طبيعة «مسألة تيسير علوني» وحدودها


صالح بشير (*)

هل أن تيسير علوني، مراسل قناة “الجزيرة” السابق، متعاطف مع تنظيم القاعدة وحكم طالبان؟ قد يكون، خصوصا وأن الرجل أدلى، في بعض مقابلات أجريت معه، بكلام يوحي بأنه يرى لتلك الحركة التي سامت أفغانستان أو ما كان واقعا تحت سيطرتها منها، حكما استبداديا مطبق التخلف، خصالا ومزايا، ويمحضها دعمه أو ما يشبه الدعم. هل يعود ذلك إلى انحسار صحافي “الجزيرة” بموضوع اهتمامه، وتلك خطيئة كثيرا ما يقع فيها صحافيون وباحثون كثر، يفضي بهم التخصص إلى التعاطف من حيث لا يشعرون أحيانا، أم أنه عائد إلى مسبقات إيديولوجية بعينها يدين بها؟ ذلك ما يتعذر الجزم بشأنه لمن كان في مثل حالنا، لا تربطه بالمعنيّ علاقة مباشرة، ناهيك عن أنه صحافي ميدان وليس كاتب رأي، ينقل الحدث ولا يعلق عليه، إلا لماما وعموما وباقتضاب.

 لكن حتى وإن افترضنا امتلاكه تلك الآراء، فإن هذه تُدان أو لا تُدان (إلا ما كان منها تبشيرا بما يخالف القانون) في السجالات المفتوحة لا أمام المحاكم، خصوصا تلك التي تُقام في البلدان الديمقراطية، حيث ينعم القضاء بالاستقلال ويترفع، أو يُفترض فيه أن يترفع، عن كل ما من شأنه أن تشوبه شبهة الإخلال بالعدالة، وإلا انتفى ما يميز القضاء في البلدان الديمقراطية عن «نظيره» في ظل أنظمة الاستبداد. فالمحاكم تبحث في الأفعال وفي الوقائع، بصرف النظر عن هوية المتهم وانتمائه العرقي أو الديني أو الإيديولوجي، على ما يقتضي مبدأ معلوم مشهور وأولي. وانطلاقا من المبدأ هذا، لا يتعين التردد في وصف حكم يخل بذلك المبدأ إياه بأنه مجحف، حتى وإن صدر عن محكمة ديمقراطية، ولو حامت حول المتهم شبهة التعاطف مع تنظيم القاعدة وحركة طالبان.

 والحال أن الصفة تلك تنطبق على ما يبدو، على الحكم الذي أصدرته المحكمة الإسبانية على الصحافي تيسير علوني، ذلك الذي جاءت حيثياته على قدر من هشاشة، تفترض وجود علاقة تتعدى الإطار المهني ومقتضياته بين المعنيّ وبين منخرطين في تنظيم القاعدة، فلا تبرهن على ذلك ولا تجزم به، لكنها تستند إلى الريبة. وهذا علما بأن الريبة، غير المفضية إلى يقين، يجب أن تكون في مثل هذه الحالات، لصالح المتهم لا لصالح الادعاء، حرصاً على العدالة نفسها وتحصينا لها من مزالق الخطأ واحتمالاته. وقد استنكرت الحكم ذاك منظمات وجمعيات حقوقية، يوثَق ببعضها إذ يُفترض فيه أنه على بيّنة من أمره من الناحية القانونية وأنه منزّه عن الأهواء الإيديولوجية.

