|
المجتمع والإصـلاح الدستوري |
|
الأسـتـاذ الدكـتـور مـتـروك الفـالـح أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية جامعة الملك سعود والقيادي في اللجنة العربية لحقوق الإنسان |
|
المجتمع والإصلاح الدستوري قدمنا, منذ أشهر الحديث عن قوى ومتغيرات مستقبل الإصلاح عموماً والاصلاح الدستوري خصوصاً، وقلنا إن المجتمع وموقفه من الإصلاح داعماً أو مناهضاً أو لا مبالياً، إحدى تلك القوى التي قد يكون لها دورفي حسم مستقبل الإصلاح. وعند الحديث عن المجتمع, أو أي قضية عامة, تدور اشكالية منهجية تتعلق بالعناصر ذات العلاقة؛ فمثلاً في المجتمع هناك فئات ونخب وشرائح وطبقات ومجموعات وطوائف ومذاهب ومناطق كلها متصلة بالمسألة الإجتماعية، وداخل تلك المجموعات هناك تفريعات؛ فمثلاً الحديث عن النخب هناك النخب المثقفة، والنخب التجارية الاقتصادية، والنخب البيروقراطية، وهذه قد تتصل بمسألة الطبقات فالطبقة الوسطى مثلاً ومن زاوية أخرى إذا نظرنا إلى الأمر من منظور الرأي العام وأنواعه تجاه القضايا العامة فنحن أمام عدة أنواع منها، لدينا الرأي العام الشامل والساحق، والدائم، والجزئي والأغلبية والأقلية، والمسيطر والمستنير ... الخ, هذا فضلاً عن صعوبات في معرفة قياسها وغياب أو عدم توفر أو منع أدوات القياس في مجتمع ودولة مثل بلداننا العربيه ومنها السعودية ومع ذلك فإن هذه الاخيره أيضاً والاولى تلك عناصر متداخلة في نفس الوقت وهذه وتلك أيضاً من الإشكاليات المنهجية. ولتجاوز الإشكالية، يمكن التركيز على ما نعتبره الجزء الهام في موضوعنا، ألا هو ملاحظة البعد الشعبي وبصلة بالبعد الديني الاسلامي في موضوع الإصلاح الدستوري والموقف منه. فهل هناك التفاف شعبي عام حول المطالب الإصلاحية وبالذات الدستورية منها, أم لا؟ وإذا كان لا، فلماذا؟، وما هي العوامل والمتغيرات التي تفسر ذلك؟ ثم ما هي الطرق والوسائل والاستراتيجية السليمه المشروعه لتوليد التفاف شعبي أو" رأي عام " على الأقل أغلبية بما يعني أكثر من 50% من المجتمع، يساند المطالب الإصلاحية وبالذات الإصلاح الدستوري. قبل الدخول في معالجة موضوع الالتفاف الشعبي حول المطالب الاصلاحية الدستورية من عدمها، فإن نظرة سريعة إلى بعض القوى الاجتماعية وبالذات من زاوية النخب تبدو مفيدة للموضوع, سواء تعلق الأمر بمدى أهميتها واهتمامها بالمطالب الاصلاحية ومنها الدستورية, و تعلق الأمر إلى المقارنة مع الأهمية والاهتمام الشعبي بالموضوع. بدون الدخول في التفصيلات النظرية والمنهجية في موضوع النخب، فإن علينا القول إنه في سياق النخب المهنية فيما يتعلق بمستقبل الإصلاح الدستوري منه خاصة. فإننا يمكن أن نقول إن تلك النخب هي 1.النخبة المثقفة. 2. النخبة الاقتصادية. 3. النخبة البيروقراطية " الوظيفية " بشقيها المدني والعسكري. وفي سياق تلك النخب الثلاث اجمالاً، رغم الفروقات بينها، يمكن القول إن موقعها من الإصلاح والإصلاح الدستوري ينقسم إلى ثلاثة فئات: 1. أغلبية صامتة: بمعنى أنها ترغب ولا تعارض الإصلاح ولكنها لا تتكلم كثيراً عنه، فإذا أتى فإنها ترحب به وإذا لم يأت فإنها منشغلة في قضاياها. فمثلاً، إذا اخذنا من الطبقة المثقفة الصامتة الأعداد غير القليلة, أو الأغلبية الصامتة من الأكاديميين والأساتذة في الجامعات والمؤسسات العلمية السعودية، فإنك تجدها منشغلة بالشئون الحياتية, من بناء منزل أو فلة ولا مانع أن تضاهي الآخرين لمقتضيات المجاملة في النواحي الإجتماعية وكذلك الإهتمام بالترقي الوظيفي وأيضاً بالسفر، ولا تنسى إقتناء سيارة فاخرة. 2. أقلية مؤيدة: وهذه لديها الرغبة في تحقيق تلك الإصلاحات وعادة ما يكون رغبتها مقرونة مترجمة في اطار الاقوال والأحاديث والكتابات الصحفية والمقالات، لذلك تجد عينات منها في الصحف المحلية عندما تتاح لها الفرصة في التعبير عن آراءها. وهــذا التأييد في الغالب تأييد (نوايا) مصرح به لفظياً أو كتابة. 