|
صور من الديمقراطية الموعودة! |
نوال السباعي /مدريد |
|
من كتابي
"الزمن الثالث"/ تحت الطبع ولم يكن الوضع بهذه البساطة من ظهور الشقاق البيّن الواضح بين إرادة هذه الشعوب وسياسات حكوماتها فحسب , بل كان مزيجا عجيبا من تحالف بعض وسائل الإعلام المكتوبة والمقروءة وبعض معاهد الإحصاء والدراسات الاجتماعية وكثير من رجالات الدول الذين غيروا وبدلوا من أقوالهم ومواقفهم إلى درجة أن المراقب صار يتعجب من عدم اكتراث هؤلاء بعودة المحققين إلى ملفات كل منهم المكتوبة والمقروءة ليجد تغييرا واضحا وخطيرا في موقفه من الحرب , أو من التعامل مع المنطقة العربية , أو وهو الأخطر من التصرفات السياسية التي سادت بعض البلدان الأوربية على هامش إعلان الحرب الأمريكية-الغربية على الإرهاب , وعلى رأس تلك البلدان دون أدنى شك اسبانية . صورة غريبة وشاذة ومثيرة للتساؤل والبحث والاستفهام , ولكن وللعجب ليس عما يجري في بلادنا من قمع للحريات وتكمميم للأفواه وزجر لكلمات الحق التي بدأت تنكمش بصورة بالغة الخطورة إلى ساحات الانترنيت الداخلية , والتي لم تسلم بدورها من أنياب الديمقراطية الغربية, تلك التي يجدّ بعض الحداثيين في التطبيل والتزمير لها مجالا ممتازا للارتزاق على حساب أمة تغلي وتشتعل من أقصاها إلى أقصاها برفض الغزاة الذين أتوها عقر دارها لامتصاص دمائها باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان. إنها هذه الديمقراطية عينها التي تضرب في كل يوم جديد مركزا من مراكز النور والحرية والتقدم والاستقلالية في البلاد العربية والإسلامية , وقد هيأت جنودا متخصصين للإجهاز على كل ساحة للرأي المناهض لها , ومهما كانت بسيطة أو صغيرة أومغمورة , فلقد تم –على سبيل المثال- ّ تدمير موقع صغير كموقع "الشروق" الإخباري الفلسطيني ثلاثة مرات خلال شهر واحد , كما تمّ تعطيل موقع "بوابة العرب " الكويتي الإماراتي , مرتين خلال أسبوعين , ولم أكن أريد أن أذكر ماالذي كان قد حل ببعض الصحف العربية التي تصدر في قطر عاصمة "الديمقراطية العربية" على هامش غزو العراق , وكانت تلك الصحيفة قد استقطبت في فترة من الزمان مجموعة من الأقلام التي تتحدث باسم الأمة منافحة عن حقوقها المغتصبة , فاضحة أوضاعها التي صار من الخيانة السكوت عليها , فتم تعيين رئيس تحرير استطاع أن يتسبب في شهر واحد كذلك في ترك نصف هؤلاء الكتاب لمواقعهم وأعمدتهم جانباً بانتظار كوّة من نور جديدة , وهو شيء لايمكن أن يُفتقد طويلاً , لان التاريخ علمنا ودائما أن الحق يجد وبإصرار وعلى الدوام من يخدمه ويموت في سبيله!. أما عن اسبانية التي أعيش فيها , إحدى دول الاتحاد الأوربي الديمقراطية الحداثية المتقدمة , فان عمليات الإرهاب الإعلامي وكبح الحريات والرأي الآخر والهيمنة التامة على إعادة تشكيل العقل والتفكير الجماعي للأمة الاسبانية , صارت من الوضوح والفضيحة بمكان لايمكن معهما لإنسان شريف أن يسكت عليها .... القنوات الفضائية السّتّ الرئيسية ومنذ استلام حزب الشعب حكم البلاد عام 99 بأغلبية عظمى , مشغولة ليلا ونهارا في برامج الجنس ونشر الدعارة والاهتمام وفقط بأخبار الساقطين والساقطات من نجوم المجتمع القذر الذي يسمى بالمخملي , ولاتكاد تجد في هذه القنوات مجتمعة برنامجا حواريا سياسيا أو ثقافيا , حتى نسي الناس أسماء المثقفين