كلمات قاتلة


محمد علي الأناسي

 تاريخ 15/08/2006
في أحيان كثيرة يكون للكلمات وقع أشبه بالقنابل، نتيجة ما تنشره من دمار وما تلحقه من أضرار. وقع الكلمات لا يصيب مباشرة بالقتل أجساد الأطفال والنساء، كما رأينا مع آلة الحرب الإسرائيلية في الأسابيع الأخيرة، لكنه يمكن أن يصيب بالدمار كل ما حققته الجهود المضنية لمئات المثقفين من أجل تنبيه الرأي العام الغربي وأيقاظ ضمائره للضغط على حكوماته بهدف وضع حد لما يجري في لبنان من مجازر. المثال الفاقع لهذا النوع من الكلمات السامة هو التحقيق الذي نشرته بتاريخ 2872006 جريدة "لوموند" الفرنسية في صفحتين تحت عنوان "رؤية الحرب من إسرائيل" بتوقيع الكاتب الفرنسي برنار هنري ليفي (من أصل يهودي جزائري)، ووضعت له عنواناً فرعياً هو "رواية أسبوع من العيش تحت القذائف". ما فعله برنار هنري ليفي خلال الأسبوع الذي زار فيه إسرائيل "تحت القذائف"، ليس أكثر من مقابلة بعض المسؤولين الإسرائيليين بدءاً من وزيرة الخارجية تسيبي ليفني إلى القائد السابق للمنطقة الأمنية في جنوب لبنان إلى وزير الدفاع عمير بيرتس وصولاً إلى نائب رئيس الوزراء شمعون بيريس. تخللت هذه اللقاءات زيارات خاطفة لبعض القرى والمدن في شمال إسرائيل حيث قابل بعض العسكريين والمدنيين المختارين بعناية (من بينهم عائلة الجندي المختطف في غزة) واطلع على آثار القصف الذي أحدثته قذائف "حزب الله" في بعض المباني السكنية. لم تخل زيارة ليفي من رحلة خاطفة إلى مدينة سيدروت في الجنوب على حدود قطاع غزة المحاصر والمنكوب، والتي لم يجد ليفي تسمية لها أفضل من "المدينة الشهيدة" نكايةً بقطاع غزة.

أما الاستنتاجات التي خرج به ليفي من زيارته "السياحية" الخاطفة إلى إسرائيل وأتحف بها الرأي العام الفرنسي فليس اقل من مقارنة حال إسرائيل في قتالها ضد "حزب الله" بحال الجمهوريين الاسبان في قتالهم ضد الفاشية الفرنكوية. لم يفت برنار هنري ليفي التنبيه إلى أن "الفاشية ذات الوجه الإسلامي هي بالنسبة الى جيله، ما كانت عليه الفاشية ومن ثم التوتاليتارية بالنسبة الى الأجيال السابقة". ولأن الأمر كذلك، يصبح جنود الجيش الإسرائيلي في نظر ليفي مجرد شباب هواة في مقتبل العمر يخافون ويضحون كالصغار في كل مرة يطلقون القذائف من مدفعيتهم المتمركزة على الحدود. ولأن هؤلاء الجنود يشبهون لدى ليفي متطوعي الألوية الجمهورية في الحرب الأهلية الأسبانية، لم يجد الكاتب غضاضة في الإستشهاد بأندره مالرو وتعاطفه مع الجمهوريين الأسبان، من أجل أن يمتدح الجيش الإسرائيلي بعبارات من مثل: "جيش أكثر ظرفاً منه قتالاً، وأكثر ديموقراطية منه ثقة بالنفس وعنجهية".

طبعاً لم يغب عن برنار هنري ليفي أن يذكرنا بأن مختبراً الكترونياً متطوراً للحرب يقبع خلف رجال المدفعية هؤلاء، يعمل فيه جنود - علماء يمضون لياليهم أمام شاشات الكومبيوتر ليحسبوا بدقة فائقة مسار القذيفة وهدفها، تجنباً لأي خطأ يؤدي إلى إصابة أي موقع مدني!
ودائما في إطار تشبيه ما ليس هناك من وجه شبه بينهما، يتحدث برنار هنري ليفي عن إنسانية وزير الدفاع عمير بيرتس وسهره الليالي ليطمئن الى حياة جنوده المشتبكين في المعارك البرية على الحدود، ليخلص إلى تشبيهه بأبطال أندره مالرو الذين "يدخلون الحرب من دون أن يحبوها، وبسبب من ذلك ينتهون دائماً إلى ربحها".
ولتكتمل هذه المرافعة المبتذلة في الدفاع عن جرائم الدولة العبرية، لا يفوت برنار هنري ليفي أن ينازع الضحايا اللبنانيين والفلسطينيين حقهم في أن يتبوأوا منزلة الضحايا العزل والأبرياء في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية، فنراه يتساءل لماذا لا يتحدث أحد عن الضحايا اليهود الذين سقطوا بعد انسحاب إسرائيل من غزة؟ قبل أن يذكّرنا بأن "الدمار، الموت، العيش داخل الملاجئ، الحياة المنكسرة بسبب موت طفل، هي أيضاً حال إسرائيل".