3. أقلية مناهضة للإصلاح: وهي مجموعة في كل من تلك النخب الثلاث، تكون أكثر تداخلاً مع وصلة بالسلطة، ولعل بعض كتاب الاعمدة والمقالات الصحفية وكذلك بيروقراطي الدولة من المستويات العليا من مدنيين أو عسكريين، من أقرب من يمثلون تلك الأقلية المناهضة للإصلاح عموماً والاصلاح الدستوري خصوصاً. طالما الاصلاحات تعني المحاسبة والرقابة والمسائلة وانهاء الدور والنظام الأبوي فإن مصالح تلك الفئة المناهضة معرض للزوال. ويندرج في هذه المجموعة أيضاً مشايخ وفقهاء السلطان ومثقفوا السلطة الدينية والذين هم في الغالب من المعارضين لتلك الإصلاحات عموماً والدستورية خصوصاً، وذلك لما يرونه تهديداً لنفوذهم ومصالحهم في تحالفاتهم مع السلطة والنخبة الحاكمة، رغم إن الإصلاح الدستوري بما يستهدفه من فصل السلطات وتعزيز السلطة القضائية وإستقلالها تجاه تدخلات السلطة التنفيذية، يعتبر نصراً للقضاء في الحقيقة, غير إن طغيان المصالح والنفوذ وعدم و جود ثقافة سياسية حقوقية مدنية لدى كثير منهم لربما وراء تشكل نظرتهم العدائية للمطالب الإصلاحية في كافة اشكالها. ورغم التمايز في كل من النخب الثلاث وأيضاً في المواقف المشار إليها أعلاه في كل منها إلا أن ما يجمع بين تلك النخب عموماً هو عدة عناصر، وأهمها: 1. إنها كلها تقريباً تنتمي إلى ما يسمى أو تدعى " بالطبقة الوسطى ". إن الطبقة الوسطى، مع ذلك، ليست كلاً واحداً فهي ذات تراتب ايضاً، فهناك الشرائح العليا في الطبقة الوسطى ثم هناك الدنيا وما بينهما. 2. في الغالب على تلك النخب, بعض النظر عن تمايزها الذاتي، إنها كلها تنزع إلى عدم دفع الثمن؛ أي إلى عدم اتخاذ مواقف تتطلب دفع الثمن وخاصة الذين يرغبون في الإصلاح صامتين أو متكلمين. 3. إن النزوع إلى عدم اتخاذ مواقف صريحة وواضحة وعملية من" الإصلاح والإصلاح الدستوري "، كما ورد في الفقرة (2)، هو أن كل تلك النخب تعتمد على الحكومة في كسبها ورزقها. ورغم ان النخبة الاقتصادية (التجارية والمالية ... الخ ), وكذلك الشرائح العليا من كبار موظفي بروقراطية الدولة , وكذلك العسكريين من الرتب الكبيرة، أكثر التصاقاً بالدولة وتداخلاً معها من حيث تقاطع المصالح الاقتصادية أو المعاشية وبالذات النخبة الاقتصادية , حيث تعتمد في أعمالها ونشاطاتها على الإنفاق والمشاريع والمقاولات الحكومية. بموازه ذلك, فإن الطبقة المثقفة أيضا تعتمد على الحكومة, لذلك فإن تقاطعات المصالح سواء المادية أو الوظيفية أو التحالفات مع السلطة تبدو بارزة عند كل تلك الفئات أو أغلبها على الأقل. 4. غياب التجربة في الحياة المدنية أو النضالية وسيطرة الخوف، رغم قدر كبير من المعرفة، يمثل العنصر المشترك الآخر بين تلك الفئات أو النخب المجتمعية. ولعل من المفارقات أن يترافق الخوف مع المعرفة؛ ذلك إنه بقدر وعيها ومعرفتها بعلاقات السلطة، بقدر خوفها على مصالحها. ورغم القول بالمعرفة على إنها من العوامل المشتركة بين تلك النخب الثلاثة، إلا أن قدر من الجهل بعناصر الدولة الحديثة وبالتالي في الأسس الدستورية للإصلاح. تبدو سائدة عند أقسام ليست قليلة منها. 5. إضافة إلى ذلك، فإن تلك النخب، في سياق وجود بعض العناصر منها في بعض التيارات الإصلاحية، غالبا ما تجدها تشترك أيضاً بسمة عامة توصف غالباً بأنها مجزئة منقسمة اجتماعياً أو مذهبياً أو مناطقياً, وغالباً ما تكون ذات طابع شللي مؤسس على تلك التقسيمات. لذلك ليس غريباً، أن تكون تلك النخب الثلاث والمعبرة عن الطبقة الوسطى، ضعيفة غير قادرة على ولوج المطالب الاصلاحية عموماً، فكيف بالمطالب الاصلاحية الدستورية خصوصاً. إن تلك الطبقة الوسطى على تنوعها، هي نتاج ووليدة رحم الدولة الريعية. ولذلك فهي فاقدة في الظروف الحالية لمقومات القوة والاستقلالية المطلوبة في الدعم والاهتمام بجدية مواقف دعاة الاصلاح الدستوري والمجتمع الاهلي المدني, وبدفع المطالب الاصلاحية والدستورية منها على وجه الخصوص. ومهما يكن من أمر، فإن تلك النواقص والعيوب في طبيعة تلك النخب واتجاهاتها نحو الإصلاح والإصلاح الدستوري، لا يقلل من أهمية وجود دور لعناصر وفعاليات منها في التيارات المطلبية الإصلاحية عموماً والدستورية خصوصاً. وفي العمل الاصلاحي المطلبي عادة ما تكون عناصر قليلة هي الأكثر مشاركة ذات فعالية أكبر في تلك العملية, وهذا أمر موجود في كثير من البلدان التي