|
المخاطر التي تهدد الصحفي .....الزميل تيسير علوني... نموذجا |
|
*منذر النمري |
|
في البداية أريد أن أشير إلى عدة نقاط أهمها أنني أعرف الزميل تيسير علوني منذ سنة 2001 وبالتحديد خلال الحرب على أفغانستان حيث كنت أغطيها من جهتي لقناة عربية ثم شاذ القدر أن نلتقي أيضا في ميدان الحرب بالعراق وها أنا اليوم مسؤول عن اللجنة الدولية للدفاع عنه وهو يقبع بسجن مدريد باسبانيا اثر حكم صدر بشأنه لسجنه لسبع سنوات.... سألتني ابنتي مرة أي الأسلحة أخطرها؟ صمت لحظات أفكر وقلت قد تكون الحقيقة هي أقوى سلاح يمكن أن يجابه به الإنسان فقالت أريد أن أكون صحفية مثلك فقلت لها دون تردد لكنها مهنة الأتعاب والمصاعب والمخاطر.فقالت ولكنك تمتهنها وانك لاتزال على قيد الحياة قلت هو قدري ولا أتصور نفسي أن أقوم بمهمة غيرها قبل أن تشن الحرب على العراق اتصل بي أحد الصحفيين من القناة الأولى الفرنسية ليدعوني في تربص بجنوب فرنسا مع مجموعة من الصحفيين من أنحاء العالم وبرعاية الجيش الفرنسي لنتعلم كيفية الخروج أو النجاة من مخاطر الحروب خلال عملنا وللأسف ولأسباب مادية لم أتمكن من ذلك وبعد أسبوعين اتصل بي باتريك ليخبرني عن سفره للكويت ضمن التربص في إطار التكوين العملي ولكن شاء القدر أيضا أن يموت الصديق والزميل باتريك بورا عندما داسته مدرعة حربية أمريكية خلال التمارين وهو يحاول إنقاذ زميله المصور الذي لم يرى الدبابة من الخلف... وتوفي باتريك الذي أعتبره شهيد حرب قبل أن تبدأ الحرب بأسابيع الخبر نزل علي نزول الصاعقة ووجدت نفسي أمام أوراقي أكتب مقالا أنعى فيه الزميل وهو مراسل حرب محترف. أعود لقضية تيسير التي أعتبرها نموذجا من بين النماذج التي يمكن اعتماده عندما نريد أن نتحدث عن المخاطر التي تحول دون العمل الصحفي عندما أطرح هذا الموضوع مع زملاء لي والمهتمين بقطاع الإعلام نحد المخاطر التي تعترضنا كالتي تخص المناطق الساخنة أو الحروب أو التي تتعلق بتحقيقات حول عصابات عالمية للمخدرات أو الأسلحة والتي تصل إلى التصفية الجسدية وهي ندركها جيدا ونقبل عليه عندما نتولى عملنا واقول في فرارة نفسي ولغيري إن لم أفعل ذلك فسيفعله غيري والتاريخ يسجل حتما ذلك ولكن عنما تتعلق هذه المخاطر بأشخاصنا ونصبح طرفا مقصودا من قبل أجهزة دولية ما عسكرية كانت أو استخباراتي فان هذا يغير كل المفاهيم التي نعرفها ونجحدها عندما نتحدث عن المخاطر التي يعترضها الصحفي وهذا تطور خطير وجديد في تحديد مفهوم دور الصحفي اليوم واكتفي هنا إلى الإشارة إلى عدة أحداث عشتها في كل من أفغانستان والعراق دخلت أفغانستان بعد أسبوع من بداية الحرب وكنت ألتقي تيسير مرة في اليوم نتبادل فيه الأخبار ونحاول تحليل الوضع كما نراه وكانت ليلة سقوط كابل يوم 12 -11 -2001 وأتذكر أنني قمت بتحقيق ميداني بأهم جبهات القتال لحركة طالبان وخلال عودتي توقفت أكثر من 20 مرة بسبب الحواجز الأمنية وعند وصولي