البروباغندا القاتلة

قد يتصور البعض أن هذه البروباغندا المتماهية مع الجرائم الإسرائيلية، لا طائل منها ولا تأثير يذكر لها في أوساط الرأي العام الفرنسي وفي مراكز القرار، لكن من يعرف برنار هنري ليفي ومدى اتساع شبكة علاقاته في الأوساط السياسية والإعلامية، يدرك معنى أن تخصص له صحيفة "لوموند" منبراً على صفحتين لنشر سمومه الدعائية القاتلة. فبالإضافة إلى العلاقة الوطيدة التي تربطه برئيس مجلس إدارة الصحيفة جان ماري كولومباني، فإنه يتمتع بصداقات نخبة من رجال المال والسياسة من مثل امبراطور صناعة الأسلحة والإعلام لاكراديه ووزير الداخلية نيكولا ساركوزي، كما أنه يتبوأ منصب رئيس مجلس الإشراف على القناة الفرنسية - الألمانية المشتركة arte، ويكتب زاوية أسبوعية في مجلة "لوبوان الفرنسية"، ناهيك بأنه الضيف الدائم على معظم شاشات التلفزة الفرنسية ليتحدث في كل ما هب ودب، من سياسة وثقافة وفن وسينما.

 وإذا كان سبق لبرنار هنري ليفي أن لعب دور المراسل المدلل لصحيفة "لوموند" في مناطق ساخنة من العالم من مثل كولومبيا والجزائر وأفغانستان، فأنه في كل مرة كان يعود بمشاهدات ومواقف لا تكتفي فقط بمجافاة الحقيقة، بل تأخذ دائما جانب الظالم في وجه المظلوم. وها هو اليوم يعيد الكرة في تغطية الاعتداء الإسرائيلي على لبنان، لكن بشكل أكثر شراسة وانحيازاً. المؤسف أن مقالة من مثل ما كتبه برنار هنري ليفي، تأتي لتضعف كثيراً جهود مئات المثقفين والناشطين، من فرنسيين وعرب مقيمين في فرنسا، لكسب تأييد الرأي العام الفرنسي ولدفع الناس الى التظاهر في الشوارع ولإيجاد فسحة في وسائل الإعلام الجماهيرية لشرح حقيقة القضية اللبنانية.
أهمية مقالة برنار هنري ليفي، لا تأتي من عمق الأفكار التي يطرحها في هذه المقالة ولا من مكانة الكاتب الفكرية، لكنها تنبع من نفوذ ليفي وصلاته بصنّاع القرار ومن مركزية الصحيفة التي سمحت له بنشر هذه البروباغندا، القاتلة والكاذبة، في صدر صفحاتها.

المثقف السلبي
رغم الدور المؤثر الذي يلعبه برنار هنري ليفي في الأوساط الإعلامية والسياسية الفرنسية، فإنه في الوقت نفسه يحتل مكانة جد متدنية في الحقلين الأكاديمي والفلسفي وفي الأوساط الفكرية المحترمة. ويكاد يجمع لنفسه رقماً قياسياً في النعوت السلبية التي خصّه بها رموز الفكر الفرنسي في النصف الثاني من القرن العشرين. رغم ذلك، فإن احتقار أعلام الفكر الفرنسي (ليس في الكلمة من مبالغة) لهذا الدخيل على الحقل الثقافي ومقاطعتهم له، لم يحد من تأثيره السلبي على النقاش السياسي والثقافي الفرنسي. ويعود هذا في جزء كبير منه إلى الدعم والتشجيع الذي يلقاه من بعض رجالات المال والسياسة الذين ينتمون في معظمهم إلى اليمين الفرنسي المؤيد لإسرائيل، وإلى المساحة الواسعة التي تخصصها له وسائل الإعلام التجارية الواسعة الانتشار من تلفزيونات وصحافة، ليسوّق من خلالها وتحت تسمية "المثقف" مواقفه الرجعية والمعادية للأقلية المسلمة على الصعيد الداخلي والداعمة لحروب الولايات المتحدة في كوسوفو والعراق وأفغانستان على الصعيد الدولي.