مرت بتجارب ومطالب اصلاحية وخاصة في البلدان الاستبدادية والقمعية. ازدياد القمع والاختناقات في كافة المجالات وتدهور الأوضاع الاقتصادية, يترافق عادة مع مشاركة أعداد من النخب في الانخراط في التيارات الاصلاحية المطلبية. لذلك نتوقع إنه مع تفاقم الخلل في البلد وانسداد الآفاق, وتزايد الإختناقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية ، فإن التغيرات في ديناميكية عناصر متزايدة من تلك النخب في إتجاه دعم الاصلاح عموماً والاصلاح الدستوري خصوصاً, ستكون شبه مؤكدة، ولربما هذا يحتاج إلى بعض تلك التفاعلات التي تستمر مع مرور الوقت، فضلاً عن التأثيرات الإصلاحية المجاورة, والاقليمية والتوجهات العالمية وأثر التحولات في الأبعاد الاعلامية والمعلوماتية على تلك التحولات واتجاهاتها على تلك النخب تحديداً. إذا كان هذا واقع النخب في السعودية من الإصلاح عموماً والاصلاح الدستوري على درجة الخصوص، فما هو واقع حال المجتمع عموماً أو الغالبية منه على الأقل ؟ هل غالبية المجتمع في السعودية مؤيدة للإصلاح أو الإصلاح الدستوري أو معارضة، أم لا مبالية، أم ماذا ولماذا ؟ هل يمكننا القول إن هناك التفاف شعبي حول المطالب الاصلاحية عموماً والدستورية منها خصوصاً؟ أم ليس هناك؟ وإذ لم يكن هناك ذلك الالتفاف فما هي أسبابه ومتغيراته؟ ثم هل يمكن الوصول إلى تفعيل مثل هذا التوجه الشعبي باتجاه دعم الاصلاح الدستوري؟ بمعنى آخر, كيف يمكن أن تنضج وأن تكسب الشارع الشعبي العام في السعودية بإتجاه تأييد الإصلاح والاصلاح الدستوري على نحو خاص؟ أن تلكً تثير معضلة أخرى، وهي كيف تقوم بمثل هذه المهمة في الوقت الذي لا تسمح الدولة " السلطة " أصلاً بمثل هذا التوجه, ولربما تعتبره نوعاَ من التحريض ودعوة إلى الفتنة والبلبلة وذلك لاستدامة الوضع الراهن. نبدأ أولاً ونقول، عندما صدرت وثيقة رؤية لحاضر الوطن ومستقبله في يناير من العام 2003 ثم عندما صدرت " وثيقة الإصلاح الدستوري أولاً". بعدها بحوالي السنة وفي نهاية العام 2003 م ، هل نستطيع أن نقول إنه كان هناك التفاف شعبي حولهما أو لم يكن؟. طبعاً إذا كنا في السؤال نبحث عن ردود فعل من نوع الحركة الظاهرة كالتأييد العلني الجماعي مثلاً، أو حتى البرقيات المساندة أو طلبات التوقيع على مثل تلك الوثائق، فالأمر سيكون قطعاً بالنفي. ولكن إن كان الأمر يتعلق بوجود مواقف بما هي وجهات نظر تتخذ تجاه تلك المسألة " الإصلاح والإصلاح الدستوري " وهي مسألة عامة، فلا بد أن يكون هناك رأي عام حولها وسواء كان ذلك الرأي العام جزئياً أو شاملاً قوياً أوضعيفا مؤيداً أو معارضاً. ولكن المشكلة الأخرى التي تثور هي عدم وجود امكانية قياس تلك التوجهات والمواقف " الآراء أو الرأي العام نحو الاصلاح عموماً والإصلاح الدستوري خصوصاً " وذلك, بشكل أساس, لأن الدولة اصلاً لا تسمح به, وإن سمحت, فإن طغيان الاستبداد والقمع لعقود طويلة, لربما لا يتيح لنا التوصل إلى نتائج يقينية عن ذلك الأمر. في المقابل, إن كـنا نتحــدث عــن نقاشات وأحاديث في المجالس والسهرات ( الديوانيات ) والمناسبات بين الأفراد وفئات من المجتمع من عدة أواسط اجتماعية في كافة المناطق وخاصة مدنها وتجمعاتها السكانية الرئيسية، فيمكننا القول إن هناك بعض من الإهتمام أو لنقل الفضول والمتابعة لتلك المطالب الإصلاحية. هل نستطيع أن نقول أن ذلك يمثل التفافاً شعبياً حول تلك المطالب الإصلاحية؟ بالقطع لا يمكننا أن نقول ذلك من تلك الزاوية. لكن، في المقابل، إذا قاربنا الموضوع من زاوية أخرى، وخاصة من خلال طرح أسئلة تتعلق بماذا يستهدفه الاصلاح والاصلاح الدستوري على الخصوص، ونفترض إن تلك الأهداف والغايات تصل إلى أذن وسمع المواطنين, ( الناس ـ الشعب ـ المجتمع ) فنعتقد جازمين بأننا سنحصل على تحديد إفضل للموقف الشعبي من تلك المطالب الإصلاحية. لنبدأ فنطرح الأسئلة على الناس فنقول: 1) هل الناس وأفراد المجتمع عموماً يريدون الحصول على حاجاتهم وحقوقهم في التعليم والصحة والرعاية الاحتماعية أم لا يريدونها؟ 2) هل الناس يريدون الحصول على العمل, ووظائف لهم ولأبنائهم, من أجل حياة كريمة, أم لا يريدون؟ وهل الناس مع الفرص المتكافئة في الحصول على العمل وفي إنجاز معاملاتهم, أم مع المحسوبية والرشوة والفساد لتحقيق ذلك؟. 3) هل الناس مع تكدس واحتكار الثروة والموارد والنفوذ في أيادي قليلة, أو في مناطق بعينها, أم مع توزيع الثروة توزيعاً عادلاً, يضمن الحصول على تنمية متوازنة ويضمن تلك الحاجات والحقوق الواردة في الفقرة (1) ويكون ذلك للمواطنين والمناطق على نحو متوازن؟ 4) هل الناس مع أن يتمتعوا بحق حرية إبداء آرائهم والتعبير عنها تجاه الآخرين والمسئولين، أم هم ضد ذلك؟. 5) هل الناس مع فرض القانون والنظام على الجميع والالتزام به ؟ أم لا يريدون القانون ولا المساواة ؟ . 6) هل الناس مع "العدل" وإقامة "العدل" والذي هو "القسط" بكافة المجالات, والذي أمرنا الله وأرسل رسله بالبينات " ليقوموا الناس بالقسط "، (آيه #25 الحديد) أم هم مع الظلم والمظالم والفساد بكل أنواعها؟. 7) هل الناس مع الاسبتداد والقمع والعبودية أم مع الكرامه الانسانيه و حق المشاركة والمساهمة والشورى الملزمة؟. وهل الناس لا يرغبون بأن تكون " الحكومة " مسؤولة أمامهم، أم لا أحد يسألها ولا يراقبها؟. 8) هل الناس مع الدفاع والمطالبة بمصالحهم وحقوقهم والاحتساب على السلطة وعلى الجماعات الأخرى في المجتمع، أم هم لا يريدون الدفاع ولا المطالبة بحقوقهم ومصالحهم ولا يريدون الاحتساب على السلطة وعلى الآخرين؟. وإذا كان الاحتساب على السلطة في الدفاع على الحقوق والمصالح والمطالبة بها ، يكون أكثر فعالية وتأثير عن طريق العمل والتشكل الاجتماعي والجماعي ( الجمعيات والروابط والاتحادات والنقابات....الاهليه )، فهل الناس ضد هذا أم معه؟. لا اعتقد أن هناك عاقلاً يمكن أن يقول أن الناس لا يريدون حقوقهم ومصالحهم ولا يريدون العدل والمساواة ولا يريدون العمل والصحة والتعليم ولا يريدون الحق في التعبير...الخ. في المقابل من الصعب القول أن الناس يريدون الظلم والفساد والرشوة والقهر والقمع والعبودية والاستبداد وعدم المحاسبة والمسائلة . طبعاً هذا لا يعني أن هناك بعض الناس يمارس أعمالاً تخالف قناعاته. لنضرب مثلاً، هناك من يمارس الرشوة والمحسوبية في إنجاز أعمالهم , مثلاً في المؤسسات الحكومية أو حتى الخاصة، ولكن هذا يأتي في ظل أوضاع ، في الغالب يغيب فيها القانون والمسآءلة أصلاً . طبعاً من الأمور الشاذة جداً وهذا قد يكون نادراً ، أن يكون إنسان مع عبودية نفسه لآخرين . وهذا حتى لو كان ناتج عن قناعة ورضا ، فإنه في الأصل ناشئ عن " المشروطية الوضعية التاريخيه" والتي جعلته يقبل هذا الوضح رغم إنه قد يتاح له غير ذلك . [1] طبعاً هناك من يمارس الظلم والفساد والقمع , ولكن كل ذلك يتم أصلاً وفي الغالب بعدم وجود القانون وآلياته الرقابة الحقيقية. ولذلك فكل ما وجدت تلك الآليات الرقابية والقانونية الحقيقية كلما ضاقت ممارسة تلك المخالفات، رغم إنها لا يمكن أن تنتهي بشكل مطلق, إذ إن هناك دائماً نزوعاً بشرياً عند البعض للإلتواء وتحقيق مصالحهم بالطرق غير الشرعية. نعود إلى الناس والموقف الشعبي في السعودية من الإصلاح والإصلاح الدستوري , في ضوء تلك الأسئلة والعناصر الأساسية التي قدمناها عن رأي الناس فيما يتعلق بحقوقهم ومصالحهم واحتياجاتهم، والعدل والقانون والمساواة والعمل والحياة الكريمة, وحق ابداء الرأي والتعبير واخضاع الحكومة والمسؤولين للمسائلة, فسنقول بدون أدنى شك إن الغالبيه الساحقه منهم ستكون مع تلك الأشياء وضد الفساد والرشوة والمحسبوية والقمع القهر والظلم والعبودية وسوء توزيع واحتكار الثروة أو الاستئثار بها. في ضوء ذلك نستطيع أن نقول إن الغالبية ليست البسيطة وليست الثلثين من المجتمع بل الغالبية الساحقة وبمايتجاوز 80 ـ 90% من الناس سيكونون مع تلك المطالب الإصلاحية والدستورية منها. إذا كان الأمر كذلك، فإين هو الالتفاف الشعبي حول تلك الاصلاحات والمطالب الاصلاحية بما فيها الدستورية، وما المشكلة إذن؟. نقول أن الموقف الشعبي من تلك المطالب الإصلاحية، هو كما تقدم من الناحية النظرية، ولكنه لكي يصبح " التفافاً شعبياً " وله صداً ملحوظاً من الناحية العملية فإنه