"طائف شيعي" بلا معتقل ولا منفى

 جان عزيز

13/8/2006

وحدها حقبة إقرار اتفاق الطائف وتنفيذه بين العامين 89 ـ 90، يمكن تشبيهها بما سيحصل، ويحصل الآن. وذلك بالطبع مع فوارق النسب وحساسية تبادل الأدوار.
يومها كانت ثمة جماعة لبنانية ـ المسيحيون ـ لديهم سلاح وخصم يعتبرونه محتلاً، هو النظام السوري. فجأة، ولأسباب داخلية مرتبطة بالمسيحيين أنفسهم وأخرى لبنانية وإقليمية ودولية، وجد المسيحيون أنفسهم أمام مشروع تسوية معروضة ـ مفروضة عليهم، اسمها "اتفاق الطائف". في شكل عام، كانت التسوية ممكنة القبول، مع تحسينها ببعض التعديلات في ضمان الانسحابات والانتخابات تحديداً. لكن الأهم ان تلك التسوية كانت تقتضي لضمان عدالة مضمونها وحسن تنفيذها، 3 شروط: وحدة موقف مسيحي في مقاربتها قبولاً او رفضاً، أجواء لبنانية حاضنة على أساس السماح والمصالحة ورعاية دولية حيادية ونزيهة.
وفجأة أيضاً، سقطت الشروط الثلاثة: انقسم المسيحيون حيال "الطائف"، ولبث كثيرون في وضع المتربص للانقضاض عليهم، والأهم لُزّمت رعاية التسوية لخصم المسيحيين بالذات: النظام البعثي السوري. وسط هذه الصورة سقطت التسوية بين اغتيال رينيه معوض وحرب الخليج الثانية، فسقط المسيحيون بين المنفى والمعتقل، ليسقط لبنان كله لاحقاً. حتى الذين توهّموا أنفسهم سنة 1990 منتصرين، لم يلبثوا ان أدركوا بين 1 تشرين الأول 2004 و14 شباط 2005، انهم كانوا قد ذُبحوا فعلاً، يوم ذُبح أخوهم الثور الأبيض.
اما اليوم، فثمة جماعة لبنانية أخرى ـ الشيعة ـ لديهم سلاح، ويحاربون محتلاً هو اسرائيل. والمفاجأة نفسها، ولأسباب لبنانية وإقليمية ودولية أيضاً، جعلتهم أمام تسوية أخرى اسمها القرار 1559، معروضة ـ مفروضة عليهم وعلى لبنان. وكما الطائف سنة 1990، يبدو القرار 1559 معقولاً في المبدأ، اذا ما أُقرن بضمان الانسحاب الكامل لما تبقى من احتلال، ومنع أي اعتداء في المستقبل. وكما الطائف، يحتاج العبور الى هذه التسوية الدولية، وحدة شيعية، واحتضاناً لبنانياً لقرار تلك الوحدة الانخراط في الحل، ورعاية دولية نزيهة حيادية للتسوية.
من الشروط الثلاثة، وحده الموقف الشيعي الموحّد يبدو متوافراً. غير ان افتقاد الاحتضان اللبناني والعراب الدولي المطمئن، جعل هذه الوحدة حتى اللحظة تراوح في موقع التريث، ولا تقدم على الدخول في التسوية.
موقف شيعي ينظر بشكل مفهوم الى تلزيم تطبيق القرار الدولي لإسرائيل، ويبقي عينه بريبة مكتومة على المواقف اللبنانية المماثلة لنصب الكمائن وكثرة السكاكين.
كيف الخروج من المأزق؟ المطلوب اليوم حاضنة لبنانية، يبدو السنيورة قادراً على نسجها وراغباً في ذلك. حاضنة تطمئن "الوحدة الشيعية" الى سلمية الحل، بعدما تكون قد حصّنته دولياً بضمان الانسحاب الكامل، وقد نقلت عرابته من العدو الاسرائيلي، الى رعاية دولية حيادية نزيهة وعادلة. حاضنة لبنانية لا تسمح بالانقلاب على "الطائف الشيعي"، ولا تصوّر لأهله ان دخوله قفزة في مجهول المنافي والمعتقلات.
حاضنة تقتضي الآن وفوراً صمت الذين انقلبوا على الطائف الأول، كما رفضوا الـ1559 أولاً، ونكلوا بضحايا الانقلاب على الطائف، كما حاولوا التنكيل بدعاة الحل الدولي قبل انقلابهم الثاني.
المطلوب صمت الذين يريدون تحويل جفري فيلتمان غازي كنعان آخر غصباً عنه، بعدما استدخلوا في وعيهم واللاوعي نهج فرش السجاد الأحمر وتسليم مفاتيح العواصم، قبل الانقلاب والانتحار.
 

جريدة صدى البلد اللبنانية

عودة