عندما ينتحر القضاء السعودي


سامي المالكي*

 أيّدت محكمة التمييز يوم الاثنين الماضي 6/1/1426هـ الموافق لـ 14/2/2005م الحكم الذي سبق أن أصدره قاضي المحكمة المستعجلة يوم الأحد 5/8/1425هـ الموافق  19/9/2004م بسجن د.سعيد بن زعير خمس سنوات من تاريخ اعتقاله يوم السبت 27/2/1425هـ الموافق20/4/2004م .

وقد استهجنت جميع الأوساط – عدا الرسمية والمنتفعين منهم- استهجنوا هذا الحكم الذي أصدره القاضي سعد الشدي في حينه، وعلّق الجميع الأمل في رجال التمييز ليطمسوا سواد هذه الصفحة المظلمة من تاريخ القضاء السعودي خاصة وأنهم من كبار السن والعلم والخبرة ولا يتوقع أي أحد أن يقبلوا بأي ضغط من الحاكم – وزير الداخلية- حتى يؤكدوا هذا الحكم الذي أصدره القاضي بناء على توجيهات الحاكم –كما صرح بذلك القاضي في إحدى جلسات المحكمة أكثر من مرة – وقد علمنا قبل عدّة أشهر أن قضاة التمييز في الدائرة التي تولت دراسة حكم القاضي أن هؤلاء القضاة وهم : الشيخ سليمان الفيفي والشيخ سليمان الوهبي وقاض ثالث لم يعرف اسمه قد رفضوا حكم القاضي وأوردوا عليه جملة من الملاحظات الجوهرية والتي كانت محل رفض القاضي أكثر من مرة، حتى أصبح من المؤكد نقض الحكم وإحالة القضية لقاض آخر للنظر فيها من جديد حيث أن قضاة التمييز مصرون على ملاحظاتهم والقاضي مصر على رفضها وعدم الاستجابة لها، إلا أن ضغوطا مورست على القاضي ليقبل بعض هذه الملاحظات والتي كان أبرزها سؤال د.بن زعير عن التهم التي وجهت إليه وبالفعل أحضر بن زعير للمحكمة لدى القاضي نفسه ووجه له العديد من الأسئلة، إلا أن بن زعير رفض التفاعل مع إجراءات القاضي أو الإجابة على أسئلته مطالباً بحقه الطبيعي والشرعي والنظامي وهو تمكينه من حقه في اختيار محام للترافع عنه، حيث أن هذا الطلب قد جوبه بالرفض منذ اعتقال بن زعير حيث علم أن وزير الداخلية قد وجه تعليمات مباشرة بعدم تمكين د.سعيد من توكيل أي محام، وقد استجاب القاضي لهذه التعليمات ورفض السماح لابن زعير بأي محام بحجة انعدام الحاجة لذلك، وقد كان هذا الأمر محل ملاحظة قضاة التمييز في أول الأمر إلا أن التوجيهات التي بلغت للقاضي بلغت لقضاة التمييز أيضا فتنازلوا علن هذه الملاحظة وضرب الجميع بأنظمة البلد عرض الحائط ابتداء بالوزير والقاضي وقضاة التمييز للأسف الشديد فحق الاستعانة بمحام كفله نظام المرافعات الشرعية وكذا نظام الإجراءات الجزائية وكلاهما قد أقره مجلس الوزراء ولكن يبدو أن هذين النظامين قد استثنيا د.سعيد بن زعير من هذا الحق وهو استثناء سري لا نعلم به.

إن سقوط محكمة التمييز في هذا الفخ الكبير وتلطيخ سمعتها بظلم بن زعير لهو انتحار في زمن انتحر فيه النظام وأدواته، وإن لأي عاقل أن يتساءل أي جرم ارتكبه بن زعير حتى يحكم عليه بمثل هذه السنوات؟؟!!

لقد تحدث في برنامج تلفزيوني في قناة الجزيرة عن من يقوم بالتفجيرات وبين بعض مايعتقده هؤلاء المفجرون من عدم إرادتهم قتل رجال الأمن عمداً إنما ذلك يتم خطأ...وقد ذكر ذلك ناقلاً عن هؤلاء حيث ورد لهم في إحدى أشرطتهم المعروضة على قناة الجزيرة.. إلا أن كلامه قد حُرِّف وتم تلفيقه إعلامياً على أن هذا هو رأي شخصي لابن زعير، وعلى الرغم من الإفساد والتشويه المتعمّد لتصريحاته، إلا أنه أصدر بياناً صريحاً بأن هذه التفسيرات مخالفة لمراده، رافضاً كل ما أُلصق به من تشويه وتحريف، وألا يحمل كلامه مالا يحتمل البيان الصريح الواضح، إلا أن السلطات عاجلته بالاعتقال وشرعت في مسلسل طويل من مخالفات الأنظمة التي أصدرتها الحكومة، ثم كانت الفاجعة الموجعة للوطن بتسخير القضاة لظلمه حتى يتم تكميم صوته، وانتهاب حريته عقاباً لظهوره المتكرر على قناة الجزيرة.

إن الحكم الذي أصدر بحق بن زعيرظلم بيّن، وجور صريح، ومخالفة للعدل و الشرع، وما من عاقل إلا ويعلم أن هذا حكم مستهجن مسيس ليس بينه وبين الشرع أي قرابة أو نسب..

بقي أن نعلم أن الحكم الذي نطق به القاضي ليس كما يزعم البعض أنه من أجل تأييد الإرهابيين..لا وألف كلا، بل الكارثة أن الحكم بخمس سنوات سجن إنما هو من أجل الكلام في منبر الجزيرة والتحدث في المساجد في أمور لاتهم الناس –كما صرّح القاضي- وليس فيها أي إشارة لتأييده لمن يسمون الإرهابيين.

لقد تأكد لنا أن العدل في السعودية مفقود تماما وحرية الكلمة معدومة والقضاء غير نزيه وتابع للسلطة التنفيذية فأي حياة يعيشها ذلك الشعب المقهور الذي يسجن فيها أحد أساتذة الجامعات المعروفين وذوو السجل الاصلاحي والتربوي والاكاديمي ويحاكم لكلام أورده في قناة فضائية؟؟

أي استخفاف بالإنسانية وأي ازدراء تنظر به الحكومة لشعبها ومفكريها، وأي إصلاح تدّعيه؟؟

لو كانت مصيبتنا في قمع الداخلية المعهود لهان الأمر لكن أن تدور المحاكم بقضاتها في فلك الحكومة ..فهذا مالم يتوقع، وأي استقلال قضائي مزعوم؟

 

*مثقف وناشط حقوقي

عودة