|
فرنسا في الأزمة اللبنانية ... خطوة للأمام وأخرى للخلف |
|
بقلم عمر عياصرة |
|
الدور الفرنسي في لبنان يحكمه في الغالب إرث العلاقات الفرنسية مع بعض التكوينات الاجتماعية اللبنانية، ولكن هذا الدور يتضح أكثر مع الرغبة الفرنسية باسترداد بعض مواقعها ونفوذها على مستوى المنطقة، ومشاغلة الكبار كالولايات المتحدة، كل ذلك يبرر وبشكل واضح تلك الخطوة التي يؤخرها ويقدمها الفرنسيون بحسب مصالحهم ومخاوفهم.تحاول فرنسا منذ أمد ليس بالبعيد، أن تؤكد مكانتها وثقلها في المنطقة العربية، وقد كان الأمر واضحاً في الممانعة الفرنسية للحرب الأمريكية على العراق، وجاءت الأزمة اللبنانية الأخيرة، فازدادت تحركات الدبلوماسية الفرنسية، وتحرك المبعوثون الفرنسيون بين الناس، وشهد الإعلام الفرنسي جدلاً كبيراً حول ضرورة التدخل لوضع حد لهذه الأزمة وذلك وفق الرؤية الفرنسية. علما أن فرنسا تلعب دوراً كبيراً في لبنان، منذ أيام الدولة العثمانية وما تلاها من انتداب فرنسي على هذا الجزء من الوطن العربي، وكان لفرنسا الدور في إرسال الطائفيين وترسيخها في البنية الاجتماعية، كما لعبت فرنسا دوراً كبيراً في رسم لبنان (الجغرافيا السياسية) وفق مصالحها، ورؤيتها الإستراتيجية. ثم جاءت الحرب الإسرائيلية على لبنان وحزب الله، عندها كانت فرنسا من أكثر الدول على المستوى العالمي (بعد الولايات المتحدة)، اهتماماً بالأزمة، وتعاطياً معها، فقد تحدث الرئيس الفرنسي (جاك شيراك) قائلاً وداعياً لوقف الحرب وعدم السعي لتدمير لبنان، وذكّر بعلاقات الصداقة والتضامن مع لبنان، مندداً برد الفعل الإسرائيلي المتفاوت والعنيف.وشهدت الفترة السابقة، حراكاً دولياً لإنهاء الأزمة اللبنانية، كانت فرنسا عراباً لها ومحوراً فيها، حتى جاء القرار الفرنسي ـ الأمريكي ليعكس حجم التوازنات الدولية فيما يتعلق بالدور الفرنسي في لبنان. وبعد التزام أطراف النزاع بالقرار (1701) الذي يشير لإرسال قوة دولية (اليونوفيل) لجنوب لبنان، كان المتوقع والمطلوب من فرنسا أن تشكل العمود الرئيسي لهذه القوة، حجماً وقيادةً، حيث كانت فرنسا أكثر الدولة حماسة للمشاركة في هذه القوة وقيادتها. لكن هذا الحماس فتر بسرعة، حيث أعلنت فرنسا أنها لن تشارك إلا بمائتي جندي فقط وهي التي كانت مستعدة لإرسال عشرين ألف جندي، وهذا الموقف المتردد ينسحب على كافة الدول الأوروبية، ولكنه أكثر غرابة فيما يتعلق بالتعاطي الفرنسي، كون فرنسا تعتبر لبنان مساحة للتعامل مع النفوذ الدولي وأوراقه السياسية. ومن الواضح أن هناك أسبابا عديدة تقف وراء التراجع الفرنسي: أولاً: نتيجة المعركة العسكرية، جعلت كثير من الدول تراجع مواقفها خشية الوقوع في مستنقع الصدام مع المقاومة الشرسة والمؤدلجة والمنتشية بالنصر. ثانياً: قناعة فرنسا ومن وراءها أوروبا، بأن هذه الحرب أمريكية بالوكالة، وأن فرنسا غير مستعدة لأن تتورط كأداة يستخدمها الأمريكيون في نزعاتهم والخروج من أزماتهم. ثالثاً: تجربة القوات المتعددة الجنسيات في أفغانستان والعراق، تشكل صورة سلبية ومؤلمة عن سيناريو الصدام المحتمل، والانسحاب في مرحلة إستراتيجية الدخول خير من الهزيمة في لحظة إستراتيجية الخروج. رابعاً: علم فرنسا الأكيد بتمادي الطرف الإسرائيلي وعدم تورعه عن ضرب القوات الدولية، وتؤكد الشواهد الكثيرة، أثناء الحرب، على ممارسات إسرائيلية نالت من القوات الدولية. خامساً: طبيعة صياغة القرار الدولي تقضي بوقف العمليات الحربية، دون التأكيد على وقف إطلاق النار، وهذه الصياغة مقصودة ولها مخارجها ومنافذها الأمريكية الإسرائيلية، وعندها ترى فرنسا أن لا مبرر لأن تكون قواتها رهينة عسكرية، واقعة بين مطرقة حزب الله وسندان الإسرائيليين.. سادساً: رفض إسرائيل لقوات إسلامية من ماليزيا واندونيسيا، يوحي بمخطط إسرائيلي، لاستثمار القوات المتعددة في أداء أدوار اضطرارية، لا ترغب فرنسا بلعبها.
مجلة العصر- 22-8-2006 |