين من هو داخله ومن هو خارجه. وليس من معنى لتأويل وتفسير معطياته، وبشكل خاص الروحي منها، بمنهج عقلاني صرف.

3 -  من القوميين المتدينين المتطرفين اليهود إلى الشوفينيين الهندوس، لم تشكل أدلجة الدين يوما عنصـرا إيجابيا وبناء في نطاق الحقوق العالمية للإنسان. وبعكس ما يعتقد احسان المفرغي فان كل الذين يؤكدون أن "الإسلام إيديولوجية اكثر منه دين"(1) قد قاموا ببناء سدود حقيقية أمام التطور الطبيعي لمفهوم حقوق إنسان وكرامة إنسانية جديرة بروح عصرنا.

4 - لن نمل من تكرار هذه النقطة لأهميتها وتعامي النـاس عنها : منذ وفاة النبي محمد، لم يعد بالإمكان الحديث عن الإسلام بالمفرد. إلا من اجل إعطاء وجهة نظر ذاتية لما يطلق عليه المتحدث أو الكاتب اسم الإسلام. ثمة تأويلات وتفسيرات وملل ونحل متعددة إلى درجة اضطرار الباحث للاختيار الانتقائي وغالبا الاختزالي لتغطية الحقل الاصطلاحي لكلـــمة الإسلام كلما تناولنا الموضوع.

 في البحث عن منهج :

تعددت الدراسات حول الإسلام وحقوق الإنسان، وليست هذه الظاهرة حديثة. فمنذ الخمسينات ثمة محاولات لقولبة الموضوع  وتأطيره من جهة، وأخرى لإعطاء إشارات انفتاح من جهة ثانية. ولن نعود لأقدم ما كتب بقدر ما سنستعرض بعض الكتابات التمثيلية لاتجاهات معينة في المجتمع العربي و/أو الإسلامي.

في دراسته "الإسلام وحقوق الإنسان (2) يعطي المفرغي أنموذجا للتأثير الذي تمارسه الاتجاهات الاسلامانية حول جملة الموضوعات التي تمس الدين الإسلامي. فنقطة انطلاقه المنهجية أنموذج واضح للمقاربة الأصولية : "الإسلام، يقول المؤلف، لا يتعامل مع الإنسان المنعزل عن مثائله أو المستأصل من طبيعته، وإنما يتناول الإسلام بشكل شـمولي، أي في كل طموحاته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الروحية" (3) .

تناول الإسلام من هذا المنظار، يعني الانغلاق في خطاب إيديولوجي اختزالي. فأين يتوقف حد شمولية الإسلام وهل لرجال الدين أو حزب "الله " التدخل في الوسـيلة العلاجية للطبيب ومنع أو إباحة المعالجة النفسية وفرض لون حذاء الطفل وطول شعر الشايب ؟ اين تقف هذه الشمولية إن لم يكن بعد اغتيال القدرات الخلاقة للإنسان وإبداعاته ومواهبه المحتاجة بالفطرة إلى الحرية ؟

كما ذكرنا مسبقا، ان المؤلف يجتر أطروحة المودودي في أن الإسلام إيديولوجية اكثر منه دين. ولذا فهو يضع نفسه في القمقم قبل الانطلاق إلى مفهوم الحقوق المعاصر. ولا يرحمه استشهاده الإجباري بابن عربي وغيره من الآفاق الرحبة في الإسلام. فمن يستطيع إغماض العين عن الهوة الفاصلة بين مفهوم الإنسان الكامل عند الصوفية ومفهوم الإنسان العبد عند الغزالي ؟

لا تلبث هذه الأزمة أن تعبر عن نفسها كلما تناول المؤلف بالشرح، ولو انه يحاول تغطية حدود الحرية الشخصـية بكلمات عامة مثل "على الدولة الإسلامية أن تســـمح لكل واحد بالتمتع بحريته دون التعدي على حرية غيره" (4)، "استطاع الإسلام أن يوفق بين متطلبات قانونه وحرية الفرد" (5) .

إلا أن مؤلفنا يبدو اقل غموضا عندما يتناول قضــية حق الحياة. فهو يعتبر قـانون  "العين بالعين" من حقوق الإنسان مؤيدا حق إعدام القاتل لأنه تعرض لحق الحياة. أما حول العقوبات الجسدية، فوجهة نظره تكرار لوجهة نظر عبد القادر عوده والمودودي. وليس لقضية المرأة حظا أوفر بالتناول لنجد أنفسنا أمام قراءة تأخذ بعين الاعتبار الرأي الغربي في عرض إيديولوجي للإسلام اكثر منه أمام انفتاح إسلامي على المبادئ الكبرى العالمية لحقبتنا.

كان لا بد من البدء بهذا المثل للإشارة إلى حدود بعض المحاولات التي تسعى لإعطاء المصداقية لمقاربة جد إيديولوجية للإسلام عبر إعادة قراءة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في ضوء المعطيات الأصولية. سنعود بتفصيل اكثر لهذه المسألة في الفصول القادمة.

في محاضرته المعنونة "الفـــكر الإسلامي وحقــوق الإسلام بين الواقع والمثال"  يرد نصـر حامد أبو زيد بشكل غير مباشر على الكتابات المشابهة ككتاب محمد الغزالي (6) أو كتـــابات الجمـاعة الإسلامية الباكسـتانية في الموضوع مذكرا بأن الإسلام يغطي، فيما يغطي، علم الكلام العقلاني المعتزلي، الفلاســفة المسلمين ، الصوفية والفقه السلفي. وينوه إلى أن أية مقــــاربة موضـــوعية تتطـلب  انعتــاق المعـــرفة لوضــع حد لهيمنة المدافعــين عن الاحتـــواء الإيديولوجي في الإسلام .

بعكس هذه المقاربة الأصولية، لا يمتنع الباحث السوداني عبد الله النعيم عن كسر الموضوعات المحرمة طارحا القضية من منـظار أستاذه المجدد محمود محمــد طه "ما لم يتحول أســاس القانون الإسلامي الحديث عن نصوص القرآن والسنة في الفترة المدنية التي شكلت أسـس صرح الشريعة. فليس هناك من سبيل إلى تجنب الانتهاك الجذري والخطير لمعايير حقوق الإنسان العالمية. ذلك انه ليس بالوســع إلغاء الرق كنظام قانوني، ولا استئصال صور التمييز ضد النساء وغير المسلمين، ما دمنا ملزمين بمراعاة إطار الشريعة (7).

فحسب النعيم، لقد أنجز إسلام المدينة دوره التــاريخي، ولا يمكن اعتبــاره مرجعا حقوقيا واجتماعيا وسياسيا لعصرنا. الإسلام العالمي، إسلام مكة، المطبــوع بالتســامح والبعيد عن الحالة الاستثنائية التي عاشها أهل المــدينة، هو القادر على التربـع فوق التـاريخ كأنموذج للتسامح والإخاء وحرية الاعتقاد.

يقدم لنا طه والنعيم مقاربة جديدة للإسلام توفق تماما بين الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والقرآن.

يتضح لنا من خلال المثالين السابقين الهامش الفاصل بين من يتقوقع في التقاليد الارثذوكسية ومن اختار طريق الاجتهاد العقلي ...

شكل تقدم حركة حقوق الإنسان في العالم الإسلامي وصعود الإسلامية موضوعا متميزا لبعض الجامعيين. ومن أوائل المهتمين في فرنسا، كان محمد اركون الذي حدد في 1980 في مقالة له بالفرنسية (8) الخطوط الكبرى  لطريقته في تناول الموضوع :

- " سيكون من السهولة بمكان القول، مثلا، بالتأكيد في الإسلام كل شئ مضمون، وبإمكاننا الاستشهاد بالقرآن وأحاديث النبي والسلطات الإسلامية الذين تطرقوا للموضوع بشكل حازم وتجديدي.

- علينا تجنب إلقاء المسئولية على الإسلام في الانتهاكات التي نراقبها عند هذا النظام أو ذاك البلد.

- إن مفهوم الحق مرتبط بالعقلانية الإنسانية مفهوم مثالي، فالحق، كما يقول ماركس، هو نتاج موازين القوى.

- الحق هو التعبير عن مجموعة استلمت السـلطة : ثم بعد ذلك نصفه بالحـق الديني، الحق المقدس الخ.

- علينا إعادة طرح قضية حق الأشخاص بالشكل التي تم تحديدها فيه في الأديان التوحيدية الثلاثة.

في دراسة نقدية، تاريخية وفلسفية بآن معا، من الضروري فهم كيف أن مفهوم الحقوق الدينية قد استطاع أن يعيش في إطار اجتماعي وثقافي محدد وكيف انه لم يعد بوسعه أن يعمل في المجتمعات الصناعية والمعلوماتية والمعقلنة في إمبراطورية العقل الذي نسميه بالعلمي والذي يشكل هو نفسه أيضا موضوعا للنقد "(9).

لقد جاءت قضية رشدي لتخلق اضطرابا في موقف اركون، الذي عاد إلى الحديث عن رؤية غربية لموضوع عالمي يتعلق بحرية التعبير : "إن النظر إلى حقوق الإنسان بفكر غربي، صرح الجامعي لصحيفة الموند يومها، يعزز سوء الفهم مع الإسلام، الذي فكر حقوق الإنسان هذه في إطار حقوق الله". تناسى يومها اركون التقدم العالمي في كل ما يمس تعريف الشخص، سلامة النفس والجسد، ومكان الحريات الأساسية في المسيرة الدائمة للمدافعين عن حقوق الإنسان في كل البلدان ليقيم تعارضا مبسطا بين عالمين ومفهومين.

بعد هذه الهزة، وفي نطاق بحثه عن "مصالحة تاريخية"، يطرح اركون في 1992 مسألة "التفكير المتزامن في إطار إسلامي، بين إسهامات العلمانية الإيجابية وقيم الدين الباقية « باعتبارها مهمة وممكنة بالتأكيد، ولكن طويلة النفس » لأن الشروط السياسية والسوسيولوجية الراهنة تعارض هذا المشروع ولأن أنماط معقولية الفكر الإسلامي الكلاسيكي شديدة الارتباط بالمجال العقلي للعصر الوسيط بحيث لا تسمح بتأويل صحيح للحداثة و بدمج هذه الحداثة" (10). ما العمل إذن ؟ يجيب اركون : "فيما يتعلق بحقوق الإنسان بحسب الإسلام، ينبغي أن ينصب التحليل والتفكير، كما يبدو لي، على النقطتين التاليتين قبل غيرهما:

1 - ما قيمة الخطاب "الإسلامي اليوم حول حقوق الإنسان ؟ وما الصلة التي يمكن أن نتبينها، بين ما يسمى إجماليا "الإسلام وبين الدول-الأمم التي قام معظمها بعد الحرب العالمية الثانية ؟ وعلى نحو أعم، ما الدلالة التي يمكن أن تمنحها اليوم، فكرة الأصل الإلهي حصرا لحقوق الإنسان ؟ وماذا نفعل بذلك التأكيد "الفلسفي" الذي يذهب إلى أن الإنسان يظفر بحقوقه عبر النضال السياسي والاجتماعي، عبر التقدم الثقافي، دون أن يكون مدينا بشيء لأية مبادرة خارجة عنه ؟

2 - إلى أي اتجاه فلسفي يمكن وينبغي لنا أن نوجه البحث عن أصول حقوق الإنسان وعن ضمانات تطبيقها، اليوم ؟ "(11).

إن الموقف الحالي لاركون يعتمد على وضع الديانات التقليدية وما يسميه الدين المدني الذي يجسد رؤية غربية لحقوق الإنسان في سلة واحدة. وهنا أساس المغالطة في تناول مسألة حقوق الإنسان. ان كان باحثنا قد درس الإسلام بعناية، فان معرفته بالاتجاهات المعرفية وعملية التكوين النظري والعمل الوظائفي والوسائل الدولية الحالية والمبتغاة لحقوق الإنسان على الصعيد العالمي اليوم،  هذه المعرفة اقل بكثير. إنه يحاول تغطية هذا العجز بزج  السيرورة التاريخية والعالمية لحقوق الإنسان في الثقافة الغربية. إلا تأتي قوة الشرعة الدولية لحقوق الإنسان من قدرتها على استيعاب التعددية الفلسفية والثقافية الضرورية لإبعاد أية محاولات أدلجة ؟

نتقاسم التحليل مع اركون حول البعد الوظائفي الهش للحركات الأصولية حين يقول : "ثمة قطاعات كاملة من المجتمع متروكة للبطالة، للسكن الموبوء، لأكواخ الصفيح، لاختلال الأمن الاجتماعي، لتأثيرات الحياة الغالية الثمن. وتأتي الحركات الإسلامية لتخفف من شدة هذا الضيق، ولتبعث الآمال، ولتتصرف ضمن شبكة من التضامنات التي دمرتها الدولة المتباعدة عن هذه القطاعات، والتي يديرها الفنيون. وهكذا يتكون وعي وقتي، لكنه مدعم بالقيمة الأخلاقية. وبهذا المعنى، من الإنصاف أن تقول : إن تدخـّل الدين يفعل فعله كأخلاق، لكنها أخلاق دون مرتكز أخلاقي، أي دون فكر متماسك ونقدي، فكر لا يكتــفي بسد بعض الثغرات، لكنه يعيد التفكير في وضع الإنسان، في مجتمعات مزعزعة. إن الطوباوية  الاجتماعية والسياسية، تتخذ بعض قوامها، بفضل عمل الإسلاميين الأخلاقي-الاجتماعي. لكنها سرعان ما تكشف، حتى في الأوساط العامية، عن حدودها، وعن عدم وفائها بالغرض  وعن تهافتها. تجب العودة دائما إلى غياب الملاط العقلي والثقافي، الذي يتيح تجاوز التلفيقات الإيديولوجية بنتف من الدين والمقـدس، ومن الذاكرة التاريخية، والأمل السياسي، نتف محطمة، حطمـها تاريخ انتج في مكان آخر. لقد كفت المجتمعات التي تدعى مسلمة عن إنتاج تاريخها الخاص، منذ أن تخطــت البحار والمحيطات الحضارة المادية، والحداثة العقلية اللتان ولدتا وترعرعتا في الغرب" (12).

في عالم حقوق الإنسان تتعدد محاولات الدراسة والتناول لقضية الإسلام وحقوق الإنسان. ويطرح الصديق محمد السيد سعيد  في دراسته القيمة "الإسلام وحقوق الإنسان"  قضية الانسجام الضروري بين التفسير العقلاني والانسانوي للنصوص الإسلامية والمنظومة المعاصرة لحقوق الإنسان من أجل كسب المعركة من اجل الحق في حرية التفسير وإعادة البناء الاجتماعي للخبرة الدينية. بالنسبة لمحمد  "تنسجم النصوص المقدسة للإسلام تماما مع النظام الحالي لحقوق الإنسان، على الأقل فيما يتعلق بواحد من الأبعاد الأساسية وهو العالمية" (13). إن وحدة الإله ووحدة الجنس البشري تشكلا قاعدة هذه العالمية التي تجمع بين مبادئ الكرامة، المساواة  والعدالة، وبالتحديد فان فكرة العدالة تشكل حجر الزاوية في الحضارة الإسلامية ( في مقابل الحرية في الحضارة الغربية والمساواة في الفكر الاشتراكي).

ثم يتناول البعد المؤسساتي وإشكالية التوازن بين الحقوق والواجبات ( بالمفهوم الواسع للكلمة كون هذا التوازن يستوعب الروحي والدنيوي).

من الصعب على كل واحد فينا أن يكون داخل وخارج منظـومـة فكرية ما بآن معا. من هنا الطـابع  العمومي والارادوي  لتناول باحثنا. كون أساس المشــكلة لا يتوقف على القيم المؤسسة للدين بقدر ما يكمن في التجربة التاريخية المتخمة بنفس الوقت بزخم متناقض وصراعي من الدينامية المجتمعية والدوغمــائية العقيدية، والمثل على ذلك هو القسم الثاني من دراسة محمد المذكورة نفسها. إن العلاقــة بين الإنسان والنص وراء صراعات ذهنية وفكرية كبيرة في الإسلام. فالمحاولات الكبرى للإصلاح في التاريخ الإسلامي تركزت حول حرية التفسـير كحجة  لليبرالية دينية معاشة ومدعومة ذهنيا قادرة على تهميش القراءة النصية والحرفيـة للقرآن. الإصلاح هو أيضا ابن العجز الذهني لإيديولوجيات سـائدة عن الاستجابة لحاجيات أساسية للبشر. ابن وضع متأزم في منظومة ونتاج الطريق المسدود لمناهج سائدة يعجز حتى القمع الصلف عن حمايتها. وتكمن قـوة الفكر النقدي في تشريح هذا الوضع البشري والاستقراء المبكر لهذا العجز.

بإمكاننا القول، دون ركوب سفينة المخاطر، أنه إن كان تاريخ الأفكار مرتبط بتاريخ البشر، فان تاريخ الفقه الإسلامي مرتبط بشكل أساسي بتاريخ الخلفاء. ومن هذا المنطلق، فان تحقيق قراءة انسانوية للإسلام يمر بالضرورة عبر القطيعة الفكرية مع إيديولوجيات السلطات السياسية-الاجتـماعية الاستبــدادية. بتعبير آخر، القطيعة مع الطاعة العمياء للأرثوذكسية السنية والجعفرية. من هذا المنطلق، تتطلب ولادة المقاربات الإصلاحية بالضرورة نقد التاريخ السياسي في ارض الإسلام لتجاوز المدرسة القديمة للخليفة المستبد العادل إلى مدرسة المواطنة وحقوق الإنسان. وهنا برأينا تكمن الأهمية التاريخية لدراسة علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم"  باعتبارها تمهيد هام لنزع القداسة عن الخلافة كمؤسسة دنيوية تحمل كل عفونة وفساد المؤسسة الحاكمة دينية كانت أم دنيوية.

أما بالنسبة لنا، فإن المشكلة بين نشطاء حقوق الإنسان والإسلاميين لا تقع في خانــة الإيمان والمقدس وإنما على صعيد الدنيوي والقضائي. فلا أحد يطرح مسألة علمنة الـدين، في حين أن قبول مبدأ الطابع الدنيوي للمؤسسات في العالم الإسلامي مسألة جوهرية. هذه المؤسسات هي من الألف إلى الياء من صنع البشر، و باستطاعة بشر آخرين أن يضـعوا حدا تاريخيا لها بتجاوزها لأشكال أرقى وأعدل وأفضل.

إن أي تركيب تسلطي (اوتوريتاري) يتكئ بالضرورة على إيديولوجية تسلطية أو قابلة للاحتواء من الطغاة. وإن لم يكن هناك إيديولوجية تسلطية جاهزة، فهو قادر على ابتكار واحدة تحميه. إن علماء الاستبداد، باستعارة تعبير عبد الرحمن الكواكبي، جعلوا من الكائن الطائع، أنموذجا للمسلم، ومن المتمردين زنادقة. هل يمكن قبول نقطة انطلاقهم هذه، لاستنباط مبادئ عالمية لحقوق الإنسان ؟

 قراءة نقدية للخطاب الأصولي :

في 1902، نشر المثقف اللبناني في مصر، وفي مجــلته  "الجامعة"، ترجمة "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" مع مقدمة عنوانها "حقوق الإنسان يجب إلا يدوسها إنسان وضرورة تعليمها في المدارس" (14). بعد هذا النشر، لم نجد بعد مقالة استهــــجان أو نقد واحدة من كاتب مسلم  وعلى العكس هناك استشهادات كثيرة في الأوساط الديمقراطية واليسارية والإصلاحية الإسلامية. هل من الضروري التذكير إن انتقادات المسلمين في فترة النهضـــــة تركزت على نقد المادية والداروينية والدهرية. لماذا أذن نجد أنفسنا اليوم بحاجة لمناقـشة قضية الإسلام وحقوق الإنسان ؟

لقد ولدت الإشكاليات في الحقيقة مع إعادة التكوين المعاصرة للاتجاهات الأصولية الإسلامية في القرن العشرين. وقد كان الباكستـــاني أبو الأعلى المودودي أول من أقام المقارنة بين القوانين الانجلو سكسونية التي خلفها الاستعمار البريطاني في شبه الجزيرة الهندية والفقه السني السلفي. وذلك عبر قولبة المعطيات الإسلامية في منظـــور قائم على تقليد السلف. يمكن ملاحظة أن أنصار المودودي في الباكستان، الوهابيون في الجزيرة العربية، الجعفريون الحسينيون ( مدرسة الخميني)  والإخوان المسلمين في مصر  هم أول من انتقد، مع بعض الستالينيين العرب، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كذلك فعل الفاتيكان في 1948. وقد ردت أقلام أدبية وفكرية على هذه الانتقادات وكان جوهر ردود التقدميين يقوم على التمييز بين الإسلام و المتعصبين. كذلك حاولت أقلام عديدة أن تثبت أن مبادئ حقوق الإسلام تتوافق تماما مع تعاليم الإسلام. في حين اختار اتجاه آخر أسلمة حقوق الإنسان للتهجم بأسلوب أذكى على المبادئ العالمية التي تنال يوما بعد يوم قبولا أكبر في أنحاء المعمورة.