الفندق اتصلت بتيسير فأشار علي بالمغادرة وبعد نصف الساعة اتصل بي ثانية لينصحني بالبقاء حتى الصباح ولكنني لم أطمئن لأنني لاحظت ترددا في كلامه وحاولت الاتصال به عدة مرات ولكن دون جدوى حينها صعدت رفقة زملاء على سطح الفندق ورأينا خروج المئات مت جنود طالبان لنشهد سقوط كابل.... وفي الصباح الباكر خرجنا رفقة زملاء ورحت للمقر مكتب الجزيرة فوجدته مدمرا بالكامل ولكنني كنت أدرك أن تيسير غادره في الليل... الطائرات الأمريكية دمرت كل المنزل ثم للتنويه دمرت جزءا من مكتب لببسي ومنزل حاكم كابل وهذه أول محاولة يتعرض لها تيسير ومن وراءه الجزيرة التي يمثلها وهي كانت مدرجة ضمن المخططات الأمريكية العسكرية – وقد أكد لي هذا الكلام أولا صحفي أمريكي في القاعدة العسكرية ألأمريكية بمطار دوشنبي اثر سجني هناك بعد هروبي من أفغانستان ثم أكده لي وزير الخارجية الأغاني الحالي عندما دخل كابل بعد سقوطها وأول ما سألني هو = أين تيسير علوني؟ كل المؤشرات تدل أن تيسير كان مستهدفا من قبل القوات الأمريكية ومن وراءه بالطبع قناة الجزيرة. فواشنطن كانت تدرك جيدا أن حربها على أفغانستان لن تكون مكلفة وأنها في اتجاه واحد لأنه لا يوجد هناك ما يدمر فروسيا لم تترك شيئا خللا ربع قرن من الحروب ولكن تواجد الجزيرة هناك كان يشكل شوكة حادة في وجه بوش وهي التي ما فتئت بنشر وطرح زيغ و أكاذيب واشنطن حول ما أسمته حربها على الإرهاب. بعد الحرب ولأنني كنت متيقنا من رغبة تيسير في العودة إلى أفغانستان اتصلت بأحد زملائه وأعلمته بما حدث حتى يتراجع تيسير في موقفه لأن الخطر الآن من نوع آخر تيسير أصبح الصوت الذي ينبغي إسكاته بأي ثمن كان والى الأبد. بعد سنتين من الحرب على أفغانستان كانت الحرب على العراق ويشيء القدر مرة أخرى أن نلتقي هناك وكان ينتابني شعور غريب كلما جلست مع تيسير نتبادل الحديث ثم جاء الشهيد طارق أيوب رحمه الله الذي لم يمكث كثيرا وكأنه أتى للشهادة فهو كان قليل الحديث كثير الإنصات وهنا أذكر تلك الليلة كنا ببهو\ فندق فلسطين وعند منتصف الليل دعاني تيسير لمرافقته إلى مكتب الجزيرة فاعتذرت بسبب العمل وجلست رفقة الزميل ماجد لم يبدأ القصف ككل ليلة بعد منتصف الليل ولكن قبل الفجر وفي حدود الخامسة – كنت على المباشر إذ بأحد الزملاء يمدني بورقة كتب فيها مقتل الزميل طارق وقصف مكتب الجزيرة أعلنت الخبر وقلت أن ذلك يفكرني بحادثة في كابل وبعد ساعات أتى تيسير وشرح لي ما جرى؟ أهي الصدفة مرة أخرى أم خطأ عسكري أم ماذا؟ لقد حللت الموقف مع الزميل المخضرم بيتر أرنت الذي أكد لي أنه ليس بالصدفة ولا الخطأ العسكري. لم أرد القول لتيسير أنه من بين الأهداف الأمريكية فالإطار لم يكن مناسبا لذلك ولكن بسرعة فائقة يتككر المشهد وهذه المرة بفندق فلسطين كنت على الهوى في ذلك الصباح وكان الزميل والأخ ماهر عبد الله – رحمه الله- أيضا على المباشر من حديقة الفندق وفجأة سمعنا صوتا في غاية من القوة حتى الاتجت الأرض من تحت أقدامنا ورفعت رأسي لأرى آثار قصف بالغرف 15و16 و17 وقلت ان مكتبنا قصف ولكنني تذكرت أن تيسير كان بالطابق 16 عند زملاءه الأسبان وشهادت تيسير ينزل مع مجموعة حاملين جسدا فطلبت تعويضي ورحت معهم لأرى بعيني موت زميل اسباني من جراء القصف الأمريكي للفندق...... هذا أيضا من سبيل الصدفة بل الأخطر من ذلك أن القوات الأمريكية استمرت في قصفها ولولا حفظ الله لدمر الفندق حيث سقط صاروخ آخر من النوع الثقيل خلف الفندق الأمريكيون يدركون جيدا أن كل الصحفيين يسكنون الفندق؟ قرار القصف أتى لإسكاتنا وليس من قبيل الصدفة كما جاء في إحدى الروايات الأمريكية بل إن مسئولا بالبنتغون قال إن الرد جاء بعد التأكد من وجود قناصة بالفندق؟ بينما الحقيقة جاءت على أحد الجنود الذي كان داخل الدبابة التي وجهت القذيفة تجاه الفندق وعندما سأل هل كانت لديهم معلومات بتواجد تيسير هناك؟ سكت وحني رأسه هل لهذا الحد أصبح تيسير يشكل الخطر الأكبر على واشنطن؟ أريد هنا فتح فوصين للحديث قليلا عن الزميل تيسير أثناء الحرب على العراق أصيب تيسيربآلام حادة في قلبه حتى فقدان الوعي واضطر الزملاء بنقله إلى أحد الأطباء المختصين في جراحة القلب بعد رفضه مغادرة بغداد ونقله إلى أوروبا أختصر الحديث أجريت له عملية في تلك الظروف تحت القصف وعدم وجود الكهرباء وكللت بالنجاح وباشر تيسير عمله بعد ساعات فقط فأي خطر هذا بعد خطر الصواريخ والقنابل؟ أعتقد أن الخطر الذي يتأتى من المؤسسات التي تقف أمام الإعلام الحر مثل الذي تقدمه الجزيرة اليوم هو أكبر بكثير من مخاطر الحروب والمناطق المسماة بالساخنة وعلينا اليوم تلقي دورات تدريبية لحمايتنا من هذه الآفة الجديدة؟ هل بإمكاننا اعتبار قضية تيسير علوني ومحاكمته من أجل إجراء سبق صحفي وهو ما جاء في نص الحكم كنموذج يمكن اعتماده في تقييمنا للمخاطر التي تؤول دون مهنتنا هذه ؟ أعتقد أن تيسير ليست الحالة الوحيدة ولكنها فريدة من نوعها في تاريخ الإعلام العربي وان الحكم الصادر بشأنه يعد بدوره الخطر الأكبر الذي يعترض أي عمل صحفي صحيح أن الحكم هو بالسياسي ولذلك قال تيسير في رسالته الأولى بعد صدور الحكم انه يحتقر هذا الحكم لأنه سياسي ويحتقر معه كل القوانين والمحاكم الاستثنائية في كل مكان فتيسير رفض وبكل بساطة أن يكون من الذين ينطبق القول عليهم – الساكت عن الظلم او الحقيقة متواطئ أخرس...... في النهاية أقول إن الخطر الذي يداهمنا اليوم في عملنا الصحفي أصبح مخاطر كثيرة تهددنا أينما كنا ومحكوم علينا مسبقا بالسكوت أو دفع ضريبة الكلام كما تلقاها تيسير وسامي وغيره والقائمة طويلة ولكننا لن نسكت مهما كان الثمن وقضية تيسير علوني هي قضية كل الإعلام العربي الحر وهي قضية قناة الجزيرة ليس إلا........ انتهى..... *منذر النمري – الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن تيسير علوني |