حملة عالمية ضد من يدعم المقاومة

 

 تاريخ 14/08/2006
لماذا لم تُقابل جولات سعد والسنيورة المناوئة للمقاومة بجولات من جانب رئيس الدولة والمجلس المؤيدة لها؟!

اذا صح ما تناقلته بعض وسائل الاعلام عن اتفاق بين اميركا واسرائيل والمجموعة الاوروبية، على القيام بما اطلق عليه «اكبر مطاردة دولية لامبراطورية حزب الله المالية»، وان هذه المطاردة تشمل كل من كان له علاقة بحزب الله من حيث تقديم التبرعات حتى لبناء مؤسسات خيرية أو اماكن عبادة او اية مؤسسات ذات ريع مدني، فمعنى ذلك ان عدواناً سوف يقع على اللبنانيين في الوطن والمهاجر الافريقية والاميركية والاوروبية والاسترالية.

 وان هذا العدوان تسخّر فيه الولايات المتحدة نفسها لتحقيق هدف اسرائيلي اخطر من العدوان العسكري القائم الذي شنته اسرائيل على لبنان، وخاصة اذا شملت هذه المطاردة التي حتى لو كان عنوانها تجفيف منابع تمويل حزب الله، فانها سوف تشمل التضييق على الحريات في غير القضايا المالية. أي أن اللبنانيين في لبنان والعالم سوف يكونون امام «مكارثية» اميركية على نطاق عالمي ولكنها تشمل هذا الحزب اللبناني او من له علاقة او حتى «معرفة» بحزب الله، هذا يعني ان كل الذين تعاطفوا مع المقاومة التي «اذلت» اسرائيل و«هزّأتها» امام العالم كله، سوف يكونون مشمولين بالمراقبة والتضييق على الحريات : فعلى سبيل المثال لو أتاحت اميركا لنفسها واتاحت لها الحكومة اللبنانية فرض التضييق على كل من مد يده من الميسورين او حتى محدودي الدخل بدعم المقاومة او تبرع لجرحاها او شارك في مواساة اهلها بمساعدة مالية او حتى لو كان الذي يقدم المساعدة مهاجراً في بلد من بلاد العالم وارسل الى اهله اذا كانوا منكوبين قد هدّمت بيوتهم او دمرت ممتلكاتهم في لبنان، فانه سوف يتم منعه من تقديم العون لهم، الا اذا قدم الدليل القاطع على ان هذه الاموال او التبرعات ايا كان حجمها، ليست مرسلة لدعم مؤسسة من مؤسسات حزب الله حتى ولو كانت ذات طابع خيري او عبادي سوف تكون عرضة للمضايقات والاذى من جانب اقوى دولة في العالم «مسخرة» لحماية اشرس كيان عنصري في العالم وفي التاريخ اما متى اتخذ هذا القرار الذي يقال انه بدأ تنفيذه دون اعلان رسمي عنه ولدرجة ارسال مجموعات امنية اميركية الى المهاجر التي توجد فيها جاليات لبنانية، لتطبيق هذا القرار، ثم جمع المعلومات والتجسس على هذه الأموال واحصاء مدّخراتها ومعرفة مداخيلها، واذا امكنها التدخل حتى في حساباتها الخاصة، ليس استناداً الى اي قانون وضعي او سماوي غير «قانون الغاب» الذي اباح فيه قائد الحرب العالمية ضد الارهاب فخلط كما يقول المثل اللبناني «شعبان برمضان»! فلم يميز بين الدعم الخيري او المقاوم وبين العمل الارهابي والمافيوي، ولكنه يركز على العمل المقاوم الحقيقي اكثر من تركيزه على العمل الارهابي الحقيقي، فأصبح من يرسل المال لمؤسسة تعنى بذوي الشهداء او المعاقين او جرحى العدوان، وكأنه متحالف مع الارهاب.