إن القراءة المتمعنة للخطاب الإسلامي السياسي السائد والتعبيرات المؤسساتيــة للإسلامية التقليدية تظهر إشكالية كل من يتبنى مقاربة شمولية (توتاليــتارية) وعسفـــية مع المبادئ الأساسية لحماية الأفراد والجماعات. فكيف يمكننا أن نقبل مع المودودي بإلغاء مهنة المحاماة وإلغاء الحوار التناقضي بين القاضي والدفاع باعتباره ذلك مناهضـا للإسلام (15)؟ كيف يمكن أن نقبل مع سيد قطب بوجود حزب واحد هو حزب الله الذي لا يمكن أن يتعدد، وأحزاب أخرى كلها للشياطين والطاغوت (16) ؟  كيف يمكن قبول صفة القاصر مدى الحياة للنساء وغير المسلمين أي اكثر من أربع مليارات ونصف مليار إنسان ؟ كيف يمكن مناهضة التعذيب دون الإقرار بحق السلامة الكاملة للنفس والجسد ؟

لقد بدأ الجنـوح التوتاليتاري للحركة الأصولية مع المـودودي، شيخ المؤدلجين للاسلامانية المعاصرة ورمز التناذر الأفغاني. بالنسبة له، السؤال كيف يمكن تطـبيق سياسة فرق تسد وخلق دولة-أمة  على أساس ديني دون إعطاء هذا المشروع صبغة مقـدسة ؟ هذه الدولة ليست كغيرها. ومن هنا فهي  "تستحق" التضحية بانقسام جراحي مع كل نتائج التهجير البشري بين كيانين (17) في شبه الجزيرة الهندية. فيما يلي تصور المودودي للامة-الدولة المقترحة :

"1- الحاكمية في باكستان لله تعالى وحده وما لحكومة باكستان شئ من الأمر،

2 - القانون الأساسي للدولة الشريعة الإلهية،

3 - كل قانون يلغى أو يبطل إذا كان معارضا للشريعة،

4 - حكومة باكستان تتصرف في شؤون الدولة ضمن حدود الشريعة" (18) .

 في تصنيفه لهذه الدولة يقول "مما لا مجال فيه للريب أن الدولة الإسلامية دولة مهيمنة أو مطلقة (totalitarian)  محيطة بجميع فروع الحياة ونواحيها" (19) .

تقوم مدرسة المودودي على ثلاثة مبادئ قديمة للارثذوكســية في الإسلام هي : الحاكمية والشريعة والنص.

آ - الحاكمية : وفقا للمودودي، "تطلق هذه الكلمة على السلطة العليا والسلطة المطلقة، على حسب ما يصطلح عليه اليوم في علم السياسة فلا معنى لكون فرد من الأفراد حاكما إلا أن حكمه هو القانون وله الصلاحيات التامة والسلطات الكلية غير المحدودة لينفذ حكمه في أفراد الدولة وهم مضطرون إلى طاعته طوعا أو كرها". لكن الحاكمية للـه وحده وهي بالتالي تعني إطلاق كافة السلطات لله وتحديد دور الإنسان في عبادته وطاعته (20).

هذا المبدأ الذي استعمل لأول مرة في التاريخ من قبل الخوارج الذين أطلقوا ضد الإمام علي بن أبي طالب شعارهم المشهور  "لا حكم إلا لله " يطرح إشكالية حقيقية في الإسلام : إشكالية التفسير البـــشري لكلام الله. فكما يقول علي في الرد على خصومه السيــاسيين الذين وظفوا حاكمية الله (القرآن) ضده :  "إنما هو خط مســـطور بين دفتــين لا ينــطق، إنما يتكلم به الرجال".

لم يشكل مبدأ الحاكمية يوما موضوع إجماع حتى في المدرسة السلفية السنية. ومع هذا نجد بصماته في مشروع الإعلان الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان وإعلان القاهرة !

ب - الشريعة : مصطلح آخر عام جدا وغامض دخل القاموس الإسلامي بدءا من القرن الثاني للهجرة. لم يستعمل يوما من قبل النبي والخلفاء الأوائل. ويبقى منحه تعريفا دقيقا موضوع نقاش واسع وأحيانا متعارض. فليس بالإمكان تشبيه هذه الكلمة بالتلمود عند اليهود أو الدستور عند المعاصرين. واللفظ يعني -لغة-، كمـا ينوه العشماوي، الطريق الذي يؤدي إلى نبع الماء (مورد الماء)، أو بتعبير آخر: نبع الحياة. في الدين، ان اللفظ يعني الطريق السامي أو السبيل الرفيع أو المنهج الراقي الذي يريد الله للمؤمنين أن يتبعوه ويسيروا فيه لتحقيق حياة مستقيمة تصل بالمؤمن إلى القدسية والجلالة (21)، فإعطائه معنى التشريع والقانون مستحدث. في لسان العرب  "الشريعة المواضع التي يُنحدر إلى الماء منها، قال الليث : وبها سمي ما شرع الله للعباد شريعة من الصوم والصلاة والحج والنكاح وغيره". قال ابن منظور في نفس الموضع  "ما ســن اللـه من الدين وأمر به كالصوم والصلاة والحج والزكاة وسائر أعمال البر". في تعدد معناها يقول قتادة : "الدين واحد والشريعة مختلفة" (22).

يذكّرنا حميد عناية، "بأن الشريعة لم تكن مطبقة كمنظومة متكاملة في يوم من الأيام، أما حجم وطبيعة الإجراءات الضرورية لتطبيقها فتبقى تخيلات مشروعة"(23).

جـ - النص : يقصد به آيات من القرآن في قراءة، وفي قراءة أخرى كل آيات القرآن، وهي مشكلة لا تقل في تعقيدها عن سابقتيها. يقول لنا المودودي والأصوليون :  "النص هو الحكم، ولا اجتهاد مع النص. إن لم يكن هناك نص، فهنا يجـئ دور الاجتهاد". الأمر الذي يقيد المجتمعات الإسلامية في كادر قديم، بل أحيانا لا إنساني. ويرد نصر حامد أبو زيد على هذا التوجه بالقول : " الاجتهاد - على عكس ما يعلن الخطاب الديني، هو الطريق الوحيد للإفصاح عن دلالة النص الأولي الرئيسي -القرآن - وهو الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى إكساب النصوص الفرعية -الأحاديث - مشروعية الوجود ذاته. الاجتهاد إذن لا يكون إلا في النصوص، وما سوى النصوص من مجالات يحتاج إلى الإبداع لا مجرد الاجتهاد، وإلى الاكتشاف لا مجرد ترديد أقوال القدماء "(24).

سواء كان الأمر مع الشريعـة أو النص، يظهر لنا التاريخ وطأة الظروف المجتمعية والعنصر التاريخي على الفقه والتشريعات. الإسلاميون أنفسهم الذين يتحدثون عن تشريع فوق التاريخ يعطون تفسيرا لعدم إلغاء الإسلام الرق بالقول : أن الإسلام جاء في حقبة كان الرق فيها نظاما سائدا. نتصور انه من المشرف أكثر لأصحاب هكذا تفسير القول بأنهم أبناء حقبة طموحها إلغاء إهانة النفس والجسد وأنه من الطبيعي  كمسلمين أن يكونوا سباقين إلى الدفاع عن الشرعة الدولية لحقـوق الإنسان من أن يعلنوا انتماءهم لحقبة كان قتل الأسير فيها عرفا غير مستهجن وممارسة الجنس مع سبايا الحرب والإماء من امتـيازات الرجولة المحاربة، وبيع الكائن البشري في الأسواق العامة كالدجاج مقبول من مختلف الدول آنذاك.

وتبقى الحياة أقوى من كل إيديولوجية. ففي حين تهافت المودودي بدعمه نظام الجنرالات لمجرد تطبيقه قواعد البتر والجلد والرجم باعتـباره ضياء الحق  "الضياء المبشر بقيام حكم الإسلام"  لم يجد الإسلاميون في مصر من معـنى لإلغاء حرفة المحاماة بقدر ما سعوا لتوظيف المهنة في معاركهم الإيديولوجية والسياسية. ولم يجد شيوخ جبهة الإنقاذ في الجزائر أفضل من نشطاء حقوق الإنسان للدفاع عنهم أمام المحكمة الاستثنائية. في أكثر من بلد يفضل الإسلاميون غزو نقابات المحامين على الإنصات للمودودي. إلا أن هناك مرحلة لم يتم بعد تجاوزها: هي التوقف عن تقديم الإسلام بوصفه ديـــن الجلاد الذي يقطع اليد والمطوع الذي يجبر الناس على الصلاة. إن المسلم الذي يدافـع عن هذه الصورة البائســة عن دينه لا يختلف عن المسيحي الذي يدافع عن محاكم التفتيش في القرون الوسطى.

إن رفض المزاودات الكلامية والمبادئ الأصولية وإعادة التوجيه النظري للبعد الروحي والأخلاقي للإسلام، كذلك إعادة الاعتبار للتأويل الرمزي  للتشـريعات الإسلامية تكفـي لإزالة سوء الفهم بين المقدمات الأخلاقية المؤسسة للإسلام والمبادئ العالمية لحقوق الإنسان.

 المسلم العادي وحقوق الإسلام

في أحد الأيام دخل مكتبي إسلامي يمارس الشعائر الدينية كنت قد دافعت عنه لنيل اللجوء السياسي ليشكرني. وتقاذفتنا الأحاديـــث فقال لي : "لقد فكرت كثيرا بقضية حقوق الإنسان، وأنا متأكد أن الإسلام يدعم دون تحفظ ما تسميه الشرعة الدولية لحقوق الإنسان : الإسلام يتـوجه إلى بني آدم، أي لكل كائن انساني وليس فقط للمسلمين. الاسلام يعلمنا :  فلا تظالموا، كذلك شرعتكم، ديني يناديني في كل صباح  "اعدلوا هو اقرب للتقوى"، وشرعتكم أيضا، الإسلام يؤكد على كرامة الإنسان  "ولقد كرمنا بني آدم" وشرعتكم أيضا. لماذا إذن يجري الحديث عن تعارض بين الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والإسلام؟ ".  

قبل هذا اللقاء، كنت غالبا ما أركز على الشعبية القائمة على الحاجة  أكثر من التركيز على زواج العقل بين مجتمعاتنا ونشطاء حقوق الإنسان. كذلك كنت آخذ بجدية أكثر أطروحة بعض المثقفين القائلة بأن أسلـمة حقوق الإنسان يمكن أن تساعد في ولـوج مبادئ حقوق الإنسان في المجتمعات الإسلامية. فحقوق الإنسان لم تشكل مبعث خوف لوالدتي خلال 15 عـاما من اعتـقال والدي كونها كانت متنــفس الضحايا، وهي لم تخيف جارتنا المحجبة كوننا وحـدنا من تبنى حـالة أخيها المفقود وأرغم السلطات الســورية على تقديم  معلومــات حوله لفريق العمل الخــاص بالاختــفاء القسري أو اللا ارادي في الامم المتحدة. ان حقوق الإنسان في تعبيراتها النظيفة وغير المنحازة أكثر شعبية من الترابي وابن باز. الانتقادات التي نسمـعها في الشارع لحقوق الإنسان لا تطالبنــا بإنزال العقوبات الجسدية توافقا مع الشريعة وإنما وقف الحصار المطبق على شعب العراق ومحاكمة مجرمي الحرب في البوسنة. الفلسطينيون لا يطالبون بأكثر من احترام الولايات المتحدة وإسرائيل لحقهم في أن لا يكونوا مجرد شعب في حالة احتضار. الأكراد المسلمون الذين قابلـتهم لم يحدثونني يوما عن وضع أهل الذمة وإنما عن الاعتداءات الواقعة بحق الأقليات. أبناء جنوب لبنان يستنكرون سيادة القوة والعنجهية الإسرائيلية على كلمة العدل ولم يسمعهم أحد يسـتعرضون الفروق بين إعلان القاهرة والشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

إن مشكلتنا في العالمين العربي والإسلامي هنا بالتحديد. الحقوق الأساسية أسرى موازين القوى، وهي ليست قوة قرار فعلية. هذا هو النقد الذي نسمعه جميعا حول حقوق الإنسان، وقلما كان نقد الإنسان العادي يتناول محتوى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

هذه الانتقادات التي تركز على استعمال حقوق الإنسان لغايات سياسوية، لعقلية ابن الســت وابن الجارية وسياسة المعيارين  تشـكل اغناء كبيرا لحركتنا. فالمؤمن يطرح مشكلة العدالة المطلقة في وجه وضع عالمي غير متكافئ، بربري ولا إنساني.

كما أسهمت التـيارات الاشــتراكية في تثبيت حق تقرير المصير في العـهد الدولي الخــاص بالحقوق المدنية والسياسية والعــهد الدولي الخــاص بالحقوق الاقتصــادية والاجتــماعية  والثقافية، يمكن ويجب على المســلمين أن يلعبوا دورا هامـا، للمثال لا للحصر،  في إنشاء اواليات ضمانات للحقوق الأساسية للأشخاص وفي تبني إعلان عالمي حول حق التضامن وإعلان لمنع ارتهان الشعوب بالحظر.

 العقوبات الجسدية :

يحاول البعض تقديم صورة مبسطة بل وساذجة عن تطبيق قانون العقوبات الإسلامي في أشكاله الأكثر ارثذوكسية، متناسين أن تكون أسس إقامة العدل في المجتمع الإسلامي الأول قد احتاجت إلى خمسة قرون، وأن تطبيق الأحكام كان مرتبطا بالمعطيات الإسلامية في المجتمع كما هو مرتبط بالمعطيات المجتمعية نفسها (25).

فمن الناحية القضائية، تميز التشريع الإسلامي بمرحلتين حاسمتين في عهد النبي محمد: الأولى، تميزت بعقوبات اتسمت بالطابع الفردي كالحجر على المرأة المحصنة التي تمارس الجنس خارج حياتها الزوجية، أما الثانية فذات طابع عام وجاءت فيما يعرف بمصطلحنا المعاصر " في ظل حالة طوارئ" أو "حالة حرب". وقد اتسمت العقوبات بالقسوة والحسم كالجلد وقطع اليد.

مهما كانت الدوافع، فقد استجاب النبي لأوضاع عيانية منسجمة مع روح عصرها. الأمر الذي يجعل المؤرخ يقول بأن تشريع المدينة اتسم بالمحلية والنسبية ومحدودية تطبيقه زمنيا. أما القراءة التقليدية والشكلية فقد حولت هذه الخصائص إلى : عالمية وأزلية ومطلقة.

بين هذا المفهوم وذاك، تتمترس معظم المدارس الفقهية الإسلامية.

ليس بالإمكان الحديث في المدارس الفقهية اورثذكسية كانت أو منشقة عن قانون عقوبات بالمعنى التقني لمجموعة إجراءات تفصيلية لجملة الاعتداءات ذات الطابع العام. باستثناء القتل، انحصرت الحدود إلى حد كبير في ست جرائم محددة  ( العلاقة الجنسية غير الشرعية -الزنا-، السرقة، شرب الخمرة، قذف المحصنات، البغي، الردة) باعتبارها حدودا إلهية. في هذه الطبيعة المقدسة للحدود المذكورة تكمن إشكالية العقوبات الجسدية. وفي النطاق التاريخي الإسلامي تجنب المؤمنون بحذر تناول هذا الموضوع بشكل واضح ومباشر.

يقول الهادي العلوي في وصفه لموقف الصوفية من العقوبات الجسدية :" لم يتعرض الأقطاب للعقوبات الشرعية، وتبدو وصاياهم عن حسن التعامل والتسامح موجهة للناس في علاقاتهم ببعضهم البعض. ولا شك انهم يستبشعون العقوبات الشرعية لقسوتها لكني لم أجد من تجرأ على إنكارها وإنما أنكروا العقاب كمفهوم عام. وتغيب عن أبياتهم عبارة "إقامة الحدود" التي يرددها الفقهاء في مقام إجراء الحكم الشرعي بما فيه العقوبات"(26).

إن ممارسة إرهاب فكري حقيقي داخل الاتجاهات الإسلامية منذ القرون الوسطى جعل البعد التاريخي للعقوبات يتقدم دون مواجهة مباشرة. فإشكالية الدافع إلى الجريمة، التي طرحها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (حكم من 24 أغسطس 634 إلى 4 نوفمبر 644 م) والتي ترجمها بوقف قطع يد السارقة التي سرقت بسبب الفاقة في عام القحط، تم تفسيرها بشكل متنور من قبل عدد كبير من الكتاب والفلاسفة المسلمين. يقول سفيان بن عيينة في هذا الصدد :" أربع ليس عليك في واحدة منهم حساب : سد الجوعة وبرد العطشة وستر العورة والاستكنان"(27). بتعبير آخر إن حق الإنسان في الطعام والشراب والملبس والمسكن يحدد مفهوم العقاب برمته.

يقول أبو اسحق الشاطبي في "الموافقات" : "وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فان صحت في ميزانها، فانظر إلى مآلها بالنسبة إلى آمال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة، فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم بها"(28).

في الفصل المعنون "النظر في مآلات الأفعال مقصود شرعا" ( ج4، ص194) ينبه الشاطبي بضرورة النظر إلى ما يترتب على أفعالنا من مصلحة أو مفسدة للحكم عليها بالمشروعية أو عدم المشروعية.

يوضح الشيخ محمد مصطفى شلبي في رسالته عن تعليل الأحكام كيف أن أصحاب النبي كانوا " ينظرون إلى الأمر وما يحيط به من ظروف، وما يحف به من مصالح ومفاسد ويشرعون له الحكم المناسب، وإن خالف ماكان في عهد رسول الله، وليس هذا إعراضا منهم عن شريعة الله أو مخالفة لرسول الله، بل هو سر التشريع الذي فهموه"(29). ويقدم في كتابه "أصول التشريع الإسلامي أمثلة على إعمال المصلحة عند تعارضها مع النص.

لا تنقص الأمثلة والاستشهادات، إلا أن الصراع بين اتساع الأفق وروح التغيير من جهة والتقليد الأعمى وتحجر التعامل مع النصوص وانتصار الاتجاه الثاني في ظل سلطان الاستبداد منح الديمومة  للتبني الاسمي للعقوبات الجسدية في ارض الإسلام حتى عام 1858. أي سنة إلغاء هذه العقوبات رسميا في قانون العقوبات العثماني الجديد الذي كان ترجمة لقانون العقوبات الفرنسي. ولم يبق من العقوبات السالفة سوى عقوبة الإعدام (30).

وبعد إلغاء العقوبات الجسدية جاء دستور 1878 ليشكل خطوة تجديدية كبرى في العالم الإسلامي (31). ففي هذا الدستور الذي يعتبر الإسلام دين الدولة (المادة 11) يتساوى كل مواطني الدولة بغض النظر عن انتمائهم الديني ( المادة 17) وتنص المادة 26 على إلغاء التعذيب.

لا شك بأن هذين الحدثين يسجلان قطيعة مع الممارسة "الانتهازية" التي سئم التاريخ اجترارها. فكما يذكر الجامعي المصري محمد نور فرحات:

إن ما يتردد من ادعاء بأن الشريعة الإسلامية كانت فعلا وتطبيقا هي النظام القانوني النافذ في البلاد حتى نهاية القرن التاسع عشر، هو قول يفتقر إلى الدقة التاريخية.

