قضية علوني

 تقرير دولي يفند تهم المحكمة الوطنية الإسبانية


 اللجنة العربية لحقوق الإنسان

صحفي في قناة الجزيرة، ومدافع عن حقوق الإنسان، تعرض تيسير علوني، الذي يحمل الجنسيتين السورية والإسبانية،  لملاحقة قضائية في مدريد على خلفية ما سمي بخلية القاعدة السورية الإسبانية. وقد تبنته اللجنة العربية لحقوق الإنسان كمعتقل رأي وكضحية من ضحايا  الآلة الجهنمية المسماة بالحرب على الإرهاب، وكذلك فعلت عشرات المنظمات غير الحكومية المدافعة عن حقوق الإنسان وحماية الصحفيين.

طالبت اللجنة العربية لحقوق الإنسان المنظمات بين الحكومية الأساسية في العالم بتبني قضية تيسير، وأرسلت للمحكمة 12 خبيرا قانونيا دوليا في واحد من أهم فرق المراقبة القضائية منذ نشأة مفهوم المراقبة القضائية في الخمسينات من القرن الماضي. وجرت عملية تتبع ورصد بالتناوب لمحاكمة تيسير علوني ومن معه. ونتيجة لذلك، كلف المحامي إبراهيم التاوتي بجمع ملاحظات المراقبين وصياغة وتحرير تقرير كامل حول المحاكمة، وهكذا قام أول رئيس لمنظمة العدالة العالمية بإعداد تقرير باللغة الفرنسية من مئة وسبعين صفحة بالحجم الكبير، ليكون مرجعا لكل المهتمين بهذا الملف، ولوضع عناصر الدعوى والاتهام والحكم تحت مجهر القانون الدولي والقوانين الإسبانية.

 أظهر التقرير أن المحاكمة اتخذت طابعا سياسيا بدلا من الطابع القضائي، وأن القوانين الاستثنائية تحكمت بالمناخ الذي ساد جو المحكمة وبقراراتها. كما وغلب القضاة الأهداف الأمنية على أحكام العدالة، بالرغم من عدم وجود خطر عام محدق أو ظروف استثنائية يمكن أن تبرر انتهاكات حقوق الإنسان هذه. انتهاكات واضحة لشروط محاكمة عادلة، للحق في البراءة حتى إثبات التهمة، ولمبدأ المساواة في الحقوق بين الحق العام في المتابعة وحق الدفاع. حقوق ثابتة لا يمكن التغاضي عنها.

تحديد الاختراقات بداعي الإرهاب تبقى مبهمة وغامضة، على صورة المادة 576 من القانون الجنائي الاسباني التي أسست عليها محاكمة تيسير علوني. فوق ذلك ذهب القضاة لتبني قراءة فضفاضة للقانون الجنائي لا تتوافق مع مبدأ القراءة الضيقة. الإجراءات المتخذة وتحركات الشرطة سمحت بالتعدي على الحياة الشخصية ولا تستجيب لمتطلبات وضمانات دولة القانون. فحق اتخاذ محامي دفاع يختاره من لحظة توقيفه وحقه بمترجم قد انتهكت منذ اللحظة الأولى للتوقيف وفيما بعد خلال إعداد الملف. كذلك انتهاك حقه بالتواصل مع عائلته ومع طبيبه المعالج بدعوى السرية التي تطغى على الإجراءات القضائية بخصوص المتهمين (causa secreta). لقد حرم من حق التواصل مع محاميه والحصول على نصائحه بشكل يضمن حميمية العلاقة مع الدفاع دون رقابة أو تدخل، كما ولم يتوفر للمحامين الاطلاع على وثائق ملفه على الأقل في بداية تكوين الملف (incommunicado).

المدعي العام والمدعى عليه لم يكن لهما خلال الإجراءات القضائية نفس الحقوق، كما ولم يعاملهم القضاة بشكل متساو. النائب العام الذي يفترض فيه خدمة الصالح العام، عليه واجب التجرد في خدمتها، وعليه التقيد بمبدأ البراءة حتى إثبات التهمة والطابع القانوني للبراهين. وإن كان بإمكان الإدعاء إعلام الجمهور بسير التحريات القضائية ضد مشتبه به، فليس من حقه بأي حال إبداء الرأي بذنب محتمل قبل صدور الحكم. لكن هذا ما جرى بشكل عادي في اسبانيا حيث أصدرت الصحف حكمها منذ اليوم الأول للقضية و الظاهر ان الجهاز القضائي هو الممول بالمعلومات من جانب واحد. لقد جرى تهريب المعلومات حول الاتهامات التي ستصدر ومن قبل القضاة قبل صدور الحكم في حين أن المحامين كانوا يتجنبون الظهور للصحافة. في ذلك ما يعطي صورة أحادية الجانب للدعاوى الموكلة للقضاء. وإذ تعذر تغيير سلوكيات النيابة العامة من واجب المحامين وجمعياتهم والذي من واجبهم الدفاع عن المتهمين أن يخرجوا للرأي العام يطلعوه على اختراقات معايير القانون الدولي كما وأن عليهم أن يحملوا هذا النقاش إلى المحافل الدولية لحقوق الإنسان.

