لبنان الوطن
المنتصر بالدم والدمار والصمود رفع رايتنا جميعاً في كل مكان. وحين
أقول <جميعاً> أعني كل الحالمين بوطن عربي صامد مقاوم عقلاني منفتح
ليبرالي علماني، تسود فيه الآراء لأنها صحيحة وليس لأنها تمتلك القوة
السياسية، أيا كانت هذه القوة السياسية
. لبنان كان دائماً وسيظل قبلة الحرية وملجأ المضطهدين والهاربين من
سجون الفساد والديكتاتورية في هذا الجزء أو ذاك من الأرض العربية.
انتصر لبنان بثمن باهظ من دماء شعبه ومن خراب بنيته التحتية والفوقية،
لكننا نعلم أن لبنان <الفينيق> سينهض من تحت الركام، سيضمد جراحه بنفسه
ويستعيد عافيته.
اتفق مع المتواضعين من أهل لبنان حين يقولون إن لبنان بلد صغير، لا
يمكن أن يقود الأمة العربية، لكن يكفي أن يكون <قدوة>. لكنهم يعلمون
مثلي أن لا <قيادة> هناك، بل أبالغ على مسؤوليتي الشخصية بالقول إن
الأمة العربية لا تحتاج إلى قيادة، تشرذمت القيادة عام 1978 بتوقيع
اتفاقية <كامب ديفيد>، وتعددت القيادات بعد ذلك وتضاربت مصالحها؛ فصارت
المصالح القطرية لها الأولوية. وعلى أساس هذا التشرذم الذي لا يعي أن
<القطري> جزء من كل، لا يتحقق الجزء بانفصال عن الكل، حاول القطري أن
يجد سندا خارج كُلِّه؛ فوجد هذا السند في القوة الكبرى، وكان الباب
السهل لمغازلة هذه القوة هو التقرب <لإسرائيل>. كان ذلك على حساب
الدماء؛ فدماء المصريين والسوريين في حرب 1973 فرشت الطريق إلى <كامب
ديفيد>، التي وضعت كل الأوراق في يد أميركا. دفع لبنان الثمن باجتياحه
عام ,1978 وما ترتب عليه من أوضاع. الانتفاضة الفلسطينية الأولى قادت
إلى <أوسلو>، وتحول حلم الدولتين إلى كابوس بفضل الفساد والعجز الناتج
عن انفصال الشأن <الفلسطيني> عن <الشأن العربي>. حدثت <الهرولة>
وتمركزت القيادة العامة للعالم العربي في أيد أجنبية. لكن المآسي بلورت
سلاح <المقاومة> في كل من لبنان وفلسطين.
لبنان <القدوة> هو لبنان <القائد>، أعني القائد من حيث هو قدوة. ولأن
<القدوة> مسؤولية باهظة، فإنني كمواطن عربي أريد أن أوجه رسالة إلى أهل
لبنان <القدوة>، إلى مثقفيه وإلى قياداته السياسية
والدينية. أريد أن أوجه رسالة أعبر فيها عن مخاوفي كمواطن عربي شهد
عصور الهزائم الشاملة منذ وعت عيناه مظاهر الوجود. ومن المفارقات أن
اسمي <نصر>، منحني إياه أبي لأنه كان يحلم بانتصار ما في الحرب
الثانية. هل كان أبي يحلم بانتصار الحلفاء، أم بانتصار المحور؟ من
الصعب معرفة الإجابة، لكن المؤكد أنه ككل المصريين آنذاك كان يحلم
بانتصار يحققه آخرون آملا أن يكون لهذا الانتصار مردوده على وطنه
<مصر>.
بالنسبة لي الأمر مختلف؛ فالانتصار الذي حققتموه هو انتصاري وانتصار
وطني، الوطن الذي أحلم به. لا تجزعوا فأنا لا أدّعي انتصاركم كما تحاول
أن تفعل بعض القيادات الرثة، لست قائدا ولا حاكما ولا أنتمي للنخبة
إياها، وكلكم يعلم ذلك بلا شك. انتصار لبنان هو انتصار لنا جميعاً، وهو
انتصار يجب الحرص عليه وتنميته واستثماره لا تبديده. تعودنا على تبديد
الانتصارات في العالم العربي؛ فصار ما يتحقق بالدم والدمار يتبدد
بالسياسة كما حدث على امتداد تاريخنا الحديث؛ لأن السياسة تمارسها دول
تابعة، محكومة بأنظمة لا علاقة لها بمصالح الشعوب واختياراتها. الدولة
اللبنانية هي الدولة الوحيدة التي يمكن أن تسمى دولة <حديثة>؛ لأنها
مؤسسة على <عقد اجتماعي> واضح. هذا العقد الاجتماعي للدولة اللبنانية
الحديثة تعرض لتحديات شتى واختراقات عديدة، ولعل الحرب الأخيرة كانت من
أهم التحديات التي أثبت فيها صلابته.