إن الشريعة الإسلامية، بينما كانت من الناحية الرسمية والمعلنة هي الشريعة العامة للبلاد، كانت من الناحية الفعلية محل نظر.

إن من الخطأ النظر إلى الشريعة الإسلامية على أنها كيان متكامل مقدس من الأحكام الشرعية القانونية الواجبة التطبيق التي يؤثم تاركها ويثاب من يأخذ بها (32).

عرف العالم العربي في مطلع هذا القرن وبشكل خاص في مصر حقبة غنية وهامة في تقدم ثقافته القضائية. ودافعت أقلام عربية كبيرة عن احترام سلامة النفس والجسد من المحامي السوري عبد الرحمن الكواكبي إلى الحقوقي المصري لطفي السيد والشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي. كذلك دافع أنصار القومية العربية الأوائل عن دولة دستورية يتساوى فيها المسلمون والمسيحيون ويعيشون معا بحرية وكرامة.

لقد كانت النقطة السوداء الوحيدة وصول آل سعود بتحالف مع آل شيخ (حماة المذهب الوهابي المتزمت) إلى السلطة في الجزيرة العربية. فقد طبق عبد العزيز آل سعود منذ 1903 العقوبات الجسدية في وقت شهد فيه العالم العربي إنتاجا جيدا للمحامين والقضاة المسلمين في الجامعات العلمانية وتقدما كبيرا في مفهوم الحقوق خسر معه رجال الدين احتكار القضاء. وكان لهذه العودة إلى الوراء في الجزيرة العربية التي تمت بحد السيف والعنف أن تبقى دون تأثير يذكر لولا اكتشاف النفط الذي أعطى لمستبدي الصحراء إمكانيات تسمح لهم بحرب صليبية ضد كل أصوات الإصلاح في الإسلام في القرن العشرين. وسيتكفل الحس التجاري للإدارة الأمريكية بحماية حراس التعذيب المشرع له من كل خطر. فالغنى النفطي يسبق كل المبادئ (33).

خلال قرن من الزمن، ناضل رجال ونساء من أجل تشريع دنيوي يحترم حق الإنسان في سلامة نفسه وجسده. ونجد في هذه المسيرة الفيلسوف اللبناني أمين ريحاني، القاضي المصري علي عبد الرازق، الصحفية المصرية منيرة ثابت، المصلح التونسي الطاهر حداد،  المفكر السوداني محمود محمد طه عميد الأدب العربي طه حسين، عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، الشيخ اللبناني عبد الله العلايلي الخ. ويدين اتحاد المحامين العرب منذ ولادته في 1944 كل أشكال التعذيب. وفي معظمها، لا تتطرق أهم الدساتير في الدول العربية إلى العقوبات الجسدية (34).

من جهته يرسم السنهوري، أستاذ اكثر من جيل للمحامين والقضاة العرب، الخطوط الكبرى لتشريعات ثنائية المرجع (غربية وإسلامية) تعبر عن الاتجاهات الكبرى للإصلاح القضائي في العالم العربي.

 صراع الأفكار

يحمي الدين نفسه وأتباعه، وتتبلور معالمه باستمرار وفقا لعوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية تحدد مكانه والتعبيرات التمثيلية له في المكان والزمان. إن الانطلاق من هذه الواقعة يسمح لنا بفهم تطور العقائد والقواعد في الإسلام.

معظم المصلحين في بداية القرن لم يجدوا من المفيد إعطاء مكان هام للعقوبات الجسدية في عالم يطرحها وراءه. وقليل من العلماء من يطالب بتطبيقها. على العكس من ذلك هناك حديث عن أسباب التنزيل وتغير الأحكام بتغير الأزمان وتاريخية النص القرآني. ويطرح المصلح السوداني محمود محمد طه إلغاء تشريعات المدينة وإقامة تشريع إسلامي متطور ينسجم مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما يفتح الشيخ العلايلي النقاش حول مغزى ومعنى وجدوى العقوبات الجسدية قائلا : " إن العقوبات المنصوصة ليست مقصودة بأعيانها حرفيا بل بغاياتها" (…) " المبادرة إلى إنزال الحد عينه - فعدا أنه لا يتفق مع روح القرآن، الذي جعل القصاص صيانة للحياة وإشاعة للأمن العام، وليس لجعل المجتمع مجموعة مشوهين، هذا مقطوع اليد، والآخر الرجل، والآخر مفقوء العين أو مصلوم الأذن أو مجدوع الأنف الخ- "(35). إعتبر الرجم عقوبة غير قرآنية (36) وطالب بمنعها. فالحدود عنده ليست لتطبق وإنما وسيلة أخيرة واستثنائية لا يلجأ لها إلا عند فشل كل الوسائل الأخرى، وفي حالات باثولوجية تتكرر فيها الجريمة. فالغاية حماية الإنسان والمجتمع وبالتالي فالعقوبة يجب أن تنسجم مع معارفنا والوسائل التي نمتلكها.

بعد فرج فوده ونصر حامد أبو زيد اللذان حاربا القراءة الشكلية والاختزالية للإسلام، يفتح الإيراني عبد الكريم سروش نقاشا هاما حول المنهج المتبع من الإسلاميين للحديث عن حقوق الإنسان في الإسلام عبر إعادة الاعتبار لقواعد فقهية وبعض المفاهيم. يركز أستاذ الفلسفة على أن هدف حقوق الإنسان لا يتطابق مع شبكة الأفكار الدينية، وإنكار هذه الواقعة مع أو ضد حقوق الإنسان موضوع نقاش خارج-الديني". فالحاجة إلى تحديد الحق والعدالة خارج النطاق الديني، الإسلامي وغير الإسلامي، لا تحرر الدين فحسب وانما توجهنا فعلا نحو مقاربة عالمية: " ليس بالإمكان القول أن العدالة أو ما هو إنساني ذو جوهر ديني، بل الدين، أي دين يطرح نفسه باعتباره عادلا وإنسانيا. كذلك الأمر على الدين أن يدعو إلى الحقيقة وليس على الحقيقة أن تكون مرتبطة بالدين"(…)" لا يمكن لأحد أن يقبل أن الدين الذي يعتقد به مرتبط بشكل لا يمكن فصله عن احترامه للإنسانية والإنساني" (37).

إن رفض فكرة تفوق الديني، قبول فكرة أن حقوق الإنسان قد أعطت للأديان والإنسان وإدانة كل ما يمس سلامة النفس والجسد، هذه هي الأفكار الرئيسية للمصلحين الذين يرفضون إعادة الاستعمال الوحيدة النغم لخطاب يبرر العقوبات غير الإنسانية.

"يظهر التاريخ القضائي، كما يقول نويل كولسون، أن الظروف الاجتماعية السائدة قد مارست تأثيرا كبيرا في فترة تشكل التشريع الإسلامي. ومهما ادعت النظرية الكلاسيكية للحقوق، فقد أخذ الحقوقيون القدامى بعين الاعتبار هذه الظروف في تفسيرهم للقرآن. ضمن هذا التوجه، ان الحقوقيين المعاصرين لا يعلنون فحسب عن انتسابهم لأمثولة من سبقهم، وإنما أيضا القول بأنهم يفعلون أفضل منهم" (38).

 التوظيف وتضارب المصالح

لا يمكن اختزال عودة أنصار العقوبات الجسدية بصعود الإسلاميين. فهناك دون شك فشل الاتجاهات غير الدينية، غياب الديمقراطية، هشاشة تعريف الشخص، حالة الإسهال القمعي والتعذيب البوليسي، غياب التسامح الرد فعلي، قسوة العلاقات بين الأفراد في ظل أنظمة تسلطية وتصاعد وتيرة العنف في الحياة اليومية. وهناك أيضا الدعم غير المحدود للجماعات المتطرفة الإسلامية وتمويل التعبيرات الثقافية الأصولية.

تتناسى الأغلبية ان أول من طبق العقوبات الجسدية بعد آل سعود كان الكولونيل معمر القذافي في ليبيا. دون مشاركة الإسلاميين في الوزارة أو وجود ضغوط شعبية لهكذا قرار. ففي بداية السبعينات اصدر العقيد القانون 148 لعام 1972 والقانون 70 لعام 1973 والقانون 52 لعام 1972، ثم عاد عن قراره  بخيبة أمل لفشل الفكرة تماما. وبعد عشرين عاما عاد الكولونيل إلى قراره من جديد في 3 إبريل 1993.

في العاشر من فبراير 1979، قام عسكري آخر باختبار نصيبه مع العقوبات الجسدية. وبعد عامين على وقفه العمل بالدستور وإعلان الأحكام العرفية، في غياب أية شرعية قانونية أو شعبية لنظامه القمعي، قام الجنرال ضياء الحق بفرض العقوبات الجسدية مع تواطؤ مؤدلج الجماعة الإسلامية في باكستان أبو الأعلى المودودي، وذلك باسم تطبيق الشريعة الإسلامية (39). وقد دخل أربعة وزراء في حكومة الجنرال الذي اصبح رمزا من رموز الحركة الإسلامية السياسية.

في موريتانيا، قامت اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني بتشكيل محكمة إسلامية تطبق الشريعة في يوليو 1980 وذلك لمحاكمة الجرائم المرتكبة بحق الشعب وممتلكاته. في 12 ديسمبر 1984 قام انقلاب عسكري آخر بوضع حد لتطبيق العقوبات الجسدية.

في خضم الأزمة الاقتصادية والسياسية التي مر بها نظام المارشال جعفر النميري، تقمص الأخير ثوب أمير المؤمنين معلنا عن تطبيق العقوبات الجسدية في 3 سبتمبر 1983بالتواطؤ مع الجبهة القومية الإسلامية للترابي. في 29 إبريل 1984 أعلن المارشال حالة الطوارئ وفي 8/1/1985 اعدم الدكتاتور وفق الشريعة الشيخ محمود محمد طه (80 عاما) لرفض المصلح الإسلامي تطبيق العقوبات الجسدية في السودان باسم الله في حياته (40).

إذا كان تطبيق الحدود في إيران قد ترافق بالمد الجماهيري الذي واكب وصول الخميني إلى السلطة (41)، فإن تطبيق العقوبات الجسدية كان في معظم البلدان الإسلامية مفروضا من فوق وببركة دكتاتورية عسكرية.

فالعقوبات الجسدية تدخل في مزاودات إيديولوجية بين أطراف الإسلام السياسي نفسها : بين إيران والسعودية، بين الإخوان المسلمين والجماعات المتطرفة، بين السلطة والمعارضة. إلا أن هذه المزاودات يجب أن لا تغيب عن الذهن كون العقوبات الجسدية سلاح فتاك في أيدي الطغاة والمستبدين، حيث لا تحتاج الدكتاتورية دائما إلى فتوى الفقيه لتطبيقها.

 إن مثل تطبيق العقوبات الجسدية من قبل صدام حسين في إبريل 1994 يظهر للعيان الجانب العقابي والترهيبي للموضوع قبل البعد الديني الذي لا يتعدى الواجهة (42). وقد لاحظنا من خلال قرابة عشرين كتابا معاصرا التركيز على قسوة الأحكام الضرورية للتخويف والردع، فيما يسمح حسب رأي مؤلفيها بخفض نسبة الجريمة في المجتمع. هذه الحجة التي تكذبها جملة المعطيات المرصودة في البلدان التي تم تطبيق هذه العقوبات فيها. فليس هناك مثل جدي واحد لانخفاض نسبة الجريمة في أي بلد بعد تطبيق العقوبات الجسدية كما لا يوجد مثل واحد لارتفاع الجريمة بعد إلغاء حكم الإعدام. على العكس من ذلك، فان الآثار التي تتركها عملية البتر مدى الحياة تشكل عائقا حقيقيا أمام إعادة تأهيل المعاقب الذي يتحول إلى ضحية دائمة بالمعنيين النفسي والجسدي. وفي دراستنا لحالات عديدة، لاحظنا وجود صدمات نفسية مع تنامي عقدة الإذلال الجماعي إضافة للعجز الجسدي، الأمر الذي يخلق تصرفات مناهضة للمجتمع اكثر منه رغبة في الاندماج فيه.

في معرض نظمته السلطات السعودية في معهد العالم العربي في باريس في ذكرى كأس العالم لعام 1998، وزع مكتب الإعلام السعودي كراسا بعنوان : الأمن وحقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية نقرأ فيه:

إن غاية العقوبات حماية الضروريات الخمس للإنسان وهي الروح والعقل والدين والأملاك والشرف. وكل اعتداء عليها يحاسب عليه وفق ما ارتأت الشريعة. فالإسلام يعتبر أن كل من قتل شخصا فقد قتل المجتمع. من هنا فإن حكم الإعدام عادل بحقه. وهو يعزي أقرباء الضحية. من الغريب أن نجد من يشفق على المجرم الذي ارتكب القتل دون شفقة أو مراعاة. لا أحد يستطيع أن ينكر الأضرار التي يسببها تجار المخدرات. ما هو مصير الذي لا يطبق بحقه حكم الإعدام ؟ هل يعود إلى الطريق المستقيم أم إلى طريق الاتجار بالمخدرات ؟  لقد أظهرت التجارب أن تجار المخدرات يعودون إلى ممارساتهم بالرغم من العقوبات المفروضة وموانع الأمن. إذن لا اطمئنان للمجتمعات التي لا تطبق حكم الإعدام. فهذا الإجراء يحث التجار على التفكير. وكذلك قررت الشريعة قطع اليد حماية للممتلكات…"( ترجمة الكاتب عن النص الفرنسي).

في نهاية قرن على تطبيق العقوبات الجسدية في مملكة الأمن، لدينا أدلة على وجود قوي لتجار المخدرات في هذا البلد.

أليس مناهضا لكل المفاهيم الأخلاقية أن تمارس البشاعة باسم من يحبذ العرب مناداته بالرحمن ؟

لقد آن الأوان لإنقاذ الكرامة الإنسانية والإسلام في هذا القسم من العالم بوقف كل شكل من أشكال الاعتداء على النفس والجسد.

 مــراجع

1-Al-Mafregy, “L'Islam et les droits de l'Homme” In :Islam et droits de l'Homme, textes présentés,  Emmannuel Hirsch, Librairie des Libertés, 1984, P.12.

2 - Ibid, pp.11-49.

3 - Ibid, P.12.

4- Ibid, 24.

5- Ibid, 26.

6 - اشارة الى كتابه : حقوق الانسان بين تعاليم الاسلام و الأمم المتحدة . دار الدعوة، الاسكندرية، 1993.

7 - عبد الله النعيم، نحو تطوير الشريعة الاسلامية، القاهرة، سينا للنشر، 1994، ص 226

8-Mohammed Arkoun, “Pratiques et garanties des droits de l'Homme dans le monde musulman”, Fraternité d'Abraham, n. 27, Juillet 1980, Reédité par Hirsch, op.cit. pp.123-130.

9- M.Arkoun, Hirsch, op. cit. P.130.

10 -محمد اركون، نافذة على الاسلام، ترجمة صياح الجهيم، دار عطيه، بيروت، 1996، ص 192.

11 - نفس المصدر، ص 184 - 185.

12 - نفس المصدر، ص 175 - 176.

13- محمد السيد سعيد، "الاسلام وحقوق الانسان"، رواق عربي، عدد 1 يناير 1996.

14-اعيد نشره في " رواق عربي "، العدد الرابع، اكتوبر 1996، ص 148-151. وفي هيثم مناع: طفولة الشئ، المخاضات الاولى لحقوق الانسان في العالم العربي، منشورات الجمل،كولونيا، 1998.

15 - ابو الأعلى المودودي، نظرية الاسلام و هديه، دار الفكر، 1967، ص 219.

16 - وحرفيا عند سيد قطب ايضا، معالم في الطريق، ص 136، دون تاريخ او ناشر.

17 - مما لا شك فيه ان المنظومة الايديولوجية للمودودي تقوم على دولة الاغلبية فيها من دين الاسلام. الأمر الذي يتعارض مع التعددية الدينـــية لشبه الجزيرة الهندية. من المفيــد مقــارنة الأسس الدينية لدولة اسرائيل والأسس الدينية لمشــروع المودودي. يلاحظ المرء ان القواعد الدينية للعودة والجنسية والهوية اليهودية والغلبة هي القوة الصاعدة في اسرائيل وليس الاشتراكية القومية اليهودية التي كانت وراء هذا المشروع.

18 - المودودي، مذكور اعلاه، ص 200-201.

19 - المودودي، نفس المصدر، ص 215 -256.

20 - المودودي، نفس المصدر، ص 53

21 - محمد سعيد العشماوي، معالم الاسلام، سينا للنشر، 1989، ص 101-102. 

22 -  ابن منظور، لسان العرب، صادر، بيروت، مادة شرع.

23- In : Bassam Tibi, Seculality and International Morality, Bridging the cultural Gab, Copenhagen, Louisiana, May, 27-29 1994. P. 13

24 - نصر حامد ابو زيد، نقد الخـطاب الديني، الطـــبعة الثانية، سينا للنشر، 1994، ص 129.

25- Pour plus d'informations voir: Haytham Manna, “Les châtiments corporels en Islam, un itinéraire controversé”, Amnesty International, Cahier médical, n 13, Avril 1993. Et chapitre Hûdûd in: H. Manna, Islam et hérésies, l'Harmattan, Paris, 1997.

26- هادي العلوي، مدارات صوفية، دفاتر النهج، دمشق، 1997، ص 82.

27- نفس المصدر، ص 234.

28- محمد نور فرحات، "الحلاج يصلب مرتين"، في: نصرحامد ابو زيد بين التكفير والتنوير، تحرير محمد هاشم، مركز المحروسة، ص156.

29- نفس المصدر 167-168.

30- Noël J. Coulson, Histoire du Droit Islamique, puf, 1995, p. 147.

31- Edmond Rabbath, La formation historique du Liban politique et constitutionnel, Université Libanaise, Beyrouth, 1986, pp 46-49

32-انظر: الدكتور محمد نور فرحات: "المجتمع والشريعة والقانون"، كتاب الهلال، العدد 426، القاهرة، يونيو 1986.

 33- نسبة الى مؤسسها محمد بن عبد الوهاب (1703-1792). وهي انتاج مسخ للحنبلية متأثرة بنهج الشيخ التقليدي الدمشقي ابن تيمية (توفي في 1349).

34 - يدفع نشطاء حقوق الانسان الثمن غاليا من التواطؤ والصمت الامريكي الرسمي مع الشكلين المقوننين للتعذيب في كل من العربية السعودية واسرائيل.

35- هذه هي الحال في مصر وسوريا ولبنان وتونس والجزائر والكويت واليمن والاردن والسودان.

36-الشيخ عبد الله العلايلي، أين الخطأ، الطبعة الثانية، دار الجديد، 1992، ص 75-76

37- Abdol-Karim Soroush, “An Epistemological Appraisal of Human Rights” The

 Iranian Journal of  International Affairs, Vol. III, n 4, Winter 1991/1992, pp 673-678.

38- كولسون، مصدر سابق، ص 205-206.

39- في قانون نسخة طبق الاصل عن ذاك الصادر في باكستان وبعد عشرة أيام، تم فرض العقوبات الجسدية في دولة آزاد كشمير الخاضعة للسيطرة الباكستانية. انظر ( القوانين المتعلقة بالحدود والقصاص، بالانجليزية والاوردية، اصدارات  دولة جامو وكشمير ، الحكومة الحرة، 20 فبراير، 1979). لم يتم الغاء قوانين النميري من قبل الانقلاب الذي أقام نظاما برلمانيا في البلاد في 6 ابريل 1985 والذي اعلن عن عزمه على استبدال قوانين سبتمبر. الا ان التكتيكات السياسوية آلت الى بقاء القوانين دون تطبيقها بالكامل. وقد جاء انقلاب 30 يونيو 1989 ليعزز وضع الاصوليين. وقد اعلن الجنرال البشير "التطبيق الفوري للشريعة في شمال البلاد في 31 ديسمبر 1990. بذلك تشمل الدول العربية المطبقة للعقوبات الجسدية كل من السعودية والامارات العربية المتحدة واليمن والسودان.

