|
خطف الصحفيين .... رؤية فقهية |
|
ورقة مقدمة من* الباحث مسعود صبري إلى ندوة وسائل حماية الصحفيين، القاهرة 24/3/2005 التي تنظمها اللجنة الدولية للدفاع عن تيسير علوني. |
|
يأتي هذا البحث الصغير في مقدمة و ثلاثة فصول وخاتمة . أما المقدمة ، فعن مكانة الصحافة في الفكر الإسلامي. والفصل الأول: قراءة لوقائع الخطف في عصر صدر الإسلام، والفصل الثاني: عن خطف الصحافيين في الحروب وحكمه في الشرع، ثم تأتي الخاتمة وفيها أهم نتائج البحث. المقدمة: الصحافة في الفكر الإسلامي: حين ننظر إلى تعريف الصحافة، فسنجد أنها جمع الآراء والأخبار والمعلومات ونشرها في إحدى وسائل الصحافة كالجريدة والمجلة أو موقع الإنترنت أو الفضائية وغيرها ، بنوع من حرية التعبير عن الرأي . انظر: معجم المحيط لأديب اللجمي، وشحادة الخوري، باب : ص – ح – ف. ولا يقف عمل الصحافة على أنها حرف ، بل ضم مجمع اللغة العربية في تعريفه للصحافة بأنها " حرفة ورسالة " لأنها تَتَبُّعُ الأَخْبَارِ وَكِتَابَةُ التَّعَالِيقِ وَالتَّحْقِيقَاتِ وَالْمَقَالاَتِ في الوسيلة الإعلامية. انظر: المعجم الوسيط : ص-ح –ب . والصحافة جزء من الإعلام ، والإعلام هو إخبار الجمهور كي يكون على علم ومعرفة بما ينقله الإعلامي له . والذي يهمني في تعريف الصحافة هنا هو ما أشار إليه مجمع اللغة العربية من كونها مهنة ورسالة ، وأنها جزء من الإعلام المبني على العلم والمعرفة الصادقة حسب اجتهاد القائم بهذه الوظيفة .
وهذا يجرنا إلى أن
نعتبر أن إحدى وظائف الرسالة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم هي
وظيفة الإعلام ، والتي عبر عنها القرآن الكريم بالبلاغ، كما قال تعالى " و
قل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم ،فإن أسلموا فقد اهتدوا ، وإن
تولوا ، فإنما عليك البلاغ"
(آل عمران :20) :" ما على الرسول عليك إلا البلاغ "
(المائدة :99)، وقوله
تعالى :" يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت
رسالته "( المائدة:67)
، وقوله تعالى :" فهل على الرسل إلا البلاغ المبين
"( النحل :82)، وقوله
:" الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله
"( الأحزاب:39)،
وغيرها من الآيات التي تدل على أن الوظيفة الأولى للأنبياء والمرسلين
والمصلحين هي رسالة إعلامية في المقام الأول ، وهذا يعني أن الصحافيين
الذين يلتزمون آداب المهنة الصحافية ، ولا يتخذون الصحافة وسيلة لنشر
الرذيلة بكل أنواعها ، جنسية كانت أو فكرية، يأتون عملا يشبه عمل الأنبياء
والمصلحين ،وهذا يدل على شرف وعظم العمل الصحافي إن التزم الآداب الشرعية،
واحترم منهج الصحافة العلمي . قراءة في وقائع الخطف في صدر الإسلام 1- خطف ثمامة بن أثال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما عندك يا ثمامة فقال عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت فترك حتى كان الغد ثم قال له ما عندك يا ثمامة قال ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر فتركه حتى كان بعد الغد فقال ما عندك يا ثمامة فقال عندي ما قلت لك فقال أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نجل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين إلي والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل صبوت قال لا ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم (صحيح البخاري - المغازي - وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال، وفي البخاري أيضا - الخصومات - الربط والحبس في الحرم ، صحيح مسلم - الجهاد والسير - ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه ، وهو عند أحمد والنسائي وغيرهما أيضا ) وقد عفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما أشار إلى ذلك ابن حجر في الفتح : في رواية ابن إسحاق " قال قد عفوت عنك يا ثمامة وأعتقتك " يقول الشيخ فيصل مولوي: "ما يستنتج من هذه القصّة: 1- كانت هناك حالة حرب فعليّة، وقد أراد ثمامة بن أثال أن يقتل العلاء بن الحضرمي رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، مع أنّ الرسل لا تقتل حتّى في حالة الحرب. 2- أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخطف ثمامة وهو من زعماء الأعداء المقاتلين، وقد أراد قتل أحد المسلمين خارج المعركة؛ فهو مستحقّ للقتل خارج المعركة أيضاً. 3- عندما خطف ثمامة لم يقدم الخاطف على قتله، وإنّما سلّمه إلى وليّ الأمر (رسول الله صلى الله عليه وسلم) ليرى فيه رأيه. ورغم خطورة فعله واستحقاقه القتل فقد أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سراحه دون مقابل؛ رغبةً في إسلامه؛ ممّا يؤكّد أحد المقاصد الهامّة للشريعة الإسلاميّة، وهو الحرص على إسلام الناس، وليس على قتلهم." الحادثة الثانية :خطف الصحابة لبعض أهل الحرم عن مجاهد قال: "أقبل معتمراً نبي الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ أصحابه ناساً من أهل الحرم غافلين، فأرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم". تفسير الطبري (26 / 59) وما يمكن استنتاجه من هذه القصّة، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في ذلك الحين يعتبر نفسه في حالة حرب مع المشركين، وقد خرج معتمراً، ولذلك فقد أطلق سراح المختطفين باعتبار أنّ الخطف لا يجوز في غير حالة الحرب الفعليّة. الحادثة الثالثة : اختطاف سلمة بن الأكوع وعمه عامر بعض المشركين حادثة اختطاف سلمة بن الأكوع لأربعة من المشركين، وحادثة اختطاف عمّه عامر لرجل من العبلات (وهم أبناء عبلة بن عبيد) بعد صلح الحديبية، وإطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء المختطفين، وقد وردت هذه القصّة في صحيح مسلم (غزوة ذي قرد) يقول سلمة بن الأكوع: (... لمّا اصطلحنا نحن وأهل مكّة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها (أي كنسته)، واضطجعت في أصلها، فأتاني أربعة من المشركين، فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي يذمونه)، فأبغضتهم، فتحوّلت إلى شجرة أخرى، وعلّقوا سلاحهم واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين! قتل ابن زينم. فاخترطت سيفي، ثمّ شددت على هؤلاء الأربعة وهم رقود، فأخذت سلاحهم، وجعلته ضغثاً في يدي (أي حزمة مجموعة)، ثمّ قلت: لا يرفع أحدكم رأسه إلاّ ضربت الذي فيه عيناه، ثمّ جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء عمّي عامر برجل من العبلات، يقال له مكرز، يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس مجفّف في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "دعوهم، يكن لهم بدء الفجور وثناه...". صحيح مسلم - الجهاد والسير - غزوة ذي قرد وغيرها، و مسند أحمد - أول مسند المدنيين رضي الله عنهم أجمعين - حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه يقول الشيخ فيصل مولوي : وما يستنتج من هذه القصّة: أنّ الصلح كان قائماً بين رسول الله والمشركين، ولذلك صبر سلمة على ذمّ المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنّه عندما سمع بقتل ابن زينم اعتبر أنّ المشركين نقضوا الصلح فاستباح خطفهم، وهكذا فعل عمّه عامر. لكن يلاحظ أنّ سلمة وعامر رضي الله عنهما لم يقتلا أحداً من المختطفين، وإنّما سلماهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو وليّ الأمر، وأنّ رسول الله