هل ستزول تل أبيب عام 2009؟


أ. د. مصطفى رجب

في كتابه «ثقافة وفتك» يطرح المؤرخ العسكري الرائد في الولايات المتحدة، البروفيسور فيكتور هينسون، سؤال كتابه الجوهري وهو: لماذا ينتصر الغرب دائماً (تقريباً)؟ ما الذي جعل جيوش الغرب في السنين الـ 2500 من التاريخ الموثق، من اليونان القديمة حتى أيامنا تهزم الجيوش غير الغربية في جميع الحروب تقريباً، ما عدا حالات قليلة فوجئت فيها مفاجأة كاملة، أو لأسباب خارجة عن إرادتها تماماً.
إن الفحص الشامل لسلسلة معارك عسكرية مهمة - من معركة سلاميس التي هزم فيها الأثينيون الأسطول الفارسي، حتى معركة ميدواي في الحرب العالمية الثانية التي هزم فيها الأمريكيون اليابانيين - يدحض الاعتقادات المقبولة بأن حل لغز تفوق الغرب العسكري كامن في شجاعة مقاتليه الزائدة، وامتيازه التقني - العسكري، أو تفوقه المالي - الاقتصادي.
يكمن سر التفوق العسكري للغرب، كما يزعم هينسون، في فعالية وفتك جيوشه التي لا نظير لها. فعالية وفتك، ينبعان من كون المجتمع الغربي مجتمعاً مفتوحاً، يخلق نموذج الجندي المواطن، الذي قيمته في حومة القتال أعلى من كل جندي آخر، مهما كان شجاعاً. فعالية وفتك بدايتهما في تراث السعي إلى إخضاع سريع لقوات العدو تطور في اليونان القديمة.
في الوقت الذي نظر فيه الحكام الطغاة في الشرق القديم إلى الحرب نظراً رياضياً، مثل لعبة قياس القوى، نشأ في ديمقراطيات اليونان القديمة تصور حربي مغاير، غير رياضي على نحو ظاهر، رأى النضال عن حرية الجماعة والمواطن حرباً لا هوادة فيها للموت وللحياة. ليس الهدف الأساسي للحرب الدفاع عن الوطن فقط، بل منع الخصم قدر المستطاع من أن ينهض من أجل الجولة القادمة. إذا ما قسنا ذلك برياضة الملاكمة العصرية، نستطيع أن نقول إنه في حين تسعى القوى غير الغربية، على حسب رأي هينسون، إلى الحصول على التفوق بالنقاط، يسعى خصومها الغربيون إلى حسم المعارك بالضربة القاضية.
وفور انتهاء معركة "إسرائيل" الأخيرة مع حزب الله، كتب يوفال شتاينيتس عضو الكنيست من الليكود في صحيفة (هاآرتس) 17/8/2006 يتساءل في مرارة المهزوم: هل الحديث عن فشل عسكري واضح نشأ عن قيادة سياسية بلا تجربة؟ أو ربما يكون الأمر كامناً في عجرفة وكبرياء قيادة الجيش الإسرائيلي، التي سدت أذنيها عن النقد لاعتمادها المبالغ فيه على عجائب القوة الجوية؟ أو ربما تكون كل هذه الأشياء أعراضاً فقط لمرض أخطر كثيراً، يُسمي: ثقافة الحرب التي أخذنا بها في السنين الغابرة منذ حرب لبنان الأولى في 1982.
هل يمكن التأليف بين هذا السعي والنظرية المشهورة لعمانوئيل كانط، وهي أن الدول الديمقراطية بمجرد نوعيتها تمتنع عن حروب لا داعي لها وتطمح إلى السلام مع جاراتها؟ يُبين كانط أن الطموح إلى السلام في الديمقراطيات ينبع من عدم استعداد المواطنين للمخاطرة بحياتهم وممتلكاتهم من أجل موضوعات هامشية. لا تناقض هذه النظرية زعم هينسون، لأنه كما أن للمواطنين الأحرار اهتماماً كبيراً بالامتناع عن حرب لا داعي لها، يجب أن يكون الجانب الآخر من القطعة النقدية، أنه مع وجود الحرب يوجد لأولئك المواطنين الأحرار اهتمام كبير بالحسم الذي يمنع نهوض العدو أو يُعوقه، وبهذا يمنع أو يُبعد الحرب القادمة.