40- انظر مناع، اسلام وهرطقات (بالفرنسية)، مذكور سابقا، ص 91.

41- في ايران، وخلال فترة التشوش العام اثر قيام الجمهورية الاسلامية كانت ممارسة العقوبات الجسدية كالجلد والبتر تتم بشكل مباشر كل على هواه. في 1982 تم تبني قانون الحدود والقصاص لفترة تجريبية تمتد لخمس سنوات. وفي 1983 تم تبني قانون التعزيرات لفترة اختبارية من خمس سنوات ايضا. الا ان من يقونن العقوبات الجسدية لا يدرك خطورة مايفعل، وها هي السنوات تتمدد اتوماتيكيا. من الضروري للاطلاع قراءة وثيقة اللجنة الطبية في منظمة العفو الدولية: العقوبات الجسدية، دراسة في القوانين والممارسات في 18 بلد ، فبراير 1992 ( بالفرنسية والانجليزية).

42- اصدر مجلس قيادة الثورة في العراق عددا من المراسيم التي اقرت قطع اليد والاذن ووشم الجبهة والاعدام في قرابة 30 جرما للحق العام. وبعد حملة احتجاجات، اعلن وزير العدل العراقي في يناير 1996 بأن هذه القوانين لاغية في البلاد. في فبراير 1996، وردا على مداخلات المنظمات غير الحكومية في لجنة حقوق الانسان في جنيف، اعلن مندوب العراق رسميا الغاء هذه القوانين في بلده. لمزيد من المعلومات انظر :المراسيم العراقية القاسية: بتر الأطراف، الوسم وأحكام الأعدام.منظمة العفو الدولية، ابريل 1996.

  الأمن كاستراتيجية سيطرة

 

 بالرغم من الغموض الذي يحيط بالكلمة، والاستعمال الردئ لها من قبل السلطات، يبقى لكلمة "الأمن" رنة سحرية في الآذان. ولهذا يبالغ الجلادون في استعمالها. ولو أنه في كل مرة يتم فيها تضخيم أهمية الكلمة في الإيديولوجيا والممارسة والبنى، فإن ما يحدث فعلا هو تحجيم الكائن الإنساني إلى حالة خنوع وطاعة. وقد أعطت الهيمنة الأمنية الصفة الأولى للقمع البوليسي في القرن العشرين: عدم التناسب بين الفعل والعقاب، عدم التناسب بين الخطر الذي يمثله الضحايا وأمن من يحكمهم. بحيث يمكن الحديث أكثر عن الإذلال المبرمج، التعذيب دون معايير، الاعتقال الماراتوني والعسف الصلف كوسيلة للسيطرة.

وفي الذكرى  الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، احتفظت هذه الكلمة بكل عنفوانها: فلانتزاع معلومات تبعث على "الإحساس بالأمن" من معتقلي حزب العمال الشيوعي التونسي الذين اعتقلوا بين 18/2/1998 و 2/3/1998 لجأ بوليس "إدارة أمن الدولة" إلى استعمال الوسائل التالية:

-التعذيب بطريقة " الهليكوبتر أو "الدجاجة المصلية" وهم عراة إلا من كرامتهم وشرفهم. تربط أيدي الضحية بحبل على مستوى المعصم ويحوط الذراعان الركبتين التي يمرر تحتهما قضيب حديدي طوله متر ونصف إلى مترين. وتعلق الضحية في هذه الوضعية بين طاولتين تستخدمان لتعليق القضيب الحديدي مما يضع الرأس في الأسفل وراحة القدمين في مواجهة الجلاد مربوطة عند العقبين لمنع الضحية من تجنب ضربات العصي أو خراطيم الكاوتشوك أو الكرباج. وتوجه الضربات إلى اسفل القدمين وسائر أنحاء الجسم. ولتحطيم معنويات الضحية يجري التهديد والشتم بألفاظ جنسية كذلك إدخال العصا في الشرج أو إطفاء السجائر عليه. وهذه الطريقة شائعة الاستعمال في تونس ويمكن أن تستمر كل جولة تعذيب لساعات. ومن وقت لوقت توضع الضحية في وضعية الوقوف لرشق الماء البارد على قدميها أو أمرها بالسير لدقائق. وعندما تتحسن قليلا تعاود الكرة في عمليات التعذيب التي منها :

-الصدمات الكهربائية على أعضاء حساسة من الجسم،

-تعليق المعتقل من قدم واحدة بالسقف والتصرف بشكل سادي معه. هذه الطريقة ينجم عنها اقياء وآلام رأس وإغماء،

-تعريته وصب الماء البارد على جسمه،

-حرمانه من النوم بوضعه على كرسي وكلما حاول النوم إيذاءه بسيجارة تطفأ على جلده أو وخزه بالإبر على رقبته او غيره،

-حرمانه من الغذاء، والضغط على المرضى بالحرمان من الدواء أو المساومة عليه في حال الضرورة القصوى له عند المصابين بأمراض كالربو والإصابات القلبية والسكري.

لقد كان الضحايا من المدنيين ومعظمهم من الطلبة، علما انه لم يلجأ أي منهم يوما لاستعمال العنف. وقد تحدثوا عن أساليب التعذيب التي تعرضوا لها أمام قاضي التحقيق والمحامين.

لا عجب في ذلك في "دولة القانون وحقوق الإنسان" وفق الخطاب الحكومي.

 لقد طبعت حالة خميس قسيلة نائب رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان دون شك ذكرى الإعلان. وعشية تشكيل لجنة عربية عالمية للدفاع عنه، كانت زوجته تعلن في رسالة لها معاناته اليومية في المعتقل:

 "-الأربعاء 22 يوليو: أصيب خميس قسيله بوعكة قلبية حادة قام على أثرها طبيب أخصائي في الأمراض القلبية بفحصه (الدكتور بوجنه). وبسبب رفض زوجي إيقاف الإضراب عن الطعام طلب الطبيب وضعه تحت المصل (السيروم)، وهكذا حصل.

-الخميس 23 يوليو، وعند استدعائه من اجل حقن جديد وجد خميس قسيله نفسه أمام قرابة خمسة عشر عنصر أمن اقتادوه إلى زنزانة مظلمة تماما. وخلال ساعات عانى من إذلال جد مهين.

كان ذلك أولا بربط يديه خلف ظهره حيث شاهدت زوجته آثار الازرقاق بعد يومين. وقد وقف اثنان من عناصر الأمن على جمجمته لإفقاده المقاومة، وقدم أحدهما (الحارس عادل) نفسه كطبيب وادخل له أنبوب لإطعامه بالقوة. وهذا المشهد تم تحت نظر وأوامر مسئول في دائرة السجن يشرف بنفسه. بعدها القي بخميس وحيدا في الزنزانة المظلمة شبه فاقد للوعي خلال ساعات. وفي المساء، جاء الحرس لنزع قيود اليدين والاحتفاظ به نائما على الأرض في هذه الزنزانة".

لقد وقّعت تونس كما هو معلوم على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب ….

بعد مشاركته في محكمة مجزرة سجن سركاجي وزيادة نشاطه من اجل استعادة السلام واحترام كرامة الإنسان في الجزائر، داهمت مجموعة من أفراد الجيش والشرطة حوالي الساعة التاسعة من 4فبراير- شباط 1998 ، منزل المحامي الجزائري محمود خليلي، مؤسس ورئيس النقابة الوطنية للمحامين الجزائريين وأحد مؤسسي اللجنة العربية لحقوق الإنسان، بحجة البحث عن إبنه كريم البالغ من العمر 34 سنة والمختل عقليا.

وقد قاموا بتفتيش المنزل بدقة وانهالوا بالضرب بشكل وحشي على ولديه فريد وكريم بحضور باقي أفراد العائلة وبشكل خاص عقيلة الزميل محمود المقعدة اثر إصابتها أثناء حرب التحرير. من الصعب نسيان صوت الصديق محمود يصف آثار الدم في ارض المنزل قبل إعادة أحد ابنيه إليه بعد أربعين دقيقة. أما ولده الثاني فقد أفرج عنه بعد حملة كبيرة من أجله. لكن لم يتوقف الهجوم الشخصي على الأستاذ خليلي مع ذلك من قبل أطراف حكومية عدة. ومنذ ذلك التاريخ ساء وضع محمود الصحي بشكل كبير وهو يعالج اليوم من شلل نصفي في الوجه وغيره.

منذ عام 1992، والأستاذ خليلي يشجب بكل الوسائل الشرعية التعذيب في مراكز التحقيق والسجون الجزائرية. وقد أرسل مئات الرسائل إلى السلطات المختصة، تنفيذية وقضائية ومنظمات حقوق الإنسان، يدافع فيها عن السلامة النفسية والجسدية للمعتقلين السياسيين. فيما يلي مقاطع من بعض رسائله :

-شكوى ضد مدير سجن الحراش في قضية سي مرزاق محمد ياسين 12/11/1994

" إن مدير المؤسسة سمح بإخراج موكلي منها في ذلك اليوم ووضع داخل الصندوق الخلفي للسيارة من طرف رجال الشرطة وهو معصوب العينين، كما يوضع كبش العيد ونقل إلى المحافظة المركزية للشرطة. وحسب تصريحاته مورس ضده فعل الإكراه الشديد، بقطع القماش المبلل وبالكهرباء والضرب بالعصا على جسمه، وخاصة بحرقه بالسجائر، مما خلف له جروحا متعفنة في فخذه الأيسر.."

سي مرزاق محمد ياسين قتل اثناء مجزرة سركاجي.

- طلب خبرة جسمانية في قضية برانين عبد اللطيف 8سبتمبر 1997

" صرح لي موكلي بأنه قضى في مركز الضبطية القضائية فترة تتراوح من 6/1/1997 و6/3/1997 وتعرض أثناء وجوده هناك في أحد مراكز التعذيب بعين طاية لممارسة الإكراه عليه، بواسطة قماش مبلل بالماء الفاسد خلال شهر رمضان ورميه عاريا على البلاط في الزنزانة التي لا يدخلها الهواء إلا من ثقب صغير. كما تعرض للتعذيب بواسطة الكهرباء وهو مبلل بالماء وكذلك تعليقه في أعمدة واشجار ليلا وهو مقيد اليدين بسلسلة. كما تم استجوابه تحت عدسة الكاميرا التي كانت موجهة إلى رأسه لنقل التصريحات التي يدلي بها، بينما كانت رجلاه مربوطتان بخيوط الكهرباء.

رغم إصابة الضحية بالصمم وشبه فقدان لعينه اليسرى والروماتيزم وآثار دائمة على جسده، لم يجر أي تحقيق خاص من أجله.

وهذا هو حال منصوري ملياني الذي اعدم بعد تعذيب شديد والدركي بن سعيدان محمد، والقولي وهو أيضا دركي سابق احرق جهازه التناسلي بالبنزين، وخشعي رشيد ولشرف بشير كلاهما كانا ضحية الاعتداء الجنسي من الحرس وبعمود خشبي احدث نزيفا دمويا..."

"سيروا دفنوا ولدكم ايش بغيتو بهادا الصداع" ، كان هذا جواب الطبيب المعالج لاسرة سجين مات تحت التعذيب في المغرب عام 1993. في دراسته "ضد التعذيب وانتهاك الحق في الحياة" يركز المحامي بوشتى الحالي من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان على مفهوم الرعايا لتفسير ظاهرة انتشار وتعميم المعاملة السيئة على كامل المواطنين من قبل أجهزة البوليس. ولذا يلاحظ النشيط المغربي لحقوق الإنسان أن التعذيب يشمل سجناء الرأي وسجناء الحق العام. ولا ينسى أن يذكّر بأن الحالات التي يعاقب عليها بالإعدام في القانون الجنائي المغربي تتجاوز 274 حالة وأن القوانين المرعية في البلاد لا تنص على أية عقوبة لمن يمارس التعذيب النفسي. وهو يستعرض 56 حالة وفاة تحت التعذيب منذ عام 1978 (في بيان صدر عن الجمعية المغربية لحقوق الانسان والكتاب تحت الطباعة تؤكد الجمعية وفاة 46 حالة نتيجة التعذيب بين عامي 1989-1998 لم يحسم قضائيا الا في ثلاث منها).

أما مصر، التي تقاسمت مع إسرائيل وتركيا مكانة هامة في قضية التعذيب البوليسي، فقد أعطت في النصف الأول من التسعينات مثلا صارخا لتفاقم هذه الآفة فيما يوضحه التقرير البديل للمنظمة المصرية لحقوق الانسان المقدم الى لجنة حقوق الانسان في الامم المتحدة. وحتى اليوم لم ترفع الغشاوة عن وفاة المحامي الشاب عبد الحارث مدني عضو المنظمة المصرية لحقوق الإنسان والمحامي عن عدد من الإسلاميين المعتقلين تحت التعذيب في مايو 1994 والذي ذكّر بعشرات الضحايا من المغمورين. ماهو عددهم ؟ من الصعب الإجابة. فما هو مرصود بالتأكيد اقل بكثير من الواقع. وقد رصد مركز المساعدة القانونية لحقوق الانسان مايقرب 100 حالة تعرض لها المواطنون للتعذيب بين عامي 1994-1995 منها عدة حالات ادت الى الوفاة. ومنذ أن تأسست اللجنة العربية لحقوق الانسان في بداية 1998 الى تاريخ دفع هذا الكتاب للمطبعة، تسلمنا معلومات عن وفاة 12 شخصا في السجون المصرية بسبب سوء المعاملة او تحت التعذيب. من ذلك يخرج  الملاحظ باستنتاج علقمي: مازالت الظاهرة شديدة الحضور في أجهزة الأمن المختلفة بالرغم من توقيع مصر على المعاهدة العالمية لمناهضة التعذيب …

في شهادته التي قدمها لنا، يقول السجين السياسي السوري السابق كمال الخلف : "دحرجوني ككرة على الدرج للنزول حيث غرفة رئيس التحقيق: وحوش جائعة استطاعت أو تمكنت من الحصول على فريسة دسمة: شكلوا حلقة دائرية حولي كل واحد يأخذ حصته ويسلم الباقي للذي يقابله في الحلقة. وعندما سقطت على الأرض أخرجوني إلى ساحة التعذيب حيث الفلق : عصا، خشبة طويلة حوالي المترين أو اقل قليلا مربوط بطرفيها حبل حيث تدخل الأرجل ويقومون ببرم الخشبة حتى يصبح الحبل مشدودا بشكل تام على الأرجل. في كل طرف عنصر أمن يمسك بطرف العصا ويرفعها إلى مستوى الصدر ليصبح الضرب سهلا. يكون الضرب بواسطة عصي وخيزرانات يسمونها "طبوس" شبيهة بالعصي التي يدك بها الصوف عند غسله على ضفاف النهر. ثلاث أو أربع يضربون على الأرجل ومثلهم يدعسون على كل أنحاء الجسم وحذاء أو اكثر في الفم لمنع الصراخ.

بعدها وضعوني في زنزانة طولها اقل من مترين وعرضها حوالي 50 سم أرضيتها مدببة بواسطة الإسمنت لا يستطيع الموجود فيها أن يتقلب بمينا أو شمالا بسهولة ولا طولها يسمح بالنوم.

يطلبني المحقق ويطلب أن أتعرى كاملا. وتم تطميشي بواسطة سلك كبير بعد أن وضعوني في الدولاب. وتم ربط أسلاك الكهرباء بأصابع قدمي ولم يقفوا حتى تعبوا هم. ولكي يدخلوا الرعب في نفوس الرفاق الآخرين نتيجة الصراخ اللامعقول واللاإرادي عند التعذيب بالكهرباء" .

لقد بدّل كمال مركز التحقيق أربع مرات، وفي كل مرة لم يكن يستقبل بمعاملة تختلف عن سابقاتها.

ليس للتعذيب لونا إيديولوجيا. تعطي شهادة الدكتور حموده فتح الرحمن ومعتقلين سودانيين آخرين نفس الاستنتاج وهو : أن التعذيب في تركيا "العلمانية" لا يختلف عنه في السودان "الأصولية" أسلوبا وطريقة، حتى في الاعتداءات الجنسية. يشير الدكتور حموده الى استعمال الحرمان من النوم ومن النظافة ومن قضاء الحاجة ومن الدواء، والقذف في بئر عدة مرات ووضع المعتقل في غرفة صغيرة تم تغطية ارضيتها بالماء والضرب المستمر.

لا يغيب أمراء الخليج عن عالم التعذيب في دويلاتهم. ففي هذه المنطقة "الاستراتيجية" للمصالح الغربية نجد خاصية متميزة وهي تورط ضباط غربيين مباشرة في التعذيب. رغم وجود حالات أمريكية متعددة، إلا أن حالة ضابط المستعمرات البريطاني ايان هندرسون تبقى الحالة الأشدّ فظاعة والأكثر تعبيرا. إكتسب ضابط الاستخبارات هذا شهرته من دوره الدنيء في انتفاضة الماو ماو في الخمسينات في كينيا. وقد استدعاه الشيخ عيسى في 1966 ليصبح خلال 22 عاما المسئول الفعلي عن أجهزة الأمن في البلاد (حتى عام الذكرى الخمسين ). من الصعب اليوم تقدير عدد الضحايا في جهاز هندرسون الضخم، الذي لم يكن يكتفي بإعطاء الأوامر بل ويستجوب الضحايا بنفسه كلما ارتأى ضرورة لذلك.

في عددها الصادر في 8/3/1998، تعدد مجلة الساندي ميل الإنجليزية الجرائم التي ارتكبها هندرسون (بربري البحرين كما تسميه) :

"-نهب القرى وتوقيف رجال الدين،

-ممارسة التعذيب السادي بحق الرجال والنساء،

-انتزاع أطفال بعضهم بعمر 7 سنوات لاستجوابهم وإعادة جثمان من يموت تحت التعذيب منهم لعائلته،

-استعمال الكهرباء لبتر أعضاء سجين أو التخلص منه".

لقد تقدم لنا العديد من ضحاياه بشهاداتهم على أمل أن تجري محاكمة هذا المجرم في حال عودته لأوربة.  تجدر الإشارة الى توقيع البحرين اتفاقية مناهضة التعذيب… وكذلك فعلت بريطانيا.

بالطبع، يعتبر هندرسون انه كان يقوم بواجبه وأن " التعذيب مصطلح مبالغ فيه، وللعرب طريقة مختلفة في رؤية الأشياء".

من المزري ان يخلف هذا الشخص وراءه مدرسة محلية تكرر فظاعاته.

في هذا الفصل يتحدث محاميان عن التعذيب : الأول معتقل سابق يعيش حاليا في دمشق والثاني جزائري حكم في محكمة صورية بالسجن 3 سنوات وهو معتقل اليوم. تتناول شهادته معاناته الشخصية من التعذيب.

لم يكن من الممكن استعراض مأساة التعذيب في كل بلد. الا أنه وفي معظم دول المنطقة، يمكننا أن نقول دون حرج: "حسبك فقط أن تغير الاسم، أوليست هذه قصتك أنت ؟ ".

الكرسي الالماني

"ان كان السجن تجربة وحيدة، فالتعذيب كذلك، يصعب تشبيهه باعتداءات اخرى. انه شكل من اشكال اغتصاب الكرامة الانسانية.

لا تمتلك السلطات القمعية سوى سلاح اوحد لتغطية عيوبها، تقديم قراءتها للاحداث والوقائع ومنع الآخرين من قول ماعندهم، بما فيه حرمانهم حتى من الحديث عن تجربة مؤلمة عاشوها. لذا علينا ان نتكلم عندما نقع ضحية هذه الجريمة ضد الانسانية، ليلبس العار من يرتكبها من اعداء الحرية عوضا عن ان يبقى سرا في اعناق الضحايا. علينا ان نتحدث عن مصابنا: عن آلام السجن والحياة فيه، الحرمان من المحبة والطبيعة، الحرمان من اي تواصل مع المجتمع، بل ومع غيرنا من الضحايا في السجن نفسه. ولكن ايضا عن تلك اللحظات التي سعى الجلاد جهده ليحول المناضل من أجل قضية الى بهيمة تضرب دون رحمة وتعذب دون انسانية.

