|
هل يمكن اعتبار المبادرة الأميريكية أخر فرصة لتسوية نزاع الصحراء المتعثر |
|
عبدالرحيم صابر* |
|
دخل النزاع المغربي الجزائري حول الصحراء منعطفا جديدا ربما تتحدد معالمه في المستقبل القريب. فمع وصول الحزب الإشتراكي إلى السلطة في إسبانيا وتبنيه اطروحة مغايرة لنظام الحزب اليميني الشعبي ، وجدت الجزائرنفسها في ورطة ديبلوماسية حقيقية، حيث أن الموقف الإسباني الجديد اقترب أكثر من الموقف الفرنسي، وبالتالي أصبح يدعو إلى ايجاد حل بين الطرفين، المغربي والجزائري، بدل طرح قضية "تصفية الإستعمار" التي كانت ولاتزال تنادي بها الحكومة الجزائريية. أضف إلى هذا أن اسبانيا كعضو في الإتحاد الأوربي والمستعمر السابق أضفى، صحبة فرنسا، نوعا من الشرعية على خطاب "التسوية بين الجارين." وهكذا فقدت الديبلوماسية الجزائرية حليفا قويا تمثل في نظام أزنار داخل المنظومة الأوربية. في المقابل نجد أن الديبلوماسية المغربية انتقلت من التأرجح بين ما يطلق عليه ب"ديبلوماسية الكواليس" (quite diplomacy) و"الديبلوماسية النشيطة والخجولة"(active but timid diplomacy) إلى ديبلوماسية المواجهة وممارسة الضغط عبرالجاليات المغربية على قنصليات وسفارات الجزائرلتغيير صورة الجزائر في المحافل الدولية وعبر وسائل الإعلام من حليف لجبهة البوليزاريو محايد إلى نظام مساند لإعتقال سجناء حرب مغاربة فوق أراضيه. ادرك المسؤولون الجزائريون على أنها معركة خاسرة خصوصا ان الموضوع يتعلق بسجناء حرب استمر اعتقالهم لأزيد من عشرين سنة وبالتالي كانوا يبحثون عن حلول للتخلص من المعتقلين وغلق ملف الأسرى. نقطة التحول هاته في الديبلوماسية المغربية جاءت على اثر رسالة بعث بها الرئيس الجزائري نهاية مايو الماضي الي زعيم جبهة البوليزاريو بمناسبة ذكرى تأسيس الجبهة مهنئا فيها أياه ومؤكدا "التزام الجزائر بتبني قضية الشعب الصحراوي حتى الاستقلال واقامة دولتهم". جاءت الرسالة في أعقاب لقاء القمة الذي جمع العاهل المغربي، محمد السادس والرئيس الجزائري بالجزائر بعد انهاء أشغال القمة العربية الأخيرة في نهاية مارس، و كانت بمثابة الصفعة الغير منتظرة للمسوؤولين المغاربة خصوصا وأن التوقعات بعد اجتماع العاهل المغربي بنظيره الجزائري كانت تؤشر على امكانية الإنتقال نحومرحلة جديدة في العلاقات المغربية الجزائرية تتسم بالشفافية ومحاولة بناء معالم المغرب العربي، وترك ملف الصحراء في دواليب الأمم المتحدة، وفتح الحدود بين البلدين، والتركيز على الجانب الإقتصادي في العلاقات التنائية. كانت هذه الخطوة الجزائرية الغير محسوبة هي القشة التي قسمت أخيرا ظهر البعير وأدخلت الطرفين في نزاع مفتوح وعلني. حيث اكتشفت الديبلوماسية المغربية بأن هناك جالية مغربية يمكن توظيفها لتسليط الضوء على جانب انساني مغفل ومن خلاله تأكيد تورط حكام الجزائر مباشرة في النزاع بما أن المعتقلين المغاربة موجودون على التراب الجزئري الشيء الذي يجعلها طرفا في النزاع من منظور القانون الدولي. إذن كانت حملة علاقات عامة تكللت بنجاح في بعض الدول كالولايات المتحدة الأمريكية حيث تمكنت الديبلوماسية المغربية من تجنيد سناتور جمهوري بارزا ومعتقل حرب سابق، السيناتور ماكين، في حملته لإطلاق سراح سجناء الحرب الموجودين على التراب الجزائري. تزامن هذا الوضع مع الأزمة المتفاقمة التي تعرفها الإدارة الأمريكية في العراق من جراء تصاعد العمليات الإجرامية وتزايد عدد الضحايا و الأوضاع المأساوية التي يعيشها الشعب العراقي. كما أن الرأي العام الأمريكي بدأ ينتقد حرب العراق كحرب "اختيار وليست حرب ضرورة،" كما حاولت الإدارة الأمريكية تسويقها في البداية. فاطروحات مبادرة الشرق الأوسط الكبير الذي سيؤسس لبناء ديمقراطيات بالمنطقة من خلال بناء نظام ديمقراطي قوي بالعراق (Dominos Effect) بدأت تتهاوى. فقد تم ترحيل ابرز مهندسي هذه النظرية، الدكتور وولفويتزإلى