2005/09/21
ظاهرة مغربية شاذة
تتعامل الدولة المغربية بمنطق غريب مع ملف معتقلي الرأي خاصة
وعموم المعتقلين السياسيين. وهو منطق يعتمد الاحتفاظ بمجموعة من
المعتقلين واستخدامهم وسيلة لتلميع صورتها بحسب الحاجة إلي ذلك.
وقــــد استمر هذا المنطق حتي بعد تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة
التي عهد إليها بمعالجة ملفات انتهاك حقوق الإنسان في المرحلة بين
سنتي 1956 و1999. واستنادا إلي تقارير المنظمات الحقوقية فإن ظاهرة
الاعتقال السياسي لاتزال مستمرة في المغرب، إذ يتعلق الأمر بثمانية
وعشرين من معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين الموزعين علي مجموعات
مختلفة.
تستعد اللجنة العربية لحقوق الإنسان لإصدار تقرير شامل عن وضعية
حقوق الإنسان بالمغرب، يركز أساسا علي استمرار ظاهرة الاعتقال
السياسي، حيث يشير التقرير إلي ثلاثة أصناف من المعتقلين: صنف أول
يتعلق بالمعتقلين السياسيين المنسيين، الذين اعتقلوا قبل سنة 1999،
وصنف ثان يتعلق بالمعتقلين السياسيين بعد سنة 1999، وصنف ثالث
يتعلق بالأسري المغاربة لدي البوليزاريو في تــــندوف جنوب الجزائر
(تم الإفــــراج عن الدفعة الأخيرة البالغ عددهم 404 في اب الماضي
ولم يتبق لدي البوليزاريو إلا حوالي 200 من الذين يجهل مصيرهم).
وهــــو تقرير يثير الانتباه إلي ظاهــــرة الاعتقال السيــــاسي
باعتبارها أحد أبرز مظاهر انتهاك حقوق الإنسان وتقييد حريته
بالمغرب.
وإذا كانت هذه الظاهرة أحد أبرز مميزات مغرب عهد الاستقلال خاصة
أثناء حكم الحسن الثاني الذي استمر لثلاثة عقود، فإنه رغم الإفراج
عن أغلبية معتقلي الرأي والسجناء السياسيين في يوليو 1994 تمهيدا
لتجربة التناوب بين القصر الملكي وحزب الإتحاد الاشتراكي الذي كان
يشكل مركز ثقل المعارضة آنئذ، فإن هذه الظاهرة ماتزال مستمرة
بالمغرب لحد الآن. حيث تعتمد الدولة منطقا غريبا في التعامل مع هذه
القضية، وهو منطق يعتمد الاحتفاظ بمجموعة من المعتقلين واستخدامهم
وسيلة لتلميع صورتها بحسب الحاجة إلي ذلك. وهكذا تم استثناء حوالي
90 من المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي من الإفراج سنة 1994، ليتم
إطلاق جزء منهم (حوالي 30) في يوليو 1998 في عملية إفراج جزئي.
وبعدها بست سنوات عادت الدولة لإطلاق سراح دفعة جديدة في يناير
2004 (33 معتقلا) لتحتفظ مجددا بمجموعة أخري يبلغ عددها 28 معتقلا
سياسيا دون الاعتراف طبعا بهويتهم كمعتقلين سياسيين، لأن ذلك لايتم
إلا بعد عملية الإفراج، حيث يتلو وزير العدل بيانا رتيبا يؤكد فيه
أن المفرج عنهم يعتبرون آخر المعتقلين السياسيين بالسجون المغربية،
وبأن هذه الأخيرة أصبحت فارغة من هذا الصنف من المعتقلين بعد عملية
الإفراج. وبهذه الطريقة كان يظهر بشكل جلي نزوع الدولة المستمر
للاحتفاظ باحتياطي من هؤلاء للتوظيف السياسي في مراحل مقبلة.
وقد استمر هذا المنطق حتي بعد تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة التي
عهد إليها بمعالجة ملفات انتهاك حقوق الإنسان في المرحلة بين سنتي
1956 و1999. غير أن نضال النسيج الحقوقي المغربي (خاصة الجمعية
المغربية لحقوق الإنسان ومنتدي الحقيقة والإنصاف) وكذا دعم
المنظــــمات الحقوقية العربية والدولية، في مجال التصـــــدي
لانتهاكات حقوق الإنسان واستمرار مظاهرها بالمغرب (وضمنها ظاهرة
الاعتقــــال السياسي) شكل العامل الأساس الذي أجبر الدولة
المغربية علي القيام بخطوات جزئية لاحترام حقوق الإنسان وضمان عدم
إهدارها.