هل علي ان اتكلم عن نفسي؟ ولماذا يكون جلدي افضل من جلد غيري من سجناء الرأي ؟ الجلاد لا يميز. وبكل الاحوال لا يقدم احد من السجناء للجلادين بهويته الحقيقية سياسية كانت او شخصية. ثم هل تعتقدون بأن الجلاد سيبتكر لي طرقا خاصة متميزة عن غيري ؟

لأن لي "الحق" في المعاملة نفسها، يمكنني ان اؤكد او اكذب شهادة غيري من السجناء. ولشديد الأسف لا يمكنني القول ان السجناء الآخرين يكذبون. بل استطيع ان اشهد بأن بعضهم لم تكن لديه الذاكرة او الامكانية لوصف بعض اللحظات المخيفة التي عاشها. انا ايضا افضّـل ان لا استعيد هكذا لحظات لتكون مقاومتي اكبر. فإن كان الاعتقال في تعريفه الحضاري هو عقوبة في حد ذاتها، فان الاعتقال التعسفي في بلدي جزء من العقوبة المفروضة كل يوم على السجين بكل تبعاتها التراجيدية المرافقة من الاستقبال السوداوي في قاعة التعذيب الى المنفردة الى الغرف الجماعية. لا يمكن تفسير مايحدث الا اذا سلمنا بأن الغاية من السجن  تحطيم الشخصية، ابادة المقاومة، مسّ كرامة السجين. على السجين ان يترجى ويتوسل. ان يظهر بمظهر الصغير، ان يقدم تنازلات لا نهاية لها. احيانا للحصول على سيجارة او لتقبيل ابنه او والدته اثناء الزيارة. ماذا يمكننا ان نقول عندما يصبح الاساسي بالنسبة للكائن الانساني موضوع ابتزاز دائم حتى في صحته ومرضه ؟

في مقابلة سمعناها على الاذاعة طالب مدافع عن حقوق الانسان بفتح مراكز اعادة تأهيل السجناء بعد الافراج عنهم. في المثل الذي اتحدث عنه، كل شئ يحدث لحرمان السجين من امكانية التأقلم من جديد مع البشر و المؤسسات: فعلى الصعيد المادي، الغاية المعلنة تحطيم السجين ومحيطه العائلي. على صعيد الأمل، منذ 28 سنة لم يستفد سجين رأي واحد من ربع المدة لحسن السيرة في المعتقل. فإن لاحظنا انه من آلاف السجناء الذين عرفوا السجن لا يتجاوز عدد من أضرب عن الطعام او احتج على معاملة الحراس العشرات، وان ذلك لم يغير شيئا في سياسة الجلاد، يمكن ان ندرك مدى احترام السلطات للقواعد الدنيا لحقوق هذا الكائن البشري الخارج عن رضا السلطان. فسيرة حسنة او سيئة لا يهم، هناك تقسيم واضح لسجناء الرأي: من يتعامل مع الأمن من جهة..والآخرين.

مصير أي سجين ان يتقاسم مع غيره من سجناء الرأي هذه التجربة. واحتراما لهذا المبدأ المحترم عادة، سأتقاسم هذه الاسطر مع غيري ليكون شهادة جماعية.

اربعون طريقة للتعذيب

كيف يمكن لسلطة ان تعتز باتباع وسيلة جديدة للتعذيب او ان تفتخر ب "تجميع" ما يفعل غيرها في هذا الحقل البربري ؟ لقد نشرت منظمة العفو الدولية ونشطاء حقوق الانسان في سورية تقارير عن التعذيب ووسائله في سورية. يمكن القول انه في 1998 لا يوجد تغيير يذكر. ما زالت الشعائر نفسها متبعة. يبدأ التعذيب كجزء لا يتجزأ من الاستجواب.

 معلوم ان سورية لم توقع بعد اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة او العقوبة القاسية او اللاانسانية او المهينة. في 13 مارس/آذار 1986، قال مندوب سورية في الامم المتحدة في مداخلته الشفهية في الدورة 42 للجنة حقوق الانسان في جنيف:" يمارس التعذيب عادة عند غياب أحكام القانون أو عدم تطبيقها أو وجود سلطة حاكمة بعيدة عن الديمقراطية بحيث لا يتمكن السكان من ممارسة الحياة السياسية، كما أن عدم استقلال السلطة القضائية يعيق المثول امام المحاكم أو عدم اعتراف السلطات الامنية بحقيقة الأمر إخفائها للأدلة عن الاطباء والمحامين التي تفضح اعمالها في أعمال التعذيب."(…)" رغم ان التعذيب يوجه للانسان بصفته عنصرا بشريا الا أن هدفه يتجاوز ذلك عندما يصل الى مرحلة تجريد الانسان من انسانيته، ومهما كانت الاسباب والدواعي وخاصة في حالات الحرب والاحتلال والاسر لا يجوز اقرار مبدأ التعذيب كأسلوب لتحصيل المعلومات او للاجبار على الخنوع"(…) " وبهذه المناسبة أود ان اشير الى ان اتفاقية مناهضة التعذيب التي اقرتها الجمعية العامة قد حظيت باهتمام السلطات المسؤولة في سورية، وقد اعدت وزارة العدل مرسوما تشريعيا يتضمن انضمام سوريا لهذه الاتفاقية وهو في طريقه لاستكمال اسباب صدوره في أقرب وقت ممكن. ونأمل أنه حين تعقد دورة لجنة حقوق الانسان القادمة، ستكون سوريا في عداد الدول التي انضمت اليها وصدرت بذلك النصوص التشريعية".

لقد انتهيت من كتابة هذا النص بعد الدورة 54 للامم المتحدة ومرور 12 عاما على هذه المداخلة ولم توقع سورية بعد المعاهدة ؟

فيما يلي قائمة غير كاملة باسماء الاشخاص الذين توفوا بسبب المعاملة السيئة او التعذيب في السجون منذ هذا الوعد الرسمي:

1987 : احمد العباس، ابراهيم احمدو، محمد الاعرج، احمد اسعد غنوم، احسان عزو، عمر الجميل، احمد جرود، هيثم خوجه، رفعت الرشيد، طه عبد الرزاق سرحان، مضر الجندي.

1988 : عبد الرزاق ابازيد، محمد راشد عباس، رضوان دغيم، عمر وحيد حيدر، محمد عيسى المانع، عبد القادر مرتضى، صالح رخيمه، وجيه شحاده، موسى زيدان، احمد الزير.

1989 : محمد هاشم، محمد حسن، خضر جبر.

1990 : زاهي عبادي، محمد داوود، منير فرنسيس، زياد موسى قطناني.

1991 : جمال حسينو، حسين زيدان.

1992 منير الأحمد، احمد رفعت رجب.

ان الحملة الدولية التي تبعت تحرك المنظمات غير الحكومية بعد الوفاة تحت التعذيب للمهندس الشاب منير فرنسيس ومأساة وفاة الدكتور نور الدين الاتاسي لعبت دون شك دورا هاما في الاحتياطات التي صارت تتخذ لتجنب الوفاة تحت التعذيب. الأمر الذي لم يمنع وفاة السيد صلاح جديد في ظروف لم تعرف ماهيتها بعد والنهاية "المبرمجة" لوفاة الصحفي السوري رضا حداد الذي لم يفرج عنه رغم سرطانه المتقدم اثر خمسة عشر عاما في السجن حكم عليه بها جميعا بعد 14 عاما دون محاكمة او حكم.

ضحية اخرى للتعذيب مازالت في سجن صيدنايا. ولقد حاولت اسماع قصتها لمحكمة أمن الدولة. فيما يلي مقاطع مما لم يحرك في القضاة ساكنا في 2 مارس 1993:

" داهمت منزلي دورية تابعة لفرع فلسطين /235/فجر يوم الثلاثاء 7/12/1986 بقصد القاء القبض عليّ وقد كانت مؤلفة من ضباط وعناصر الفرع (يذكر الاسماء) ولما لم يجدوني ضمن المنزل قاموا بضرب زوجتي أمام طفلتنا البالغة من العمر حينها الاربع سنوات. وبعد ذلك اقتادوها الى فرع فلسطين حيث فصلت عن طفلتيها وكانت الصغرى منهما لها من العمر شهر واحد.. لدى اعادتها الى المنزل لتفقده بعد عدة ايام اكتشفت نهب بعض محتويات المنزل من الممتلكات الشخصية، حيث بادرت الى تقديم شكايتها للفرع المذكور ثم الى "مجلس الشعب" والقصر الجمهوري مع ثبت بما استطاعت احصاءه من المفقودات حيث كان المنزل قد اغلق من قبل الفرع المذكور ومنعت من العودة اليه.

تم تسليمها بعد فترة عدة اشهر بعض المفقودات من قبل الفرع المذكور بوثيقة مثبتة بالتاريخ لدى الفرع.

بعد ذلك اعيد المنزل الى مالكيه، كونه كان مستأجرا من قبلنا، تحت الضغط والاكراه المعنوي الذي مارسه الفرع المذكور على زوجتي ومالكي المنزل لحرمانها من الاقامة فيه. الأمر الذي ادى الى تشريدها مع طفلتينا.

لدى اعتقالي بتاريخ 19/9/1987 تم تعريضي في الفرع المذكور الى اشد انواع التعذيب لانتزاع المعلومات. حيث تم جلدي وتعذيبي بالكرسي الالماني وحرق الاطراف بالاسيد وهرس الاصابع والتعذيب المعنوي عبر جلد زوجتي امامي واهانتها واحضار والدتي والتهديد بتعذيبها. بعد ذلك تعرضت الى لكمات بالايدي والارجل أدت الى احداث كسر في عظم الانف ثم تعريضي لعملية فسخ للطرفين السفليين أدت الى افتراق شديد في الوصل العاني وهو كسر في عظم الحوض. واستمر التحقيق معي دون اسعافي للمشفى لتلقي العلاج اللازم لحالة الكسر الشديد التي اصيب بها عظم المفصل. لم انقل الى المشفى الا في اليوم السادس لاصابتي أي بتاريخ 24/9/1987. تأخر البدء بعلاجي في مشفى حرستا العسكري لمدة ثلاثة أيام أخرى نتيجة الاهمال الذي تعرضت له من قبل عناصر فرع فلسطين.

 بعد ذلك قرر الاطباء حاجتي لعلاج قد يمتد لأكثر من شهرين في المشفى وتم البدء بمعالجتي. لكن اوقفت هذه المعالجة لمرات متتالية نتيجة الضغط والاكراه الذي تعرض له الطبيب المعالج حتى اضطر الى الخضوع لهذه الضغوط الممارسة عليه من قبل ضباط الفرع /235/ وأوقف علاجي دون استكماله بعد حوالي ثلاثة اسابيع من بدئه. كما وتم تخريجي من المشفى بتاريخ 22/10/1987 محتفظا بعاهة دائمة في جسدي مازلت أعاني منها حتى الآن".

حكمت محكمة أمن الدولة على محمد نزار مرادني بالسجن لمدة 15 عاما مع الاشغال الشاقة والحرمان من الحقوق المدنية.

يمكن أن يبدأ الاستجواب مباشرة بعد التوقيف وذلك في حالات الحاجة الى معلومات سريعة. والا فالقاعدة العامة ان يترك السجين في غرفة فردية عدة أيام، بل احيانا اسابيع، دون ان توجه اليه اية اسئلة. وفي هذه الاثناء، يمنع من النوم حينا ويتلقى كل انواع الشتائم والاهانات والمعاملة السيئة أحيانا أخرى. يفاجأ بالماء البارد ثم الساخن مع الحرمان من الطعام لمدة طويلة واحيانا الشراب. في وقت الاستجواب، يتم اقتياده الى قاعة يسمع فيها اصوات معتقلين يعذبون، ويهدد بأن يتعرض للمصير نفسه اذا لم يضع كل ما عنده من معلومات وأن يقر بالتهم الموجهة اليه. وقد يهدد باحضار اقارب له يعذبون أمامه. أو قتله بالقائه من الطابق الأعلى والقول بأنه انتحر او استعمال الصدمة الكهربائية او الاغتصاب او وضعه على الكرسي "الالماني-السوري".

وفي حال عدم تعاونه باعطاء ما يطلب منه، يتم الانتقال الى الفترة الثانية من التعذيب. في هذه المرحلة يعيش السجين كل اشكال التعذيب البربرية التي تمارس في مراكز التحقيق. ولو جمعنا شهادات المعتقلين السابقين لوجدنا أكثر من اربعين طريقة نذكر ما تجمع لدينا منها:

ضربات على كامل الجسد : توجه للمعتقل صفعات على الوجه، يضرب بعصا او بحزام، كذلك بشريط معدني او شريط حاد النهايات،

الدولاب: يوضع المعتقل في الدولاب بشكل مضغوط ويتلقى ضربات بالعصي والهروات والاشرطة المعدنية من كل حدب وصوب،

الفلقة: يتلقى السجين الضربات على راحتي القدم مما يسبب غالبا انتفاخات تدوم لأشهر،

بساط الريح: يربط المعتقل بقطعة خشب لها شكل الجسم الانساني ثم يضرب او يمرر اليه التيار الكهربائي،

الشبح: تربط ايدي المعتقل وراء ظهره ويعلق من اليدين والقدمين ويضرب أو يعذب بالتيار الكهربائي،

العبد الأسود: يربط المعتقل بتركيبة كلما جهزت ادخلت في شرجه قضيبا معدنيا ساخنا،

الكرسي الالماني: يتم ربط يدي السجين وقدميه الى كرسي معدني فيه اجزاء متحركة ويتم ضغط الظهر الى الخلف بشكل يسبب انحناء غير محتمل في العمود الفقري مع ضغط لا يطاق على الرقبة واليدين والقدمين. الأمر الذي يتسبب في صعوبة التنفس لدرجة التسمم وفقدان الوعي وفي بعض الحالات كسور فقرية. وهناك شكل محلي لهذه الطريقة يعرف بالكرسي السوري تثبت فيه شفرات معدنية في الداخل في مكان تثبيت قدمي المعتقل، فيما يسبب نزفا دمويا من العقب كلما حدث ضغط. ويرافق الجلاد احيانا الكرسي الالماني والسوري بضربات السياط،

الغسالة: يوضع ذراع المعتقل تحت انبوب مضغوط كمنشف الغسالة القديمة لتهشيم ذراعه واصابعه،

استعمال الادوات المنزلية لحرق الاعضاء كوضع الجسم على السخانة،

وضع قطعة قطن مشربة بالبنزين على عدة مناطق من الجسم ثم اشعال النار،

الضغط على ظهر المريض بقطعة حديد مدببة حارة،

اطفاء السجائر على اعضاء من الجسم،

ارسال شحنات كهربائية للاعضاء الحساسة من الجسم كالاذنين والانف واللسان والاعضاء التناسلية،

وضع الملح او مواد حامضية على جروح المعتقل والحروق،

جرح وتشطيب اعضاء حساسة بالشفرة او سكين الحلاقة كالشفه والاذن والانف،

اجبار المعتقل على البقاء واقفا عري القدمين بمواجهة الجدار مع ربط يديه وراء الرأس ويتلقى ضربات البسطار على ظهره بشكل روتيني،

ضرب نفس العضو من الجسم بعصا ذات كرة معدنية في رأسها لمدة طويلة،

تعليق المعتقل من يديه وقدميه الى سرير او سلم،

تعليقه كالفروج المشوي وتوجيه الضربات له،

تعليقه من رقبته مع تجنب الكسر،

تعليقه بمروحة السقف وضربه عند تشغيلها،

اجبار الشخص على البقاء في الماء مدة طويلة احيانا ليلة كاملة واحيانا رشه بالماء،

رش الماء البارد ثم الساخن بشكل متواتر،

نزع شعر الجسم بادوات تسبب ألما إضافيا،

نزع اظافر القدم واليد،

الاعتداء الجنسي،

اجبار المعتقل على الجلوس على زجاجة او وضع فوهة الزجاجة في شرجه،

اجباره على البقاء مدة طويلة على قدم واحدة او الجري وهو محمل بوزن ثقيل،

وضعه في عزلة كاملة عن العالم لايام او اسابيع بل سنوات(كحالة المحامي رياض الترك الذي ابقي في عزلة عن العالم 18 سنة)،

اشعال النور وقت النوم او ابقاء نور قوية لفترات طويلة او قصيرة، واحيانا لأيام،

وضع موسيقى عالية جدا واصوات مسجلة  لاشخاص يعذبون،

تعريض المعتقل الى الموت خنقا بابقاء رأسه تحت الماء حتى الاختناق،

الارهاب بالمقصلة حيث يوضع الرأس تحت قاطع يتم توقيفه قبل الرأس،

تهديد السجين بتعذيب اقاربه واصدقائه او خطفهم واعدامهم،

تعذيب معتقل أمام معتقل آخر،

اذلال المعتقل بالشتائم والسباب واجباره على التعري امام الجنس الآخر،

حرمان المعتقل من النوم والغذاء والماء والهواء النقي ومنعه من الحمام او من المرحاض،

الحرمان من العناية الصحية والدواء،

التعذيب بكيس البحار: وضع المعتقل في كيس يعلق الى السقف لوقت يضطر فيه لقضاء حاجته فيه ويرش بالماء "ليشرب"،

تمديد المعتقلين على الارض ومرور الحرس من فوق رؤوسهم.

كما يلاحظ، فالتعذيب الجسدي والنفسي يمارسان بشكل مفرط في عدوانيته. يروي السجين السابق و.س في شهادة له: " لم يضربني أحد، ففي الوقت الذي اعتقلت فيه لم يكن عندي "معلومات مهمة" اقدمها للفرع الذي كان يملك معلومات أكثر مني عن منظمتي، أما انا فكنت عضوا عاديا. لكنهم مارسوا علي أشكالا من التعذيب والاذلال المهين خلال ستة اشهر. فقد وضعوني في زنزانة قرابة قاعة التعذيب، وكنت اسمع في كل يوم صرخات الاسلاميين والشيوعيين والفلسطينيين يعذبون. في كل مرة يخرج فيها السجين، يمر من جانب زنزانتي، وينظر لي بازدراء كأنني عميل مزدوج".

في شهادة جد مؤثرة، يذكرنا الصحفي رضا حداد قبيل وفاته التراجيدية بعد 15 عاما من الاعتقال التعسفي، بأن التعذيب الذي يعانيه المقرب الى الشخص لا يختلف عن تعذيب الشخص نفسه. وبكلماته انهي شهادتي:

" المرعب والشئ الذي يضغط على أعصابك ويجعل كل حواسك ومخاوفك وهواجسك المتبقية والمترسبة في أعماقك تستيقظ مجددا. حتى أنك تلهث احيانا لدرجة الشعور بالاختناق وتشعر بالغيظ والقهر عندما تتناهى الى مسامعنا خاصة في ساعات الليل أصوات التعذيب في غرفة التحقيق. أصوات العصي والكابلات وهي ترتطم باللحم الآدمي تتلوها صرخات وحشية. شئ ما يتحطم داخلك. أحيانا كثيرة كنت لا أستطيع احتمال وتيرة الصوت المشحون بالألم والعذاب، فأرتجف وتنهمر دموعي قهرا وذلا مع أن الأمر كان يتم بشكل أسبوعي أكثر من مرة. وكان أكثر ما يشق علي أن تكون المعذبة امرأة"

                                        

                                                           المحامي ي. ناصر (سورية)

 

وراء الكاجول

"بعد أن أوصلت إبراهيم، السكرتير الذي يعمل معي إلى منزله في المرس على بعد كيلومترين من الرويبه، كان الطريق خاليا عندما تجاوزتني سيارة غولف أجبرتني على الوقوف الى جانب الطريق. لم يكن لدي الخيار. نزل أربعة رجال من الغولف ليحاوطوا سيارتي الواقفة وينتزعوني منها طالبين مني التوجه إلى سيارتهم.

عندما سألتهم من هم، لم يجيبوا. اقتادوني بالقوة إلى المقعد الخلفي، حيث أحاط بي اثنين منهم دفعا برأسي نحو الأسفل كي لا يراني أحد من خارج السيارة.

