المرأة في بلد المقابر الجماعية


 نضير الخزرجي

المرأة في بلد المقابر الجماعية

ثمة نقاش حاد في العالم العربي حول انتهاكات حقوق الإنسان في العراق بين الأمس واليوم وغدا. ومن الصعب نزع العنصر الانفعالي والموقف السياسي المسبقين عن أي حوار في هذا الموضوع. وكما كنا كنشطاء حقوق إنسان نُتهم في الأمس بالدفاع عن "الصفويين والفرس" حينا والعملاء أحيانا أخرى عندما كنا نستنكر انتهاكات حقوق الإنسان في عراق صدام حسين، اليوم نتهم بالتعاون مع الإرهاب لأننا نشجب الأشكال الجديدة لهذه الانتهاكات منذ احتلال العراق.

لا يمكن تقدير انتهاكات حقوق الإنسان كميا، أو القول كما فعل رئيس الوزراء السابق إياد علاوي بأن انتهاكات حقوق الإنسان اليوم تشبه إن لم تكن تزيد عنها قبل الاحتلال. فكل نفس مكرمة، وكل قتل جريمة، ولعل من مفاخر الحضارة العربية الإسلامية أنها أقرت مبكرا بأن من قتل نفسا فكأنما قتل البشرية جمعاء. من هنا مهمتنا كمدافعين عن الكرامة الإنسانية والحقوق والحريات، أن نجعل العار أشد شينا وقبحا بنشره على الملأ، لكي يأتي اليوم، الذي تدخل فيه الجريمة الجسيمة متحف التاريخ. هذا المقال حول إحدى مظاهر انتهاكات حقوق الإنسان يعطي صورة عن حقبة لا معنى لأن تنسى دون أن يتم التأريخ لها، ودون أن نبعد عنا منطق اللا عقاب  بالمعنيين الأخلاقي والقانوني. ولعله يفتح نقاشا عقلانيا رصينا أصبح من الضرورة بمكان لضمان فكرة السلم الأهلي في العراق.

                                                           اللجنة العربية لحقوق الإنسان

 المرأة في بلد المقابر الجماعية

                                                                     نضير الخزرجي

قلما انتابني القلق والهلع عند قراءة كتاب حديث الصدور يستهويني عرضه وقراءته، مثلما حصل معي عند تناولي للكتاب الذي أصدره مقرر حقوق الإنسان في العراق وسفير السلام العالمي الدكتور صاحب الحكيم، الذي حمل عنوان (4000 امرأة في بلد المقابر الجماعية) باللغتين العربية والانجليزية، وصدر في لندن، في 930 صحيفة من القطع الكبير، فهو كتاب توثيقي لأربعة آلاف امرأة عراقية تعرضن للاعتقال والتعذيب والاغتصاب والقتل، أو تم دفنهن وهن أحياء أو تدمير المنازل على رؤوسهن، أو قتلهن بالغازات السامة كما في حلبجة، أو قتلهن بالطائرات والمدفعية الثقيلة كما في الاهوار وفي انتفاضة شعبان العام 1991، أو قتل أطفالهن أمامهن للضغط عليهن والاعتراف على أقرانهن أو على الرجال، كما في المعتقلات.

 استهلك الكتاب من المؤلف اثنتي عشر عاما، ولذلك جاء توثيقه لمنظومة المعلومات حول حال المرأة العراقية منجّما وعلى مراحل، كما جاءت فصوله الأربعة عشر متوزعة ما بين المعتقلات والسجون والمنافي والمهاجر، في زيارات عمل لولبية قام بها المؤلف لأربعة وخمسين بلدا، حمل معه وزوجته الفاضلة الناشطة في مجال حقوق الإنسان الدكتورة بيان الاعرجي، هموم العراقيين يرميها على مسامع رجال القانون والسياسية ومنظمات حقوق الإنسان والمحافل الحقوقية الدولية والمراجع الدينية.

 ولم يكتف المؤلف بالزيارات المكوكية الحبلى بملفات ومعاناة العراقيين والتي توجت بنيله وسام السلام من قبل زعيم الفاتيكان السابق البابا يوحنا بولس السادس، وبمنحه وسام سفير السلام من قبل الاتحاد الدولي للجمعيات الدينية، فقد تبنى مشروع الاعتصام الأسبوعي بالضد من نظام صدام في ساحة الطرف الاغر وسط لندن من عصر كل سبت، وتوقف الاعتصام بعد سقوط النظام مباشرة بعد أن مضى عليه 333 أسبوعا، في بادرة لم يسبق إليها عراقي فاقت في مدياتها الانسانية عمل جل المعارضة العراقية.