بن جوريون وشارون
ويجيب عضو الكنيست قائلاً: لا ريب في أن ثقافة الحرب التي أورثنا إياها دافيد بن جوريون، التي كان التعبير الأبرز عنها في السبعينيات والثمانينيات هو أرييل شارون، كانت ثقافة غربية تسعى إلى حصار العدو والقضاء عليه في المواجهة. وذلك أيضاً في تلك الحالات التي يكون الأمر فيها مصحوباً بعمليات عسكرية جريئة ثمنها خسائر يصعب تحملها. الجيش الإسرائيلي لبن جوريون سعى إلى استغلال كل تفوق لإخراج العدو عن اتزانه، في سعى إلى حصاره بعد ذلك وإلى إبادته كقوة مقاتلة. كان بن جوريون هو الذي قال "إن "إسرائيل" إذا انتصرت في خمسين حرباً، فإنها لن تُخضع العالم العربي، لكن يكفي العرب أن ينتصروا في حرب واحدة من أجل القضاء على دولة "إسرائيل"". بيد أنه بسبب عدم التماثل هذا على التخصيص أكد بن جوريون الحاجة إلى الحصول على حسم مؤقت حاد أليم قدر الإمكان، من أجل إبعاد موعد النهوض العسكري والنفسي للجانب الثاني. حتى في حرب التحرير (يقصد الكاتب الصهيوني حرب 1948) اشمأز بن جوريون من الاكتفاء بالتشويش على أهداف العدو وإنجاز دفاعي جليل. برغم صد الجيش المصري في أسدود، ودفعه التدريجي بعد ذلك خارج حدود الدولة، أمر بن جوريون الجيش الإسرائيلي المرهق بأن يقطع مرة تلو أخرى طرق انسحاب الجيش الغازي وأن يواجه قواته المنسحبة، وفي ضمن ذلك قطع طرق انسحابه في سيناء، وفي حربي 1956 و1967 أيضاً لم تكتف "إسرائيل" بإنجازات دفاعية، ولكن فيما يخص موضوعنا، الأمثلة الأكثر إثارة للاهتمام هما على التخصيص حرب 1973 و1982، حيث طُبق تقليد الحرب البن جوريونية على يدي اللواء، الذي أصبح بعد ذلك وزير الدفاع، أرييل شارون. يشكل عبور قناة السويس في حرب يوم الغفران - حرب أكتوبر - مثالاً بارزاً على ثقافة الحرب الغربية، عندما جر شارون وراءه القيادة العسكرية والسياسية من أجل إحراز حسم غالب. اخترق الجيش الإسرائيلي بعملية جريئة صعبة لا مثيل لها خطوط العدو في وسطها، من أجل أن يفصل ويطوق الجيش الثاني والجيش الثالث، وليقضي عليهما بعد ذلك بالنار، والجوع، والظمأ.