أحد الأشخاص الأربعة بقي بمحاذاة سيارتي التي كان فيها ابني عماد وعمره 5 سنوات وصهري سعدي محمد بنعثمان. لقد استطعت إبصار أحد  المختطفين يلزم صهري بالركوع على ركبتيه خلف سيارتي، ويديه على رأسه. بعدها لم أعد أرى شيئا كونهم منعوني من النظر إلى الخلف. مذاك وينتابني إحساس بأن صهري وابني قد اغتيلا رغم أنني لم اسمع طلقات نارية. عندما عاد الشخص الرابع إلى السيارة سأله السائق إن كانت الأمور تجري كما يجب فأجابه بالإيجاب. الأمر الذي جعلني أفكر بأنهما قتلا بالسلاح الأبيض. لم تغادر هذه الفكرة مخيلتي حتى إحالتي أمام محكمة رويبه ولقد رافقتني كل ليالي احتجازي.

عندما انطلقت الغولف طلبت إلى الركاب فيما إذا كانوا من البوليس. فالحالة كذلك يمكنهم المرور بمخفر رويبه الذي يبعد قرابة 900 متر فقط، فأجاب السائق : انت مجنون، تريد أن يطلقوا النار علينا ؟ هنا استخلصت بأنها عملية اختطاف لا يريد القائمون بها أي شهود. اتبعت السيارة الطريق المؤدية إلى الاوتوستراد وفي حذاء مقبرة رويبه انعطفت. بعد قرابة نصف ساعة خيم الظلام وتوقف السائق وطلبوا مني النزول. كنا على الاوتوستراد باتجاه الجزائر-بدورو، حذاء حوش المكفي، قرابة حفرة. ظننت انهم سيتخلصون مني هنا، وفكرت بصهري وابني. بعد دقائق تتوقف سيارتا نيسان وراء الغولف. انتظروا مرور بعض السيارات العابرة والقوا بي في صندوق سيارة نيسان منبطحا وتوجهنا نحو الجزائر العاصمة. ثم أبطأت السيارة وخرجنا من الاوتوستراد. هنا تعرفت على الطوابق العليا من بنايات "الاسفودال" في بن عكنون، كون وضعيتي لا تسمح لي برؤية باقي الطوابق. بعد دقيقة أو دقيقتين عرفت أننا في شاتونوف، كوننا عبرنا كلية الحقوق في بن عكنون.. وهنا اقتادوني إلى قبو بناء ثم إلى زنزانة مظلمة. كان كل ما يشغل تفكيري مصير ابني وصهري. لم يعد بإمكاني التفكير، فجأة سمعت عواء الكلاب الصغيرة الذي استمر لوقت طويل وكان قويا جدا. يحتمل أن يكون مسجلا. نظرت من فتحة الباب، نافذة أبعادها 10/15 سم تقريبا. هناك ممر عرضه متر تقريبا وزنزانات على جانبي الممر. لم يكن بوسعي إلا تمييز الزنزانة المقابلة، أما الأخريات فلا أرى منهن إلا الباب. وبرز رأس ملتح وبعده رأس آخر أشقر اصغر عمرا من الأول.

أين نحن ؟  في شاتونوف ! بالتأكيد كنت أعرف.

من أنتم ؟ لا إجابة.

لماذا هذا العواء ؟ هنا أشار الملتحي إلى اذنه ثم لسانه - الكهرباء، حتى لا يسمع صوت الصراخ العالي.

طلبوا مني هويتي ولم أكن اعرف مع من أتحدث ولو أن الأكثر شبابا يوحي وجهه بالثقة. لكن ليس هناك ما اخسره، لعلهما إن افرج عنهما يتحدثان عن وجودي هنا ؟ قلت لهم أنني محام وأعطيتهم اسمي. ثم سألأتهم منذ متى هم هنا ؟ عدت إلى عمق الزنزانة وجلست على الأرض. كانت هناك قطعة غطاء ورائحة ولا وجود للماء. صليت المغرب والعشاء ودعيت ربي أن لا يصيب مكروها ابني وعمه. لكنني لم استطع النوم. توقف العواء ثم بدأت الموسيقى. فتح باب من حديد فجأة، ثم اغلق. نظرت من الفتحة، لم يكن لدي الوقت لرؤية شخص يرحل. بعد لحظات، خطوات جديدة. فهمت انهم يبحثون عن شخص للتعذيب. أنا ؟ لا. اخذ شخص من زنزانة وبعدها عاد العواء ، الموسيقى وصرخات مخنوقة. انتظر دوري ولا انجح في إغلاق عيني. بعدها رائحة. انتبهت إلى وجود ثقوب في سقف الزنزانة. من أين تأتي الرائحة ؟ إنها لم تكن عند وصولي. عيناي وحلقي تحترق. تنفسي صعب جدا وغير محتمل. انبطحت أرضا لأتمكن من تنشق الهواء من أسفل باب الحديد. وبالفعل كان الهواء في الخارج مختلفا. لم تكن وضعيتي مريحة أمضيت الليل أتقلب من طرف لآخر.

الخميس 1 أغسطس 1996

عند الفجر صوت آذان مسجد الأرقم القريب. سمعت أصوات الاستيقاظ من الزنزانات، وسمعت أصوات الصلاة وصليت الصبح بدوري. لم يمر بعد 12 ساعة على اختطافي لكن لدي إحساس بمرور دهر. بعد ساعات فتح الباب من جديد وخرج منه ملتح أيضا. سمعت صوت سيلان الماء. فهمت انه مكلف بالتنظيف بالماء. هو أيضا الذي فتح حنفية الماء التي سالت في غرفتي وقتا يكفي لتعبئة الزجاجات البلاستيكية الفارغة الملقاة فيها. بعد ذلك حاولت فتح نقاش معه، فأشار لي بيده كمن يقلد الإصبع على قبضة مسدس ويضع إصبعه على فمه طالبا مني السكوت. أغلقت الأبواب مجددا. عندها سمعت أصوات نساء في الطابق الأعلى. شرح لي الموجود قبالتي أنها أصوات النساء المكلفات بالتنظيف. هنا أحسست بأنني اعرف هذا المشهد وتذكرت شهادة أحد زبائني الذي مر من شاتونوف. مع هذا، أنا لم أعذب بعد، متى يأتي دوري ؟ بعد وقت، خطوات داخل الزنزانة. هذه المرة كانت الزنزانة الموجودة في عمق الممر، اخرج منها السجين دون رعاية عاري الصدر وسخ وعمره يقارب 54 عاما. نظرت إليه وعرفته على الفور، انه بوشريف رضا المحكوم بالإعدام من قبل المحكمة الخاصة في الجزائر عام 1993 والهارب من تزولت. لقد زارني ابنه في مكتبي لتوكيلي فوجهته نحو زميل آخر. قابلته بعدها عدة مرات في أروقة سجن سركاجي. توجهت إلى الزنزانة المقابلة فأكدوا لي انه هارب تم توقيفه قبل أيام مع صهره. بعدها صراخ غير محتمل. لا موسيقى هذه المرة ولا عواء. لقد كنا نسمع بوضوح ساعة، ساعتان .. وعندما مر أمام زنزانتي لم يكن ممكنا التعرف عليه. يرتعد بردا رغم الحرارة. لم يعد كائنا بشريا، كانت نظراته خاوية وجد حزينة. هنا اكتشفت شيئا، وكأنه للمرة الأولى: أنا الذي اعتقد انه يناضل من أجل حقوق الإنسان منذ سنوات، اكتشفت حقوق الإنسان هذه اللحظة ! في أعماقي أحسست بالتعاسة لمنظر كائن إنساني جرى تعذيبه. في أعماقي أحسست بأن لا حق لإنسان أن يفعل هذا بإنسان آخر مهما كانت الجريمة ومهما كانت التهمة. لقد كانت لحظة اكتشاف عندي.

 إنني أتذكر كل زبائني ضحايا التعذيب. سعداء لأن يعودوا أخيرا للسجن في حالة يرثى لها. وتمر السنوات 1992، 1993، 1994، 1995، 1996. منذ خمس سنوات والآلام مستمرة. ما هو عدد الذين مروا بهذه الزنزانات ؟ هذه الزنزانات المليئة حتى اليوم ! كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ الى متى ؟ من الزنزانة المقابلة، يقطع "الملتحي" عليّ حبل أفكاري. يريد أن يتكلم، اخبرني بأنه يعد دكتوراه الحلقة الثالثة ولم أعد اذكر موضوع دراسته. لم يبق عليه سوى إنجاز أطروحته. يضيف بأن معظم الموجودين من الجامعيين ويطلب مني أن أتحدث مع الزنزانة المقابلة له على يميني.

 ليس بإمكاني رؤية من فيها ولكنني اسمعهم. أحدهم يقول لي بأنه يعرفني بالاسم وأنه صهر نضر حمودي، أحد موكلي. لم اصدق آذاني. فقد قابلت حمودي قبل يوم في الحراش ووعدته بتجديد إذن الزيارة لأعود وأراه. وقد طلبت منه إعطائي تفاصيل تؤكد هويته. حدثني عن كاراج والده في نفق الكليات، واسماء محامين يدافعون عن صهره. أعطاني اسمه: خليل شرفي كمال. علمت من الزنزانة المقابلة أنه هنا منذ قرابة 3 أشهر وأن "الآخرين" قد قتلوا.

هذا كل ما تمكنا من قوله حين عادت الرائحة تغزو الزنزانة، فذهبت انتظر في العمق. اشمئز من الانبطاح على الأرض التي تعج بالصراصير. ما هي هذه الرائحة ؟هل هي غاز ؟ هل هي طريقة جديدة في التعذيب (أكثر نظافة ؟). بكل الأحوال لدي احساسات غريبة وعيون تدمع وأذان تطن وفم ناشف. هذا مع العلم انني لم أتعرض بعد للتعذيب الذي تعرض له الآخرون. ولكن ماذا عندي لأخفيه ؟ استعادت ذاكرتي لقائي مع موكلي، مع الاستاذ علي يحي، مع منظمة العفو الدولية عند زيارتها الجزائر، مع قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ. لقد قررت أن أقول حينها كل شئ أثناء استجوابي، اللهم إلا ما يتعلق بسر المهنة والأشخاص الذين وكلوني للدفاع عنهم. استمر الانتظار طيلة بعد الظهر.

أخيرا فتح الباب، لم تتح لي فرصة رؤية الشخص أو الأشخاص الذين غطوا رأسي بكيس (كاجول) وشدوا الوثاق بشكل خانق. ربطوا يدي خلف ظهري ( لا أدري إن كانت "كلابيج") دفعت بعنف نحو الطابق الأعلى. أدخلت في غرفة مهواة وأركعت على الأرض. حاولت رغم كل شئ أن احتفظ بكرامتي. اتحزر وجود عدة أشخاص، اثنان منهم يصيحان في اذني: "هنا لا يوجد حقوق ولا قانون ولا محامي، ستقول لنا كل شئ، ستعترف بكل شئ". بعد ذلك شتائم وبذاءات وتهديدات بالموت. كل شئ يختلط، لم يعد بوسعي التنفس.

ماذا رحت تفعل عند سد الحميز؟ فهمت على الفور أن الموضوع يتعلق بالاتصال بموكلين هاربين لم يعلنوا بعد مشروع تسليمهم لأنفسهم للقضاء. على الفور أعطيت كل المعلومات كونه من وجهة النظر القضائية ليس هناك ما اتهم به. عندها انهالت الضربات على وجهي، وقد كنت اختنق داخل الكاجول ومع كل ضربة جديدة انهار اكثر فأكثر. اصبح عندي قناعة بأنني أعيش لحظاتي الأخيرة. عندما "صرحت" بأنني لعبت دور وساطة سياسية بين … الذي قدمه لي موكليّ باعتباره قادرا على إعطاء رأي في الحوار الدائر بين رئاسة جبهة الإنقاذ وقيادييها علها تكون الطريقة التي تخلصني من الموت. بالفعل، فقد عم صمت كبير، في حين كنت افقد وعيي واختنق عندما سألني صوت: من هم القضاة الذين تعرفهم في محكمة الجزائر العاصمة ؟ اعرف معظم القضاة، واتذكر أنني أعطيت اسم النائب العام صياح ومساعده بلحسين والسيدة منوار. بعدها تم اقتيادي بعنف إلى الزنزانة مع الكاجول الذي ساحتفظ به إلى حين تقديمي أمام محكمة رويبه في 10/8/1996. وقعت على الأرض وفقدت الوعي ثم استيقظت على صوت الباب يفتح من جديد ودفع بصينية معدنية، معكرونة بسائل وقطع خبز. انتظرت عودة الصمت إلى الممر ثم ناديت الزنزانة المقابلة فظهر وجه الملتحي الذي سألني إن لم اكن قد عذبت كثيرا. أجبته بالنفي وبانني تلقيت فقط ضربات على وجهي. أردف بأنه لم يتمكن من رؤيتي عند عودتي بسبب الكاجول وربما كوني محامي لن اعذب كثيرا. طلب شريكه في الزنزانة اخباري بعد ان اطل برأسه، وقال لي بأن وجهي منتفخ قليلا لكن بدون خطورة. أعلمني ان التعذيب يحصل بشكل عام فقط في البداية وأنه هو لم يعذب منذ شهرين. أعطاني مثل الزنزانة الأخيرة في مواجهة زنزانة بوشريف، الذي حفظت اسمه بفضل دريد حسين. اسمه جريج حسين توفيق، وهو ملتحي، وقد لمحته في الصباح. شاب في قرابة 25 عاما ووجه ملائكي. هو هنا منذ ستة أشهر. اصابتني دوخة، وحدثت نفسي أنه إن كانوا سمحوا لي برؤية هؤلاء فليس للإفراج عني أو لتقديمي إلى القضاء. لقد شاهدت الكثير وهذا بحد ذاته يعزز إحساسي بأنني سأصفى عاجلا أم آجلا. لقد بدأت أتعود على هذه الفكرة.

في المساء بعد العشاء، لم اغلق عيني لليلة الثانية. أشعر بأن ارض الزنزانة مكون من الحصى المجبول بالباطون. ودائما هذه الرائحة. ليلة أخرى أتنفس فيها الهواء من تحت الباب. المكان المفضل لعبور الصراصير التي تمر على جسدي والتي لم أعد أعيرها أي اهتمام. يتأقلم الكائن البشري مع كل شئ!

الجمعة 2 أغسطس 1996

اختفت الرائحة منذ صلاة الفجر. لقد سمعت الآذانين من جامع الأرقم. اليوم كل شئ هادئ، لا نساء ولا تنظيف ولا عواء ولا موسيقى. نحو منتصف النهار يفتح الباب ويدفع بالصينية المعدنية. اتحزر على باقي كسكسي بدون ملعقة. رغم الجوع الذي ينتابني لا اتشجع على الطعام. بعد الظهر اخذوا الشاب في الزنزانة المقابلة. قال لي صاحبه ان هذا غير معتاد لأنهم لا يعملون اليوم. ربما سيفرج عنه ؟ أو ربما الأسوأ ؟ لكن لماذا التفكير بالأسوأ ؟ بدأت احضر نفسي لليلة ثالثة في الزنزانة. قمت بقياسها: طولها قرابة مترين ومتر ونصف عرض، مع مرحاض تركي في الزاوية ويمكن التمدد طولا واستعمال الحذاء كمخدة. لكنه بعد ساعات يضغط هذا بشكل لا يصلح بعده لشئ. كنت تعبا جدا، ولهذا أنام لدقائق ثم استيقظ على الرائحة غير المحتملة، ثم أنام. وهكذا امضيت الليل بين النوم والاستيقاظ المفاجئ.

السبت 3 أغسطس

لم تعد عندي حاسة  الشعور بالوقت. كل الصباح صراخ وبكاء ومناشدة في مصنع التعذيب. فتح باب زنزانتي ومن جديد وضع الكاجول ذو رائحة العرق وشد الوثاق وأقتدت إلى الطابق الأعلى. الآن اسمع بوضوح الصراخ واستنتج ان دوري قد حان. لكن ليس عندي أي إحساس بالخوف. اقتادوني إلى مكتب(؟)، وأعطوني كرسي وأشتم وجود عدة أشخاص. طرحوا علي عدة أسئلة فأعدت ماسبق وقلته. الا أنه عندما تلعثمت عند بعض التفاصيل احضروا لي الشخص الذي وصلني بموكلي عند السد. لم أعترض على شئ. وهل ينفع الاعتراض ؟ اسمع نقرات آلة كاتبة. لماذا محضر جلسة ؟ بعدها إحساس بالتفاؤل، علهم يريدون إحالتي إلى القضاء ؟ لكن في النهاية لم يطلب مني التوقيع على شئ. وتعود المخاوف والشكوك. أحد الأشخاص الحاضرين يقول لي: "أنت، اذا افرج عنك سأخطط بنفسي لاغتيالك". هل يمكن أن يفرج عني؟ أتخيل نفسي في المنزل مع كل أفراد العائلة بانتظاري. بالتأكيد لقد بدأت اهذي، ولم أعد ابدي اية مقاومة تاركا الأمور تجري. أخرجوني هذه المرة إلى الخارج. فالهواء اكثر سخونة وبصيص نور يدخل من اسفل الكاجول. اذن ما زال الوقت نهارا.

أدرت وجهي للجدار لوقت إلى ان سمعت هدير سيارة دفع بي إلى داخلها وانطلقت بسرعة كبيرة حوالي الساعة ربما. عندما توقفت، سمعت صوتا يحدثني: "استاذ، انا جريش محمد" . انه شقيق موكلي الهارب الذي اتهمت بلقائه عبره. يقول لي انهم نزلوا وأننا في مخفر بومرداس حيث كان قبل نقله إلى شاتونوف. اخبرني أنه بدون كاجول وأنهم غطوا رأسه بقميصه مما يسمح له بالرؤية. احسست بوجود شخص أخر يتأوه. اخبرني محمد بأنه قريشي حسين وأن حالته جد سيئة. اقتادونا إلى زنزانة واسعة وقذرة في القبو. اغلق الباب ليفتح بعد دقيقة وانهالت علي ضربات بالايدي والاقدام قبل اقتيادي إلى مكتب مبرّد. اصبحت كالرجل الآلي. أشعر بالألم في كل مكان وتورم في الوجه وفوق ذلك هناك الإذلال الذي القاه. تغيير مفاجئ في المعاملة، يقدم لي كرسي ويتم استجوابي بلطف من جديد. قالوا لي أنه بسببي لم يعد مسئول الأمن في الولاية إلى منزله الليلة الفائتة. اشتم وجود عدة أشخاص. ابعدت الكاجول قليلا عن رقبتي فشاهدت الأرض وأحذية الذين يستجوبوني. سألوني عن دوري في الدفاع عن قياديي الجبهة الإسلامية للانقاذ أمام المحكمة العسكرية في بليدا في 1992، حول الطريقة التي تعرفت عليهم بها، وكيف توكلت عنهم. سألوني ان كنت عضوا في الجبهة وطلبوا مني أسماء من وكلني وان كنت حصلت على أجر مقابل. سألوني لماذا لم يدفع لي بعض موكلي. اصروا على علاقتي مع منظمة العفو الدولية ود. روفيرا. ثم أتوا إلى التهم الموجهة الي. وجهوا لي عدة مرات الاسئلة نفسها واجبت نفس الاجابات. الا انه هذه المرة هناك اعتراض على كل التفاصيل باضافة احداث لا صحة لها على الإطلاق، ثم باستدعاء قريشي حسين حيث يطلب اليه أن يتحدث. شئ خارق للمعتاد. بدأ بإلقاء ماطلب منه ان يقوله بسرعة فطلبوا منه اثرها ان يتكلم ببطء. هنا اعاد الالقاء مع التعبيرات نفسها. طُلب مني ان اؤكد اقواله. لم اكن موافقا. الا انهم اخبروني بأنها تفاصيل ليس لها اعتبار. لاحظت غياب آلة كاتبة وبالتالي امكانية أن يكون الاستجواب للاشخاص الحاضرين فقط. بكل الأحوال لم أعد اقاوم. فأنا تعب ومرهق جدا، واريد الخلاص بأي شكل. مرة أخرى يقتادونني إلى سيارة. لا اعرف ما هو الوقت، ربما الثانية صباحا. بعد عشرات الدقائق انزلوني لأقتاد إلى زنزانة اغلقت علي. لم يكن في ارضها أي شئ سوى زجاجة بلاستيك فارغة. تمددت حتى إطلالات الشروق الأولى التي تدخل من ثلاثة ثقوب في الجدار.

