|
كلمات قاتلة |
|
محمد علي الأناسي |
|
تاريخ
15/08/2006 أما الاستنتاجات التي خرج به ليفي من زيارته "السياحية" الخاطفة إلى إسرائيل وأتحف بها الرأي العام الفرنسي فليس اقل من مقارنة حال إسرائيل في قتالها ضد "حزب الله" بحال الجمهوريين الاسبان في قتالهم ضد الفاشية الفرنكوية. لم يفت برنار هنري ليفي التنبيه إلى أن "الفاشية ذات الوجه الإسلامي هي بالنسبة الى جيله، ما كانت عليه الفاشية ومن ثم التوتاليتارية بالنسبة الى الأجيال السابقة". ولأن الأمر كذلك، يصبح جنود الجيش الإسرائيلي في نظر ليفي مجرد شباب هواة في مقتبل العمر يخافون ويضحون كالصغار في كل مرة يطلقون القذائف من مدفعيتهم المتمركزة على الحدود. ولأن هؤلاء الجنود يشبهون لدى ليفي متطوعي الألوية الجمهورية في الحرب الأهلية الأسبانية، لم يجد الكاتب غضاضة في الإستشهاد بأندره مالرو وتعاطفه مع الجمهوريين الأسبان، من أجل أن يمتدح الجيش الإسرائيلي بعبارات من مثل: "جيش أكثر ظرفاً منه قتالاً، وأكثر ديموقراطية منه ثقة بالنفس وعنجهية".
طبعاً لم يغب عن برنار هنري ليفي أن يذكرنا بأن مختبراً
الكترونياً متطوراً للحرب يقبع خلف رجال المدفعية هؤلاء، يعمل فيه جنود -
علماء يمضون لياليهم أمام شاشات الكومبيوتر ليحسبوا بدقة فائقة مسار
القذيفة وهدفها، تجنباً لأي خطأ يؤدي إلى إصابة أي موقع مدني! البروباغندا القاتلة قد يتصور البعض أن هذه البروباغندا المتماهية مع الجرائم الإسرائيلية، لا طائل منها ولا تأثير يذكر لها في أوساط الرأي العام الفرنسي وفي مراكز القرار، لكن من يعرف برنار هنري ليفي ومدى اتساع شبكة علاقاته في الأوساط السياسية والإعلامية، يدرك معنى أن تخصص له صحيفة "لوموند" منبراً على صفحتين لنشر سمومه الدعائية القاتلة. فبالإضافة إلى العلاقة الوطيدة التي تربطه برئيس مجلس إدارة الصحيفة جان ماري كولومباني، فإنه يتمتع بصداقات نخبة من رجال المال والسياسة من مثل امبراطور صناعة الأسلحة والإعلام لاكراديه ووزير الداخلية نيكولا ساركوزي، كما أنه يتبوأ منصب رئيس مجلس الإشراف على القناة الفرنسية - الألمانية المشتركة arte، ويكتب زاوية أسبوعية في مجلة "لوبوان الفرنسية"، ناهيك بأنه الضيف الدائم على معظم شاشات التلفزة الفرنسية ليتحدث في كل ما هب ودب، من سياسة وثقافة وفن وسينما.
وإذا كان سبق لبرنار هنري ليفي أن لعب دور المراسل المدلل
لصحيفة "لوموند" في مناطق ساخنة من العالم من مثل كولومبيا والجزائر
وأفغانستان، فأنه في كل مرة كان يعود بمشاهدات ومواقف لا تكتفي فقط بمجافاة
الحقيقة، بل تأخذ دائما جانب الظالم في وجه المظلوم. وها هو اليوم يعيد
الكرة في تغطية الاعتداء الإسرائيلي على لبنان، لكن بشكل أكثر شراسة
وانحيازاً. المؤسف أن مقالة من مثل ما كتبه برنار هنري ليفي، تأتي لتضعف
كثيراً جهود مئات المثقفين والناشطين، من فرنسيين وعرب مقيمين في فرنسا،
لكسب تأييد الرأي العام الفرنسي ولدفع الناس الى التظاهر في الشوارع
ولإيجاد فسحة في وسائل الإعلام الجماهيرية لشرح حقيقة القضية اللبنانية.
