|
حرية التعبير والتكامل الأوروبي العربي |
|
الدكتورهيثم مناع |
|
حققت حادثة الرسوم المسيئة للرسول الكريم تعبئة شعبية لا سابق لها في العالم الإسلامي وخارجه.
ويحتاج تقييم
الكتابات والمنتديات والمؤتمرات التي وقعت حتى اليوم لتناول مستقل لمناقشة
موضوع في غاية الأهمية هو قدرة العرب والمسلمين على الاستفادة من الهبات
التلقائية والتعبئة في صفوف العامة للحصول على مكاسب تتناسب مع التحرك،
بحيث يمكن الربط بين القضايا والانتقال من الرمز إلى الجوهر. بتعبير آخر،
هل تمكن الدعاة الكبار من ربط قضية الرسوم المسيئة بقضايا مسيئة لا يمكن
فصلها عنها، تمس العقيدة كما تمس كرامة الناس مثل احتقار القرآن الكريم في
غوانتنامو، حصار المسجد الأقصى وتهديد بنيانه، الاعتداء على الأماكن
المقدسة في العراق، الربط بين الإساءة للعقيدة والإساءة لحاملها
(الإنسان...) إلى غير ذلك من أسئلة تضع على المحك القدرة على عقلنة وترشيد
عمليات التعبئة بحيث لا تنحصر ثم تنحدر إلى استجواب بشأن الموقف من
اعتذارات هذه الشركة أو ذاك المسئول؟
هل هي الغيرة
على حرية التعبير؟ أين كانت هذه الغيرة عندما جرى إغلاق تلفزيون أكراد
تركيا أو محطة المنار؟ أين منا تلك الغيرة التي تصمت بشكل مخجل عن اعتقال
صحافيين أبرياء كسامي الحاج في غوانتنامو وتيسير علوني في مدريد؟ غيرة لا
تعطي في الصحافة الأوروبية والأميركية حيزا يذكر لكارثة اغتيال واختطاف
الصحافيين العراقيين من كل الأطراف المشاركة في الصراع على العراق. أمام
قراءة المزايدات اللفظية في حرية التعبير لا يمكن إلا استحضار جملة الصديق
منصف المرزوقي حين يقول: «يخايل إليك وأنت تقرأ من يلعب ورقة هذه الحجة
أنهم يسخرون من ذكائك... أو من اطلاعك على جملة المبادئ التي أسست لحرية
تؤطرها قوانين تمنع الثلب والتحقير والافتراء وتعاقب عليها. فلا وجود في أي
من البلدان الديمقراطية لمبدأ حق في المطلق وحرية غير مشروطة». ليس كل من يخوض الصراع يستحق الاحترام، وكل من يسعى للحوار بريئا... فهذه القضية تفتح الأعين على حشد ضخم من التراجعات والإحباطات والخدع التي جعلت الشك يتحول إلى قيمة سلبية عامة في عالم أصبح التدخل فيه عدوان على الحق في الاختيار، والحق في التكوين الذاتي للشخصية، والحق في تقرير المصير الفردي والجماعي، والحق في استعمال التقنيات الحديثة من دون رقيب يتابعنا حتى في السيارة الخاصة التي كان الرادار يكتفي بتسجيل رقمها فصار يصور من فيها. وأخيرا وليس آخر، الحق في المشاركة في صنع العالم. هذه الحقوق التي ضربها مفهوم مختزل وفوقي للتدخل يسمح لنفسه بإعادة رسم ثقافة الآخر ومكانه من خارجه ومن فوق رأسه. وفوق كل هذا يحتكر فيه امتياز «القدرة» على تقدير الأشياء وتحديد المواقف ورسم معالم ومعايير الخير والشر. وهو بذلك يخلق لا محالة إحساسا متصاعدا بالإحباط والريبة بل الخوف من الآخر، خوف يختلط فيه العقلاني بالانفعالي لتضيع الحدود بين مجرد الحذر ومشاعر الحقد. حققت ثورة الاتصالات تواصل العالم مع العالم بلا حدود. ففي أكثر المناطق محافظة واحتشاما يمكن لمراهق أن يتابع على الفضائيات أفلاما جنسية خليعة، وفي أكثر المناطق علمانية يمكن متابعة البرامج الدينية الأكثر محافظة من دون الخروج من المنزل. العالم يكتشف في كل يوم نقاط تشابهه واختلافه، بشكل فوضوي وعشوائي، من دون ضوابط ونواظم، قانونية كانت أم أخلاقية. وفي هذه الفوضى ومنها، يشعر كل مشارك بأنه طرف كامل العضوية في الفعل الثوري ألمشهدي lصacte revolutionnaire du spectacle . وبالتالي قادر على استعماله وتوظيفه، إن لم يكن كمالك لوسيلة الإعلام، ففي الحد الأدنى كموضوع لها.