عفا عنهم، وقال تلك الكلمة الرائعة: "دعوهم، يكن لهم بدء الفجور وثناه". وهي تبيّن بوضوح أنّ مقتضيات الدعوة تتغلّب على مقتضيات القتال والانتقام، وأنّ بدء الفجور وإعادته ثانية هو من أخلاق المشركين، وليس من أخلاق المسلمين. وإذا أبيح للمسلم الردّ على الفجور بمثله؛ فليس ذلك استجابة للرغبة في الانتقام، وإنما هي محاولة لمنع تكرار الفجور، ولإزالته من ميدان العلاقات الإنسانيّة، ولذلك فإنّ الإسلام يدعو للعفو والصبر؛ لأنّه عادة يكون أبعد أثراً في منع تكرّر الفجور. الحادثة الرابعة : أسر الصحابة رجلا من بني عقيل ، لأسر ثقيف رجلين من الصحابة
والحديث كما أخرجه الإمام
مسلم بسنده عن عمران بن حصين قال:
ومما يُستنتج من هذه الحادثة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرّ أصحابه على خطف العقيلي وأسره؛ باعتباره حليفاً لأعدائه المحاربين، لكنّه قضى له حاجته من الطعام والشراب، أي أنّه لا يجوز إيذاء المخطوفين أو تجويعهم. الفصل الثاني خطف الصحفيين في الحروب لاشك أن أعمال الخطف في حال السلم والأعمال المدنية محرم بلا خلاف ، وإن ورد في الشرع اختطاف للمحاربين وقت الحرب ، لأنهم يباشرون عدوانا ، بناء على أن أصل الجهاد في الإسلام لدفع العدوان ، فما خرج عن دفع العدوان يكون عدوانا ، وهو ممنوع شرعا . وعمل الصحافة في الحروب وغيرها هو نقل الواقع لمن يجهله، بل وتحريك أصحاب القرار لرفع الظلم عن المظلومين ، وكأن الصحافة هنا – إن التزمت آداب المهنة المتفق عليها – تقوم بدور أساسي في الجهاد الإعلامي ، من فضح الظالم – أيا كان-، وبيان حقيقته ، حتى يتحرك الناس لرفع الظلم عن المظلوم ، والوقوف ضد الظالم ، ولبيان الحق حتى لا ينقلب المظلوم ظالما ، والظالم مظلوما ، والباطل حقا ، الحق باطلا، وعلى هذا، فالصحافة من الأعمال المحترمة شرعا، والتي يجب صيانتها والحفاظ على أهلها ، بل يعد الحفاظ على الصحافي الذي ينقل الحقيقة للناس أهم من الحفاظ على غيره من المدنيين ، لقيامه بهذا الدور الفعال. ولقد رأينا كيف كان نقل الصورة محركا للشعوب ضد الظلم والعدوان من المعتدي ، و لهذا كان الاعتداء على الصحافيين الذين ينقلون الحقائق ويلتزمون آداب المهنة أشد حرمة وجرما ، وأصل تحريم خطف الصحافيين مبني على أنه لا يجوز خطف إنسان ، لأن الإسلام أوجب احترام إنسانية الإنسان ، بعيدا عن معتقده ، ما لم يكن ظالما، قال تعالى :" هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن"، ولا يستثنى من هذا إلا أن يكون معاملة بالمثل ، لقوله تعالى :" فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" ، يعني بلا زيادة أو تعد ، ولم ينقل عن أحد من الصحافيين أنه خطف إنسانا، حتى يرد عليهم بالمثل، فكان من الواجب احترامهم ، ومساعدتهم على القيام بعملهم الإعلامي . و الدليل على تحريم خطف الصحافيين ما يلي : 1- أن هذا الخطف نوع من الاعتداء وهو محرم بنص القرآن ، قال تعالى :" (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) البقرة:، وقد قال العلامة الشيخ القرضاوي : وقد فسر الاعتداء المنهي عنه هنا بأمرين: إما بقتال غير المسلمين الذين لا يقاتلون المسلمين، ولا يعادونهم، أو يظاهرون عليهم عدوا. وإما بقتل النساء والأطفال والشيوخ الضعفاء والزمنى والعميان وأمثالهم ممن ليسوا من أهل الحرب والقتال، وليس لهم فيها مشاركة ببدن ولا رأي. وهو مروي عن ابن عباس. وأقول : الاعتداء هنا منهي عنه بعيدا عن الدين ، فإن كان الفقهاء يقولون بأنه لا يجوز أن يعتدي المقاتلون المسلمون على غير المسلمين ، فإني أحب أن أؤكد على أصل الحرمة بعيدا عن الدين، فلا يجوز خطف الصحافيين المسلمين أو غير المسلمين، لأنه نوع من