|
قراءة قانونية في قضية علوني |
|
المحامي خالد السفياني |
|
تيسير علوني الصحفي اللامع، الذي عمل مع قناة الجزيرة لعدة سنوات، والذي اشتهر بجرأته، وبتغطيته الموضوعية للحرب على أفغانستان، ثم على العراق، وأبهر العالم بصبره واستماتته في أداء واجبه الصحفي، والذي عاد إلى بلـــــده، إسبانيا لإكمال مشواره الإعلامي. تيسير علوني الذي كان من المفروض أن ينال الأوسمة والنياشين، لم ينتبه إلى أن لعنة سبقه الصحفي في إجراء مقابلة مع زعيم القاعدة أسامة بن لادن سوف تلاحقه وتطرح حوله شبهات الانتماء إلى تنظيم القاعدة ، وينتهي الأمر به في المعتقل، بل وسوف يعامل معاملة لم يسبق لها مثيل في بلد الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، المملكة الإسبانية. اعتقل تيسير علوني يوم5 شتنبر 2003، لكن سرعان ما أعاد له القضاء حريته بتمتيعه بالسراح المؤقت مع كفالة مالية قدرها 6000 يورو مع إلزامه بالمثول أسبوعيا بين يدي أقرب قاضي إلى محل إقامته، ومنعه من مغادرة التراب الوطني الإسباني بدون إذن قضائي. وأدى علوني الكفالة المالية في نفس اليوم، فأفرج عنه، وعاد إلى ممارسة عمله الصحفي كمدير لمكتب قناة الجزيرة بإسبانيا، مع التزامه الحرفي بمقتضيات قرار السراح المؤقت، كما تشهد على ذلك الوثائق المدلى بها من طرف دفاعه في الملف. بل إنه كان يشعر السلطات القضائية بجميع تنقلاته لأسباب مهنية أو عائلية حتى داخل التراب الإسباني ، وخاصة عندما كان الأمر يتطلب التنقل عبر الجو أو البحر، كما هو الشأن بالنسبة للمرات التي انتقل خلالها إلى مدينتي سبتة ومليلية. واثبت علوني انضباطه الكامل لقرار القضاء، في الوقت الذي كان فيه يمارس حياته العائلية بشكل طبيعي ، حيث ازداد له طفل وهو في حالة السراح المؤقت، كما كان يعد لتأسيس" الجزيرة نيت" بالإسبانية، وكسب ثقة النيابة العامة، لدرجة أنه عندما استدعي لحضور مؤتمر حول حقوق الإنسان بفرنسا، وتقدم بطلب السماح له بالانتقال إلى الديار الفرنسية، لم تعترض النيابة العامة على ذلك، رغم أنه لم ينتقل إلى فرنسا نظرا لرفض طلبه من طرف القضاء. وبتاريخ 25 أكتوبر 2004 صرح ممثل النيابة العامة أمام القضاء بأن لديه شكوكا كبيرة في وجود عناصر إثبات كافية من اجل توجيه الاتهام إلى تيسير علوني. لكن النيابة العامة، وبشكل مفاجئ طلبت بتاريخ 18/11/2004 وضع تيسير علوني في الاعتقال الاحتياطي من جديد، وهو ما استجابت له الشعبة الثالثة للغرفة الجنائية، حيث تم اعتقاله، في حين كان على موعد مع المستشفى بعد ثلاثة أيام في إطار مرضه الخطير المتعلق بشرايين القلب ، حيث سبق أن أجريت له عملية زرع ثلاثة صمامات في شرايين القلب، وعلما بأنه مصاب أيضا بمرض مزمن في فقرات العمود الفقري الذي أجريت له عليه عملية جراحية تعرض بعدها لمضاعفات لم تسمح حالته الصحية بإجراء عمليات أخرى بسببها. وتجدر الإشارة إلى أن أولى عواقب اعتقال تيسير علوني كانت إجهاض زوجته الحامل متأثرة بصدمة الاعتقال المفاجئ لزوجها. ومن الملفت للانتباه أن الأسباب الرئيسية لاعتقال تيسير علوني احتياطيا من جديد كانت هي الخوف من فراره ومن التأثير على سير القضية. هذه