سبق لعالم الإجتماع الفرنسي بيار بورديو أن نعت برنار هنري ليفي بـ"المثقف السلبي" وبيّن الدور الهدام والعنصري الذي لعبه خلال الأزمة الجزائرية بالتواطؤ مع الجنرالات الجزائريين ودفاعه المستميت عنهم أمام الرأي العام الفرنسي وتشكيكه بكل معارضيه، وتجلى ذلك من خلال نشر ليفي تحقيقين منحازين عن الحرب الأهلية في الصفحة الأولى من جريدة "لوموند"، في أعقاب زيارة قام بها إلى الجزائر تلبية لدعوة الطغمة الحاكمة في ذلك الوقت. وسمّى بورديو مقالتي هنري ليفي بـ"عملية لشرطة رمزية منحطة، معادية لكل ما يمثله المثقف من حرية في وجه السلطة، ومن نقد للأفكار المسبقة وتفكيك للبدائل التبسيطية من أجل استعادة الإشكاليات المركبة".

وسخر جيل دولوز بشدة من كتابات ليفي ومن لقب فيلسوف الذي حاول البعض أن يلصقه به. وكذلك هي الحال مع أندره ريمون الذي شرح أن كتابات ليفي تنطوي على كل ما يرفضه في الكتابة. أما المؤرخ الفرنسي الكبير بيار فيدال ناكيه فلم يجد أفضل من عبارة "مرشح وضيع لشهادة البكالوريا" ليصف بها برنار هنري ليفي، كما أنه كتب مرة إلى مجلة "لو نوفيل أوبسرفاتور" محتجاً على الدعاية الرخيصة التي نشرتها المجلة عن كتاب ليفي "وصية الله"، مبيناً الأخطاء التاريخية المعيبة التي وقع فيها ليفي، وختم رسالته بالعبارة الآتية: "كيف يمكن أن يحدث، ومن دون أي رقابة على الجودة، أن يقوم ناشر وصحف وقنوات تلفزيونية بتسويق هذا النوع من البضاعة، كأنها تسوّق لألواح صابون من دون أن تأخذ في الاعتبار معيار الجودة والنوعية المفروض تحققها في ألواح الصابون".

بعيون لبنانية
الردود العنيفة التي أثارتها مقالة برنار هنري ليفي عن لبنان في أوساط المثقفين وفي بعض مواقع الأنترنت، لم تعد تسمح لجريدة "لوموند" أن تتجاهل هذه الاحتجاجات، لكنها فضلت أن تعطي حق الرد للكاتب اللبناني الفرنكوفوني ألكسندر نجار الذي استغل الفسحة التي أعطيت له ليمتدح برنار هنري ليفي وليكيل بعض الشتائم لـ"حزب الله" قبل أن يعلن اختلافه مع ليفي في شأن أن "لبنان سمح لميليشيا مسلحة ببناء دولة داخل الدولة". فألكسندر نجار يرى أن تقاعس المجموعة الدولية هو الذي سمح لسوريا وإيران بدعم "حزب الله". وهو يتساءل عن السبب الذي دفع بالولايات المتحدة الأميركية لتكرر في لبنان ما حدث مع "طالبان" في أفغانستان، بإغماضها عيونها لفترة طويلة عن ظاهرة أصبحت تعتبرها اليوم غير مقبولة.

بعيداً عن التشبيه المبطن لـ"حزب الله" بـ"طالبان"، فإن ألكسندر نجار، وللحقيقة، يرى أن لا مجال اليوم لتدمير "حزب الله" ولوضع حد لأزمة من طريق القوة وهو يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار ولإيجاد حل ديبلوماسي يسمح بانتشار الجيش اللبناني في الجنوب وبتبادل الأسرى وبتطبيق القرار الأممي 1559.

لن نتوقف هنا طويلا عند الكثير من المغالطات التي تضمنتها مقالة ألكسندر نجار، ولا عند الفرصة الضائعة التي سنحت له ليدافع عن بلده وشعبه في مواجهة العدوان الإسرائيلي، وسنكتفي في نهاية هذه المطالعة بإيراد المديح الذي خص به برنار هنري ليفي والذي يعبر خير تعبير عن عقدة الرجل الأبيض الذي لا يزال البعض من سكان المستعمرات السابقة يحملونها في عقولهم وتحت جلودهم. يقول نجار: "لقد احترمت دائماً المواقف التي يأخذها برنار هنري ليفي في خصوص يوغوسلافيا السابقة أو الشيشان، ورغبته في أن يكون، كما يقول سارتر، ذا موقف في عصره. القليل من الكتاب اليوم، لا يزالون يعرفون كيف يحشدون من أجل قضية وكيف يصعدون إلى المنبر، كما يفعل هو".

ملاحظة من موقع صدى : من أجل هذا قامت مظاهرة تشييع لصحيفة الموند باللباس الأسود لموقفها الوضيع من العدوان على لبنان.

عودة