يحتاج إلى تحقق شروطه العملية وهنا تكمن المشكلة والشروط يمكن أيجازها بالتالي: 1. أن تكون فكرة الإصلاح والمفاهيم الواردة في وثائق وخطابات المطالب الإصلاحية واضحة ومفهومة ومصاغة ضمن سياق الثقافة السائدة, بحيث لا تبدو غامضة أو غير معروفة, أو أنها تبدو وكانها متعارضة مع المعتقدات والتقاليد والأعراف, وبالذات مع الدين والعقيدة " الشريعة الإسلامية ", مثلاً بالنسبة لمجتمع ثقافته وعقيدته السائده هي الثقافة والعقيدة الاسلامية, كما هي في السعودية. إضافة إلى ذلك ، لكسب الشارع والرأي العام أو الالتفاف الشعبي لا بد أن تتقاطع تلك المطالب الإصلاحية مع حاجات الناس الحياتية واليومية المباشرة من عمل وخدمات ومشاكل الصحة والبطالة والحياة المعيشية " الأسعار ـ الأجورـ المرتبات ... الخ " . طبعاً المطالب الإصلاحية هي جزءاً هام منها هي لتحقيق هذه الغايات، ولكن لا بد أن توضح للناس بشكل بسيط ومباشر. لنأخذ وثيقة " نداء للقيادة والشعب معاً: الاصلاح الدستوري أولاً " والتي صدرت ووقعها أكثر من 116 شخصية في البلد في الرابع عشر من ذي القعدة 1424هـ الموافق السادس عشر من ديسمبر 2003 م. هذه الوثيقة صيغت وأصلت على خطاب إسلامي مما يتماشى والثقافة والشريعة الإسلامية السائدة ووقعها أكثر 116 شخصية من أهل العلم والرأي والخبرة والثقافة في كافة التخصصات, بما في ذلك أكثر 25 أستاذاً أكاديمياًَ في العقيدة والتربية الإسلامية, إضافة إلى عدد من الدعاة وبعض القضاة وأهل العلم الشرعي والإسلامي. تأصيل تلك الوثيقة إسلامياً والتفاف هذا القدر من العناصر الإسلامية, يحقق دون شك قدراً من متطلبات الشرط الأول , ولكن ذلك ليس كافياً لوحده، ذلك إن هناك أجزاء في الشرط تبدو لم تتحقق وكذلك الشروط الأخرى والتي سنأتي على ذكرها. الذي تبقى من الشرط لحصول الالتفاف الشعبي حول تلك المطالب الإصلاحية ومنها وثيقة " الإصلاح الدستوري أولاً ", هو إن تلك الوثيقة تحتوي على مفاهيم وعناصر تبدو غير معروفة للناس ولم تتضح العلاقة بين تلك المفاهيم وبين الإصلاح المطلوب. لنضرب بعض الأمثلة ، " وثيقة الإصلاح الدستوري أولاً " , أسست الإصلاح على الدستور؛ فدعاة الإصلاح الدستوري والفعاليات وراء تلك الوثيقة يرون إن لا صلاح بدون دستور، ولكن بالنسبة لعامة الناس لربما هـناك عناصر ومفاهيم في تلك الوثيقة لم يفهموها أم أنها لا زالت غامضة في اذهانهم, وكذلك مدى الربط بينها وبين الابعاد الإسلامية, وكيف كيفية تحقيق المطالب الاصلاحية العامة من خلالها. من تلك المفاهيم الواردة في الوثيقة والتي تبدو تحتاج إلى توضيح وتعريف، ما يلي : أ. الدستور، ما المقصود به وما هي عناصره؟ ثم ما هي العلاقة بينه وبين تحقيق المطالب الإصلاحية مثلاُ، ما العلاقة بين الدستور والفساد والظلم والقمع والاستبداد والبطالة والحقوق ؟ ، هذه امور تحتاج إلى توضيح. ب. ما العلاقة بين الدستور والإسلام، وهل الدستور بديل للقرآن والسنة؟ في الثقافة العربيه الإسلامية لم ترد كلمة دستور, كذلك فإن بعض الدول العربية والإسلامية ومنها تحديداً السعودية ، تقول أن دستورها هو الإسلام والقرآن والسنة. ج. ما العلاقة بين الدستور ومسألة الرقابة والمحاسبة للحكومة ؟ لذلك ماذا يعني مفهوم " آلية فصل السلطة " وآلية المحاسبة والرقابة بين السلطات؟ د. ما العلاقة بين الدستور والناس " الشعب " ومسألة السلطة النيابية المنتخبة ذات الصلاحيات الرقابية والمحاسبة ؟ هل السلطة النيابية هي " الشورى الملزمة" أم لا ، علماً أن في الثقافة الرسميه السعوديه السائدة أن الشورى "غير ملزمة" وبالتالي تحتاج مثل هذا الامورالى الربط بين الدستور، والسلطة النيابية والشورى الملزمة , إلى توضيح فيما يتصل بالثقافة الاسلامية. وفي هذا السياق ماذا تعني بالنسبة لهم" ملكية دستورية "؟ . هـ . هناك مفاهيم وردت مثل تعزيز " استقلال القضاء" باعتباره ضمن آليات وهياكل الدستور. ماذا يقصد باستقلال القضاء وما هي الاسس التي يستند إليها وهل هذا يمكن أن يكون ضمن رؤية وثقافــة إسلامـية ؟ و . وردت في هياكل وآليات ومحاور الدستور الذي يتأسس عليه الإصلاح، محور ومنظومة الحقوق والحريات العامة والأساسية ومنها حرية التعبير والرأي والمشاركة ... الخ. فما هي العلاقة بين تلك المنظومة من الحريات والحقوق وبين ما ورد من حقوق وحريات في الإسلام. من الملاحظ أن فهم أغلب الناس (في البلدان العربية والاسلامية) وخاصة المسلمين منهم وعامتهم للحرية والحريات والتحرر ينصرف سلباً إلى الحريات الأخلاقية والانحلال والفساد ... الخ. ولذلك فإن تلك الحريات والحقوق تحتاج إلى توضيح وربط بين الإسلام والدستور, بما يزيل اللبس أو احتمال استغلاله من جهات لها صلة بالتشويش على فهم الناس سواء من داخل السلطات أو من خارجها أو من بعض حلقات تحالفاتها. ز. في سياق الدستور ومحور الحقوق والحريات العامة والاساسية، وردت الإشارة إلى السماح بتشكيل هيئات وجمعيات المجتمع المدني والأهلي " الجمعيات المهنية، مثل جمعية الأطباء والمهندسين، وجمعيات الفلاحين، والتجار والعمال.... الخ ". ومفهوم المجتمع الاهلي والمدني يحتاج إلى توضيح للناس, وما هي وظائفه وأدواته وماذا يستفيد الناس منها في عملية وجودها من خلال الإصلاح أو في سبيل الإصلاح؟ كل تللك المفاهيم وتعريفاتها ذات صلة بالإصلاح الدستوري تحتاج إلى توضيح للناس بشكل مبسط بحيث يمكن الربط بينها وبين المطالب الإصلاحية الواردة في الأسئلة التي طرحناها قبل قليل. إذا عرف الناس تلك المفاهيم والعناصر الواردة في وثائق الاصلاح ومنها وثيقة الاصلاح الدستوري أولاً، وثم توضيح العلاقة بين تلك العناصر والمفاهيم وكيف عن طريقها يحقق للناس مصالحهم وينمونها ويحافظون على حقوقهم, ويرفضون الظلم والفساد والجور والقمع .... الخ ، عندئذ فإن من المؤكد سيكون هناك "ألتفافا شعبياً " حول تلك المطالب الاصلاحية الدستورية .طبعاً هناك بعض الجهود الممتازة في توضيح تلك المفاهيم والإجابة على كثير من تلك الإسئلة في سياق مشروع الإصلاح الدستوري من قِبـل دعاة الإصلاح الدستوري والمجتمع الأهلي المدني, وفي المقِدمة منهـم أعمال وأبحاث ودراسات الدكتور عبدالله الحامد, عن المجتمع الأهلي المدني, وإستقلال القضاء, وتفكيك الإستبداد والحرية والعدالة والشورى والدستور وتأصيل كل ذلك في سياق إسلامي, وكذلك ما قدمناه مؤخراً في سياق إيضاح عدد من تلك المفاهيم والتساؤلات في مقالات عن الدستور, والإسلام والدستور, والملكية الدستورية [2] وهي في طريقها للنشر. 2. ولكي يمكن تحقيق ذلك الشرط الوارد في الفقرة "1" وما يتبعها من تحديد وتوضيح المفاهيم " من أ إلى ز " ، فإن ذلك يتطلب أن تتوفر " معلومات " للناس عن تلك المطالب الاصلاحية بما تتضمنه من عناصر بحيث تتضح ايجابيات ومنافع الإصلاح لهم , وكذلك سلبيات ومضار عدم اتمام الاصلاح. وهذه المعلومات يفترض أن تستطيع أن تتعامل وتجيب على تلك الأسئلة ذات الصلة الآنفة الذكـر. 3. ولتحقيق ما ورد في الفقرة السابقة " 2" وبصلة ما ورد في الفقرة الأسبق "1" ، فإن توفير المعلومات للناس , يقتضي توفر قنوات اتصال وتواصل وتوصيل معلومات للناس وأن تكون تلك القنوات بين دعاة الإصلاح الدستوري مثلاً، وبين الناس، على أن تكون تلك القنوات والمنافذ سهلة وميسرة وممكنة ومشروعة وسلمية. وتوفر المعلومات وتوضيح المفاهيم وربط المطالب الاصلاحية بحاجات الناس المباشرة ، تحتاج إلى امكانية القيام بنشاط ثقافي وفكري وإعلامي عبر اقامة ندوات ومحاضرات ومقابلات وكتابات، وهذه تتطلب أولاً ؛ قـدر من اعلام متاح أو وسائط إعلامية بديلة ولكنها ممكنة وسهلة في وصول الناس إليها؛ وثانياً، وجود مؤسسات ثقافية وإجتماعية ومهنية والمنتديات والديوانيات المفتوحة التي يمكن من خلالها استضافة الندوات والمحاضرات والمناقشات المفتوحة لعموم الناس؛ وثالثاً كل هذا وذاك يتطلب السماح بحدوث ذلك النشاط الثقافي بكافة اشكاله أو على الأقل الأهم منها، وذلك لإمكانية إيصال المعلومات وتوضيح المفاهيم وربط المطالب الإصلاحية بهموم حاجات الناس مباشرة. تلك أهم الشروط والعناصر المطلوبة, ضمن ما يمكن ان تكون عليه استراتيجيته سلميه مشروعه لتفعيل وكسب الشارع العام أو الرأي العام, للإلتفاف حول المطالب الإصلاحية ومنها الدستورية على وجه الخصوص. ولكن إذا نظرنا إلى الوضع في السعودية فيما يخص تلك الشروط فماذا نجد؟ بالنسبة إلى إمكانية صياغة المطالب الاصلاحية الدستورية ضمن سياق الثقافة الاسلامية السائدة, وكذلك لربما يتعاطى مع حاجات وهموم الناس، فالأمر من ناحية نظرية ليس فيه مشكلة، ولكن المشكلة كيف الوصول إلى الناس وتوصيل تلك الأفكار والمفاهيم وتوضيحها، وتوفر القنوات للاتصال والتواصل والتوصيل. إذا استثنينا بعض وسائط الإتصال الحديثة مثل الإنترنت والبريد الإلكتروني والقنوات الفضائية والإتصال الهاتفي أو الرسائل، فإن الوسائل الإعلامية للنشاط الثقافي وكذلك مؤسساته غير متاحة لدعاة الإصلاح الدستوري أو غيرهم للاستخدام في أغراض الاتصال المباشر العام المفتوح, وأن كانت متاحة أو موجودة فغير مسموح بها. لذلك فهناك بالتأكيد فجوة بين دعاة الإصلاح عموماً والإصلاح الدستوري خصوصاً وبين عامة الناس للتواصل والتفاعل فيما يخدم توضيح المشروع الاصلاحي الدستوري للناس وبما يستجيب لهمومهم وحاجاتهم المباشرة . طالما أن ما ورد في الفقرة "2" والفقرة "3" من شرط يحقق الايفاء بها والتفاف شعبي حول المطالب الاصلاحية ومنها الدستورية، فأن ذلك يدخل في دائرة الإنضاج والتوعية، وهي ما حاولت وثيقة " نداء للقيادة والشعب معاً: الاصلاح الدستوري أولاً " أن تمر من خلالها إلى الناس، إلا أن الموقف الحكومي الرسمي من ذلك, هوالأعتراض على التعامل والتفاعل مع الناس وتوعيتهم وانضاجهم وبالطرق المشروعة السلمية، كان ولا زال حاجزاً يقف أمام تحقيق التواصل والتفاعل مع الناس لتوضيح تلك المطالب الاصلاحية الدستورية لكي يتحقق ذلك الالتفاف الشعبي المطلوب لانجاح مشروع الاصلاح الدستوري. كيف يمكن الوصول إلى الناس، كيف يتم توعيتهم، كيف يمكن إنضاجهم وما هي الآليات والوسائل لتحقيق ذلك؟ في ضوء الوضع القائم، كل تلك الأمور تمثل دون شك معضلة بالنسبة لدعاة الاصلاح عموماً والاصلاح الدستوري خصوصاً. وكيف يمكن أن ينجح مشروع الإصلاح الدستوري دون أن يكون هناك قدر من الإلتفاف الشعبي حوله؟ عندما نتكلم عن كسب الشارع أو الرأي العام بما يعني أو يحقق قدر من الالتفاف الشعبي حول المطالب الاصلاحية الدستورية، فإننا لا تقصد بالضرورة أن نحصل على 60% أو أكثر مؤيدة بشكل واضح لتلك المطالب الاصلاحية. إن تحقيق القدر المطلوب في المراحل الأولى قد يكون بحدود : 10 ـ 25% من المجتمع. فإذا كانت هذه النسبة في تعاطيها وتقبلها ودعمها للمطالب الاصلاحية الدستورية، فإنه من المؤكد أن يكون هناك دفع للمطالب الاصلاحية الدستورية ولن يكون أمام النخبة الحاكمة إلا أن تتعامل بجدية مع تلك بالمطالب وفي الغالب ستقدم مبادرات إصلاحية جادة. ومع ذلك فإن المشكلة كما قلنا سابقاً هي ليست بعدم وجود رأي عام مؤيد للإصلاح بشكل عام، ولكن هذا الرأي العام بغض النظر عن حجمه، غير قادر أن يفصح عن رغباته وتأييده لتلك المطالب وذلك في ضوء سياسة رسمية من السلطة أو بعضها الفاعل على الاقل بعدم السماح لتلك الآراء بالافصاح والتعبير عن نفسها ومن خلال أطر إعلامية أو ثقافية أو حتى إجتماعية. في المقابل أيضاً تمنع السلطة دعاة الإصلاح من الاتصال والتواصل مع عامة الناس للتوعية والإنضاج, وتعتبر ذلك أمراً غير مقبول, وتعمل في سلوك أية وسيلة لمنعه أو محاصرته, وبغض النظر عن مخالفاتها لحقوق الإنسان والتي أقرتها الشريعة الإسلامية ووقعت عليها الدولة في المواثيق الدولية والعربية والإسلامية المتعلقة بحقوق الإنسان. ألم يطالب دعاة الإصلاح ودعاة الإصلاح الدستوري بذلك، أوليس هم من الشعب؟ هل لا بد أن يقوم الشعب كله في حقيقته لكي تقتنع النخبة الحاكمة بأهمية ورغبة الشعب بالمطالب الإصلاحية, ولكن حتى دعاة الإصلاح والإصلاح الدستوري لم يستجاب لهم ولا لمطالبهم، في مطالب " عرائض إصلاحية سلمية فقط "، فكيف يعبر الشعب عن مطالبه بالانتخابات، علماً بأن الانتخابات بذاتها ليست هي المطلوبة وإنما الانتخابات مطلوبة لتولد منها سلطة نيابية ( مجلس شورى منتخب ملزم ) لها سلطات رقابية على أعمال وسياسات الحكومة وبما يحفظ ويحمي حقوق ومصالح الناس ويضمن العدل والعدالة ويصون الحقوق والكرامة الإنسانية والحياة الكريمة من خلال تنمية متوازنة ترقى بالإنسان والمواطن وحاجاته المادية والمعنوية. إذن نحن أمام معضلة حقيقية، فلا النخبة الحاكمة لديها رؤية إصلاحية محددة واضحة ولا هي تريد أن تقبل وتتلقف ما قدم من رؤى ووثائق إصلاحية داخلية من دعاة الإصلاح عموماً ودعاة الإصلاح الدستوري خصوصاً، ولا هي تقبل الأفكار الإصلاحية المطروحة عربياً ودولياً باعتبارها خارجية، ولا الشعب في نظرها أصبح ناضجاً , إذ لم يطلب ولم يطالب بالإصلاحات والانتخابات. ولا دعاة الإصلاح والإصلاح الدستوري هم من الشعب ,اذ إنهم قادمون من المريخ !! ؟ ولا هي تقبل أن يعمل دعاة الإصلاح على انضاج الشعب وتوعيته. إننا أمام خيار من خيارين متلازمين، خيار إستمرار الاستبداد والقمع وغياب العدل وخيار تواصل العنف وانفجاراته نحو الصراع الاجتماعي والحرب الأهلية المفتوحة .مع مايرافق كل من الخيارين اوتداعياتهما من احتمالات قويه من الضغوط ولربما التداخلات الاجنبيه الغربيه عموماً والامريكيه خصوصاً, والتي قد تصل الى درجه التدخل المباشر وفرص واقع يحقق مصالحها بما في ذلك احتمالات التقسيم والتفتيف أليس هذا يعني إننا نتجه إلى الكارثة المحققة والقادم منها أعظم خلال الأشهر القادمة. إذن ما العمل؟ كيف يمكن تحقيق تلك المعادلة الصعبة من تفعيل وكسب الرأي العام بشكل سلمي في اتجاه الاصلاح في ضوء تلك المخالفات والمعطيات الحكومية؟ لا أعتقد إن احداً يمتلك الجواب الشافي لتلك المعضلة، ولكن على دعاة الاصلاح عموماً ودعاة الإصلاح الدستوري خصوصاً من كافة عناصرالتيارات والمدارس الفكرية الملتزمة من أهل العلم والرأي والخبرة والاختصاص من مثقفين واعلاميين وصحفيين وكتاب وأدباء ورجال أعمال وأهل علم شرعي ومنهم بالذات أولئك من العناصر الإسلامية المستنيرة دوراً متعاظماً ، رغم مخاطره ، في البحث وطرق كل وسيلة سلمية ممكنة للتواصل مع الناس ، وتقديم تلك الرؤية للمشروع الإصلاحي الدستوري و أهميته لإنقاذ البلد والمجتمع ( الناس والسلطة ) وإن هذا هو المخرج من خيار العنف , وخاصة مع عدم وجود مشروع أو بديل ورؤية اصلاحية لدولة عصرية حديثة ذات حياة مدنية اسلامية من قبل الدوله أومن قيل أيه تيارات أخرى بعينها. هذا وقت وعصر يتطلب ابتكار وسائل وآليات للتواصل مع الناس ورغم المعوقات الرسمية والبحث في وسائل بديلة تجاه كل الطرق والوسائل المغلقة حالياً، خاصة وإن تقنيات العصر وتطور تقنيات المعلومات ووسائلها قد يتيح الكثير من الإمكانات. يجب الخروج من مأزق الطرق والأساليب القديمة إلى كل وسيلة ممكنة سلمية مأمونة. [1] مثال على ذلك عندما ألغي الرق في المملكة العربية السعودية في الستينات من القرن الماضي ، من قبل الملك فيصل وتحت ضغوط دولية بما في ذلك من الأمم المتحدة ، رغب عدد من المملوكين الأرقاء ـ العبيد الاستمرار بالعمل مع أعمامهم " ساداتهم " مفضلين ذلك على خيار الحرية . وهذا الوضع طبعاً طبيعي ، لأن هؤلاء ونتيجة للجهل وعدم الحصول على المعرفة العلم ما كان أمامهم في الحصول على الحياة , أو إنهم تعودوا على نمط من الحياة ، إلا بالاستمرار في تلك الوضعية التاريخية ومع ذلك فإن معظم أبنائهم ومع التعليم قد وجدوا فرصة في أن يصبحوا أحراراً في " حدود ذلك التحرر ". [2] هناك عشرات المقالات والابحاث والكتب لأبي بلال عبدالله الحامد , ومن أهمها , المجتمع الاهلي المدني , سر نهوضهم وإنحطاطنا 2002, المعايير الدولية لإستقلال القضاء 2004م, إستقلال القضاء في المملكة العربية السعودية , عوائقة وسبل تعزيزه 2003م, المشكل والحل : الإستبداد والشورى 1993م, حقوق الانسان في الإسلام 1993م, حقوق المتهم في الإسلام 1996م, الكلمة أم الرصاصة: نظرية المجتمع الاهلي المدني في الإسلام , لكي لانحول الإسلام الى طقوس 1999م, البحث في عيني الزرقاء 1999م, تعليم القرآن الكريم (بيروت : دار العربية للعلوم,2003), ومن دوواينه الهامه ذات الصلة بالموضوع الحسن البصري والحجاج في آخر الزمان (بيروت: الدار العربية للعلوم 2003م), صرخة خادم (بيروت: الدار العربية للعلوم 2002م),خواطر تليمذ مقموع(بيروت:الدار العربية للعلوم 2003م). |