الوضعية الجديدة تطرح أسئلة حول موضوعين رئيسيين: 1 ـ حول شرعية الاعتقال الاحتياطي الجديد : ـ أول تساؤل يمكن طرحه في هذا الشأن، هو هل يمكن الأمر بالاعتقال الاحتياطي ضد المفرج عنه مؤقتا دون أن يكون هناك أي عنصر جديد في القضية، سواء في جانبها القانوني أو في الجوانب الشخصية المتعلقة بالمتهم ؟. بل هل يمكن اعتبار هذا الأمر بالاعتقال الاحتياطي شرعيا رغم أن جميع العناصر المستجدة ـ على الأقل على المستوى الشخصي ـ هي في صالح المتهم ؟. وتأتي أهمية هذا السؤال بالنسبة لحالة تيسير علوني مما يلي: أولا لأن ملف القضية لم يطرأ عليه أي جديد مطلقا، حيث لازالت وضعية الملف المعروض على القضاء هي ذاتها التي كان عليها عندما متع تيسير علوني بالسراح المؤقت، ولم تضف إليه أية وثيقة أو حجة أو عنصر يمكن أن يستدعي الأمر باعتقال علوني مجددا. بل إن الجديد في هذا الشأن هو ما صرحت به النيابة العامة في جلسة 25 أكتوبر 2004 من أن لديها شكوكا كبيرة في وجود عناصر إثبات كافية من أجل توجيه الاتهام إلى تيسير علوني ،وهو عنصر لصالح بقاء تيسير علوني في حالة سراح وليس العكس. وثانيا لأن الوضع الصحي لتيسير علوني يعرف تفاقما منذ الأمر بالإفراج عنه مؤقتا، ويتطلب مراقبة وعناية طبيتين أكبر وأكثر دقة، وعلى جميع المستويات. وهو ما يثبته ملفه الطبي الذي يوجد بين يدي القضاء. في حين أنه من الثابت أن تيسير علوني لا يحظى بأية عناية طبية داخل السجن، رغم أن حالته الصحية لا يمكن معالجتها ولا توفير العناية اللازمة لها في السجن. بل إن مما أضيف إلى الملف ، مراسلة قناة الجزيرة التي تلتزم بتوفير أية ضمانة لتيسير علوني يمكن أن يطلبها القضاء، وهو أيضا عنصر لصالح استمرار حالة السراح المؤقت. وثالثا لأن كل التقارير التي بين يدي القضاء، تثبت سلامة طوية تيسير علوني، وامتثاله الكامل لكل شروط قرار الإفراج عنه مؤقتا. بل إن هذه التقارير تثبت حرصا أكثر من المطلوب على التقيد بقرار القضاء وعلى الرغبة في إثبات براءته التي يؤمن بها ويحرص على إثباتها أكثر من حرصه على حياته. ورابعا لأن كل القرائن والأدلة تثبت أن القول بإمكانية فرار تيسير قول غير جدي ولا يجد له أي سند في الواقع. فبالإضافة إلى الالتزام الكامل بقرار الإفراج عنه مؤقتا، والذي يعتبر وحده كافيا لإثبات عدم صحة القول باحتمال فراره ، فإنه يمكن الإشارة إلى البعض من القرائن الأخرى: مثل كون تيسير علوني وجه معروف من طرف كل أبناء البشرية بسبب تغطياته الصحفية المتميزة خلال الحرب على أفغانستان والعراق ، وبالتالي فإنه ليس نموذج الشخص الذي يمكن أن يختفي أو يكون في مأمن من الكشف عنه. ومثل كون تيسير علوني، المواطن الإسباني، له زوجة وخمسة أبناء إسبانيي الجنسية، وله عمل قار بإسبانيا، بل وهو مكلف بإنشاء قسم الجزيرة نيت الناطق بالإسبانية. بالإضافة إلى أنه عزز، بعد الإفراج عنه مؤقتا، استقراره العائلي، حيث رزق طفلا خامسا، وكانت زوجته حاملا بالسادس عندما اعتقل من جديد، كما أنه كان يقوم بتجديد أثاث بيته ... إلى آخر الوقائع المثبتة لدى القضاء، والتي تؤكد جميعها أن تيسير علوني لايمكن أن يكون قد دار بخلده يوما موضوع