الظلم ، وقد جاء الحديث القدسي الصحيح: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا". وإن كان العدوان محرما بصفة عامة، فإن القرآن الكريم أكد على تحريمه في حالة الكره ، وأكد ألا يدفع الكره الناس إلى العدوان ، قال تعالى : (ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) المائدة: 2. بل منطوق الآية يؤكد أنه مهما كان كره بعض المسلمين لقوم بسبب قيامهم بخطأ كبير ، فلا يكون ذلك أيضا دافعا للاعتداء عليهم ، ولعل من إعجاز الآية ذكر المسجد الحرام ، وما له من مكانة في نفوس المسلمين ، ومع أن المشركين صدوا المسلمين عن المسجد الحرام ، غير أن هذا لا يدفع إلى العدوان المحرم ، لأن المسلمين لا يساقون ، وإنما لهم قيم تحكمهم ، ودستور ضابط لسلوكهم ، فليسوا إمعة ، حتى في الاعتداء ، وقد قال عليه السلام: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك). 2- أن خطف الصحافيين حبس لحرية الإنسان ومن المعلوم أن الحبس نوع من التعزير ، والتعزير لا يكون إلا عند ارتكاب خطأ في غير الحدود ، ويكون بإذن ولي الأمر ، إن كان هناك داع للحبس ، وقد قرر بعض فقهاء العصر إلى أن مقاصد الشريعة لا تتوقف عن الخمسة المشهورة ، وهي " النفس ، والمال ، والدين ، والعقل، والنسل "، بل رأوا أن هناك مقاصد كبرى أيضا قد لا تقل أهمية عن الخمسة ، وجعلوا على رأسها الحرية، بل إنا نلحظ أن الله تعالى مع كونه أوجب على الناس الإيمان به ، وتوحيده ، وعدم الإشراك به ، وهو الذي خلقهم وأوجدهم من عدم، وهو الذي يحاسبهم ويرزقهم....إلخ، ومع كل هذا ما أجبر الناس على فعل شيء مما أمرهم به ، بل قال تعالى :" وهديناه النجدين" ، وقال :" فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" ، وقال :" لا إكراه في الدين " ، لأن حقيقة الطاعة لا تكون إلا في جو من الحرية ، وقد جبل الإنسان على كره الإكراه ، ولو في الخير ، فكيف تسلب حرية الإنسان وتستباح ؟ ثم إن الخطف نوع من الحبس بلا ذنب ، ولا يشترط في الحبس أن يكون في مكان معد للحبس، بل قد يكون منع الإنسان عن مباشرة حياته نوعا من الحبس المحرم ، وقد عرف الفقهاء الحبس بأنه "فالحبس هو : تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه والخروج إلى أشغاله ومهماته الدينية , والاجتماعية . وليس من لوازمه الجعل في بنيان خاص معد لذلك , بل الربط بالشجرة حبس , والجعل في البيت أو المسجد حبس . الموسوعة الفقهية ، ج16/283 والحبس لا يشرع إلا في الاتهام ، مع الاختلاف الوارد بين الفقهاء في مشروعيته ، وإن كان الراجح جواز الحبس للمتهم ، غير أن خطف الصحافيين وحبسهم عن عملهم في غير محله ، لأنهم غير متهمين . ولقد عاب الله تعالى على المشركين محاولتهم اعتقال الرسول صلى الله عليه وسلم وحبسه ، حين قال: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله و الله خير الماكرين " ( ) فعلم أن الاعتقال والحبس بلا ذنب ولا جريرة محرم شرعا ، ومعنى الاعتقال والحبس هنا في قوله " ليثبتوك" ، فمع كون العرب لم يكونوا يعرفون المعتقلات ، بل ربما كان الحبس في البيت أو في أي مكان آخر ، بحيث يكون ظاهرا للناس ، ولكنهم يمنعونه عن الحركة وممارسة الحياة . 