العالم السري للسياسة


*محمود عوض

 لعل من التطورات الملفتة حقاً ما جرى فجأة في مجلس الشيوخ الأميركي أول الشهر الجاري. المجلس كان في اجتماع عادي إلى أن قطع هاري ريد زعيم الديمقراطيين الجلسة طالباً وقف جدول الأعمال الأصلي لمناقشة ما وصفه بمطلب من الشعب الأميركي حول قضية تلاعب إدارة الرئيس جورج بوش بمعلومات المخابرات منذ ما قبل أحداث 11/9/2001 إلى تبرير الذهاب إلى غزو العراق واحتلاله. الزعيم الديمقراطي قال إن الإدارة الجمهورية الحالية تلاعبت بالمعلومات لإقناع الشعب الأميركي بضرورة شن الحرب ثم حاولت تدمير مَنْ عارضوا أفعالها، واتهم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ بالإخلال بمسؤوليتها التشريعية من خلال تأجيل التحقيق في احتمال تلاعب إدارة جورج بوش بالمعلومات المخابراتية.

هكذا جرى منع الجمهور والصحافيين ومساعدي أعضاء مجلس الشيوخ من دخول القاعة التي عقدت فيها الجلسة الاستثنائية ولم يسمح للأعضاء بحمل تلفوناتهم المحمولة وأوقف عمل الكاميرات وخفض مستوى الإضاءة. تلك وغيرها من إجراءات صارمة تطبق فقط عند عقد جلسة تتعلق بالأمن القومي أو عند بحث إمكانية عزل رئيس الدولة . بعد تلك الجلسة السرية المفاجئة خرج زعيم الجمهوريين في المجلس يصب جام غضبه على الديمقراطيين بينما رد زعيم الديمقراطيين بأنهم لجأوا الى هذا الإجراء الاستثنائي بعد أن قضوا شهوراً وشهوراً يلاطفون الجمهوريين ويلحون عليهم للوفاء بالتزام سابق بمناقشة الكيفية التي تلاعبت بها إدارة جورج بوش بمعلومات المخابرات تبريرًا لغزو العراق.

أصل هذا الالتزام هو قرار سابق لمجلس الشيوخ في سنة 2003 ببحث الاستخدام السياسي للمخابرات، وهي خطوة لم يوافق عليها الجمهوريون في حينها إلا بعد شروط متعسفة سمحت لهم بها أغلبيتهم في المجلس. وبينما قامت لجنة المخابرات في المجلس بتحري فشل وكالة المخابرات المركزية ووكالات المخابرات الأخرى حتى ماقبل حرب العراق... إلا أن الجمهوريين أصرّوا على أن الجزء المتعلق بالتلاعب السياسي بمعلومات المخابرات - وهو بعد كل شيء القضية الأساسية - لا بد من تأجيله إلى ما بعد انتخابات الرئاسة في سنة 2004، حيث خوفهم الأكبر كان ان ثبوت تلاعب ادارة جورج بوش بمعلومات المخابرات تبريراً لغزو العراق ربما يؤثر بشدة على الفرص الانتخابية للجمهوريين ومن بينها فوز جورج بوش بفترة رئاسية ثانية. أما في ما بعد الانتخابات فقد استمرت المماطلة والتسويف الى أن تحرك الديمقراطيون فجأة في الأسبوع الماضي إصرارا على الجلسة السرية.

جاءت تلك الجلسة السرية أيضاً بعد توجيه خمسة اتهامات رسميا إلى مدير مكتب ريتشارد تشيني نائب الرئيس جوهرها تضليله للعدالة واستخدامه للصحافيين في الكشف عن شخصية موظفة بالمخابرات انتقاما من زوجها السفير السابق جوزيف ويلسون الذي كان قد أكد صراحة - في تقرير رسمي قبل حرب العراق - عدم صحة سعي نظام صدام حسين الى شراء مواد نووية من جمهورية النيجر... وهو الزعم الذي روجت له الإدارة رسميًا على لسان الرئيس جورج بوش ونائبه ديك تشيني وآخرين تضليلاً متعمدًا للشعب الأميركي وللعالم.