الفرار. ومثل كون تيسير علوني كان على موعد مع المستشفى يوم 21 نوفمبر 2004 ، أي ثلاثة أيام بعد الأمر باعتقاله احتياطيا، بدعوى الخوف من فراره. هذه القرائن والأدلة تثبت، عكس ما جاء في قرار الاعتقال الاحتياطي الجديد، في حين اعتمد هذا القرار على مجرد ترديد الكلمات العامة المنصوص عليها في القانون الجنائي الإسباني، رغم أن الدستور والقانون الأسبانيين واجتهاد القضاء الإسباني، تولي كلها حرية المواطن أهمية قصوى، وتلزم القضاء بتعليل الحد منها تعليلا دقيقا. وفي حالة تيسير علوني فقد كان على القضاء أن يبين دواعي خوفه من فرار علوني، والقرائن التي أدت به إلى هذا التخوف، في حين أن القرار اقتصر على القول بوجود تخوف من فراره، رغم أن كل عناصر الملف تثبت العكس. ويتضح مما تقدم أنه لا يوجد أي مبرر مشروع لقرار اعتقال تيسير علوني احتياطيا من جديد. حول المتابعــــــة : لم يكن ما جاء في مرافعة النيابة العامة بجلسة 25 أكتوبر 2004 من وجود شكوك قوية لديها في وجود عناصر إثبات كافية من أجل توجيه الاتهام إلى تيسير علوني، كلاما عارضا أو تعبيرا عن انطباعات شخصية ، بل كان تعبيرا عميقا من طرف سلطة الاتهام عن واقع الملف من الناحية القانونية. ويمكن الإشارة بعجالة إلى بعض العناصر المؤيدة لفراغ الملف من الناحية القانونية: 1ـ الانتماء إلى منظمة ما يتطلب ثبوت الشروط الواقعية والقانونية لهذا الانتماء. وأول ما يشترط في هذا الشأن هو ثبوت العلاقة التنظيمية بهذه المنظمة، وهي علاقة لاتثبت لمجرد وجود علاقة شخصية أو معرفة ببعض الأشخاص الذين قد يكونوا أعضاء في هذه المنظمة، وإلا فان ملايين البشر سيصبحون منتمين تنظيميا إلى منظمات سياسية أو نقابية أو جمعوية، إرهابية أو غير إرهابية، لأنهم تعرفوا، أو اختلطوا، أو كانوا أصدقاء لعضو أو أعضاء في هذه المنظمات، بل قد يصبح الشخص منتميا إلى عشرات المنظمات لأنه يعرف أعضاء في كل منها. وثاني الشروط الأساسية لثبوت الانتماء إلى منظمة ما هو ثبوت الاقتناع والإيمان بمبادئ وأهداف المنظمة. هذان الشرطان الأساسيان اللذان إذا انعدم أحدهما لايمكن الحديث عن الانتماء إلى منظمة ما ، لا وجود لهما معا في ملف متابعة تيسير علوني المتهم بالانتماء إلى منظمة القاعدة. فالملف خال من أي إثبات لوجود علاقة تنظيمية لتيسير علوني بتنظيم القاعدة، وكل مابني عليه هو مجرد نسبة علاقات شخصية، واتصالات هاتفية وتبادل للزيارات بين تيسير علوني وبين أشخاص يفترض أنهم أعضاء في القاعدة. أما بالنسبة للاقتناع والالتزام بمادىء وأهداف تنظيم القاعدة، فإن كل مواقف تيسير علوني، وكل ما جاء في تغطياته الإعلامية، ومداخلاته، المتلفزة وغير المتلفزة، يثبت خلاف ذلك. علما بأن ذلك ثابت وعلني وموضوع بين يدي القضاء ومشهود به من طرف زملائه، الإسبان والعرب على السواء، ومن خلال تمسك قناة الجزيرة بتيسير علوني وتبنيها لكل ما صدر عنه. في حين لا يوجد في الملف أي دليل يمكن أن يثبت عكس ذلك، كما لم ينسب لعلوني أي فعل مادي يمكن أن يثبت منه هذا الإيمان والقناعة بمبادئ وأهداف تنظيم القاعدة من طرف تيسير علوني. بل إن الملف يتضمن أن هناك قرائن تبرر احتمال المشاركة POSIBLE "PARTICIPACION بأنه لا زال هناك 17 إنابة قضائية في دول مختلفة يمكن أن توفر قرائن على صحة المتابعة. مما يفيد أن الملف لا يحتوي لحد الآن على قرائن كافية لإثبات صحة المتابعة، وأن كل ما يوجد هو مجرد احتمال. 