البنك الدولي، وأصبح الحزب الجمهوري يعيش لحظة انقسام داخلية حول جدوى الحرب على العراق حيث اصبح بالإمكان أن نجد سناتورا جمهوريا بارزا حامل لأوسمة الخدمة في فييتنام يتحدث علنا عن أوجه تشابه بين حرب العراق وحرب فييتنام وينادي بوضع خطة زمنية للبدء باجلاء الجنود الأمريكيين خارج العراق، الشيء الذي لامحالة سيفاقم الأوضاع بالعراق. فالولايات المتحدة تناست في حربها على العراق على أن منطق السرعة "لاينطبق على العملية السياسية، لأنها تعرف تعوجات كثيرة ولاتستقر على حال." وهكذا وبعد أن اعلنت على أن الهذف يتمثل في "اقامة نظام ديمقراطي،" تغير خطابها ليصبح "اخماد التمرد والسعي إلى تحقيق أي نوع من الإستقرار،" هوالهذف المنشود. يمكننا القول أنه في هذا السياق ربما يأتي الإهتمام الأخير للإدارة الأمريكية بشمال افريقيا خلال الزيارة/المهمة التي قام بها السيناتور ريتشارد لوغار، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، مبعوثا للرئيس الأمريكي جورج بوش. لقد اختار الرئيس جورج بوش شخصية سياسية قوية ومعروفة باعتدالها لتكليفها بهذه المهمة. فمنطقة شمال إفريقيا، خصوصا المغرب والجزائر ومؤخرا موريتانيا، تعرف تقدما ملموسا نحو بناء مناخ ديمقراطي عبر اصلاحات قانونية و سياسية توجت باجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بكل من المغرب والجزائر، يمكننا اعتبارهاالأكثرحرية ونزاهة في تاريخ البلدين. فالمساهمة/ المبارة الأمريكية جاءت لتعيد الإعتبار لمنطقة تشهد اصلاحات وتعيش فترة انتقال حقيقية كما أنها جاءت لحت البلدين، الجزائر والمغرب على تجاوز المأزق السياسي الحالي وتحسين الأجواء المحيطة بالعملية السياسية،لأن هذا كما صرح به السيناتور لوغار فيه "مصلحة البلدين.كما نعتقد أن فيه مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية." فالأزمة التي يعرفها ملف الصحراء سارت في خط تصاعدي منذ صدور مقاربة تسوية النزاع التي قدمهاوزير الخارجية الامريكي الاسبق جيمس بيكر المبعوث السابق للامم المتحدة لتسوية النزاع الصحراوي، والتي دعت الي منح الصحراويين حكما ذاتيا لمدة محددة تحت السيادة المغربية تتمتع فيه هيئاته المنتخبة بسلطات واسعة يتبعه استفتاء يقرر من خلاله الصحراويون مصيرهم في دولة مستقلة او الاندماج بالمغرب، وخروج بيكر عن دوره كوسيط يحاول مساعدة الأطراف على إيجاد حلِِ تسوية، إلى حت مجلس الأمن على فرض الحل المقترح علي الاطراف، الشيء التي تصدت إليه فرنسا ورفضه المغرب. ومع وصول الحكومة الإشتراكية إلى الحكم باسبانيا ظهر أن هناك فراغا ديبلوماسيا الشيء الذي فتح الفرصة أمام للديبلوماسية الأمريكية للدخول من خلال قضية معتقلي الحرب المغاربة. لاشك في أن هذا التدخل الأمريكي استلزم اقناع خطبائه الجزائريين بجدوى اطلاق سراح المعتقلين، خصوصا وأن موضوع سجناء الحرب له نبرة خاصة في الولايات المتحدة لارتباطه بمعتقلي الحرب بفييتنام. المبادرة الأمريكية لامحالة ستخلق الكثير من الحيطة والحدر من الجانبين، المغربي والجزائري، خصوصا وأن الولايات المتحدة، كأقوى دولة في العالم تمتلك من التأثير مالا تمتلكه أي دولة أخرى. لكن المهم بالنسبة للديبلوماسية المغربية هوإدراك كيفية التعامل مع هذه القوة وحتها على تفهم إن لم نقل قبول الطرح المغربي لملف الصحراء. فالسيناتور لوغار خلال تواجده بالمغرب قام بتسليط الضوء على العديد من النقاط العالقة في هذا الملف والتي من خلالها يمكننا أن نستشف اقتراب الرؤية الأمريكية من الطرح المغربي. فهو في سياق حديثه في البحث عن حلول كان دائم الحديث عن مواصلة عمل "الطرفين الجزائري والمغربي،" وعن ضرورة التعاون بين "صديقينا في هذه المنطقة." كما صرح كذلك بأن الولايات المتحدة "تشجع التقارب بين الجزائر والمغرب وحل سياسي سلمي لمشكلة الصحراء." وأخيرا وهنا نلمس مدى تبني السيناتور للطرح المغربي حيث يقول