كانت حيازة صدام حسين لأسلحة دمار شامل وسعيه إلى المزيد منها هي المبرر الدعائي الذي استخدمته إدارة جورج بوش وفي ذيلها حكومة توني بلير للذهاب الى الحرب. وبكلمات بلير وقتها فإن «الإستراتيجية السياسية - التي في قلبها أسلحة الدمار الشامل - يجب أن تكون قوية بما يكفي لإعطاء الخطة العسكرية مساحة للعمل» بكلمات أخرى: بمجرد أن يتم فعلاً غزو العراق فإن الحرب سوف تبرر نفسها. وإزاء الأمر الواقع الجديد الذي يفرضه نجاح غزو العراق يصبح التدقيق في أسباب الحرب بلا معنى ولا قيمة إلا عند المؤرخين.

معظمنا يتذكر جلسة مجلس الأمن الشهيرة في الخامس من شباط (فبراير) 2003 التي جلس فيها كولن باول - وزير الخارجية الأميركي وقتها - وبجواره جورج تينيت مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية... مقدمًا عرضًا دراميًا للمعلومات الموثقة عن أسلحة الدمار الشامل لدى العراق.

عرض بالصوت والصورة مصحوب بلقطات من الأقمار الاصطناعية وتسجيلات لمكالمات تلفونية واعترافات موثقة... الخ. كان هذا قبيل الحرب. أما بعد الحرب فقد وقف الرئيس جورج بوش منتشيًا بين جنوده على متن حاملة طائرات كي يعلن في أول ايار (مايو) 2003 نجاح المهمة وانتهاء الحرب بالنصر الناجز. لكن مع التطورات على الأرض وتتابع سقوط القتلى والجرحى الأميركيين وتصاعد المقاومة العراقية للاحتلال لم يعد أحد يتوقف عند حقيقة أن أسلحة الدمار الشامل غير موجودة في العراق ولم تكن موجودة في أي وقت. وكانت أول حجة طرحها كبار مسئولي الإدارة علناً هي أنه ربما قام نظام صدام حسين بتهريب أسلحة الدمار الشامل الى سوريا المجاورة. الإشارة كانت مؤشراً مبكراً بنيات تالية لكن تلك قصة أخرى. وحينما أقر كولن باول - بعد تقاعده كوزير للخارجية - بأن ما طرحه في جلسة مجلس الأمن في شباط (فبراير) 2003 يمثل بالنسبة إليه العار الأكبر في حياته كلها... لم يتوقف أحد طويلا بالمراجعة، وسوف تستقر المسألة كلها عند سطور وربما صفحات ربما يسجلها كولن باول ضمن مذكراته تالياً معترفاً فيها بأنه تعرض للخديعة من المخابرات والرئيس... معاً.

منذ خريف 2004 علقت في ذهني كلمات سجلها صحافي أميركي في صحيفة متميزة من خلال نقاش له مع مسئول كبير في إدارة الرئيس جورج بوش طلب منه عدم الكشف عن اسمه. المسئول الكبير قال معلقًا على تساؤلات الصحافي: أنتم معشر الصحافيين والمعلقين والكتاب تعيشون في ما أسميه «مجتمع الحقيقة». أنتم اناس تؤمنون بأن الحلول تظهر فقط من دراستكم للحقيقة القابلة للإدراك. العالم لم يعد يعمل بهذه الطريقة. نحن الآن إمبراطورية. وحينما نعمل ونتصرف فإننا نخلق حقيقتنا الخاصة. وبينما أنتم تدرسون تلك الحقيقة - حتى ولو بطريقة حكيمة إذا شئت - فإننا سنتصرف مرة أخرى خالقين حقائق جديدة أخرى، وبهذا تتشكل الأشياء. نحن نعبر عن حركة التاريخ. وأنتم جميعا سيتم ترككم لتقوموا بمجرد دراسة ما نفعله.

من هنا لم يكن غريباً بالمرة غضب زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ الأميركي في الأسبوع الماضي من إصرار المعارضة الديموقراطية على جلسة سرية لمناقشة تلاعب الإدارة سياسياً بمعلومات المخابرات تبريراً للذهاب إلى غزو العراق، العقلية نفسها مستمرة، عقلية الذهاب أولاً لتغيير الحقائق على الأرض ثم الاعتماد بعدها على قوة الأمر الواقع من ناحية، وعلى ضعف ذاكرة الرأي العام من ناحية أخرى. أما الإدارة الأميركية نفسها ـ إدارة جورج بوش ـ فلديها ذاكرة قوية خصوصًا بالنسبة لخصومها. وما فعله مدير مكتب ديك تشيني نائب الرئيس بكشفه عن وظيفة زوجة السفير السابق جوزيف ويلسون في وكالة المخابرات المركزية (وهي جريمة فيدرالية حسب القانون الأميركي) هو نموذج بسيط عند تعامل الإدارة مع خصومها أو المعارضين لها