والكتاب والشعراء الاسبان الذين ازدهر وجودهم وإنتاجهم أيام الحكم الاشتراكي إلى درجة صارت فيها الثقافة في ذلك العهد هماً وطنياً وقومياً , إلا أن العهد "الأثناري- البوشي " الجديد , كما تدعوه النخبة من المفكرين وصناع الرأي من الاسبان جاء اسبانية بثقافة القمامة الإعلامية , والتي لاهدف من ورائها إلا شغل الجمهور عن القضايا السياسية الكبرى التي تحاك نهارا جهارا أمام الجميع وعلى مرأى ومسمع من الجميع. قضايا مصيرية في حياة الشعوب وعلى غاية من الخطورة , كموضوع المشاركة الاسبانية في غزو العراق , وكقضية محاسبة كل من رئيس الحكومة أثنار ووزيرة خارجيته على الكمّ الهائل من الكذب والمداهنة فيم يتعلق بهذا الموضوع بالذات , اعتقال مجموعات من الشباب العرب المقيمين في اسبانية والحاصلين على الجنسية الاسبانية والزجّ بهم في السجون دون محاكمات ولاتُهم , ومن ثم الإفراج عنهم بكفالات مادية كبيرة قيد التحقيقات , وانتظار المحاكمات المرتبطة مواعيدها وسيرها وملابساتها بسير السياسات الأمريكية في المنطقة العربية , أو بوضع الانتخابات الأمريكية في زمن معين , أو ماتتمخض عنه أعمال المخابرات الاسبانية التي تتسمع آناء الليل وأطراف النهار على أحاديث زوجات المشبوهين وكذلك المتهمين بالاشتباه بهم , ومعهم أولئك الموضوعين على لوائح الاتهام المستقبلية بالإرهاب , وأقول " أحاديث زوجاتهم" لأن المتهمون أنفسهم لم يعد لديهم أية رغبة في استعمال الهواتف بعد أن زجّ ببعضهم في السجون بسبب مزحة باللهجة السورية أو نكتة باللهجة المغربية أو سبة باللهجة المصرية التي لم يستطع مترجموا المخابرات حلّ ألغازها ولافك رموزها . أكثر من ذلك وأعجب ...لقد مرّ خبر سقوط طائرة عسكرية تابعة للقوات المسلحة الاسبانية في تركيا – مايو/مايس عام 2003 - ومقتل أكثر من ستين عسكريا اسبانيا فيها أثناء عودتهم من مهمة لحفظ السلام في أفغانستان , مرّ مرورا عجيبا وغريبا على أجهزة الإعلام المحلية الاسبانية والعالمية , ولم تسمح الدولة لأحد أن يفتح ملفا أو أن يسأل عن مسؤولية حتى أن الجثث كان قد تمّ دفنها في سرعة قياسية لاتليق بدول متقدمة تبحث عادة عن "البيضة من باضها" وبدأب وإصرار عجيبين يتدخلان حتى في القضاء والقدر لجعلهما رهنا لشركات التأمين "1". كذلك ..موضوع آخر ملفت للنظر يمتاز بقدرة كبيرة على التدليل على الوضع المُزري الذي وصلت اليه الديمقراطية في اسبانية والتي كانت قد أصبحت حليفة استراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية خلال الزمن الذي أحاط بغزو العراق , وهو تنامي الاعداد الهائلة للمهاجرين في البلاد وفي زمن قياسي ولكن من جنسيات خاصة معينة !, كمواطني دول جنوب أمريكا اللاتينية الذين يتكلمون اللغة الاسبانية ويدينون بنفس الدين السائد بين الأغلبية في البلاد ويتمتعون كما قال بعض المسؤولين الاسبان- في حينه - "بنفس الثقافة الاسبانية التي كانت قد غزت بلادهم قبل مئات السنين" , وكذلك بعض دول أوربة الشرقية والتي قالت عنهم بعض مصادر وزارة الداخلية الاسبانية في حينه "أنهم أكثر استعدادا للاندماج في المجتمع الاسباني , ويتمتعون بألوان وأشكال أوربية" – هكذا بالحرف كما نشرت الصحف الاسبانية في حينه - . تم ذلك بسبب صفقات سرية وعلنية عقدتها حكومة "أثنار" مع حكومات تلك الدول لاستيراد