المثقف السلبي سبق لعالم الإجتماع الفرنسي بيار بورديو أن نعت برنار هنري ليفي بـ"المثقف السلبي" وبيّن الدور الهدام والعنصري الذي لعبه خلال الأزمة الجزائرية بالتواطؤ مع الجنرالات الجزائريين ودفاعه المستميت عنهم أمام الرأي العام الفرنسي وتشكيكه بكل معارضيه، وتجلى ذلك من خلال نشر ليفي تحقيقين منحازين عن الحرب الأهلية في الصفحة الأولى من جريدة "لوموند"، في أعقاب زيارة قام بها إلى الجزائر تلبية لدعوة الطغمة الحاكمة في ذلك الوقت. وسمّى بورديو مقالتي هنري ليفي بـ"عملية لشرطة رمزية منحطة، معادية لكل ما يمثله المثقف من حرية في وجه السلطة، ومن نقد للأفكار المسبقة وتفكيك للبدائل التبسيطية من أجل استعادة الإشكاليات المركبة". وسخر جيل دولوز بشدة من كتابات ليفي ومن لقب فيلسوف الذي حاول البعض أن يلصقه به. وكذلك هي الحال مع أندره ريمون الذي شرح أن كتابات ليفي تنطوي على كل ما يرفضه في الكتابة. أما المؤرخ الفرنسي الكبير بيار فيدال ناكيه فلم يجد أفضل من عبارة "مرشح وضيع لشهادة البكالوريا" ليصف بها برنار هنري ليفي، كما أنه كتب مرة إلى مجلة "لو نوفيل أوبسرفاتور" محتجاً على الدعاية الرخيصة التي نشرتها المجلة عن كتاب ليفي "وصية الله"، مبيناً الأخطاء التاريخية المعيبة التي وقع فيها ليفي، وختم رسالته بالعبارة الآتية: "كيف يمكن أن يحدث، ومن دون أي رقابة على الجودة، أن يقوم ناشر وصحف وقنوات تلفزيونية بتسويق هذا النوع من البضاعة، كأنها تسوّق لألواح صابون من دون أن تأخذ في الاعتبار معيار الجودة والنوعية المفروض تحققها في ألواح الصابون".
بعيون لبنانية بعيداً عن التشبيه المبطن لـ"حزب الله" بـ"طالبان"، فإن ألكسندر نجار، وللحقيقة، يرى أن لا مجال اليوم لتدمير "حزب الله" ولوضع حد لأزمة من طريق القوة وهو يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار ولإيجاد حل ديبلوماسي يسمح بانتشار الجيش اللبناني في الجنوب وبتبادل الأسرى وبتطبيق القرار الأممي 1559.
لن نتوقف هنا طويلا عند الكثير من المغالطات التي تضمنتها
مقالة ألكسندر نجار، ولا عند الفرصة الضائعة التي سنحت له ليدافع عن بلده
وشعبه في مواجهة العدوان الإسرائيلي، وسنكتفي في نهاية هذه المطالعة بإيراد
المديح الذي خص به برنار هنري ليفي والذي يعبر خير تعبير عن عقدة الرجل
الأبيض الذي لا يزال البعض من سكان المستعمرات السابقة يحملونها في عقولهم
وتحت جلودهم. يقول نجار: "لقد احترمت دائماً المواقف التي يأخذها برنار
هنري ليفي في خصوص يوغوسلافيا السابقة أو الشيشان، ورغبته في أن يكون، كما
يقول سارتر، ذا موقف في عصره. القليل من الكتاب اليوم، لا يزالون يعرفون
كيف يحشدون من أجل قضية وكيف يصعدون إلى المنبر، كما يفعل هو". |