عالم جعلنا حتى أمس قريب نعيش مع عقدة اسمها الرقابة، باتت
في أعماق كل مفكر حر أقوى من عقدة أوديب، ومع نظم رأي الآخر وموقفه في
ثنائية الأفضل والأسوأ، الخير والشر، الديمقراطية والإرهاب، الثورة والثورة
المضادة، الخ.. ثنائيات جعلت العدو شرطا من شروط الدينامية الثقافية
والسياسية والاقتصادية بالمعنى الأسوأ للدينامية. هذا العالم يجعلنا نضطرب
اليوم في هذا التشابك الحاد بالسلاح الأبيض والأسود بين أزمة الحضارة
وطموحات من هم خارجها بهدف إعادة صوغ العلاقة بين الحضارات والثقافات.
في مواجهة الجمع بين عنجهية القوة ومحدودية الخطاب السياسي
للإدارة الأميركية، ثمة شعور قوي بأن هذا العالم يقبع في قارب مختل
التوازن، ليس الربان فيه العنصر الأكثر حكمة وحنكة وخبرة. كما وأن تراجع
الأقوى عن القيم التي أوصلته لمواقعه، يخلق حال خوف عامة عند أصحاب كل
القيم على اختلافها وغناها وتنوعها. فعندما تهتز نقاط الارتكاز يعود كل
مشارك في اللعبة العالمية إلى دائرته الضيقة، باعتبارها النواة الصلبة
القادرة على بث روح الطمأنينة الإنسانية الأولية في وجه غياب الأمن بالمعنى
العام.
في قضية الرسوم المسيئة هناك وقوع في هذا المنطق وأحيانا
من قبل علماء كبار. ولا أذيع سرا إن قلت، منذ أسابيع ونحن نستلم مئات
خطابات تعبئة ورسائل هجاء أقلها شتما وقذفا: في الدين كما في السياسة، لا ضير من توظيف حدث للدعاوة والتبشير، وليس لأحد الحق في مواجهة ذلك الخطر الذي نحاول التنبيه إليه، هو أن يسقط البعض في منطق صراع الحضارات الذي يجعلنا نخسر معسكرا واسعا من غير المسلمين يناضل معنا كل يوم من أجل التكامل والتفاعل والحوار البناء بين الحضارات والتضامن بين المجتمعات المدنية على الصعيد العالمي.
أخيرا، من
الضروري التذكير أن المعارك التي تبدو في الظاهر سهلة هي أحيانا الأصعب في
العمق. فأوروبا «العجوز» تحديدا، هي القادرة اليوم، بموآزرة العالم
الإسلامي، على لعب دور صمام الأمان الاستراتيجي والثقافي والسياسي على
الصعيد العالمي. صمام أمان أمام سياسية أميركية متهورة، واستقالة صينية
متعمدة، وإعادة رسم للخريطة في أميركا اللاتينية. فما معنى خلق شرخ أوروبي
إسلامي في هذا الوضع بالذات؟ ولخدمة من استمرار الأزمة وزيادة الاحتقان
والتوتر والعنف بين الشعوب؟ عن صحيفة الوسط البحرينية في 7/4/2006 |