تلك الأعداد الكبيرة من "العبيد الجدد" التي يمكن للبلاد معهم أن تسد حاجتها من اليد العاملة الضرورية التي تفتقدها اسبانيا بسبب النقص الحاد في الولادات , في ذات الوقت الذي يمكن فيه السيطرة على عدد المهاجرين من العرب والمسلمين وضبط انتشارهم الثقافي والإنساني الطبيعي بسبب التماس الجغرافي التاريخي بين القارتين الأفريقية والأوربية . لقد أدت هذه الحركة السياسية الأثنارية المفضوحة إلى ازدياد مذهل في نسبة جرائم القتل والاتجار بالمخدرات والنساء والأطفال بهدف الدعارة , إلا أن وسائل الإعلام الاسبانية انشغلت وبقدرة قادر بالحديث وفقط عن إجرام المهاجرين المسلمين الذين أصبحوا أقلية بين بقية الجنسيات المهاجرة إلى البلاد , وكثر الحديث عن نسبة تواجدهم في السجون الاسبانية , وتهافتت في جميع القنوات التلفازية تحقيقات صحفية حول العصابات المغاربية المنظمة التي تشتغل بنشل السائحين والمواطنين في اسبانية! بينما لم يكن مواطنوا تلك الدول التي عقدت معها الحكومة الاسبانية تلك الصفقات من أمثال البيرو والاكوادور ورومانيا والتشيك وغيرها , لم يكن لهؤلاء مكان يذكرون فيه في مختلف وسائل الإعلام الاسبانية إلا بالخير والبركة والمباركة والقصص الإنسانية التي تثير شفقة المواطن الاسباني وتعاطفه معهم , بينما كانت نسبة الجريمة المنظمة بين هؤلاء المهاجرين بالذات ترتفع في اسبانية إلى درجة لم تشهد لها البلاد مثيلا في تاريخها. لكن أمر الديمقراطية في اسبانية في تلك الفترة لم يقف عند هذا الحد بل تجاوزه لينال من مصلحة المواطن وأمنه الغذائي والحياتي , فلم تدفع الحكومة – في حينه - أي ثمن سياسي بسبب تصرفات وزرائها الشائنة فيم يتعلق بغرق ناقلات نفط على شواطئ مقاطعة غاليثيا الاسبانية الشمالية في شهر نوفمبر /تشرين الثاني عام 2002 وتسرب 50000 طناّ من المواد النفطية في المياه الاسبانية الشمالية الغربية متسببة في القضاء شبه التام على البيئة في هاتيك الشواطئ , ومع البيئة اقتصاد المقاطعة وتعطل عشرات الآلاف من الصيادين المساكين عن العمل والرزق والحياة !. لعله من الجدير بالتسجيل هنا وللتاريخ أن الملك المغربي سارع إلى نجدة اسبانية بالسماح لبحارتها وصياديها بالصيد في المياه الإقليمية المغاربية وذلك على الرغم من الخلافات الواسعة والعميقة والخطيرة بين البلدين والتي كانت قد ترتبت عن سياسات حكومة "الحرب الأثنارية" في حينه , وجاءت تلك الخطوة المغاربية الكريمة بل والنبيلة في زمن كانت فيه اسبانيا في أمس الحاجة إلى تشغيل صياديها من جهة والى سدّ حاجتها من الأسماك من جهة أخرى , إلا أن يدّ الديمقراطية الاسبانية امتدت من جديد لتجعل مثل هذا الحدث مجرد خبر من الدرجة العاشرة في الصحف الاسبانية والتي لم تتحدث عنه بما يليق به لرأب الصدع بين الدوليتين المتجاورتين وبين الشعبين الجارين , بل إن الشعب الاسباني في وقت كارثة بحرية اقتصادية عاصفة لم يكن يعرف من أين كانت تأتي كل تلك الكميات الكبيرة من الحيوانات البحرية أيام أعياد الميلاد التي لحقت تلك الكارثة , خاصة وأن الأسماك والحيوانات البحرية تشكل في اسبانيا الطبق الرئيسي والأساسي على موائد الاحتفالات الدينية في رأس العام الميلادي وليلة الميلاد . قضايا كهذه تكون عادة على علاقة وثيقة بأداء الحكومة "الديمقراطية" وبقيام رئيس أية