 واذا اتيح لاميركا وعبر حكومتنا التي تضم على رأسها - ومن بين اعضائها من هو اشد عداء للمقاومة من اسرائيل واميركا - الى تطبيق هذه القاعدة ليس على تنظيم «القاعدة» مثلاً بل على المقاومة الحقيقية التي هي اشد عداء للارهاب من اميركا واجهزتها واسرائيل وموسادها، فانها عندئذ قد تبيح لنفسها «مطاردة» ومراقبة عائدات المواطنين اللبنانيين المالية ومشاريعهم الاقتصادية صغيرة كانت او كبيرة. وبالتالي ستكون عندئذ بصدد مراقبة كل مداخيل اهالي الجنوب والبقاع أولاً ومداخيل سائر اللبنانيين من كل المناطق الذي لم يشذ احد منهم عن التعاطف ومد يد العون والمساعدة للمشردين واهالي واقارب الضحايا، الذين قدموا ولا يزالون مستعدين لتقديم المزيد من الغوث والمساعدات الانسانية لعوائل ضحايا الحرب، فهل باستطاعة اميركا ان تفعل ذلك، لا نعتقد، الا اذا كانت تعتزم وضع مئات الالوف بل ملايين اللبنانيين في الوطن والمهجر امام المراقبة، معتبرة اياهم جزءاً من «الارهاب العالمي» متعامية عن رؤىة ما حل باللبنانيين من دمار بآلة الحرب الاسرائيلية التي هي في معظم مكوناتها «ذات اصول تقنية اميركية متطورة». وهذا يعيد طرح سؤال هام ومحق وعادل، وان كان يظل دون جدوى: أليست العدالة تقتضي تجفيف مصادر التمويل، للارهاب الرسمي والاستيطاني الصهيوني وهو اشرس و«اوحش» انواع الارهاب في العالم وفي التاريخ.. ولماذا التوجه والاصرار الاميركي والاوروبي العجيب على مماشاة الكيان الصهيوني في «وجوب» تجريد المقاومين ضد الاحتلال من السلاح بينما الدولة التي كان اصل قيامها قد تأسس على الارهاب والعدوان فان الكيان الصهيوني منذ انشائه قد تأسس على المجازر والارهاب وعلى يد العصابات الارهابية: الشتيرن والارغون والهاغانا بل ان اسرائيل هي وليدة هذه المنظمات والعصابات الارهابية بما في ذلك قتل الكونت برناردوت الوسيط الدولي على يد العصابة التي كان يقودها مناحيم بيغن الذي اصبح فيما بعد رئيساً للوزراء، وعندما قام بعدوانه على لبنان عام 1982 وقاد العدوان وزير دفاعه ارييل شارون، قام بزيارة الى الولايات المتحدة فأقيمت له مراسم «التكريم» كأنه «هنيبعل»!

 واطلق عليه من واشنطن لقب «ملك اسرائيل» تيمنا «بالملك داود» الذي سمى الصهاينة احد اهم فنادق القدس المحتلة باسمه «فندق الملك داود» وهو الذي يعترف مناحيم بيغن في كتابه «الثورة» بأنه هو نفسه قام بوضع القنابل التي دمرت الفندق على من فيه من نزلاء بريطانيين ذهب معهم ما يعادلهم من نزلاء اسرائيليين، وهذا ما جعل حكومة بريطانية سابقة (اقل خضوعا للضغوط الصهيونية من حكومة بلير اليوم) تمتنع عن استقباله عندما طلب زيارة بريطانيا. وكانت حجة بريطانيا في ترددها بقبول زيارة بيغن اليها، انه كان قد تعمّد قتل عشرات الضباط والجنود البريطانيين بحجة انه عندما كان يقود عصابته الارهابية عام 1948، اراد ان يجبر القوات البريطانية على الخروج من فلسطين لكي يخلو الجو «لحكماء صهيون» في عدم وجود من يكونون شهوداً على مجازرهم التي ارتكبوها، حتى لو كانوا شهوداً بريطانيين ينتمون الى البلد الذي انجب بلفور اول من نادى في بلد اوروبي باقامة «وطن قومي يهودي في فلسطين».
فلماذا لا يفرض على الكيان الذي توج ارهابه الرسمي بتدمير الحياة المدنية لبلد بأكمله «تخفيف» مصادر سلاحه وتمويله؟
لقد طرح رئيس مجلس النواب عندنا هذا السؤال خلال مؤتمر سبق العدوان الاسرائيلي في مؤتمر برلماني اسلامي عقد في تركيا وقد لاقى كلامه الاستحسان والتصفيق الحاد عندما قال: لماذا يطلب الذي اطلقوا على انفسهم اسم «المجتمع الدولي» تجريد المقاومة التي تريد ان تحرر باقي ارض وطنها، من السلاح، ولا يطالب احد «بنزع سلاح العدوان» الذي يمتلكه الكيان الصهيوني؟ ولو كانت هنالك آذن صاغية تستجيب لصوت المنطق والعدالة، وتكون مستعدة لتبني فكرة تبدو مستحيلة في «عالم الذئات الدولية» وهي نزع سلاح دولة اعتادت على العدوان والاحتلال والاغتصاب، ولكنها من ابسط الواجبات التي يفرض القيام بها لو كان هنالك «مجتمع دولي عادل». ولو اتخذ «قادة المجتمع الدولي» قراراً من هذا النوع عبر مجلس الامن والزم اسرائيل بنزع سلاح العدوان، فانه يكون قراراً رادعاً للعدوان الذي وقع مؤخراً، حتى ولو كان مجرّد ذا مفعول معنوي!