2 ـ عناصر المتابعة ترتكز على مكالمات هاتفية يقال إنها مكالمات باللغة العربية، ووقعت ترجمتها ترجمة غير رسمية، كما وقع تحميلها تأويلات وافتراضات تحتمل الصحة كما تحتمل الخطأ، وكلها مكالمات مع أشخاص لا يفترض مطلقا أن تيسير علوني يجب أن يكون على علم بأن أحدهم ينتمي إلى منظمة القاعدة. كما ترتكز المتابعة على الادعاء بالمساعدة في نقل الأموال إلى التنظيم. ويدور هذا الادعاء حول مناقشات بالهاتف يفترض أنها تتعلق بالمساعدة في نقل مبلغ 4000 دولار إلى عائلة أحد الأشخاص، الذي يقال عنه بأنه شخص قيادي في القاعدة ويوجد في أفغانستان، قبل الحرب عليها، أي يوجد في معقل تمويل القاعدة، حسب كل ما يقال، فأية قاعدة تلك التي تتوقف على تيسير علوني لكي يسهل تمويلها بتسهيل نقل مبلغ 4000 دولار من إسبانيا إلى أفغانستان أو باكستان أو تركيا أو غيرها ؟ علما بأنه حتى بالنسبة لما وقع ادعاؤه في هذا الشأن، في ملف القضية لم يتضمن أية إشارة إلى أن هذا المبلغ، الذي ادعي أمر تسهيل نقله، كانت الغاية من نقله هي مساعدة تنظيم القاعدة، أو تسهيل عمل من أعمالها، بل ظل الادعاء منحصرا في الجانب الإنساني لا أقل ولا أكثر. علما بأن تيسير علوني أثبت بحجج دامغة أمام القضاء أن المبلغ المذكور ناتج عن بيع أمتعة وأثاث الشخص المعني في تركيا 3 ـ يغفل ملف المتابعة بصفة كاملة طبيعة عمل تيسير علوني، الصحفي اللامع، والعضو الباحث في معهد السلام التابع لجامعة غرناطة والمكلف بانجاز دراسات عن الجماعات الإسلامية وظاهرة التطرف الأمر الذي تؤكده الوثيقة الصادرة عن معهد السلام في الموضوع إضافة إلى تكليفه بالعديد من المهمات من طرف اللجنة العربية لحقوق الإنسان وما تفرضه عليه مهنة الصحفي وعضويته في المعهد المذكور من توسيع لعلاقاته، ومحاولة لاختراق كل الفئات والجماعات، لأن الصحفي الذي لا يستطيع الوصول إلى الخبر، وإنجاز السبق الصحفي ، يكون دون مستوى ما تفرضه هذه المهنة. كما وقع إغفال أن الصحفي من هذا الحجم، يجب عليه أن يصل إلى السياسي والنقابي والمجرم والطيب على السواء، وأن وصوله إلى ربط اتصالات في هذا الإطار، لا يمكن مطلقا أن يفسر على أنه ارتباط أو انتماء أو مشاركة أو غيرها. ويكفي في هذا الشأن ما قاله صحفيان إسبان عن حالة تيسير علوني، حيث قال الأول بأنه إذا كان ما قام به علوني يستحق الاعتقال، فانه هو أيضا، والكثيرون غيره من زملائه، يجب أن يكونوا رهن الاعتقال، لأنهم يسعون إلى التعرف على كل أنواع البشر، والى اختراق جميع الأوكار والتعرف على أصحابها في إطار واجبهم المهني. بينما صرح الصحفي الثاني بأن علوني كان يجب أن يتلقى الأوسمة عوض أن يلقى في غياهب السجون، وأضاف إذا كان الأمر يتعلق بصحفي آخر لا يحمل معه الأصل العربي والدين الإسلامي لتلقى فعلا الأوسمة والنياشين. فهل يكون ما قاله هذا الصحفي الإسباني هو الخلاصة الحقيقية لملف علونـــي ؟. |