حكومة ديمقراطية بواجبه في حكم البلاد دستوريا وقانونيا , قضايا مثل هذه لم يكد يتطرق إلى ذكرها أحد في القنوات الإعلامية الاسبانية , إلا في بعض البرامج الإخبارية الصباحية التي لايكاد يتابعها إلا المختصون على درجة عالية في السياسة والصحافة والإعلام , ولم تتم معالجتها كما يجب في دولة تدّعي الديمقراطية وحقوق الإنسان . الصحف الاسبانية في عهد خوسيه ماريا أثنار" الحليف "النفسي والإعلامي" في غزو العراق , لم تعد تتمتع بالقدر اللازم من الحرية ولامن الديمقراطية المزعومة, فهي تابعة رأسا للأحزاب التي تمتلكها ناطقة باسمها , ويستحيل على المشتغل في الصحافة الذي يريد الاطلاع على مسألة ما أن يلم ّ بما يريد دون الرجوع الى ثلاثة من هذه الصحف على الأقل ليجد في كل منها رأياً مخالفاً تماماً لما تقوله الصحيفة الأخرى , وأما البرامج الإذاعية فلقد كانت في مثل حال الصحف من الابتعاد عن النزاهة في نقل الخبر وفي تحليله , وقد سمعنا أيام الإعداد لغزو العراق العجب العجاب من الكذب والتناقض بين الاذاعات الاسبانية الموالية والمناهضة للحكومة , وقد استُخدمت حرب العراق سلاحاً ماضياً في تلك المعركة الاسبانية المحلية بين اليمين واليسار الاسبانيين اللذين جانبا كلاهما الحق والنزاهة والصدق في سبيل الوصول إلى مكاسب سياسية, وخاصة الحزب الحاكم في حينه _ وهو حزب الشعب اليميني _ الذي بدا لي وكأنه لايختلف في شيء عن الأحزاب الحاكمة في بلادنا , ولولا وعد انتخابي سبق على لسان رئيس الحكومة الاسبانية بعدم الاستمرار في الحكم لأكثر من ثمانية أعوام لحَكَم " أثنار" اسبانية إلى الأبد هو وأولاده وأحفاده وصهره! , ذلك أنني لاأستبعد أن يكون صهره رئيساً للحكومة الاسبانية ذات يوم وهو الحائز على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية وأحد أبرز قيادات الحزب الحاكم وان اضطر يوم زفافه إلى الاستقالة من مناصبه هذه حسب التوصيات الدستورية !!. اسبانية في عهد الحكم "الأثناري –البوشي" انتقلت وبحركة قليلة الذكاء لتصبح دولة شبه فاشية , تستخدم حكومتها الإعلام كوسيلة ماضية للسيطرة على الجماهير التي تمّ تغييبها بشكل لم يسبق له مثيل عن الحضور في الساحات السياسية والإعلامية. الديمقراطية الاسبانية أصيبت بمقتل في عهد الحروب العادلة المنصفة الشريفة ومنها على سبيل المثال الحرب على العراق!! , , في زمن لم يعد فيه من معنى لكلمة ديمقراطية, اللهم إلا إسكات الرأي الآخر وتغييبه , واعتصام الحاكم بحماية القوّة العظمى في عالم بداية القرن الواحد والعشرين , والضرب عرض الحائط برأي الجمهور وإرادته. البرنامج الإعلامي التلفزيوني الوحيد الذي كان يبث يوميا نصف ساعة من الحوارات السياسية في ساعات الاستماع والمشاهدة القصوى -وهي ساعة تناول طعام الغداء في اسبانية - , لم يكن يمرّ عليه يوم واحد دون وجود شخصية صهيونية أو يهودية , بل أن هناك موظفين ثابتين من مدّعي الثقافة والإعلام من اليهود وبعضهم مستشار لدى السفير الإسرائيلي في مدريد , من الذين يتولون إعادة صياغة الرأي العام الاسباني ضد العرب والإسلام والمسلمين يوماً فيوماً , والذين والحق يقال هم أشدّ احتراما للعرب والإسلام والمسلمين من بعض كتّاب بعض الصحف العربية من الحداثيين المطبلين المزمرين لفرض الديمقراطية الغربية في بلادنا ولو بالدبابات الإسرائيلية أو الأمريكية !..