لقناة المنار الحق في أن تبث في الفضاء الأوربي

معاداة السامية هي نتاج لمأساة أوروبية ولا يجب تحويل المسؤولية باتجاه آخر


مقابلة مع عبد الهادي محفوظ ود.هيثم مناع

التقت القدس العربي في باريس مع رئيس المجلس الوطني للإعلام في لبنان السيد عبد الهادي محفوظ الذي كان في مهمة رسمية مع نظيره الفرنسي للتباحث في قضية قناة المنار ومواضيع أخري تتعلق بمستقبل الشراكة الإعلامية العربية الأوروبية، وبالدكتور هيثم مناع الناطق الرسمي للجنة العربية لحقوق الإنسان المهتم أيضا بمسألة المنار كقضية تطرح كثيرا من الإشكالات الموجودة في علاقة الثقافة العربية والغربية، وسألتهما عن آخر التطورات المتعلقة بتلفزيون المنار وعن الإجراءات الممكنة لتفادي الانسداد الحاصل في التعاطي مع ثقافة الغير بعيدا عن اللوبيات التي تحاول تسميم أي لقاء عربي وإسلامي ممكن مع العالم الغربي، تحت ذرائع ومسوغات مختلفة تصب كلها في تكريس الوضع الفوضوي السائد.
في البداية أوضح السيد عبد الهادي محفوظ، رئيس المجلس الوطني للإعلام في لبنان أن مهمته في باريس كانت بشكل أساسي محاولة للدفع باتجاه إيجاد ميثاق شرف أوروبي عربي لتفعيل مسألة الحوار بين دول منطقتنا وأوروبا، وإيجاد مساحات مشتركة حول مفاهيم القيم الإعلامية، وفي نفس الوقت مواجهة المشكلات التي تطرأ كمشكلة قناة المنار التي قد تطرأ في أي لحظة مع قناتي الجزيرة و العربية ، حتى تكون هناك مقاييس محددة لكيفية معالجة مثل هذه المشاكل، كما أن الحوار الإعلامي العربي الأوروبي يساعد علي تفعيل مسألة الشراكة التي ينتظرها الجميع سواء بالنسبة لبلدان المغرب العربي أو بلدان المشرق.
كما أكد في حديثه أننا نريد عبر هذه الحوارات، تغليب فكرة الحوار بين الحضارات علي فكرة الصدام بين الحضارات التي انتشرت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، والتي تتغذي من كتابات صاموئيل هنتنكتن وغيره.

وقال في هذا الاتجاه إننا نريد أن نسلط الضوء علي أن المشكلة الأساسية في المنطقة هي الصراع العربي الإسرائيلي التي ستبقي مصدر فوضي دائمة طالما لم يتم التوصل إلي حل عادل وشامل لهذه المشكلة عبر الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة سواء في الجولان أو لبنان أو في الصفة الغربية وبالتالي لا بد من إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وخارج هذه المقاربة للسلام فان المنطقة مقبلة علي فوضي واسعة جدا تضر بمصالح أوروبا وبالتالي نحن نعلم بأن الشرق العربي هو قريب جدا من أوروبا وخصوصاً في ظل السياسات الأمريكية الحالية، التي تأخذ في العلاقة مع المنطقة عنصرين فقط هما وضع يدها علي النفط ومسألة أمن إسرائيل.

وحول قضية تلفزيون المنار أوضح رئيس المجلس الأعلى للإعلام المرئي والمسموع أنه يميل إلي التفاؤل للسماح لها من أن تلتقط من جديد في فرنسا، لأسباب حسبه لها علاقة بطريقة العمل داخل المحطة، فمنذ أربعة أشهر تقريبا لم ترتكب أية مخالفة، ذلك أنه أي المنار، وضعت لنفسها ميثاقا داخليا لكيفية السلوك والتعاطي مع المواضيع يأخذ في الاعتبار إسقاط الأعذار التي يلجأ إليها البعض لإثارة مشكلة معاداة السامية أو غيرها.
وأكد السيد عبد الهادي محفوظ في هذا الاتجاه أن المنار علي علاقة مع المجلس الوطني للإعلام في لبنان الذي يعتبرها قناة شرعية، ولذلك فهو يأمل أن يصدر القرار عن مجلس القضاء الفرنسي بشكل ايجابي لصالح المنار ، خصوصا أن فرنسا في رأيه تعتبر أن لبنان يدخل في سلّم أولوياتها في المنطقة، فإذا كانت تريد أن تنجح في سياستها في لبنان فالأحرى أن تأخذ في الاعتبار أن هذه القناة هي القناة الإسلامية الوحيدة التي يعتبر جزء من نشاطها فرانكفونياً أي أن نشرة الأخبار تصدر بالفرنسية وهذا أمر مهم في العلاقات الفرنسية اللبنانية.
وأوضح رئيس المجلس الوطني للإعلام في لبنان، أن كل اللبنانيين يقفون مع المنار ، بما فيه لبنان الرسمي ولبنان الشعبي ولبنان الإعلامي، وبالتأكيد فان المنار حسبه قناة إسلامية لكل العالم العربي، وإذن من مصلحة فرنسا أن تكون علي علاقة جيدة مع مسلمي لبنان لأن هذه القناة تنطق باسمهم وبالتالي بإمكانه أن تطل من خلالها علي العالم الإسلامي، فضلا علي أن فرنسا تسعي من منظوره لتكون ذات حضور في منطقة الشرق الأوسط، وموقفها كما هو واضح متميز عن الموقف الأمريكي عموما وهي اٌقرب إلي الأخذ بفكرة السلام الشامل والعادل، وكانت باستمرار قريبة من القضايا العربية، وهو لا يريد أن تشكل قضية المنار نقطة سلبية علي علاقة فرنسا بالمنطقة.