3- القياس على رسل الحرب ومن المعلوم أن رسل الحرب الذين كانوا يبلغون الرسالات بين الطرفين المحاربين، فيرسل هذا رسولا للآخر ، ويرسل الآخر رسولا لمن أرسل إليه ، لطبيعة الحياة البدائية آنذاك ، ولم تكن وسائل الاتصال بهذه السرعة ، والتي وصفت بحد الثورة " ثورة الاتصالات" ، إلا أن الأعراف الدولية ، ومعهم الشرع ، جعلوا حماية خاصة للرسول ، وأن رسل الحرب لا تقتل . فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : "لا أحبس البرد" -أي الرسل-. (رواه أبو داود، برقم: 3 / 110، وصحّحه الألباني). وقال ابن مسعود: "مضت السنّة أن الرسل لا تقتل" (رواه البيهقي برقم: 9/212) بل وصلت عظمة الإسلام في أنه حرم قتل رسل الحرب،و إن كان منهم من لو لم يكونوا رسلا لكان مباحا قتلهم. فقد نقل الطحاوي في كتابه " مشكل الآثار" عن ابن مسعود – رضي الله عنه –قال { كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا فجاءه ابن النواحة ورجل معه يقال له ابن وثال حجر وافدين من عند مسيلمة فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أتشهدان أني رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالا أتشهد أنت أن مسيلمة رسول الله ؟ فقال : آمنت بالله عز وجل وبرسوله , لو كنت قاتلا وفدا لقتلتكم. وساق روايات عن رسل لمسيلمة لم يقتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال الطحاوي: فتأملنا هذه الآثار طلب الوقوف على المراد بما فيها من رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوفود أن لا تقتل , وإن كان منها مثل الذي كان من ابن النواحة وصاحبه مما يوجب قتلهما لو لم يكونا رسولين فوجدنا الله - عز وجل - قد قال : في كتابه لرسوله { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } أي فيتبعه أي يجب عليه المقام حيث يقيم المسلمون سواه أو لا يتبعه فيبلغه مأمنه وكان في تركه اتباعه بقاؤه على كفره الذي يوجب سفك دمه لو لم يأته طالبا لاستماع كلام الله - تعالى - فحرم بذلك سفك دمه حتى يخرج عن ذلك الطلب ويصير إلى مأمنه فيجعل بعد ذلك سفك دمه فكان مثل ذلك الرسل الذين يبلغون من أرسلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جوابه لهم فيما أرسلوهم فيه إليه منه وسماعهم كلام الله عز وجل ليكون من يصيرون إليه بذلك يقبله فيدخل في الإيمان أو لا يقبله فيبقى على حربيته وعلى حل سفك دمه فهذا عندنا هو المعنى الذي به رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرسل القتل , وإن كان منهم ما يوجب قتلهم لو لم يكونوا رسل. انظر: مشكل الآثار للطحاوي، ج4/299-302، بل لو كان الرسول مرتدا عن الإسلام ، وهو ما يوجب القتل عند بعض الفقهاء غير أن بقاءه في وظيفته كرسول يرفع عنه الاعتداء بأي شكل من أشكاله ،فكان أولى الحفاظ على الصحافي أيا كان دينه أو معتقده . وإن كان الإسلام قد أمر بالحفاظ على الرسول الحربي ، الذي جاء من عند العدو المحارب، وقد حفظت له حياته ، فكان الإبقاء على حياة الصحافيين الذي يمثلون رسلا عامة للمجتمع الإنساني أولى بالحفاظ عليها ، وعدم التعرض لهم ، لا بالقتل ولا بالحبس ولا بالإيذاء . 4- أن الصحافيين من المدنيين الذين لا يجوز التعرض لهم : والمتتبع لدستور الأخلاق في القتال والجهاد يرى أن الإسلام استثنى أصنافا من الناس ، كالمرأة والشيخ الهرم ، والصبي الصغير، و الراهب في صومعته ، و أهل الكنائس الذين لا يخالطون الناس ، و الفلاحين الذين يقومون بزراعة أرضهم و الأجراء عند الناس ، وغيرهم ، وقد صحت بذلك الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته : أ- أما عن الفلاح ، فعن ابن عمر – رضي الله عنهما ، أنه قال : اتقوا الله في الفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب". ب- أما الأجير ، فلما روي { أن النبي عليه السلام مر بامرأة مقتولة فقال : هاه , ما كانت هذه تقاتل , أدرك خالدا فقل له : لا تقتلن ذرية ولا عسيفا } . ت- أما الشيخ الكبير ، فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا تقتلوا شيخا فانيا , ولا طفلا , ولا امرأة } , ولما روي عن ابن عباس في قوله تعالى : { ولا تعتدوا } يقول : " لا تقتلوا النساء