في قضية علوني وعلى المستوى المؤسساتي لم يبحث القاضي ومنذ البدء بتشكيل الملف سوى عن أدلة الاتهام. في حين أن كونه قاضيا كان يفترض به البحث عن أدلة البراءة أيضا. كذلك ضمان قانونية الإجراءات التي تلزمه بها صفته كقاضي كانت أقرب منها للتصرف كشرطي أكثر منه كقاضي. قاضي التحقيق لم يكن عليه حتى الاطلاع على ظروف احتجاز المشتبه بهم خلال توقيفهم لتجنب إمكانية التعذيب والإهانة والمعاملة المشينة. لم يكن عليه أن يبرر حتى دواعي الإجراءات المتخذة بما يبرر ضرورة التوقيف أو الاحتجاز الاحتياطي والتي يمكن أن تمتد لفترة أربع سنوات. التوقيف الاحترازي مسألة اعتيادية في اسبانيا وليس لها صفة الإجراء الاستثنائي. هي أشبه بإجراءات الشرطة والعقاب في حين أنها تتخذ فقط للاحتياط من منع هرب المشتبه به أو إتلاف وثائق الإدانة أو تكرار المخالفة. قواعد الاحتجاز تبقى صامتة على مدة حجز المعلومات حول التوقيف الاحتياطي وفق قرار المدعي العام الذي ليس مجبرا لتبريره.

مبدأ استقلال القضاء في جوانبه الثلاثة لم تجر مراعاته بشكل دائم. وقد حضر في جلسات الحكم العلنية قاضي كان قد اطلع علي الملف وكان موجود ضمن هيئة التحقيق عند بدء تشكيل الملف. وبذلك لم تجر مراعاة مبدأ فصل تشكيل القضاة بين تحقيق وفصل الموضوع. أيضا مبدأ الفصل بين النيابة الملاحقة وهيئة إصدار الحكم لم يحترم بحيث كان موقف القضاة غير حيادي خلال إجراءات المحاكمة في الجلسات العامة للمحكمة الوطنية. لقد سعوا قضاة الفصل على الدوام لنجدة النيابة العامة لإطلاق أحكام لم تستطع الأخيرة تثبيتها أو حتى مواجهتها. فلكي تكون المحاكمة عادلة يجب أن يكون القاضي محايد ويشكل رأيه فقط بالاستناد إلى براهين موضوعية وحجج مضادة تعتمد على النقاش والمصارحة بين المدعي العام ودفاع المدعي عليهم. هذه المحكمة اعتمدت على تجزئة الشهادات ومضمون الوثائق التي لا يمكن مبدئيا أن تقسم لاختيار ما يناسب التهم وكان عدم السماح لمحامو الدفاع بالاطلاع علي الملف وعناصر الإثبات من قبل الشرطة ثم من قبل قاضي التحقيق حتى عشية المحاكمة العلانية. بذلك شل عمل الدفاع وفصلت عناصر جزئية من مقامها واعتمد عليها كأدلة خاصة في فترة التشاور بالحكم في حين لم تتمكن الأطراف المعنية من مناقشة هذه الأجزاء التي أخرجت من مقامها وبنى الحكم عليها.

يخرج التقرير إلى أن شروط المحاكمة العادلة لم تكن متوفرة، وعناصر الاتهام كانت ركيكة وغير متماسكة، وبالتالي، فهو يعتبر الحكم جائرا ويقدم 32 توصية الي الحكومة الاسبانية ويطالب المحكمة العليا بتبني حالة تيسير علوني بنقض الحكم و يتمني ان لا تصل الدعوى إلى درجة المحكمة الدستورية الإسبانية أو إلى المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان. وإذا كان حكم إدانة تيسير علوني يحمل صفة سياسية أكثر منه حكما قضائيا على وقائع ثابتة فهو مخالف للقوانين وللدستور الاسباني وهو كذالك بالتأكيد بالنسبة للقانون الدولي المتعلق بحقوق الإنسان سواء القانون الأوربي أو القانون التي تتبناه الأمم المتحدة. 

21\1\2006

عودة