على أن حل المشكلة يتطلب شيئا من " الخيال المبدع و اقتراحات جديدة بدل العودة إلى حلول لم يتم الإتفاق عليها." وهكذا تتخلص الديبلوماسية الأمريكية من مقاربة بيكر التي كانت تنادي بفرض حل بالقوة في النزاع القائم، كما يحث لوغار "الطرفين"، مرة أخرى ، على أنه بإمكانهما "ايجاد تراض." أغفال السيناتورالأمريكي في حديثه بالمغرب لجبهة البوليزاريو والتي لم يأتي على دكرها إلا لشكرها على إطلاق سراح المعتقلين، ليس محظ صدفة ولكن توجه سياسي امريكي جديد فيما يخص النزاع حول الصحراء. ففي واشنطن نجد المتحدث باسم الخارجية الامريكية شون ماكورماك يقول ان اطلاق سراح المغاربة يشكل فرصة لتدعيم "وحدة المغرب العربي واستقراره" داعيا الجزائر والمغرب الي الافادة من هذه الفرصة لاعادة" اطلاق الحوار بينهما وتطوير علاقاتهما الثنائية وخلق مناخ اقليمي يسمح بايجاد تسوية للنزاع علي الصحراء." معروف على السيناتور عدم تأييده للطريقة التي شنت بها الحرب على الإرهاب من طرف الإدارة الأمريكية، وكان واضحا حين قال على أنه كان على الولايات المتحدة "أن تكون أكثر اهتماما بالمغرب العربي من دي قبل." مقاربة لوغار للعلاقات المغاربية، وعلى رأسها العلاقات المغربية الجزائرية، مقاربة سياسية وأمنية، فهو يصرح على أن للولايات المتحدة "أهذافا اضافية تقتسمها والمغرب والجزائر. إننا نحارب الإرهاب، والتعاون بين صديقينا- المغرب والجزائر- واجب وحتمي لنا كلنا." جاء الرد الجزائري في الحال على هذه التصريحات، وكالعادة صرحت الجزائرعلى انها ليست طرفا في النزاع وان" قضية الصحراء نزاع بين المغرب والشعب الصحراوي الذي تمثله جبهة البوليزاريو" والدور الذي يمكن ان تلعبه الجزائر يقتصر علي" محاولة التقريب بين الصحراويين والمغرب في اطار تطبيق قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالنزاع وتحت مظلة الأمم المتحدة." فالطرفان، المغربي والجزائري، قلقان من مبادرة العم سام وليسا واثقين من أنه لن يتمخض على المبادرة الإنسانية موقف سياسي يمكن أن يصب في اتجاه ما. وبدل أن تغتنم الديبلوماسية المغربية فرصة التصريحات الأمريكية، اقتصرت على رد خجول من خلال بلاغ صحفي حول عملية اطلاق سراح الاسري حاصرة شكرها في الولايات المتحدة الامريكية ومحملة مسؤولية ما آلت اليه اوضاع الاسرى المغاربة إلى الجزائر، معتبرة " الخطوة تنفيذا متأخرا لالتزام دولي طالما ذكر به مجلس الأمن". قررت الديبلوماسية المغربية أن تستمر في نهجها التصعيدي وغافلة توظيف الخطاب الأمريكي الجديد لإظفاء شرعية أكثر على طرحها للملف الصحراوي. فبينما تشعر الدبلوماسية الجزائرية بانزعاج كبير من تركيز التصريحات الامريكية علي ضرورة مفاوضات مغربية جزائرية لتسوية النزاع ، تستمر الديبلوماسية المغربية في التزام الصمت مركزة فقط على الجانب الإنساني لمأساة المعتقلين ومطالبةبعودة المفقودين. إن مايمكن قراءته في تباطئ الديبلوماسية المغربية في التعامل مع الوضع الجديد واتخاد المبادرة هوأن يكون أصحاب القرار لم يكونوا يتوقعون المهمة\المبادرة الأمريكية، وهذا ربما يفسر عدم بلورة سياسة جديدة يمكنها أن تخطط لما بعد اطلاق سراح المعتقلين. لقد تم توظيف الجاليات المغربية بشكل جيد ليس فقط لممارسة الضغط على سفارات وقنصليات الجزائرو لكن لممارسة ضغط على الدول التي يقطنون بها للتعريف والدفع بالطرح المغربي وافراغ الخطاب الجزائري، حول حياده، من محتواه. على الديبلوماسية المغربية أن تدرك أن تغيير الهذف في بعض الأحيان لايستلزم تغيير الأداة، فالجالية المغربية من أبناء الجيل الثاني لايزال بإمكانها لعب دور لوبي قوي في الدول التي تقطنها وفي المحافل الدولية، كما أن الوقت لايزال سانحا للإستفادة من المبادرة ة والتعليقات الأمريكية، لذا عليهم أن لايفوتوا هذه الفرصة. *عبدالرحيم صابر مدير برامج رابطة التربية على حقوق الإنسان بالمغرب HREA |