والصبيان , والشيخ الكبير " وروى مالك في (الموطأ) عن أبي بكر الصديق أنه أوصى يزيد بن أبي سفيان ـ أحد قواده إلى الشام ـ فكان مما قال له: إنك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله (يعني: الرهبان) فدعهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له. وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ث- بل نقل الحطاب- من فقهاء المالكية – عن بعض الفقهاء أنه لا يجوز قتل الأجراء والحراثين وأهل الصناعات إذا لم يخش من جهتهم ، وأمنت فتنتهم . انظر: مواهب الجليل شرح مختصر خليل للحطاب، ج3/352 وبالنظر إلى العلة التي أعفت هؤلاء من القتل أنهم بلغة عصرنا " مدنيون " لا يشاركون في القتال، وإن كان الفقهاء قديما نصوا على عدم التعرض لهؤلاء الأصناف، فإنه يلحق بهم كل مدني لا يشارك في القتال ، وعلى رأسهم الصحافيون . 5- أن الخطف خلف للوفاء بعقد الأمان والعهد : وذلك أن الدساتير الدولية أجمعت على أن العاملين في الصحافة ممن لهم عقد الأمان ، ولهم ذمة وعهد في أية دولة يدخلونها ، وذلك بموجب دخول الدول في هيئة الأمم المتحدة، وقد نصت المادة (79)من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جينيف لسنة 1949 "يعد الصحفيون الذين يباشرون مهمات مهنية خطرة في مناطق النزاعات المسلحة أشخاصاً مدنيين ... يجب حمايتهم بهذه الصفة بمقتضى أحكام الاتفاقيات وهذا البروتوكول، شريطة أن لا يقوموا بأي عمل يسيء إلى وضعهم كأشخاص مدنيين، وذلك دون الإخلال بحق المراسلين الحربيين... "،وهذا قانون دولي يوافق دستور الإسلام في عدم التعرض للمدنيين ، ونحن لا نقول إن الإسلام وافق "اتفاقية جينيف" ، بل نقول: إن اتفاقية "جينيف" أقرت ما ذهب إليه فقهاء الإسلام . والمحافظة على هذه العهود والمواثيق الدولية يجب احترامها ، لقوله تعالى :" ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " ، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم " أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك" . ولا يجوز نقض هذا العهد ، إلا إذا خالف الصحافيون مهنتهم ، وتحولوا من مدنيين يقومون بواجب الإعلام الإنساني عن الأحوال الحربية وقت القتال والاحتلال ، فإن أصبحوا جزءا من جيش المحتل بأي صورة من صور الجيش ووظائفه . 6- خطف الصحافي امتهان لكرامة الإنسان الذي فضله الله بها على كثير من خلقه: كما قال تعالى :" ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ، ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" ، فمن أهم ما كرم الله تعالى به الإنسان أن يعيش حرا غير مقيد عند أحد ، فهو فرد في المجتمع الذي يعيش فيه ، ليس على غيره سلطان إجبار، بل سخر الله تعالى للإنسان ما في الكون ، فهو صاحب الحرية ، وغيره فاقدها ، وهذا ما أشار إليه الإمام ابن جرير الطبري في تفسير الآية حين قال في معنى الآية ": بتسليطهم على سائر الخلق , وتسخير سائر الخلق لهم" تفسير ابن جرير، تفسير الآية ، والأسير و المخطوف قد يكون مسخرا في حالة خطفه وأسره ، ويسلب منه نعمة إلهية دون ذنب اقترفه ، وكأن حق الحرية حق إنساني من الله تعالى لخلقه جميعا ، فكان واجبا الحفاظ عليه ، وعدم التعدي إليه إلا بحقه ، فقد حرم الله تعالى القتل ، ولكنه أباحه في حالة القتل العمد وغيره من الأمور التي تعتبر استثنائية من القاعدة العامة ، فكان الحال في بقاء الإنسان حرا دون خطف أو أسر هو من أصول المعيشة التي جعلها الله تعالى للإنسان في الأرض. 7- خطف الإنسان نوع من الإفساد من المعلوم شرعا أن رسالة الإسلام هي رسالة إصلاح إنساني، ولهذا وجدنا الله تعالى يخاطب رسوله مبينا طبيعة هذه الرسالة بأنها رحمة للعال |