لكن خصوم هذه الإدارة ليسوا فقط من معارضيها السياسيين. لقد تابعنا في الشهر الماضي مثلا برنت سكوكروفت مستشار الأمن القومي السابق للرئيس جورج بوش الأب وهو يقول: «إن الشذوذ الحقيقي في الإدارة يتمثل في ديك تشينيي... انني أعرفه منذ ثلاثين سنة وأعتبره صديقاً. لكنني الآن لم أعد أعرفه... ان الترويج مثلاً للديموقراطية على الطريقة الأميركية يجب ألا يستخدم كذريعة للجوء إلى استخدام القوة في الخارج». سكوكروفت جمهوري قح ومستمر في صداقته مع جورج بوش الأب، وهو أيضا من أدخل كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية حاليا إلى الحكومة. ربما من أجل هذا توقف في انتقاداته اللاذعة عند حدود نائب الرئيس الأميركي.

لكن جمهورياً آخر، هو وزير الخزانة السابق بول أونيل، كان هو الذي استقال مبكراً من إدارة جورج بوش الابن وبعدها أصدر كتابا كشف فيه الطابع المغلق لرجال الإدارة وحرص الإدارة كلها بدرجة شاذة على أقصى درجات السرية في علاقاتها مع الآخرين وقيامها على أساس أن الولاء للرئيس شخصياً وللإدارة يعلو على أي التزام آخر. لقد لخص الوزير الجمهوري السابق انطباعاته بقوله: «هؤلاء الناس قذرون ولديهم ذاكرة طويلة... لكنني الآن رجل عجوز. ثم انني ثري بما فيه الكفاية، وليس هناك شيء يستطيعون عمله لإيذائي».

ربما. لكن العالم كله يتعرض للإيذاء من إدارة إمبراطورية يؤمن رئيسها بأنه مكلف من السماء بهداية البشرية وإعادتها الى الصراط المستقيم الذي لايكون مستقيما الا اذا كان أميركيا. وفي سبيل تلك الرسالة لايهم أن يسقط ألفا قتيل أميركي في العراق - بغير أن نذكر مئة ألف عراقي - ولا أن تتكلف الإمبراطورية بليوني دولار أسبوعيا للاحتفاظ بمئة وسبعين ألف جندي أميركي وسط شعب يرفضهم، ولا أن تتحول السيطرة على أفغانستان الى مجرد السيطرة على كابول العاصمة. كل تلك كانت بدايات عرفناها. لكن النهايات لم نعرفها بعد. ولعله من أجل ذلك اعتنقت الإدارة مبدأ: نخلق الوقائع أولاً... وبعدها ربما نناقش المبررات. حتى مناقشة المبررات راوغت فيها الأغلبية الجمهورية الحاكمة طويلاً قبل أن تفاجئهم في الأسبوع الماضي الجلسة السرية لمجلس الشيوخ، لكن، وحسب نظرية المسئول الكبير في ادارة جورج بوش السابق الإشارة اليه، فإن المسألة الأساسية هي: «نحن الآن إمبراطورية. وحينما نعمل ونتصرف فإننا نخلق حقيقتنا الخاصة. وبينما أنتم تدرسون تلك الحقيقة... فإننا سنتصرف مرة أخرى خالقين حقائق جديدة أخرى. وبهذا تتشكل الأشياء. نحن نعبر عن حركة التاريخ»... الخ.

الإمبراطورية خلقت حقيقتها الخاصة في أفغانستان . بعدها في العراق . حاليا في لبنان وسوريا. وبينما

« مجتمع الحقيقة» يهمه قبل كل شيء معرفة ومعاقبة من قتلوا رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري ورفاقه... فإن ما يهم الإمبراطورية هو سورية... من خلال القفص الحديدي الجديد الذي أدخلتها فيه. قفص الحكم مسبقا بأن سورية - وسورية تحديداً دون أي طرف آخر - هي الفاعل والقاتل والمطلوب الى المقصلة .

سورية مشتبه بها ضمن أطراف أخرى. لكن ما تفعله الإدارة الأميركية حتى الآن يذكرني بذلك القاضي الروماني القديم الذي كان يبدأ محاكمته للمتهم بمساءلته قائلا بصرامة: هل توقفت عن ضرب زوجتك؟ أجبني بكلمة واحدة... نعم... أم لا. في الحالتين: المتهم مذنب مسبقاً. في الحالتين... كان يضرب زوجته.

الحياة     - 06/11/05//

*كاتب مصري.

عودة