وكل ما نرجوه ان يكون غياب الرئيس بري بداية جولة عالمية يقوم بها على قادة الدول العربية والاجنبية (وخاصة الاجنبية) ليشرح لهم الحيثيات المنطقية لهذا الطرح المنطقي. فاذا كان بعض من لا يخطر بباله مثل هذا الطرح المنطقي تحت عنوان «التركيز على نزع سلاح العدوان» وليس سلاح المقاومة، اعتقاداً منه باستحالته نظرا لانحياز «اقوى دولة في العالم» لسلاح العدوان، فان تذكير العالم بهذه الحقيقة بشكل متواصل ودؤوب لا بد ان يتميز في النتيجة. وهناك دول كثيرة متعاطفة مع المقاومة وضد سلاح العدوان مستعدة لان «تفرش» بساط الاستقبال لاي مسؤول لبناني يحمل اليها هذه الرؤية، بحيث تتداعى دول اخرى يؤرق ضمائر قادتها ما فعله الكيان العنصري ضد لبنان والمقاومة، واذا لم تثمر مثل هذه الحملة بسرعة، فانها لا تضر!

واذا كان رئيس مجلس النواب قد ادخر نفسه او ادخرته الاقدار لأن يلب دورا توفيقيا بين فرقاء الحوار السابق، وسوف يكرس جهوده في هذا المجال اضافة الى وجوب اهتمامه باعادة شعار «وجوب نزع سلاح العدوان بدلا من نزع سلاح المقاومة»، لمحاولة ترسيخ هذا المفهوم بالاتهام عبر جولات يقدوم بها اقليمياً وعالميا، ولو تعويضا عن جولات قام بها البعض استهدفت طمش حق لبنان في مقاومة الاحتلال والعدوان، واقناع قادة الدول المتعاطفة مع المقاومة بضرورة التخلي عن تعاطفها بدعوى تأكيد حق الدولة ببسط سيادتها على كل اراضي الوطن، علماً ان بسط الدولة يكون على الاراضي التي ىحتلها «الاجنبي» والمقاومة هي من اهم تجليات السيادة في وجه الطغيان الذي تمارسه بعض الدول الكبرى في مساندة العدوان...