لم يستقدم هذا البرنامج قط مثقفا عربياً واحداً للدفاع عن فكرة واحدة تخدم الحق العربي , وان كان ودائما معظم الكتاب والإعلاميين والمثقفين الأسبان الذين يحضرون الحوارات يُحسبون رغم أنف وسائل الإعلام الاسبانية من مؤيدي الحق الفلسطيني دون قيد أو شرط , وهي حالة غالبة في اسبانية لم تستطع كل القوى الصهيونية مجتمعة تغييرها. التغيرات الهائلة في طبيعة الديمقراطية الاسبانية وفهم أبعادها ودورها ووسائلها , لم تؤثر على الشرفاء حتى من الاسبان , وان كانت قد أثرت على غير الشرفاء من أبناء جلدتنا . الأصوات تتعالى في كل مكان من اسبانية لحماية الديمقراطية التي اغتُصبت من قبل مجموعات اقتصادية هائلة من خارج البلاد استطاعت شراء قنوات تلفزيونية وصحف بأكملها تدير من خلالها الرأي العام في ظل حكم الحزب الواحد بالأغلبية المطلقة التي أصبحت تساوي هاهنا حكم الفرد في البلاد العربية . لقد ظهرت أنياب الديمقراطية "2" التي تحمي نفسها بنصوص دساتير بدت عاجزة عن حماية الناس من ديكتاتورية الديمقراطيات الغربية التي لايمكن تسميتها اليوم الا بالفاشية وخاصة في كل من اسبانية وايطالية حيث صار يمكن شراء كل شيء وبيع كل شيء . المؤلم بالنسبة للمقيم منا في هذه البلاد هو أن معظم العرب المقيمين فيها إنما كانوا قد نزحوا إليها طمعاً في ديمقراطياتها هذه وقوانينها الإنسانية المعطلة الآن إلى حين , وهربا من الظلم الفاحش الذي يعيشه المواطن العربي في بلاده , هاجر إليها ليجد نفسه من جديد أمام نوع غير مسبوق من استخدامه كفأر تجارب في مختبرات المخابرات العامة التي تدّعي السهر لإعلان الحرب على الإرهاب , في زمن أصبح فيه كل عربي ومسلم متهماً بالإرهاب , هذا " البغل المجنون" الذي ركبه كل ناعق في زمن عودة العالم إلى عصور الظلام والإرهاب الفكري والإعلامي وسطوة القوة الواحدة التي سجد لها الساجدون وانبطح أمام بريق اغراآتها المنافقون والمتأمعون من شتى أمم الأرض , إلا أن مايزيد في ألم المواطن العربي المقيم في الغرب إنما هو هذا الذي مازال يجري في بلادنا من قهر واستعباد واستيطان واحتلال , أو تمثيل وتهريج وكذب وكفر وانسلاخ عن هذه الأمة ...وكل ذلك باسم الرغبة في نشر الديمقراطية . إنها اسطوانة مشروخة هذه التي تدندن بها أمريكا تارة وطابورها العاشر في أجهزة إعلامنا وصحافتنا تارة أخرى بينما يتم إغلاق كل مركز للحوار, وإخراس كل صوت مخالف , وتوجيه صاروخ إلى كل صدر يتنفس حرية وعزة وكرامة , إنها أغنية قديمة هذه التي تتحدث عن الحب في زمن الكراهية , وعن الحداثة في زمن الغزو والحرب , وعن تحرير البلاد على يدّ الغزاة في زمن امتصاص الخيرات والثروات واقتسام القصعات , وتتحدث عن الديمقراطية في زمن الأنياب المكشرة في الغرب والشرق والتي تستخدم حتى أقدس الكلمات والشعارات للقضاء على أمن العالم وقدرة الشعوب على التعايش والإخاء. ********** "1" بعد كتابة هذا الموضوع بعام ونصف , وبعد تغيير الحكومة إثر سقوط حكومة اليمين التي كان يرأسها خوسة ماريا أثنار , فتح ملف الطائرة الاسبانية تلك ويجري التحقيق فيه على قدم وساق , وقد تقدم أهالي العسكريين القتلى بطلب إنزال أقسى العقوبات الممكنة بوزير الخارجية والدفاع الاسباني في حينه والذي وقع على دفن الجثث دون التحقق من هوياتها . |