الآن انتهت الحرب أو نأمل أن تكون انتهت وعاد اللبنانيون من <الجهاد
الأصغر> إلى <الجهاد الأكبر>، ألا وهو تثبيت أركان <العقد الاجتماعي>
للدولة اللبنانية الحديثة على أسس أشد صلابة. ولا سبيل لتحقيق ذلك إلا
بالحوار والتفاوض بين جميع القوى السياسية والزعامات الدينية، تفاوض
وحوار من أجل لبنان وعلى أرض لبنان. انتهى بلا رجعة ذلك الزمن الذي كان
اللبنانيون فيه يحتاجون إلى <حكم> أو <وسيط> عربي أو أجنبي؛ فقد كان
الثمن باهظاً. على اللبنانيين أن يدركوا أن ما يوحدهم ويشد أزرهم ليس
هو ضعفهم لم يعد لبنان قوياً بضعفه بل بتلك القدرة الفائقة على التحمل
والمقاومة بكل معانيها العسكرية والسياسية والثقافية والفكرية. من هنا
لا سبيل لثبيت أركان الدولة المقاومِة، دولة <العقد الاجتماعي> إلا
بالحوار والتفاوض.
أنا لست هنا من دعاة <الإجماع> على <ثوابت> يحددها هذا الطرف أو ذاك،
فمثل هذا الإجماع كما علمنا وخبرنا في تاريخنا القديم والحديث يمكن أن
يقوم على <الإذعان> من جميع الأطراف لطرف يمتلك قوة غير قوة <الإقناع>
الفكري والسياسي. وهنا يصبح <الإجماع> قناعا يخفي <دوغما> السيطرة
والاستبداد. أما <الإجماع> الذي يمكن الوصول إليه عبر آليات الحوار
والتفاوض الدائمين فهو <الإجماع> الحر القادر على التطور والتطوير وفق
متغيرات العالم التي لا أفق لها.
الذين يقولون إن <حزب الله> ورَّط لبنان في حرب لصالح أطراف أخرى
خارجية إيران وسوريا تحديداً يجب أن يراجعوا مواقفهم؛ فالفارق واضح بين
قبول المساعدات وبين <التبعية>، والتبعية لا تحقق انتصاراً أبداً.
والذين يرون أن <الانتصار> انتصار حزب الله وحده، أو أنه انتصار لطائفة
<الشيعة> وحدها، يجب أيضاً أن يراجعوا مواقفهم. إنه انتصار المقاومة
اللبنانية بزعامة حزب الله. هذه اللغة القديمة يجب أن تستبدل بها اللغة
الجديدة، لغة الانتصار الذي تحقق بفضل كل أفراد الشعب اللبناني. على
الزعماء السياسيين والقادة الدينيين أن يعيشوا هذا الواقع الجديد، وأن
يخرجوا من شرنقة المصالح السياسية والطائفية الضيقة حتى لا يتحول دم
لبنان إلى ماء. وثمة مسؤولية باهظة تقع على أكتاف حزب الله وقيادته
بوصفه القوة الأبرز في تحقيق هذا الانتصار. أعلم أنه تم إهداء <النصر>
إلى لبنان رداً على التساؤل الذي أثاره خوف البعض، لكن <التطمين> ليس
كافياً. لا بد من التسليم بأن قوة <الدولة> غاية يجب الوصول إليها، ولا
بد من أن يكون هناك حوار حول الخطوات التي تحقق ذلك وفق جدول زمني
يراعي المخاطر ويقدر الاحتمالات المتوقعة وغير المتوقعة من عدو غادر
يربض على الحدود مجروحاً مجهضاً، ويتحين الفرصة للانقضاض.
لبنان يا أيها الوطن <القدوة>
لبنان أيها الوطن الذي ينتمي إليه كل الشرفاء /لبنان يا وطني /أنت وطني
لأنك تحمي كلمتي / وأنت وطني لأنك تحمل صوتي وصورتي / أنا خائف عليك
خائف أن تحول السياسة انتصارك إلى هزيمة
لكني أثق فيكم يا أهل لبنان جميعاً /في مفكريكم ومثقفيكم
في شعرائكم وفنانيكم /أذوب عشقاً في أغانيكم
يا ساسة لبنان ويا قادته الدينيين /المستقبل بين أيديكم
فكونوا على قدر المسؤولية / وقدِّروا شرفها