وبالاقتصار علي المرحلة التي تختص هيئة الإنصاف والمصالحة
بمعالجتها، واستناد إلي تقارير المنظمات الحقوقية المغربية
(الجمعية، المنتدي، المنظمة والمركز المغربي) والعربية (اللجنة
العربية لحقوق الإنسان والمنظمة العربية لحقوق الإنسان) والدولية
(منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش) فإن ظاهرة الاعتقال
السياسي ماتزال مستمرة في بلادنا، إذ يتعلق الأمر بثمانية وعشرين
من معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين الموزعين علي مجموعات
مختلفة، أبرزهم أحمد شهيد وأحمد الشايب (مجموعة 71) اللذين قضيا في
السجون المغربية 23 سنة، حيث أصبح أحمد شهيد أقدم معتقل رأي في
إفريقيا والعالم العربي، ومن أقدم المعتقلين السياسيين في العالم
(إذ استثنينا بعض قدماء الأسري الفلسطينيين في السجون الصهيونية،
وكذا بعض الأسري المغاربة مجهولي المصير لدي البوليزاريو جنوب
الجزائر، وهي مفارقة تدعو إلي التأمل والاستغراب)، إضافة إلي
المعتقلين عبد الوهاب النابت، عيسي صابر وميمون النابت (مجموعة
محاكمة مراكش 1985). وأفراد مجموعة محاكمة فاس 1994 التي تتشكل من
عبد السلام كرواز، كمال بنعكشة، عبد الرحمان بوجدلي وهامل مرزوك.
إضافة إلي مجموعة طلبة العدل والإحسان البالغ عددهم 12 عضوا
(معتقلون منذ 1991)، ومجموعة المحاكمة العسكرية بالرباط (1996)
التي تتكون من المعتقلين عبد القادر العمراني، محمد بورويس، خالد
العيداوي، الشجعي الواسيني، عبد الرحيم قريوج، الأخضر بنشعو وعبد
السلام بوتشيش.
ومن المفارقات التي يحملها هذا الملف أن لائحة الثمانية والعشرين
معتقلا سياسيا الذين ما يزالون وراء القضبان، تتضمن اثني عشر اسما
يوجدون ضمن لائحة منتدي الحقيقة والإنصاف باعتبارهم معتقلين
سياسيين ينبغي الإفراج عنهم، منذ أن كان إدريس بنزكري رئيسا له عقب
تأسيسه كمنظمة مدنية تعني بضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق
الإنسان. غير أنه لم يتم الإفراج عنهم بعد تأسيس هيئة الإنصاف
والمصالحة كإطار رسمي يتولي رئاسته مناضل سابق في مجال حقوق
الإنسان، ليقتصر الإفراج علي ثلاثة وثلاثين من المعتقلين السياسيين
غداة الإعلان عن تنصيب الهيئة يوم 7 يناير 2004.
فهل يتم الإفراج عمن تبقي من هؤلاء بمناسبة إنهاء الهيئة لعملها
وتقديم تقريرها النهائي لرئيس الدولة بداية شهر ديسمبر القادم ؟ أم
أن منطــــق الاستثناء سيظل سيــــد الساحة، ليستمر هؤلاء
المعتقلون رهائن لدي الدولة في انتظار فرصة أخري تقتنــــصها
الأجهزة لتوظيف هذا الملف في تحسين صورتها والدعاية لإجراءات جزئية
في مجال حقوق الإنسان، سرعان ما تنكشف محدوديتها في أول اختبار
تتعرض له أجهزة السلطة، لتنكشف حقيــــقتها القمعية التي لاتتورع
أمامها عن ارتكاب أبشع الانتهاكات مثلما حصـــــل ببلادنا بعد
أحداث 16 مايو 2003 عقب دخـــــول قانون الإرهاب ـ سيئ الذكر ـ إلي
حيز التطبيق رغم رفض القـــــوي الحية ببلادنا له، بسبب خطورته علي
حقوق وحريات الأفراد والجمــــــاعات من جهة، وبسب كونه تطبيقا
لأجنـــــدة خارجية (أمريكية بالأساس) من جهة أخري.
*كاتب
من المغرب