فاطمة الزهراء.. اذرفي دموعك الآن!!


مخلص برزق[1]

 أخيراً، وبعد طول انتظار جاء الخبر العاجل من مدريد أن القضاء الإسباني أوعز بالإفراج الجزئي عن تيسير علوني مع إبقائه تحت الإقامة الجبرية في منزله بغرناطة.. منّا من كبّر، ومنّا من خرّ ساجداً شكراً لله، ومنّا من اغرورقت مآقيه بالدموع فرحاً وابتهاجاً.. إنه إذاً انتصار على طريق الحرية –بإذن الله- لا يحققه علوني وحده، فمعه ملايين الأنصار والمحبين الذين تحولت قضية تيسير علوني بالنسبة لهم إلى قضية إنسانية كبرى تبذل في سبيلها كل الجهود، وينبذ لأجلها التواني والقعود..

هنيئاً لك أيها الفارس المقدام، فشتاء مدريد القاسي سينقشع بلا عودة دون أن يحني هامتك، أو يفت من عزيمتك.. وغرناطة التي انتظرتك طويلاً، ستستقبلك بأجمل العطور، وتتفتح في أشجارها البراعم والزهور، وتشدو لمقدمك البلابل والطيور، فأنت ربيعها الآتي مع الربيع، وأنت سليل بُناتها الذين شيّدوا دورها وجسورها والقصور، وبقيت آثارهم قبلة للسائحين، ومعلماً حضارياً لا يندرس على مرّ السنين..

مع عودتك المظفرة لبيتك، سيلتئم شمل أسرة رائعة سُلب من أفرادها دفء الأب الحاني، والزوج المتفاني، والمراسل الجسور الذي لم يرهبه فحيح الأفاعي الصادر عن دوائر القرار الأميركي وحلفائهم في القضاء الإسباني.

ستعود لزوجك وأولادك من جديد كما وعدتهم من قبل حين تركتهم وذهبت إلى كابول، وأنجاك الله من صواريخ بوش –الغبية- بعد أن قدّمت للأمة أغلى وأعظم هدية.

وعندما انتدبتك "الجزيرة" لكشف ما يرتكبه الأوغاد من جرائم بحق البلاد والعباد زمن استباحة بغداد، خشينا من استهدافك مجدداً وألا تنجوا –كما السندباد- فحماك علام الغيوب، وفداك الشهيد طارق أيوب.. وعدت مجدداً لتحضنك كلّ القلوب.

ولمّا قامت السلطات الإسبانية باعتقالك عام 2003 أعلن قلبك الرقيق تضامنه معك بالاحتجاج على القرار الجائر باحتجازك ظلماً وعدواناً، فاضطرب وتململ، ورفض إبقاءك خلف القضبان، ما أرغم القضاء الإسباني على الرضوخ لمطالب قلبك الكبير والإفراج عنك لتعود من جديد إلى بيتك، ويبوء القاضي "غارسون" بخزيه وخيبته.

وإلى أن تنعم أسرتك بلقائك مجدداً لا بد من توجيه التحية لزوجك الوفية الصابرة المصابرة التي وقفت إلى جانبك بكل أحاسيسها ومشاعرها، وحركت العواطف والقلوب لأجلك. كل ذلك وهي –ومع قبضها على الجمر- ترفض أن تبدي أي ضعف أو استكانة إزاء ما جرى لك، حتى أن مجرد دمعة كادت أن تسقط من عينها أمام كاميرا الجزيرة أعادتها معلقة بحزم : "لقد أقسمت ألا أذرف دمعة واحدة طالما أن زوجي تيسير في السجن".

لم تدر أختنا فاطمة الزهراء أن تلك اللقطة الثمينة داخل تقرير الجزيرة ألهبت مشاعرنا جميعاً وحرّكت في نفوسنا ما لم يكن بمقدور مئات التقارير فعله، فسالت مآقينا بالدموع غزيرة حرّى عوضاً عنها حينئذ، لنقول لها إن دورها قد جاء الآن لتلقي برأسها على كتف زوجها الحر الطليق، وتعطي لعينيها الإذن بالهطول في زمن نأمل أن تنقضي معه مواسم الجدب!!

 [1] كاتب فلسطيني – عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.

عودة