 والحقيقة أن مسلك مثل تلك المنظمات والجمعيات هو الذي يتعين الاقتداء به، وإلا انقسمت المواقف، حيال حالة كالتي تعنينا هنا وما شابهها، على أساس الميول الإيديولوجية أو ما كان من طينتها من اعتبارات غير موضوعية، فيتعاطف مع صحافي “الجزيرة” زملاؤه ومن يشاطرونه الرأي، ويناصر حكمَ المحكمة الإسبانية من يقفون إلى جانب هذه الأخيرة في ما يعتبرونه حربها ضد الإرهاب، في حين يلوذ بعض ثالث، وواسع، بصمت مُحرَج ومُحرِج في آن، فإذا هو سجين مأزق معضل، فلا يقوى ذلك البعض على مساندة رجل قد يراه قريبا من تنظيم القاعدة من ناحية ويضيق بالخروق التي لطخت محاكمته من ناحية أخرى. وهذا مع أن ما يجب أن يوجه تقدير الأمور والنظر إليها هو مدى استجابة القضاء لشروط العدالة والقانون، دون تجنيد الأخيرين في ما لا يعنيهما نظريا، أي دون توسلهما سياسيا أو في المواجهات الإيديولوجية المستعرة، وذلك حتى لو كان الماثل في قفص الاتهام أسامة بن لادن نفسه.

 إذ دون ذلك مخاطر كثيرة: أولها فقدان القضاء في البلدان الديموقراطية مصداقيته، وتوسله، من هذا الطرف أو ذاك، أداة في ما تعتبره أوساط بعينها، بل في ما تتمناه ولا تألو جهدا من أجل بلوغه، حربا لا هوادة فيها، بين حضارتين وعالمين وديانتين، أو أن في مثل تلك المحاكمات ما يزيّن النظر إليها على أنها محاكمات من طبيعة سياسية، تُستنفر في مواجهة غير نزيهة. ثم أن المنطق ذاك هو المفضي في مؤداه الأخير إلى غوانتانامو، وإلى النظر إلى صنف بعينه من المتهمين لا بمعيار أفعاله وما ارتكب وما لم يرتكب، بل انطلاقا من هويته الإيديولوجية أو الثقافية، وتجريمه على أساسهما خارج كل اعتبار قانوني. وإذا خرجت عقلية غوانتانامو من الجدران أو من الأسلاك الشائكة المحيطة بالمعتقل الشهير والسيء الصيت، لتستشري عقليةً يأخذ بها من يتولون تطبيق القانون والتقيّد بمتطلباته ومقاييسه وقيمه، فإن ذلك سيكون أدهى وأنكى. غير أن الاعتراض على حكم القضاء الإسباني يجب أن يعبر عن نفسه بالقانون ومن خلاله وباسم مبادئ حقوق الإنسان، لا بتلك الطريقة الغوغائية والتهريجية التي تبرع فيها «نخبنا» كما تبدّى في هذه المناسبة. فالحكم المذكور ليس بالحكم السياسي، خصوصا في عهد حكومة ثاباتيرو الحالية التي نأت عن السياسة الأميركية نأيا واضحا في ما يخص العلاقة بالعالم الإسلامي، وهو ليس بالحرب ضد الإعلام العربي ومعاقبته على ما أحرزه من مكانة أو الانتقام منه في شخص مراسل “الجزيرة”، على ما اشتط البعض قائلاً. هذا حديث خرافة. بل الأرجح أن القاضي أو القضاة، وهو مواطنون أبناء زمانهم وبيئتهم وجزء من رأيها العام، قد عكسوا هواجس هذا الأخير ومخاوفه وميله إلى التشدد في مثل هذه القضايا، وربما تمثلت خطيئتهم في أنهم انساقوا في كل ذلك عوض أن يحافظوا على مسافة منه تقتضيها وظيفتهم ويتطلبها دورهم وطبيعته.

 ما هو أهم من كل ذلك أن حظوظ الطعن في الحكم المذكور، وفرص تصحيحه، متاحة توفّرها مراتب محلية وأخرى أوروبية. وبذلك يكون تيسير علوني محظوظا قياسا إلى زملاء له في العالم العربي، صدرت في حقهم أحكام مبرمة، لم تنظر فيها محكمة، ونُفذت غدرا بالعبوات الناسفة.

 (*) كاتب تونسي

 (المصدر: ملحق تيارات بصحيفة الحياة الصادرة يوم 16 أكتوبر 2005)

عودة