ثم اننا لا نفهم ما الذي يمنع رئيس الدولة من اجل تأكيد وجوده، كحام للدستور، ومسؤول عن تجسيد سيادة الدولة على كل اراضيها عبر شخصه، من القيام بجولات عالمية يشرح فيها «ظلامة» بلاده من العدوان؟ ولماذا يترك كل الذين يؤيدون حق لبنان في المقاومة تجسيداً للسيادة في وجه الدول الكبرى - بمن فيهم رئيس الدولة وقوى الممانعة الاخرى لا يتولون القيام بجولات لشرح «ظلامة» بلدهم. فهذا رئيس كتلة المستقبل كان - رغم انه يسعى لتحقيق وجهة نظر اخرى تقضي بالغاء المقاومة - يقوم بجولات لا يترك فيها بلداً يرى فيه احتمال الاستجابة لما يحمله من وجهة نظر مغايرة لوجهة نظر الممانعين والمقاومين للاحتلال - ورغم انه ليس له صفة تنفيذية، بل هو من ناحية قانونية رئيس كتلة نيابية - ومع ذلك كان يجول الدول والبلدان دون تكليف رسمي من مجلس الوزراء، واحياناً دون دعوات رسمية توجه اليه من قادة تلك البلاد، فيسعى باصرار لاقناعهم بوجهة نظره، حتى ولو كانت في نظر قسم كبير من اللبنانيين تصبّ في «طاحونة» التلاقي مع المشروعات المرسومة لتأمين سلامة الكيان الصهيوني عبر السعي لازالة عائقي المقاومة وقوى الممانعة عن طريق هذه المشاريع وليس غير الاعمى او الفاجر من لا يرى بوضوح وعلى نحو ظاهر ومكشوف ان تلك المساعي الدؤوبة التي قدمها هذا «السياسي الصاعد» الذي بلغ من الحيطة بحيث يحرّك سياسيين آخرين ليجاهروا بتنفيذ ما يسعى هو اليه من التوصل الى نزع سلاح المقاومة - وهؤلاء السياسيون يستجيبون له اولاً لان طروحاته تلتقي مع طروحاتهم، ولكنهم قبلوا ان يكونوا «البولدوزر» الذي يمهد الطريق الذي «تعهد» هو «بشقه».

اما القوى الرافضة لوصاية متعددة الاطراف على لبنان والمنطقة، فانها تكتفي في اتصالاتها الخارجية «بالاتكال» على جهود وزير الخارجية الحالي، الذي رغم مشاركته المبدئية «لقوى الممانعة» وخاصة وانه يلمس بنفسه مدى الاستعداد المحموم لتحقيق «اجندة» اخرى واضحة المعالم، ولكنه يتقيد من حيث انضباطيته «الوظيفية» بكونه مرؤوساً لرئيس الوزراء، الذي ارتضى الجميع ان يكون «الممثل الوحيد للدولة» في القضايا المصيرية التي استجدت منذ بدء العدوان، رغم انحيازه المسبق ضد المقاومة.

في اعتقادنا ان عدم توفر المبادرات الكافية من جانب «قوى الممانعة» هو الذي جعل قوى 14 آذار «تسرح وتمرح» في الميدانين الداخلي والخارجي، فيما القوى الممانعة على عظمة اداء المقاومة البطلة، قد تصرّفت سياسياً وكأنها «مبنجة» (مخدرة) بحيث تركت الساحة الخارجية فضلاً عن الساحة الداخلية تحت تأثير «الوهم» بانها لا تستطيع ان تأخذ المبادرة في كثير من المواضيع الداخلية والخارجية، رغم ان الرأي العام الشعبي المحلي والذي يتعاطف معها دون ان تستثمره لصالح «تصليب» مواقفها فهي قد ارتضت ان تسمي 14 آذار «اكثرية»، وارتضت لنفسها ان تتصرف «كأقلية». علماً ان نائباً واحداً قديراً كان يستطيع ان يحصل وزنا لمواقفه ويحسب لها الداخل والخارج حساباً يفوق حسابه لقوى الاكثرية.

فكيف لو تحرك مثلاً رئيس تيار المستقبل سواء بشكل منفرد او في وفد موحد للقيام بجولات «تمشيط» لجميع القيادات الرسمية والشعبية على امتداد القارات على ان يكون عرضها لوجهات نظرها محكماً وقوياً، وهناك «كفاءات» مؤهلة لان تمثل وجهات نظر قوى الممانعة تفوق كفاءات وجهات النظر الحالية لقوى الوصاية بما لا يقاس

 

- صحيفة الديار اللبنانية

عودة