أوروبا تقف حائرة في التعامل مع الرسوم الدانماركية المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام


الصحفي منذر النمري

 تبدي الدوائر الأوروبية المسئولة ببروكسيل وبقية العواصم ارتعاشا وحيرة واضحة في التعامل مع التداعيات العربية والإسلامية لما يطلق عليها ازمة الكرتون

وفيما تجري اتصالات متعددة الاتجاهات وفي الكواليس بين أوربا والدبلوماسية العربية فان أوروبا تتخبط بين الدفاع عن مبدأ حرية التعبير والالتزام بقدسية الأديان والمعتقدات وفي مقر المفوضية الأوروبية ببروكسيل يسود مناخ من التشاؤم الفعلي من احتمالات دخول العلاقات الأورو- العربية في مواجهات تحت غطاء ديني وليس في إطار حضاري وهو ما سعت أوروبا تجنبه حتى الآن بأي ثمن.

كما أن إشكالية التعامل مع ملايين المهاجرين العرب والمسلمين في أوروبا واحتمال تأثرهم بأزمة الكرتون الدانماركية تثير هاجس المسئولين ببروكسيل.

ويتمثل الخط الرسمي الأوروبي من جهة ومحاولة امتصاص غضب الدول والحكومات والشعوب العربية والإسلامية من جهة اخرى.وتبدو هذه هذه المعادلة أكثر من صعبة بسبب الخشية من أن تنفلت إدارة الأزمة من أيدي هذه الطرف أو ذاك إذ أن الأوساط اليمينية واللوبي الإسرائيلي يتحرك بقوة لتأجيج تداعيات وتطورات الأزمة الحالية وحيث تجد الحكومات الأوروبية نفسها ضحية فعلية لما أبدته من تواطئ حتى الآن مع اللوبي الإسرائيلي وتبدو أيضا عاجزة على التصدي إليه بقوة ترضي شعوبها التي قد تطالبها بمراجعة مواقفها تجاه مثل هذه الأزمات.

أما هامش الحكومات العربية فانه يبدو أكثر من ضيق لأن بعضها وليس الشارع العربي هي التي- أي الحكومات- لجأت الى تحريك القضية قبل أن تنقلب عليها بالرغم من بداية المواقف التي كانت نسبية قوية حيث سارعت بعض العواصم العربية الى استدعاء سفرائها من كوبنهاغن في وقت قياسي كما فعلته ليبيا ثم لزمت الصمت.

ولكن عندما نتمعن في خلفيات الأزمة ومسبباتها التي تعود إلى أواخر شهر شهر أيلول- الذي أصبح شهر المشاكل- حيث دعت إحدى الصحف الدنماركية الى إجراء مناظرة في الرسم الكاريكاتوري وطلبت من المتسابقين من يرسم أحسن كرتون يسخر من رسول المسلمين ومن هنا اعتقد انطلقت الأزمة وعلى القضاء الدولي البحث البحث من وراء هذا الاستفزاز للمسلمين وعندما قدمت الرسوم وعددها كان 50 في البداية ألغت الصحيفةالمسابقة وشعرت بقدوم مشكلة كبيرة ولكن احدى الصحف الأخرى تحصلت على 12رسم منها ونشرتها دون سبق إعلام أوتوضيح القراء أنها نتائج مسابقة.

السفير المصري اهتز لما تم نشره وطالب مقبلة وزير الخارجية الذي رفض اللقاء وخلال اجتماع لوزراء الخارجية العرب بعمان تحدث عن هذه المهزلة فسارعت السعودية بالخطر واغتنم مفتي البلاد يوم الوقوف بعرفة ليعلن ذلك وانطلقت شرارة المسألة.

والمطلوب اليوم وقانونيا البحث عن من وراء هذه الضجة وتقديمه للعدالة لأنه لايمس إطلاقا بحرية التعبير والنشر لن المسالة لها خلفية كما أشرنا وقع التخطيط لها مسبقا. الموضوع إذا تطور بشكل مبدئي في إطاره الاقتصادي والدعوة إلى مقاطعة البضائع الدنماركية وهو حق شرعي لأي مواطن مهما كانت جنسيته ولذلك رفضت المفوضية الأوروبية تقديم شكوى إلى المنظمة العالمية للتجارة ضد السعودية. وتجنبت الدوائر الأوروبية المسئولة التي تحدثنا إليها في بروكسيل تحميل أية جهة مسئولة هذه الأزمة والتي يصفها البعض بالغابرة والتي ينعتها الآخرون [أنها تعبير عن واقع الحوار المفقود بين الأوروبيين وشركائهم العرب.

إذا ومن الناحية القانونية أخطأت دولة الدنمارك في رفض مدعيها العام تسجيل شكوى وقبولها ضد ناشري الكرتون المسيء إلى الرسول عليه الصلاة و السلام كما أنه ومن الناحية الدبلوماسية تتحمل الدنمارك أيضا مسؤولية تصعيد الأزمة لأن رئيس وزرائها الذي(استدعى) السفراء العرب يوم الجمعة رفض استقبالهم في وقت سابق.

بقي أن المظاهرات والاحتجاجات والمقاطعة قد تضرب حتما مصالح كوبنهاغن في العمق وهو أمر ليس بالهين لدى المسئولين الأوروبيين ببروكسيل ولكن توظيف جهات مسئولة في العالم العربي والإسلامي لأزمة كان يمكن احتوائها من البداية بذكاء وقوة عبر قنوات الحظر الاقتصادي الشعبي والسياسي وربما كان محقا الرئيس الإيراني في كلامه عندما طلب الملك السعودي عبر مكالمة هاتفية باستعمال النفط الطاقة كوسيلة رد وضغط أخرى وهو ما دفع بالأوروبيين الى التحرك وتكليف الرئيس الفرنسي الذي سيوزر السعودية بداية الشهر المقبل لإقناع الرياض بالكف عن ضغوطها في هذه المسالة وأيضا لعقد صفقات تجارية في المجال النفط والغاز لصالح أوروبا وبالتالي سيحد في نفس الوقت من ضغوطات طهران قبل القمة الأوروبية في شهر آذار وقبل اجتماع وكالة الطاقة الذرية .

سيكون بالتأكيد صعبا على الأوروبيين اليوم تبرير تعاطفهم مع منشر هذه الصور باسم حرية التعبير ورفضهم العلاقات الأورو-العربية في موقع جد محرج وكنه سيكون أيضا من الصعب على المسئولين العرب تبرير تغافلهم حتى الآن عن مواقف أوروبية لا تفوق ولا تساوي التجاوزات الدنماركية من الناحية المبدئية ولكنها تساوي عمليا أضرار الرسوم المشيمة.وبعد أقل من شهرين من اعتراف أوروبا رسميا بأن شراكتها في إطار عملية برشلونة في المنطقة قد فشلت فأن الكرتون الدنماركية ربما لا تمثل سوى جانب واحد من  التذكير بأن الحوار بين الطرفين – الأوروبي العربي الإسلامي قد أخذ ربما طريقها إلى النهاية.

بروكسيل

# أمين عام اللجنة الدولية للدفاع عن تيسير علوني

عودة