|
كلمة صلاح الدين حافظ الأمين العام لاتحاد الصحفيين العرب |
|
في ندوة اللجنة الدولية للدفاع عن تيسير علوني القاهرة 24/3/2005 |
|
نجتمع اليوم حول قضية الزميل الرمز تيسير علوني , الذي يعيش الآن حالة ملتبسة ما بين السجن والحرية , وهى حالة إن كانت اخف من السجن الانفرادي الذي عاناه لعدة شهور, إلا أنها تمثل في الحقيقة مرحلة جديدة من مراحل الصراع دفاعا عن حق زميل في حريته الكاملة , بل في براءته الشاملة . ومنذ البداية أخذنا عملية اعتقال الزميل تيسير علوني في أسبانيا , على أنها رمز لقضية عامة ومعقدة , اكبر من أشخاصنا الفردية واعقد من أوضاعنا الذاتية , أنها قضية الحرية , والحرية للصحفي والإعلامي هي الهواء الذي يتنفسه وبدونه تتوقف حياته أصلا .. وحين بذلنا الجهد في اتحاد الصحفيين العرب بالتنسيق مع نقابات الصحفيين في الدول العربية , ومع ست منظمات دولية معنية بحرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان في العالم , كان هدفنا الأولى هو تحرير الزميل علوني من محبسه وضمان محاكمة عادلة علنية نزيهة له , أما الهدف الأبعد فيتمثل في إعادة الاهتمام بقضية حرية الصحفي والإعلامي , أيا كانت جنسيته ورؤاه وأفكاره , في ممارسة مهنته بأمانة , بعيدا عن القيود والسدود , التي تستغل لكبت الحرية وإخفاء الحقائق وتزييف الوعي . ولا شك أن الحملة العربية والدولية للدفاع عن تيسير علوني , التي شاركتم جميعا فيها بجهد مشكور , قد حققت بعض أهدافها قصيرة المدى , لكن الحملة العربية والدولية الأهم يجب أن تتصاعد الآن أكثر من أي وقت مضى , دفاعا عن الأهداف الأشمل والأعم ,وخصوصا توفير الضمانات القانونية والمهنية اللازمة , لحماية الصحفيين والإعلاميين أثناء أداء مهامهم المهنية سواء في زمن الحرب أو في زمن السلم . ومن أسف أننا نلاحظ ازدواجية معيبة في التعامل الدولي مع هذه القضية, تبدو ملامحها واضحة من خلال المواقف السياسية والإعلامية لبعض الدول الغربية , فهي تسارع بإدانة أي اعتداء على صحفي أوروبي أو أمريكي في العراق مثلا , ولا نسمع لها صوتا إذا ما وقع الاعتداء قتلا أو خطفا على صحفي عربي . وبقدر الضجة التي أثيرت مؤخرا على اختطاف الصحفيتين الفرنسية "أوبينا" والإيطالية "جوليانا سجرينا " وقد تضامنا معهما , بقدر الصمت المريب على قتل وخطف واختفاء نحو مائة صحفي وإعلامي ومساعد في العراق, على مدى عامين منذ بدء الغزو الأمريكي له حتى الآن , 75 % منهم عرب , بل إن كثيرين منهم قتلوا على أيدي قوات الاحتلال عمدا مع سبق الإصرار والترصد . وفى يقيني أن موقفنا نحن كان مختلفا ويجب أن يكون مختلفا , بمعنى أننا ضد قتل وخطف وقهر وسجن الصحفي أي صحفي بسبب عمله , أو أثناء قيامه بمهامه المهنية في أي زمان ومكان. وانطلاقا من هذا الموقف المبدئي , كنا ولازلنا جزءاً من حملة تحرير تيسير علوني من سجنه الأسباني , وتحرير كل صحفي أوروبي أو أمريكي أو آسيوي تعرض للخطف أو الاعتداء في الساحة العراقية , فالمعيار هنا واحد والمبدأ كذلك . وبنفس المنطق فإننا كنا ولا زلنا ضد سجن علوني في أسبانيا , وبالدرجة نفسها ضد قيام حكوماتنا العربية بسجن واعتقال الصحفيين بسبب أرائهم وكتاباتهم , وكم في السجون العربية من صحفيين وكتاب ومثقفين يتعرضون للقهر ومصادرة الحرية , خصوصا إذا عرفنا أن القوانين والتشريعات المتشددة في 19 دولة عربية على الأقل تفرض عقوبات سالبة للحرية , بما في ذلك عقوبة السجن , على الصحفيين والكتاب في قضايا الرأي والنشر , وتصادر بالتالي حرية الصحافة والتعبير بأساليب عديدة , دون ضمانات أو حماية حقيقية . ولم يعد ذلك الوضع مقبولا الآن , في عصر أساسه ثورة الإعلام والمعلومات وتكنولوجيا الاتصال , وعنوانه إطلاق الحريات الأساسية , خصوصا حرية الصحافة والرأي والتعبير , وتطبيق النظم الديموقراطية بديلا لنظم حكمت طويلا بالاستبداد والفساد , وهو أمر لا يتحقق إلا بوجود مناخ عام يقوم على ثقافة الديموقراطية والمشاركة والحوار , ويبنى دولة القانون , ويضمن نزاهة القضاء العادل , ويحرر الصحافة والإعلام من هيمنة البيروقراطية الحكومية , ذات الألوان المتعددة في بلادنا العربية. كذلك لم يعد مقبولا , أن نكتفي مثلا برفض الإصلاح الديموقراطي المفروض علينا من الخارج , ثم نستسلم لبقاء أوضاعنا الداخلية على ما هي عليه من فقر وقهر, تزيفها بعض وسائل إعلامنا , وتمن علينا كأنما نعيش أزهى عصور لحرية والتقدم والسعادة . كلاهما مرفوض , الإصلاح من حكومات الخارج , و مقاومة الإصلاح الحقيقي من حكومات الداخل , ونظن أننا نشهد في هذه المرحلة صحوة حقيقية في منظمات المجتمع المدني, وفى الساحات والشوارع العربية ,تبتغى بين هذا وذاك سبيلا ثالثا ! ومن ثم لم يعد مقبولا أن تظل أوضاع الصحافة ووسائل الإعلام العربية الرئيسية والمؤثرة , أسيرة الهيمنة الحكومية , تردد خطابا إعلاميا متحجرا أو منافقا أو مزيفا للواقع , إنما الأمر يستدعى إعادة صياغة جديدة وديموقراطية للعلاقة المركبة , بين الصحافة والسلطة من ناحية , وبين الصحافة والمجتمع من ناحية ثانية ... إعادة صياغة تقوم على تحديد علمي دقيق لرسالة الصحافة والإعلام , ومهامها وأدواتها , في مناخ من الحرية والانفتاح والاستنارة والاجتهاد , يتخلص من القوانين والتشريعات المقيدة والعقوبات المشددة , ويضع أساسا قويا لضمانات الحماية للصحفيين والإعلاميين المفكرين , سواء كانت حماية قانونية ومهنية ونقابية , أو كانت حماية وطنية ودولية , وفق الشرائع والمواثيق العالمية المتعارف عليها والمعترف بها ... ولدينا منها رصيد متراكم , مثل الميثاق العالمي لحقوق الإنسان , واتفاقيات جنيف الأربع , وإعلانات ويندهوك , والما آتا , وسنتياجو, وصنعاء عن الصحافة الحرة المستقلة , فضلا عن مواثيق اتحاد الصحفيين العرب , ناهيك عن نصوص الدساتير الوطنية التي تقر حرية الصحافة والرأي والتعبير من حيث المبدأ , لكنها تحيل الأمر إلى قوانين تسلب منها جوهر هذه الحرية , كما نلاحظ في جميع البلاد العربية . وفى ظل مثل هذه القوانين التي تقوم على فلسفة التحريم والتجريم ,تنتهك حرية الصحافة والرأي , وتصادر الصحف , ويسجن الصحفيون , ويكفر المثقفون والمبدعون , وتستباح المهنة وأصحابها دون مظلة حماية حقيقية ودون ضمانات حصانة للعمل على أداء الرسالة الإعلامية الصادقة والموضوعية والحرة . صحيح أن أسبانيا الأوروبية اعتقلت الزميل تيسير علوني , وصادرت حريته , وصحيح أننا نؤمن ببراءته , وصحيح أن الحملة الدولية للدفاع عنه, قد نجحت في استقطاب تعاطف دولي واسع مع قضيته , لكن الصحيح أيضا أننا وقد انتقدنا الحكومة الأسبانية كثيرا , علينا أن ننتقد أوضاعنا نحن وممارسات حكوماتنا الوطنية , التي كانت ستفعل ألف ضعف مما فعلته أسبانيا , لو وقع علوني في قبضة إحداها , سجنا وتعذيبا وترويعا . وأظن أن مصداقيتنا هى على المحك , بل هي مفقودة , إن ظللنا نهاجم الآخرين وننتقد ممارساتهم ونتهمهم بانتهاك الحريات , بينما نغمض العين عما يجرى بيننا وتحت أقدامنا وأمام عيوننا جهارا نهارا , من قهر للحريات وانتهاك لكل حقوق الإنسان .. قضيتنا الأساسية هي تحرير الكلمة من سجنها الطويل , وتحرير القلم من سجانه العنيد أي باختصار تحرير العقل من ظلمة الجهالة السارية . واختتم بما بدأت به ... لقد أثمرت جهودكم المشكورة , في استعادة الزميل تيسير علوني نصف حريته , لكنه لا يزال سجين بيته وقيوده الأمنية المفروضة عليه في غرناطة , وهو في رأينا ليس السجين , لكن الحرية كمبدأ ورمز هي السجين الحقيقي , هنا وهناك ... فلنجعل من نصف الخطوة هذه , بداية انطلاق قوى , ليس فقط لإثبات براءة صحفي عربي متهم في أسبانيا , ولكن لإثبات أحقية صحافتنا وصحفيينا لحريتها ولحريتهم , في ظل ضمانات نافذة وحماية قانونية مهنية ونقابية راسخة , تمسك بالمبدأ الرئيسي أكثر مما تنشغل بالتفاصيل الفرعية , تعلى من قيمة العقل بدلا من أن تعوم على موجات التسطيح والتجهيل وعبادة الأصنام المسندة في دهاليز القصور . |