من جهته اعتبر الناطق الرسمي للجنة العربية لحقوق الإنسان، الدكتور هيثم مناع، علي علاقة في قضية الدفاع عن المنار ، أنه من الصعب أن نتفاءل بسرعة في عملية الشراكة بين المؤسسات الإعلامية العربية والأوروبية، بسبب أن هناك منعكساً شرطياً، اسمه المنعكس الاستعماري، فلبنان يبقي محافظاً لعقلية عدد هام من المسئولين الفرنسيين للأسف، مضيفاً أنه حتى عندما يطلب إلي شخص لبناني أن يرشح نفسه عليه أن يقوم بترشيح نفسه من باريس.
ودعا مناع إلي ضرورة التخلص من هذه العقلية، داعيا إلي عقلية الشراكة الحقيقية التي تعتبر الآخر بالغا عاقلا وله الحق في أن يعبر عن نفسه، مثلما يعبر في قناة ال بي سي يعبر في قناة المنار، لأن لبنان من وجهة نظره، مجتمع متنوع وهذا التنوع هو الذي يعطيه خصبه ويعطيه السلام الأهلي، وعندما يسيطر أي طرف أو يهيمن علي الآخر فسيؤدي إلي منطق الاضطراب الأهلي حتى لا نقول الحرب الأهلية.

وأكد هيثم مناع، أن فرنسا لديها عدة مراجعات واتهامات من قبل المفوضية السامية لحقوق الإنسان بسبب قرارات اتخذتها أولا فيما يتعلق بحرية الاعتقاد وثانيا فيما يتعلق بحرية التعبير بشكل عام، وفي هذا الاتجاه أبلغ الدكتور هيثم مناع القدس العربي أن اللجنة العربية لحقوق الإنسان ستتحرك عند المقرر الخاص لحرية التعبير للمطالبة بموقف صريح من فرنسا خاصة أن أوروبا اليوم تتجه نحو رفع الحظر تماما عن أي فضائية فكيف يمكن أن نقبل بعدم رفع الحظر عن قناة المنار ؟

وفي مقام آخر أوضح مناع أنه مع مجموعة من المثقفين العرب والفرنسيين سيطالبون بمقابلة رئيس الحكومة دوفيلبان لكي يسمع الرأي الآخر، لأنه في تقديره يستمع في كل الوقت إلي نفس الاسطوانة ونفس اللوبي، ويرى أن ذلك خلق عنده شعوراً بأن هناك صوتاً ضد اليهود وضد السامية وضد كل الشعب الفرنسي اسمه المنار، وهي فكرة مشوهة قدمت له ولعدد كبير من المسئولين الفرنسيين، مؤكدا في ذات الوقت أن هذه اللجنة لا تدعي أنها محامي المنار، إنما تعتقد أنه حق طبيعي المطالبة بمشاهدة المنار كغيرها من الفضائيات الأخرى.
وقال مناع في هذا الاتجاه انه ينبغي أن ننطلق من الواقع وليس من الطوباوية، فهناك مفاهيم في رأيه في حاجة إلي تدقيق وتعريف، فجريمة العدوان هي الجريمة الجسيمة الوحيدة في العالم التي لم يجر أي اتفاق علي تعريفها في اتفاقية روما سنة 1998، والمشكلات العويصة التي تدور حولها الصراعات الكبرى وهي الإرهاب والعدوان، كلمتان لا يوجد لهما تعريف مشترك لدى المؤسسات الدولية رغم وجود لجنة دولية
ad hoc متخصصة فقط في تعريف الإرهاب، ورغم وجود مجموعات عمل منذ 20 عاما تعمل علي تعريف كلمة العدوان، فلا عتب في هذا الفراغ الكبير في القانون الدولي من منظوره أن نجتمع على تعريف عالمي لفكرة العداء للسامية، متسائلا عما إذا كانت فعلا كلمة عالمية أو هي غير موجودة في الثقافة الصينية على سبيل المثال، لذلك يرى الدكتور مناع أن هذه الكلمة بالذات هي نتاج مأساة أوروبية، مأساة عانت منها الأقلية اليهودية دفعت فيها ثمنا لم تدفعه في أي منطقة في العالم خارج أوروبا، لا في العالم الإسلامي ولا غيره، وعليه فهي مشكلة أوربة مع نفسها وليس بالإمكان تحويل المسؤولية عنها باتجاه أناس لا علاقة لهم بهذا الموضوع على الإطلاق.

وأشار مناع إلى أن رئيس الحكومة الاسباني خوسيه لويس رودريغيث ساباتيرو كانت له فرصة كبيرة جدا لكي يخترق أوروبا بفكرته عن الحوار بين الحضارات والتفاعل فيما بينها. وقال مناع للأسف صدر هجوم كبير على الحكومة الاسبانية، وهي الآن تتراجع لأنها غير قادرة علي خوض هذه المعركة الثقافية الكبيرة التي تحتاج إلى دول عربية تخوض هذه المعركة بشكل جدي وليس بشكل مصلحي محدود، وإنما عبر كبار مثقفيها وكوادرها وعبر رجال دولة وليس موظفين، ومع شخصيات حقيقية ناضلت من أجل السلام والتقارب بين الشعوب في أوروبا، وإلا فإننا سنعطي في كل إجراء نقوم به الحق لصراع الحضارات ولكل من يبحث عن عدو وسنكون نحن هذا العدو.

باريس ـ القدس العربي ـ من شوقي أمين: القدس العربي 31/10/2005

عودة