وكلما انتهيت من قراءة قصة مروعة عن حال امرأة عراقية، تحولت إلى أخرى، وكل قصة تجرني إلى ثالثة ورابعة طواعية دون استئذان، لأنها تحكي معاناة الأسرة العراقية، وتذكرني بمعاناة شقيقتي عندما اعتقلوها بعد أن زغت من بين أعين رجال الأمن في العام 1980 مجتازا الدور الخلفية لحينا، وبمعاناة والدتي التي سكن رجال الأمن المنزل معها لأيام عدة تطبخ لهم الطعام رغما عن انفها، ولها ابن هارب وابن وابنة في المعتقل يزايد عليهما رجال النظام مقابل تسليم نفسي لدائرة الأمن، ويذكرني بالصوت الجنائزي الذي سمعته عندما أدخلوني لأول مرة مديرة الأمن في محافظة كربلاء في العام 1979، إذ كان أنين امرأة وهي تحت التعذيب يتناهى إلى سمعي، ويقطع نياط قلبي.

وما يميز القصص الكثيرة الواردة في الكتاب أنها موثقة من مصادر عدة وعلى فترات زمنية مختلفة، مثلما هي قصة الشهيدة العلوية والأديبة، الآنسة آمنة السيد حيدر الصدر (بنت الهدى)، التي اعتمد في توثيق إعدامها على شهادات عدة منها شهادة السيدة خالدة عبد القهار، أمينة سر مكتب صدام حسين الخاص، التي هربت إلى إيران في منتصف الثمانينيات عبر الحدود العراقية الإيرانية (ص497). والشيء نفسه فعله مع الطالبة الجامعية الشهيدة ميسون غازي الأسدي (ص251) التي أمعن رجال النظام في تعذيبها ثم إعدامها ثم قيامهم في حرب نفسية لأسرتها بعد تسليم جثتها إن علقوا صورة صدام حسين في غرفة جلوس العائلة في مدينة الكاظمية ومن ثم دأبوا على طرق الباب على حين غرة بين فترة وأخرى لمعاينة الصورة، ما إذا كانت لا زالت في مكانها أم لا! ونقرأ مثل هذه الميزة في قصة الشهيدة نزيهة بنت شيخ الخطباء في العراق الشيخ محمد علي اليعقوبي، التي قتلت ذبحا بالسكين تاركة وراءها ثلاث أولاد وبنتين (ص286).

 يلتقط المؤلف مقرر حقوق الإنسان في العراق، كل صغيرة وشاردة وواردة، يقيدها ويوثقها بقلم الخبير وبعين البصيرة والباصرة، لان ما يراه البعض صغيرا يراه المؤلف في عرف حقوق الإنسان كبيرا، ولذلك ترى في أكثر ما يوثقه من قصص النساء المعذبات جزئيات لها مصداقية وذات أهمية كبرى عند منظمات حقوق الإنسان، مثلما هي قصة الدكتورة سعاد خيري (ص147) وقصة الفنانة ناهدة الرماح (215)، وشهادة المؤلف نفسه الذي أودع السجن في العام 1969، حيث سمع أنين ونحيب النساء المعتقلات (ص648)، وشهادة السيدة الفلسطينية ليلى محمود الطاهر التي شهدت في مؤتمر حول حقوق المرأة عقد في القاهرة في كانون الثاني/يناير العام 1993: "إني لم اسمع ولم اقرأ ولم أتعرف على وضع أكثر مأساوية من أوضاع المرأة في العراق" مؤكدة أنها رأت بنفسها عند تواجدها في العراق بين عامي 1985 و1992، مقتل طالبة من كلية الآداب في بغداد على باب الكلية، حينما امتنعت عن الصعود في سيارة احد ضباط الجيش، وقاومته بضراوة بما تمليه عليها كرامتها، فما كان منه إلا أن اخرج مسدسه وقتلها برصاصات عدة ثم مضى وتركها تتخبط بدمها (ص244).

 واعتمد المؤلف في توثيقه إلى جانب الشهادات الميدانية في الاهوار ومخيمات اللجوء والوثائق الرسمية العراقية، وضحايا حلبجة، على الكثير من الكتب والتقارير لمؤلفين غير عراقيين، مثل كتاب (يوميات بغداد) للكاتبة المصرية صافيناز كاظم التي روت جوانب عدة من معاناة المرأة العراقية في ظل حكم صدام حسين، وكتاب (سجينة في بغداد) للممرضة الانجليزية دفني باريش، التي التقاها المؤلف في لندن في العام 1994، وقد قضت حوالي ستة أشهر نزيلة معتقل تابع للمخابرات العراقية في العام 1990، وقد روت قصصا مروعة عن اغتصاب نساء عراقيات في المعتقلات، وبمثل كتب (التقرير الدولي عن حقوق الإنسان في العراق) و(إبادة الجنس في العراق عمليات الأنفال ضد الأكراد) و(التقرير الدولي عن حقوق الإنسان في العراق) الصادرة كلها عن منظمة مراقبة الشرق الأوسط الحقوقية ومقرها نيويورك، وكتاب (العراق: الأطفال ضحايا أبرياء للقمع السياسي) الصادر عن منظمة العفو الدولية، فضلا عن العشرات من الكتب التي ألفها عراقيون كانوا شهودا على معاناة المرأة في العراق، من قبيل (فندق السعادة .. حكايات من عراق صدام حسين) للمؤرخ الدكتور جليل العطية، و(مشكلة الحكم في العراق) للوزير الأسبق عبد الكريم الأزري، و(سنوات الجمر) للباحث علي المؤمن، و(صفحات سوداء من بعث العراق) لعبد الحميد العباسي، و(أوراق مهربة) لسليم العراقي، و(أزمة العراق رواية من الداخل) للسيد حسين بركة الشامي الذي اعدم النظام زوجته وخمسة من إخوته، و(التحرك الإسلامي في العراق) للسيد محمد مهدي الحكيم الذي اغتيل في الخرطوم في العام 1988، و(كتاب القسوة) لعامر بدر حسون، وغيرها من الكتب والملفات التي تحدثت عن معاناة وعذابات المرأة العراقية من قريب أو بعيد.