الأحد 4 أغسطس

في الباب توجد طاقة صغيرة فتحتها فرأيت ممرا واسعا وزنزانة بقضبان فيها قرابة عشرة أشخاص. سألت أين نحن فلم يجب أحد. نظروا لي بفضول. أظن تقديرا لوقت الطريق من بومرداس وصوت اقلاع الطائرات اننا في معسكر الحميز. سمعت خطوات في الممر. كنت عطشانا وطلبت ماءا. مر الرجل وبصق في وجهي واغلق النافذة على أصابعي. جلست على الأرض وقررت أن لا اطلب بعدها أي شئ. فتح الباب ثانية قرابة الظهيرة. نفس النظام المتبع في شاتونوف. وضعوا الكاجول على رأسي واقتادوني من جديد إلى مكتب. طلبت الاغتسال والذهاب إلى المرحاض. بعد دقائق اعطى أحدهم الأمر فاقتادوني إلى حمام. طلبت نزع الكاجول، لأتمكن من الاغتسال ورفعته في المرحاض فأحسست براحة كبيرة. ثم اقتادوني من جديد إلى المكتب وطرحوا علي الأسئلة نفسها. لم اسمع صوت آلة كاتبة. بعدها اقتادوني إلى زنزانتي، ثم أخذوني مرة أخرى وصعدوا بي طابقين ودخلوا بي مكتبا مبرّدا. طرحوا علي أسئلة من جديد. طلبت أن ترخى قلادة الكاجول الضاغطة على رقبتي لاتمكن من الحديث، ففعلوا. هناك عدة أشخاص في المكتب. من الصمت المخيم ولطف الحراس إعتبرت أنه ربما هناك شخصية هامة. لقد تعزز ظني عندما أبصرت من اسفل الكاجول حذاء أنيقا جدا. طلب مني أن اؤكد لقائي مع "عشاش" واسباب هذا اللقاء وانني اعلمت ا.ه بذلك، فأجبت آليا على طلبهم. يبدو ان الحاضرين كانوا راضين عن اجاباتي بل وطلب احدهم ان اولى عناية خاصة. الأمر الذي ليس بالضرورة علامة جيدة. وبالفعل تغير تصرف الحرس وقال لي احدهم بأن في محفظتي نقودا وان بأمكانهم ان يشتروا لي طعاما. لكنني اضعف من أن اتمكن من الأكل، كل افكاري مشوشة. لماذا هذا الاصرار على ا.ه ؟ هل هناك قضية تعد له ؟ هل هي فرصة لتصفية حسابات سياسية ؟ هل أنا واقع في مؤامرة في طور الاعداد ؟ أمن أجل هذا لم يتم القضاء علي ؟

 الاثنين 5 اغسطس 1998

اقتادوني مجددا إلى الطابق الاعلى واجلسوني على كرسي. قام احدهم بابدال الكاجول ثم اقترب بوجهه مني وشتمني وتفوه ببذاءات. ثم اقتادوني إلى زنزانتي. النهار كان هادئا وانا لوحدي مع نفسي اراجع افكاري.

الثلاثاء 6 اغسطس

لا توجد قطرة ماء وأنا عطشان، سمعت أيضا من في الزنزانة المقابلة يطلب ماءا. هذه المرة وبعكس السابقة، لا احد في الممر. وبالتالي لا يمكننا طلب شئ من أحد. هل نسونا. الجو حار جدا، وقميصي القذرة تلتصق بجلدي وتبعث رائحة كريهة اتعرف فيها على رائحة اغطية شاتونوف. بعد الظهر عدة اشخاص مروا في الممر. ابعدت غطاء نافذة الباب وتركته فلم يقل لي أحد شيئا. لم يسمعوني وكانوا غير مبالين. تعذيب نفسي حقيقي. لقد جاء الليل منذ لحظة  وأطفأ نور الثقوب الثلاثة في الجدران. كانت الساعة قرابة التاسعة مساء عندما فتح الباب ووضع الكاجول واقتادوني إلى الطابق الأول. طلبوا مني الجلوس وأعادوا طرح نفس الأسئلة علي. لكن هذه المرة بوجود آلة كاتبة وبنفس الاسلوب. هذه المرة قررت أن لا اصر على شئ وقلت في قرارة نفسي ساقول الحقيقة كلها امام قاضي التحقيق. استمر التحقيق ساعات. في كل مرة اعترض على وقائع قريشي حسين (الذي كنت اجهل اسمه قبل ذلك) يقولون لي انها تفاصيل لا اهمية لها (اما انا فاعرف اهميتها امام "محكمة"). قدرتي على المقاومة جد ضعيفة. اذعن بشكل آلي واستعجل الخلاص والإنتهاء من هذا الكابوس. بعد ساعات طلبوا مني الجلوس على ركبتي في زاوية الغرفة بين سرير وخزانة حديدية. رفعوا الكاجول قليلا ومرروا امامي ورقة بعد ورقة على السرير. لم يكن لدي الوقت لأكثر من تصفح سريع لمحت فيه وجود تفاصيل كثيرة بين ما ذكرت من وقائع. قلت بأنني غير موافق وأنني لم اقل حادثة معينة او كلمة معينة او تعبيرا معينا. اجابوني بأن هذه تفاصيل لا اهمية لها ولا تغير شيئا في جوهر الموضوع. اصروا على ان اوقّع، وكنت منهكا وبحاجة للعودة إلى زنزانتي لاتنفس بدون كاجول فوقّعت كالآلة.

الاربعاء 7 اغسطس 1996

نمت قليلا هذه الليلة، وصليت صلاة الصبح. كانت النافذة الصغيرة مازالت مفتوحة. من الزنزانة المقابلة ارى مشهدا مثيرا للفضول. كل 5 إلى 10 دقائق ينهض احدهم ويذهب إلى زاوية الزنزانة مع زجاجة بلاستيك بيده. أدركت أنه لا يوجد مرحاض. سألت شابا منهم من أين هو قادم فأجابني من اربعطاش. والباقين ؟ اجاب من نفس المنطقة. منذ متى انتم هنا ؟ - البعض منذ شهر والبعض الآخر أقل. لم يقل لي اي شئ آخر. لكنه كافيا كي اربط هذا بزيارتي للمنطقة السنة الماضية. الشاب الجالس دائما امام الشباك يخبرني بأنهم احضروا شخصا جديدا وأن هذا غير عادي في الليل. عندها سمعت صرخات ثم توقفت فتابعوا التعذيب. ثم من جديد خطوات ونفس الواقعة بعد ساعة. الشاب الواقف دائما والذي يتواصل مع الزنزانات الاخرى يخبرني ان التلفزيون موجود وأنهم صوروا ثلاثة اشخاص منهم حسين السد ( قريشي حسين).

في وقت متأخر من الليل يأتي احدهم ويسألني ان كنت مستعدا للحديث على التلفزيون عن الجبهة الاسلامية للإنقاذ وعباسي مدني، فصعقت من قوله. اصر على ذلك، فلم اجبه. لقد تأكدت احاسيسي: انهم يريدون تسييس حادث عادي من اجل فبركة مؤامرة سياسية اكون مركزها. بقي وقتا أمام النافذة وأنا ارفض الاستماع اليه، وبعدها رحل. لقد اصابني خوف هائل من ان اجبر على الحديث امام التلفزيون تحت التعذيب وأن اعلن تصريحات كاذبة تسئ إلى من وكلني.

الخميس 8 اغسطس 1996

الصباح هادئ بينما سمعنا بعد الظهر صرخات امرأة تبحث عن ابنها. اعتقد انني اسمع صوت زوجتي، هل اختطفوا ابني الثاني ؟ هل اكتشفت زوجتي انني هنا ؟ ام ان هذا لاجباري على القيام باعترافات للتلفزيون ؟ بكل قواي حاولت طرد هذه الأفكار. ثم أمضيت ليلة انتظار جديدة معتقدا أنهم سيعودون ثانية هذه الليلة. قررت ان اقاوم مهما كلفني ذلك حتى النهاية وان لا اقول كلمة واحدة أمام الكاميرا.

الجمعة 9 اغسطس

لا، لم يحضروا هذه الليلة، هل تخلوا عن الفكرة ؟ لا، لعل ذلك لأنهم لايعملون الخميس والجمعة. اذن سيكون السبت. يجب ان اصمد، ولن اقل كلمة بعد اليوم. ركزت ذهني على هذا القرار ثم نمت قليلا بعد صلاة الصبح.

السبت 10 اغسطس

فتحوا الباب وخرجت بالكاجول. في الخارج هذه المرة، احسست بدفء اشعة الشمس. وضعوني في صندوق سيارة فاستلقيت على جانبي. انطلقت وكأنني في حلم. بعد عشر دقائق توقفوا لينزعوا الكاجول. الحلم مستمر، اجد نفسي امام محكمة رويبه. طلبوا مني عبور الممر حتى القاعة. هناك اشخاص آخرون حاضرين، ولكنهم عزلوني وحدي مع شرطي. ضوء الشمس يؤلم عيناي. اثناء عبوري أبصرت حذاء السيدة تركي رئيسة القسم المدني التي تستعد لدخول الجلسة والتي لم تتعرف علي، وبعض الزملاء. بعدها ادخلوني الى مكتب وكيل النيابة الذي وجه لي عدة اسئلة. لقد كانت علاقتي دائما جافة حتى لا اقول سيئة معه. ما فائدة ان اتحدث اليه ؟ مشكلتي الاتصال باشخاص هاربين يريدون تسليم انفسهم للعدالة. وبيني وبين وكيل النيابة سابقة في هذا الموضوع. ففي 1993، قدمت له شخصا هاربا ( جباره صلاح). هذا الشخص لم يكن يريد تسليم نفسه للبوليس خوفا من التعذيب. عندها اتصلت به فوعدني بفعل اللازم واعطاء وثيقة تثبت انه سلم نفسه للقضاء. عندما سلمته الهارب تراجع عن وعده بل وانكر ان يكون يوما قد وعد بشئ. لقد اعلمت عددا من الزملاء من رويبه بالأمر : المحامي زمول، المحامي لعموري، المحامي شنون. ومنذ ذاك الحين توترت علاقتنا حيث كان يمثل النائب العام وحيث لم اقصر في دفاعي بالتذكير بالاساليب التي يتبعها البوليس في التحقيقات الأولية. لذا لم يكن لي ان انتظر اي شئ من هذا الشخص.

أما بالنسبة لأول مقابلة لي مع قاضي التحقيق في نهاية بعد الظهر، فقد حضرها الزملاء المحامون الذين رأوا بأم اعينهم في اية حالة كنت.

الحراش

المحامي رشيد مسلي

المحامي عصام يونس *

جلادون في ثياب بيضاء

الموظفون الصحيون والتعذيب في السجون الإسرائيلية

قبل الشروع في البحث في ظاهرة استشراء التعذيب ومأسسته في السجون الإسرائيلية، ولاسيما انخراط الموظفين الصحيين العاملين في تلك السجون بشكل مباشر أو غير مباشر في تعذيب المعتقلين الفلسطينيين، أرى لزاما التأكيد بأن تلك المهمة ليست بالهينة. ما يزيد في تعقيدها أن التعذيب يمارس في أي مكان بسرية مطبقة وخلف أبواب موصدة. مما يعيق الوصول إلى المعلومات بسرعة وبشكل يقيني. إن عملية البحث والوقوف على مدى انخراط الموظفين الصحيين في التعذيب عملية شائكة ومعقدة للعديد من الأسباب:

أولا : نظرا لأن مصدر المعلومات هم الضحايا أنفسهم. فإن الأصول العلمية للتوثيق وجمع المعلومات تقتضي أن يتم التدقيق في شهادات هؤلاء الضحايا وتقييمها بحرص وعناية فائقتين. فعندما يدلي الضحية بشهادته، فإنه يذكر ما تعرض له من معاملة أثناء اعتقاله وقد لا يعير اهتماما للدور الذي قد يكون مارسه الموظف الصحي، سواء قبل أو أثناء أو بعد التعذيب الذي تعرض له. أو بالنظر إلى أن الموظف الصحي وما يقوم به هو جزء من عملية التعذيب، لذلك فإن مشاركته قد تظهر في الشهادة التي يدلي بها الضحية كعنصر عرضي وليس أساسي. ومهما يكن فإن غياب التشديد على دور الموظفين الصحيين في التعذيب لا يعني بأي حال عدم تورطهم في ذلك (1).

ثانيا : عدم قدرة الضحية على التيقن بأن الشخص الذي تولى فحصه أو علاجه هو من الموظفين الصحيين أم لا. فمن النادر أن يكون الضحية نفسه طبيبا أو ممرضا ليتمكن من الجزم بأن المعالج هو طبيب أو ممرض وبأنه قد انخرط في التعذيب أو تغاضى عنه. لذلك فإنه "فيما يتعلق بالمؤهلات الطبية لهؤلاء الذين يعتقد السجناء بأنهم أطباء، فإنه يبدو بشكل عام، ضروريا الاعتماد على أنماط من الإثبات وليس مجرد شهادات فردية ومعزولة"(2).

ثالثا : مدى مصداقية المعلومات التي يدلي بها الضحايا. فليس كل ما يقال قد يكون صادقا أو يأتي على ذكر كل التفاصيل. وما يساهم في ذلك خوف بعض الضحايا من الأعمال الثأرية أو الانتقامية من قبل الأشخاص المتورطين أو من الأجهزة الرسمية. بالنسبة لبعض الضحايا أيضا فقد يكون من الصعب عليهم من الناحية النفسية استحضار بعض التجارب التي مروا بها أثناء تعذيبهم. وإذا ما قاموا بذلك فقد لا يرغبون في الحديث عن بعض الممارسات بحقهم ولا سيما تلك التي تنطوي على الإذلال والتحقير. وقد يحاولون إخفاءها.

 حجم المشكلة

أظهرت العديد من نتائج التحقيقات التي قامت بها منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية حقائق مذهلة مدعمة بالوثائق والأدلة حول تورط الموظفين الصحيين الإسرائيليين في تعذيب المعتقلين الفلسطينيين. وإذا كانت تلك النتائج قد شكلت صدمة ما للبعض، فإنها تعبر بشكل مكثف عن واقع الحال في السجون الإسرائيلية ومدى استشراء وانتشار التعذيب في السجون الإسرائيلية. وهو الأمر الذي يسمح للموظفين الصحيين وغيرهم من الانخراط في التعذيب في ظل تبنيه كسياسة رسمية من قبل الحكومة الإسرائيلية. وعليه فإن الوقوف على واقع انخراط الموظفين الصحيين يجب أن ينظر إليه بارتباط مع ما يتعرض له المعتقلون الفلسطينيون من تعذيب في السجون الإسرائيلية على أيدي محققي جهاز الأمن العام الإسرائيلي المسمى (الشاباك).

مورس التعذيب ولازال على نطاق واسع من قبل مختلف أذرع أجهزة الأمن الإسرائيلية في السجون والمعتقلات العديدة المنتشرة في الأراضي المحتلة وفي داخل إسرائيل. ومنذ العام 1967 تعرض عشرات الآلاف من الفلسطينيين للتعذيب وسوء المعاملة، لاسيما من قبل محققي جهاز الأمن العام الإسرائيلي. ومع اندلاع الانتفاضة في نهاية العام  1987، فقد استخدم التعذيب بحق الفلسطينيين على نطاق واسع وبشكل منظم من قبل مختلف أجهزة الأمن الإسرائيلية. وهو ما تسبب في وفاة العديد من المعتقلين الفلسطينيين أثناء التحقيق معهم. لقد استخدمت السلطات الإسرائيلية وسائل تعذيب شتى بطريقة منظمة تشمل على سبيل المثال "الضرب على جميع أجزاء الجسم، وعادة ما يتركز على المناطق الحساسة كالأعضاء التناسلية، ووضع أكياس نتنة على الرأس والحرمان من الطعام والنوم أثناء الحجز الانفرادي، والتقييد لفترة في أوضاع مؤلمة والاحتجاز في زنازين صغيرة ومظلمة تعرف (بالقبور) وعندما تكون باردة تعرف (بالثلاجات)"(3).

 تشريع التعذيب كسياسة رسمية

لجنة لنداو

بتاريخ 31 مايو 1987 شكلت الحكومة الإسرائيلية لجنة، برئاسة القاضي موشيه لانداو الذي كان يشغل في حينه رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية، للتحقيق في طرق الاستجواب التي يتبعها رجال جهاز الأمن العام الإسرائيلي. وقد جاء تشكيل هذه اللجنة بعد أن أصبح معروفا للعلن أن التعذيب يمارس وعلى نطاق واسع من قبل محققي جهاز الأمن العام الإسرائيلي لانتزاع الاعترافات من المعتقلين، كما ظهر ذلك بشكل جلي في القضيتين المشهورتين : عزت نافسو والباص 300 (4).

في نوفمبر من نفس العام قامت الحكومة الإسرائيلية بنشر تقرير اللجنة والتوصيات التي خلصت إليها. إلا أنها لم تنشر الجزء الخاص من التقرير الذي يحدد الوسائل والممارسات المسموح استخدامها من قبل المحققين وأبقت عليه سريا ولم يكشف النقاب عنه حتى يومنا هذا. يمكن إجمال ما توصل إليه التقرير في ما يلي :

أولا : كشف التقرير عن أن محققي جهاز الأمن العام الإسرائيلي قد استخدموا القوة الجسدية لانتزاع اعترافات من المعتقلين الفلسطينيين.

ثانيا : أن محققي جهاز الأمن العام الإسرائيلي ومنذ العام 1971 قاموا وبطريقة منظمة بالإدلاء بشهادات كاذبة في المحاكم فيما يخص استخدامهم للقوة الجسدية بحق المعتقلين. وبناء على التقرير، فإن إنكارهم هذا "ينبع من الحاجة لتجنب أي تعرض إلى وسائل التحقيق التي يستخدمونها"(5). على الرغم من توصل اللجنة الى هذه الحقيقة، فإنها قد أوصت بعدم تقديم أي لائحة اتهام بحق أي من محققي جهاز الأمن العام الإسرائيلية أو أي موظف فيه. وعلى الرغم من ثبوت تورط المحققين الإسرائيليين في استخدام القوة الجسدية بحق المعتقلين الفلسطينيين، فإنها، أي اللجنة، قد بررت لجوء هؤلاء المحققين لاستخدام القوة الجسدية نظرا لأن " جهاز الأمن العام قد ووجه بمعضلة ناتجة عن التوتر بين الحاجة للحصول على المعلومات من المشتبه بهم والقيود على وسائل التحقيق القانونية المسموح بها"(6).

ثالثا : فيما يخص الأعمال "التخريبية"، فقد أوصى التقرير بأن " الضغط من حيث المبدأ يجب أن يأخذ شكل الضغط النفسي غير العنيف عن طريق تحقيق طويل، وباستخدام الحيلة بما في ذلك الخداع. وإذا لم تفضِ هذه الطريقة في غرضها، فإن استخدام ضغط جسدي معتدل لامناص منه"(7). وبينما أوصت اللجنة باستخدام "الضغط الجسدي المعتدل"، فإنها بداية لم تعرف ما المقصود "بالعمليات التخريبية" ولا المقصود بالضغط الجسدي المعتدل، كما أنها أبقت سريا الجزء الخاص من تقريرها والمتعلق بوسائل وأساليب التحقيق التي شرعتها (8).