ويعترف الكاتب الصهيوني بهزيمة "إسرائيل" أمام حزب الله فيقول: إن فشل حرب لبنان الثانية هو فشل ثقافة الحرب الجديدة. ورغم أن وزير الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الأركان هم من أبرز الممثلين لتلك الثقافة الحربية، فلا ينبغي أن نعلق عليهم وحدهم التهمة كلها. تدل خطط الجيش الإسرائيلي للحرب والتأكيدات في بناء القوة، التي صيغت في الأساس في فترة رئيس الأركان ووزير الدفاع السابقين، على أن أولمرت وبيرتس وحلوتس ممثلون لمشكلة اجتماعية وثقافية أعمق. لأن السعي إلى الحسم في حومة القتال يتطلب استعداداً للمخاطرة بفكرة الأجرأ ينتصر. ولكن حتى لو كانت الجرأة ذات جدوى في الأمد البعيد، فمن طبيعتها أن تقود أحياناً أيضاً إلى اخفاقات شديدة. إن الطموح إلى حسم بري مخاطرة في ذاته، لأنه لا توجد معركة برية ليس فيها مصابون. نحن نعُد أمواتنا ونحن نفخر بذلك، قال رئيس الحكومة في خطبة إيجاز الحرب في الكنيست. لكن إذا كان عدد الضحايا يسبب التردد، وعدم الحزم، وإلغاء الطموح إلى حسم استراتيجي، أفلا يمكن أن تكون خسارتنا تعادل ربحنا في النهاية، لا في أهدافنا الاستراتيجية فقط، بل في عدد الضحايا أيضاً؟
تُقال الأشياء نفسها أيضاً في إبراز بناء القوة في الجيش الإسرائيلي. في السنين الأخيرة تطور تصور الحسم من الجو، ونبع من ذلك إلغاء الحاجة إلى المداورة البرية أو إلى تحسين قوة النار من البر ومن البحر. وفيما يتعلق بلبنان، طُور تصور القضاء على القذائف الصاروخية وصواريخ الكاتيوشا من الجو، ونشأ عن ذلك اعتقاد أنه يمكن إدارة مواجهة واسعة مع حزب الله من غير الحاجة إلى عملية برية. وكان من نتيجة ذلك أن أُهملت قوات سلاح المشاة، والمدرعات والمدفعية. لأنه إذا كان يمكن حل كل مشكلة بتدخل جوي، فما الداعي إلى الاستمرار في التقوية في البر والبحر؟
وفي اليوم نفسه 17/8/2006 كتب يونتان شيم - أور الكاتب في صحيفة (معاريف) يقول: "في سنة 1909 أُسست تل أبيب. وفي 2009 ستصبح أنقاضاً!!". التاريخ مجموعة من التواريخ. إن ما يبقى حقاً بعد جميع التحليلات والنقاشات الحقائق الزمنية الحديدية فقط. قبل مائة سنة أقاموا أول المدن العبرية، وبعد مائة سنة من العزلة، قُضي أمرها.
بين أنقاض دمار التصورات التي خربتها صواريخ الكاتيوشا، بقي واحد كاملا. إيران، كما يقول الجميع ليست مشكلتنا. هي مشكلة العالم.
لكن العالم الذي نعرفه سيمضي إلى بيته بعد أقل من سنتين. جورج بوش، وهو الأكثر نزاهة بين قادة القرن الواحد والعشرين، يُنهي ولايته الأخيرة. الأمريكيون، الذين لا يحبونه ولا يحبون الحرب في العراق، لن يفعلوا شيئاً. لن يحجز شيء يد أحمدي نجاد عن الزر الذي سيُخرب تل أبيب. هذا جدول عمل الفارسي. بعد سنتين أو ثلاث سيملك سلاحاً ذرياً. لا يوجد من يكفه عن تذكيرنا باسم (خيبر).
ويتحدث الكاتب الصهيوني عن عدم جدوى السلاح النووي الصهيوني، فاستعماله - الذي يسميه الكاتب بالخيار شمشون - لن يحل المشكلة ولن يحفظ على تل أبيب حياتها هانئة فيقول مشيراً إلى الصواريخ النووية التي تملكها "إسرائيل" باسم (فعنونو) وهو المهندس الذي اعترف بتصنيعها فيما بعد وسجنته "إسرائيل" لهذا السبب.
فيقول الكاتب: ستخرب تل أبيب. حتى إذا ما قرر البعض من داخل ملاجئنا المحصنة السرية، تحت الغبار المشع، تنفيذ عملية شمشون، وإمطار طهران بجميع صواريخ "فعنونو" لن ينشئ هذا الدولة العبرية من جديد، سيموت الكثير من المسلمين ولن نكون نحن!!
هذا هو المصير. لقد كُتب على شواهد قبور الجنود الذين احتلوا بنت جبيل خمس مرات، وفي أوامر أعظم الجيوش في الشرق الأوسط، الذي لم ينجح آلاف من طياريه و50 ألفاً من مقاتليه في إخضاع بضع مئات من مقاتلي حزب الله. جميع لجان التحقيق التي ستقوم لن تُغير الصورة. لن يقرر مستقبلنا تعلم الأخطاء التي قمنا بها، بل الدرس الذي سيستخلصه العدو.


2006-08-22 / فلسطين اليوم

عودة