 وتميز الكتاب بان المؤلف لم يقتصر في توثيقه على فئة معينة من نساء العراق، كما في معظم الكتب التي صدرت من قبل المعارضة العراقية في عهد النظام السابق، فقد وثق للعراقية العربية والكردية والتركمانية والمسلمة والمسيحية والمندائية والآشورية، وتوزعت قصصه على كل محافظات العراق، وتنقل من العراق إلى معسكرات التسفير في إيران ومعسكر الهجرة القسرية إلى رفحاء في السعودية، والى المهاجر في سوريا والأردن وأوروبا واستراليا وأميركا وكل بقعة حط عراقي عليها رحال الهجرة، يتقصى معاناة النساء العراقيات.

 وسبق للمؤلف أن اصدر مؤلفات أخرى قائمة على النسق نفسه من التوثيق ونظم المعلومات لعذابات الرجال وعذابات الطفل وعذابات علماء الدين في العراق، وعن ضحايا انتفاضة الشعب العراقي في العام 1991، والمؤلف في اعتقادي بما أصدره من كتب وملازم وتقارير خلال سني حكم نظام صدام حسين، وبما يمتلك من وثائق منشورة وغير منشورة، وبما أقامه من علاقات طيبة مع المنظمات الدولية لحقوق الإنسان الحكومية وغير الحكومية، يشكل موسوعة كبيرة وبلا حدود عن حقوق الإنسان في العراق.

 شهادة: في روايته لمعاناة الشهيدة آمنة الصدر، نقل الدكتور صاحب الحكيم عن السيدة خالدة عبد القهار سكرتيرة صدام الخاصة، انه حينما جيء بالسيدة بنت الهدى إلى صدام حسين رددت أمامه آية قرآنية، وقد أخبرتني المتحدثة بنفسها بعد هروبها من العراق، في لقاء صحافي أجريته معها لصالح مجلة الشهيد في طهران بحضور الزميل الأستاذ ازهر الخفاجي مدير إذاعة صوت العراق التي تبث اليوم من بغداد، إن العلوية آمنة الصدر جيء بها في حالة رثة ومزرية وكانت تردد (حسبي الله ونعم الوكيل)، وإنها قتلت في المكان نفسه.

 واعتقد إن السيدة خالدة عبد القهار التي تركت إيران إلى احد الدول الاسكندينافية وألّفت كتاب (خفايا النظام العراقي)، تقع عليها مسؤولية الشهادة في قصة إعدام السيدة آمنة الصدر وفي غيرها من المظالم التي رأتها وهي قريبة من صدام بحكم عملها، على أنها كما أخبرتنا كانت في حينها على علاقة طيبة بنائب الرئيس العراقي المخلوع، عزة الدوري وعائلته.

 اقتراح: أورد المؤلف في الصفحة (386) اسم الزميل نضير تقي عابدين من ضمن المعدومين في العام 1982، وهو في معرض الحديث عن إعدام شقيقتي السياسي العراقي الأستاذ رضا جواد تقي، وتعذيب والدتهم، وقد شاهدت اسمه في سجل مديرية تربية كربلاء مقيدا قبل اسمي لامتحانات البكالوريا للعام الدراسي 1979-1980، وذلك خلال زيارتي للعراق في شهر أيار – مايو العام الجاري 2005، ورأيت أسماء شهداء آخرين مثل الشهيد ياس خضر بن ذرب الذي شاركني في زنزانة واحدة وكان يعذب معي في قضية واحدة إلى جانب طالب آخر من صفوف الرابع الإعدادي.

 وهنا اقترح على وزارتي التربية والتعليم العالي، أن تقيما شواهد تذكارية لشهداء كل جامعة وإعدادية ومتوسطة وابتدائية من أساتذة أو طلبة، حتى يتعرف الأساتذة والطلبة الجدد على من سبقهم من ضحايا النظام البائد، وحتى لا تتكرر المعاناة من جديد في نظام عهد ما بعد التاسع من ابريل/ نيسان العام 2003، والأنظمة القادمة.

الرأي الآخر للدراسات – لندن

 alrayalakhar@yahoo.co.uk

اللجنة العربية لحقوق الإنسان

C.A. DROITS HUMAINS -5 Rue Gambetta - 92240 Malakoff - France

Phone: (33-1) 4092-1588  * Fax:  (33-1) 4654-1913  *

Email:  achr@noos.fr   www.achr.nu

عودة