 المحكمة العليا الإسرائيلية

حتى تكتمل الصورة وتأخذ أبعادها الحقيقية في الموافقة الكاملة على السياسة الرسمية، قامت محكمة العدل العليا، وهي أعلى هيئة قضائية في إسرائيل، بتوفير الغطاء القانوني اللازم للتعذيب كسياسة رسمية. وعلى الرغم من افتراض استقلالية المحكمة، إلا أنها أبعد ما تكون عن ذلك عند عرض أي قضية خاصة بالأراضي الفلسطينية المحتلة. بتاريخ 14 يناير 1996، أقرت المحكمة العليا الإسرائيلية وللمرة الأولى استخدام العنف الجسدي وأسلوب الهز بعنف خلال التحقيق مع المعتقلين الفلسطينيين. جاء ذلك في رد المحكمة على التماس قدم إليها نيابة عن المعتقل الفلسطيني عبد الحليم البلبيسي. وجدير ذكره أن أسلوب الهز قد تسبب في وفاة العديد من المعتقلين الفلسطينيين وكان آخرهم المرحوم عبد الصمد حريزات الذي نقل في حالة غيبوبة بعد أقل من 24 ساعة على اعتقاله بتاريخ 22 أبريل 1995 حيث توفي بعد يومين. وقد أشار تقرير الطبيب الشرعي الصحي لوجود نزيف داخل الجمجمة فوق المخ نتيجة الهز العنيف والمفاجئ للرأس. يمثل القرار إطلاق العنان للمحققين الإسرائيليين لاستخدام التعذيب بحق المعتقلين الفلسطينيين.

مرة أخرى تجدد المحكمة العليا موقفها، حيث أصدرت بتاريخ 15 و17 نوفمبر 1996 قرارين سمحت بموجبهما لمحققي جهاز الأمن العام الإسرائيلي، ليس فقط باستخدام الضغط الجسدي المعتدل كما نصت عليه لجنة لنداو، وانما الضغط الجسدي المعزز. وكأن الأسلوب "المعتدل" الذي تسبب في وفاة العديد من المعتقلين غير كاف، لتدعو المحكمة إلى تعزيزه. بما يعني تواطؤا إلى حد كبير من قبل المحكمة مع جهاز الأمن العام الإسرائيلي ويعكس حجم المشكلة وعمق الأزمة الأخلاقية في المجتمع الإسرائيلي. في أحدث قرار لها أصدرته المحكمة بتاريخ 12/1/1998، سمحت المحكمة للمحققين باستخدام التعذيب بحق المعتقلين الفلسطينيين. وعلى غير العادة، تشكلت المحكمة من تسعة قضاة للنظر في الالتماس المقدم إليها لوقف تعذيب المعتقل عبد الرحمن غنيمات، وجاء قرارها بأغلبية خمسة قضاة. وكما يقول المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في بيان له أصدره حول القضية "إن إجازة التعذيب في إسرائيل كسياسة رسمية وإعطاء المحكمة العليا الإسرائيلية غطاء قانونيا له ليس جديدا  ولكن ما هو جديد هو أن المحكمة الإسرائيلية عند نظرها في الالتماس هذه المرة، قد تشكلت من تسعة قضاة. مما يدل على جدية وخطورة ما جاء في الالتماس المقدم. إلا أن قرار المحكمة حتى وبأغلبية قاض واحد قد حسم من أمر تعذيب الفلسطينيين وجعل منها قضية لا تحتاج إلى مثل ذلك النقاش. فهي قضية مسموح بها وبديهية وفق المعايير القانونية والقضائية في دولة إسرائيل."

 تورط الموظف الصحي في التعذيب وسوء المعاملة

بالنظر إلى استشراء التعذيب في السجون الإسرائيلية لانتزاع الاعترافات من المعتقلين الفلسطينيين وبالنظر إلى تشريعه كسياسة رسمية ومباركة المحكمة العليا، فإنه ليس مستبعدا إطلاقا أن تتلوث أيدي الموظفين الصحيين الإسرائيلية في التعذيب. وهو ما تؤكده المعلومات الكثيرة التي تم جمعها والحصول عليها خلال السنوات الخمس عشرة الماضية والتي تناولتها العديد من المنظمات الدولية العاملة في حقوق الإنسان بالشجب والاستنكار. تتخذ مشاركة الموظفين الصحيين في تعذيب المعتقلين الفلسطينيين العديد من الأشكال وتشمل على سبيل المثال لا الحصر: فحص قدرة المعتقل الجسدية قبل بدء التحقيق معه لتقييم تلك القدرات فيما يخص وسائل التحقيق التي يتبعها محققو جهاز الأمن العام، مقايضة المعتقل بمبدأ الاعتراف للحصول على العلاج الذي يحتاجه، كما تشمل تلك المشاركة إخفاء أو حذف تفاصيل هامة في تقارير المعتقلين الطبية والتي تشكل أدلة دامغة على تورط المحققين الإسرائيليين في تعذيبهم. وسنعالج في هذا الجزء تورط الموظفين الصحيين الإسرائيليين في تعذيب المعتقلين الفلسطينيين من خلال مراحل عملية التعذيب الثلاثة على النحو التالي :

 أولا : تقييم القدرة الجسدية المعتقلين قبل التحقيق

في كل مراكز الاعتقال الإسرائيلية سواء تلك العسكرية، أي التي تخضع لإشراف الجيش، أو تلك التي تتبع مصلحة السجون الإسرائيلية، فإن كل المعتقلين الذين يفدون إلى تلك المراكز يخضعون إلى فحص طبي فور وصولهم وقبل الشروع في أي تحقيق معهم، يقوم به بالعادة طبيب أو أحد الممرضين العاملين في مراكز الاعتقال تلك. ومن المؤكد أن الأطباء وغيرهم من الموظفين الصحيين العاملين في تلك المراكز يقومون بدور من أخطر ما يكون، مناقضا الواجب الملقى عليهم والذي يجب أن يبقى محصورا في الوقوف على الوضع الصحي للمعتقل لتوفير سبل الرعاية الطبية والعلاج إذا ما دعت الحاجة لذلك. وبدلا من أن يقوم الموظفون الصحيون بحماية المعتقل والعمل لصالحه، نجد أنهم ينخرطون مباشرة في عملية التحقيق بتقييم مدى موائمة جسد المعتقل " على الأقل لاستخدام بعض من وسائل التحقيق المستخدمة من قبل السلطات الإسرائيلية"(9).

وما يؤكد هذا الدور الذي يلعبه الموظفون الصحيون هي حقيقة أنه يطلب إليهم تعبئة نموذج خاص لتقييم لياقة المعتقلين الجسدية لتحمل وسائل التحقيق المتبعة والتي تشمل الحبس الانفرادي والشبح ووضع الأكياس على الرأس والوقوف لفترات طويلة. وقد جرى كشف النقاب عن هذا النموذج عندما نشرته جريدة دافار الإسرائيلية بتاريخ 16/5/1993 وهو معنون "نموذج القدرة الطبية" ويجب أن يوقع من قبل الطبيب الذي يقوم بفحص المعتقل(10). على اثر نشر النموذج في الجريدة المذكورة، أرسلت رابطة الأطباء الإسرائيليين رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي جاء فيها أن "الأسئلة ب، ج ود من النموذج والإجابة عنها من قبل الأطباء هي انخراط جسيم في التعذيب"(11).

 إضافة إلى ذلك، فإن مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية قامت بجمع المئات من الإفادات المشفوعة بالقسم من معتقلين فلسطينيين أكدوا على انخراط الموظفين الصحيين في المعتقلات الإسرائيلية في عملية التعذيب. في إحدى تلك الشهادات،  أفاد أحد المعتقلين الذين احتجزوا في معتقل الفارعة القريب من نابلس : "كنا سبعة عشر شخصا ... عندما دخلت (العيادة)، شاهدت شخصا يرتدي ملابس عسكرية، وطلب مني أن أنزع ملابسي، وفعلت ما طلبه، ثم طلب مني أن أستدير بينما كان يجلس هو خلف طاولة على بعد ثلاثة أمتار مني، وبعد أن نظر إلي طلب مني أن أرتدي ملابسي وان أخرج، لقد تم كل هذا في ثواني ولا أبالغ إذا ما قلت بأن الكشف الذي جرى للسبعة عشر معتقلا لم يأخذ أكثر من خمس ثوان"(12).

يمكن الاستخلاص من هذه الحالة والتي ليست إلا مثالا للمئات من الحالات المتوفرة لدى مؤسسات حقوق الإنسان ما يلي :

أولا : أن الموظفين الصحيين (الموجودين في معسكرات الاعتقال والذين يرتدون غالبا الزي العسكري) يقومون بفحص المعتقلين قبل التحقيق معهم وفور دخولهم إلى المعتقل.

ثانيا : إن الكشف الطبي الذي يتم لا يقصد منه مصلحة المعتقل. الدليل على ذلك، الوقت القصير جدا الذي استغرقه الكشف عن سبعة عشر معتقلا. فهو يتم بشكل روتيني ويراد به ملء نموذج القدرة الجسدية المشار إليه دونما كشف طبي حقيقي لمصلحة المعتقل.

علاوة على ذلك، فإن هذه الإفادة تظهر بأن المعتقلين، وبغض النظر عن وضعهم الصحي، يتم التحقيق معهم من قبل رجال المخابرات الإسرائيلية. وهو ما تؤكده نفس الإفادة، حيث يضيف معطي الإفادة " إن أحد المعتقلين السبعة عشر أخبر الطبيب بأنه مصاب بالتيفوس، إلا أن الطبيب لم يعطه أي علاج أو مساعدة. وبعدها تم أخذنا مقيدي الأيدي ومعصوبي الأعين..."

في شهادة لمعتقل آخر، أفاد بأنه فور إدخاله إلى معتقل الفارعة المشار إليه سابقا " أخذوني إلى العيادة الطبية. وهناك كان يجلس طبيب وبجواره اثنان من المحققين، وطلب مني (الطبيب) أن أنزع ملابسي. وبعد أن نظر إلى جسمي، سألني عن جرح في ساقي محاولا إقناعي بأنه أثر لعيار ناري. وقد أخبرته بأنه نتيجة لوقوعي وبأنني أحتاج إلى عملية جراحية في المستشفى. وقد أصر على ملاحظته السابقة. بعد ذلك شاهدته يكتب شيئا في الملفات الموجودة أمامه، وبعدها أُخذت إلى مكان يطلق عليه (الإسطبل) حيث تم تقييد يدي وتعصيب عيني"(13).

 ثانيا : دور الموظفين الصحيين خلال التحقيق

لا يتخذ انخراط الموظفين الصحيين في السجون والمعتقلات الإسرائيلية في عملية التعذيب التي يتعرض لها المعتقلين الفلسطينيين شكله السلبي فقط، بالتساهل إزاء ما يحدث في تلك المعتقلات، وعدم التبليغ عنه وحماية المعتقلين من ذلك. بل أن الأطباء وغيرهم من الموظفين الصحيين في تلك المعتقلات متورطون في أحيان كثيرة في المشاركة المباشرة في عمليات التحقيق. يستغل الموظفون الصحيون حاجة المرضى من المعتقلين للعلاج أو الدواء بابتزازهم ومقايضتهم العلاج بالاعتراف أو بتهويل خطورة حالة المعتقل الصحية وعدم قدرته على تحمل التعذيب، وبالتالي لا مفر من الاعتراف إنقاذا لحياته. في شهادة أدلى بها أحد المعتقلين أفاد : " في حوالي الساعة السابعة صباحا، قام الطبيب بمعالجة مجموعة من المعتقلين كنت واحدا منهم، وعندما قام بفحصي سألني لماذا أنا موجود هنا ؟ فأجبته بأنني لا أعرف السبب. وبعدها قال لي من الأفضل أن تقول قصتك، حيث أنك سوف تعاني من آلام خطيرة في المعدة، وأعراض ذلك بادية عليك"(14).

وقد أفاد معتقل آخر : "بعد أن قام بفحصي، سألني الممرض إذا ما قام المحققون بالتحقيق معي ؟ فأجبته: نعم. فأبدى دهشته كيف أنني لازلت حيا وقال لي : إنني قلق على حالتك حيث أن التحقيق في الأيام القادمة سيكون صعبا، لذا من الأفضل لك أن تعترف حيث أنه الحل الأفضل في مثل حالتك"(15).

إن الموظفين الصحيين الإسرائيليين الموجودين في المعتقلات والسجون الإسرائيلية ليسوا فقط على علم بأن التعذيب يتم بصورة منظمة بحق المعتقلين الفلسطينيين بل أن أحدا منهم على أقل تقدير لم يتقدم بالشكوى أو بالاعتراض على ما يحدث. ويتجاوز الأمر ذلك بانخراطهم بصورة واضحة في محاولة الحصول على اعتراف من المعتقل وهو ما يقصد به أساسا عند إخضاع أي شخص للتعذيب.

 ثالثا : دور الموظفين الصحيين بعد التعذيب

إضافة إلى المشاركة في مرحلتي التعذيب سابقتي الذكر، فإن الموظفين الصحيين في السجون والمعتقلات الإسرائيلية يكملون دورهم في الانخراط في عملية التعذيب بمراحلها وبأشكالها ومستوياتها المختلفة في إخفاء الأدلة على حدوث التعذيب أو في تقييم وضع المعتقل الذي تعرض للتعذيب وإمكانية مواصلة تعذيبه...الخ.

في إحدى الحالات التي قامت بتوثيقها اللجنة الإسرائيلية لمناهضة التعذيب، أفادت المعتقلة هـ . أ . هـ، وبعد أن تم التحقيق معها في معتقل المسكوبية في القدس في أكتوبر من العام 1990، بأنها شعرت بالمرض أثناء التحقيق معها، حيث لاحظ طبيب المعتقل الذي تم استدعاءه بأن ضغط الدم لديها كان منخفضا جدا. وما كان منه إلا أن أعطاها عشرة أكواب من الماء لشربها وانتظر حتى أصبح ضغط الدم عاديا ثم قام بإرسالها مرة أخرى للتحقيق معها (16).

في شهادة أحد المعتقلين السابقين، أفاد: " قام (المحقق) بضرب رأسي في الحائط عدة مرات ثم ضربني على ركبتي، مما آلمني بشكل شديد وتسبب في حدوث تمزق، حيث أنني سبق وأن أصبت بعيار ناري. بعد ذلك أخذت إلى عيادة طبية حيث قام الطبيب بقطب الجرح. ثم أخذت إلى زنزانتي حيث بقيت فيها عدة أيام قبل أن يتم أخذي مرة أخرى إلى التحقيق"(17).

إن دور الموظفين الصحيين الإسرائيليين لا يقتصر فقط على تقديم العلاج المؤقت لمن يتعرضون للتعذيب بل يحددون في أحيان كثيرة إذا ما كانت حالة المعتقل الصحية تسمح بالاستمرار في تعذيبه أم لا. لكن أسوأ ما قد يتعرض له أي معتقل تعرض للتعذيب هو أن يمنع من العلاج على الرغم من حاجته الماسة إليه، إذا ما كان ذلك في مصلحة التحقيق.

ففي حالة المعتقل الفلسطيني أمين أمين، الطالب وقتئذ في جامعة بيرزيت، جرى اعتقاله بتاريخ 1/8/1989 وتعرض للتعذيب الشديد على أيدي محققي جهاز المخابرات الإسرائيلي في معتقل الظاهرية العسكري بالقرب من مدينة الخليل، حيث فقد وعيه أثناء التحقيق. وعندما أصبحت حالته الصحية في حالة حرجة نتيجة للتعذيب، تم نقله إلى طبيب في المعتقل، أوصى بنقله إلى المستشفى لخطورة حالته. إلا أن محققيه أعادوه إلى زنزانته ليبقى بها خمسة أيام (18). إن ما حدث لأمين أمين يظهر بما لا يدع مجالا للشك بأن الموظفين الصحيين الموجودين في المعتقلات والسجون الإسرائيلية على دراية كاملة بما يحدث في غرف التحقيق من تعذيب للمعتقلين. بل ويمكن القول أنهم في خدمة التحقيق ومن يقومون به. فالطبيب المعالج في حالة امين أمين لم يقم حتى بمتابعة مريضه وما إذا اتخذت الإجراءات أو تم نقله فعلا للمستشفى.

يدلل مقال نشرته إحدى الصحف الإسرائيلية على صنوف المعاملة التي يلقاها المعتقلون الفلسطينيون وما يقوم به أطباء المعتقلات من ممارسات وأدوار. بتاريخ 3/5/1991 نشرت جريدة هارتس الإسرائيلية مقالا بقلم آرييه شافيط سجل فيه خبرته الشخصية كجندي احتياط في الجيش الإسرائيلي قام بأداء خدمته العسكرية في مركز اعتقال شاطئ غزة (وهو ما يطلق عليه الفلسطينيون معتقل أنصار 2) جاء فيه على لسانه :

"ذلك عندما توقظه (أي طبيب المعتقل) في منتصف الليل للعناية بواحد ممن تم اعتقالهم في منتصف الليل (شاب مقيد اليدين، حافي القدمين، وهو يبدو كمن اجتاحته نوبة صرع، ويخبرك بأنهم قد قاموا لتوهم بضربه على ظهره ومعدته وصدره والدم يغطي جسمه) يلتفت للشاب ويصرخ به بصوت عال وبنبرة غاضبة : إذا فقط كنت ستموت، ثم يدير وجهه صوبك ويصرخ : فقط إذا ما كانوا كلهم سيموتون. طبيب يهودي ويرتدي زي جيش الدفاع الإسرائيلي "(19).

إن الدور الذي يقوم به الموظفون الصحيون لا يشير فقط إلى انتشار التعذيب في السجون والمعتقلات الإسرائيلية على نطاق واسع ومدى تواطؤهم مع المحققين الإسرائيليين ومباركتهم للتعذيب في أحيان ومشاركتهم فيه في أحيان كثيرة. إن الأمر يتجاوز حدود تلك المعتقلات المغلقة ليمتد إلى المستشفيات حيث يتواطأ الأطباء وغيرهم من الموظفين الصحيين مع جهات التحقيق ليس فقط في "إعادة تجهيز" ضحايا التعذيب ليتم التحقيق معهم مرة ثانية، بل أيضا بإخفائهم في تقارير هؤلاء المرضى أية أدلة تثبت تعرضهم للتعذيب أو الأسباب الحقيقية لما آلت إليه أوضاعهم الصحية.

هذه الحقيقة تؤكدها عشرات الشهادات التي أدلى بها معتقلون سابقون لمؤسسات حقوق الإنسان. من بين تلك القضايا، أرى لزاما الإشارة إلى قضية نادر قمصية. بعد تسعة أيام من اعتقاله، أحضر أمام قاض لتمديد توقيفه، وقد اشتكى نادر من أنه قد تعرض للضرب على خصيتيه خلال التحقيق. ومما جاء في ما كتبه القاضي "... استجابة لطلبي، فإن قائد التحقيق أظهر لي تقريراً من مستشفى سوروكا والذي بناءً عليه فإن المذكور أعلاه قد أصيب في خصيتيه نتيجة لضربة تلقاها"(20).

أدخل نادر إلى المستشفى بتاريخ 11/5/1993، وجدير ذكره ان التقرير المستخرج من غرفة الطوارئ في مستشفى سوروكا " يبدو أنه غير موقع ولكنه يشير إلى أن نادر قمصية قد تم الكشف عليه من قبل الطبيب الذي يظهر اسمه على التقرير". وبتاريخ 17/5/1993 صدر تقرير آخر باسم نفس الطبيب يؤكد أن نادر قد عولج في المستشفى في 11 مايو في غرفة الطوارئ لكن لسبب آخر "بعد أن تعرض إلى صدمة في منطقة الصفن... وبناء على ما قاله المريض، فإنه قد وقع من على درجات سلم يومين قبل أن يتم إدخاله إلى غرفة الطوارئ. أظهر التقرير الطبي Alocalised haematoma في منطقة الصفن، متطابقا مع a local trauma والتي حدثت قبل يومين إلى خمسة قبل الفحص في غرفة الطوارئ" (21). وكما تشير الدكتورة ماراتون فإن التقرير "قد كتب بأثر رجعي، دون أي فحص إضافي، ولا يتطابق مع التقرير المقتبس من قبل القاضي. يبدو لنا أن التقرير هذا قد جرى تزييفه في محاولة لتشويه الحقائق، ولم يشر الطبيب إلى تمزق كيس الصفن الذي من الواضح أنه لم ينتج عن ضربة خلال التحقيق، بل حاول أن يعزي سبب الإصابة بالوقوع عن الدرجات. هل يمكن لأي أحد تصور وقوع شخص من على درجات وإصابة كيس الصفن"(22).

في قضية أخرى هي قضية شعوان جبارين الذي تم اعتقاله بتاريخ 10 أكتوب