|
دكتاتورية مجلس الأمن |
|
الدكتور هيثم مناع |
|
تاريخ
15/08/2006
هذا التداخل بين الأمن والحرية أدخل الأمن
مبكرا في صلب مفهوم الدولة وجعله يعود مع كل انتكاسة سياسية أو أزمة
مجتمعية كطرف غير هامشي في معادلة بناء أوضاع استثنائية. أوضاع هي في صلب
اعتبار المدارس الفكرية النقدية الأوروبية للديمقراطية في الغرب شكلية، ليس
فقط بسبب نسبية تمثيلها لمجتمعاتها وسيطرة جماعات الضغط على أجهزتها، وإنما
أيضا، لأن الأمن بالمعنى السلبي للكلمة مازال في مكونات ولادتها
واستمرارها. في عصرنا الراهن دخل عاملان جديدان في مفهوم الأمن، الأول فكرة الأمن الجماعي في منظومة الأمم المتحدة والثاني العدوان البيئي وأثره على الأمن. ورغم أهمية التحطيم المنهجي للبيئة بلا حدود وفوق الحدود، تمر فكرة الأمن الجماعي في منظومة الأمم المتحدة اليوم في أكبر أزمة عاشتها منذ نشأة الأمم المتحدة. ففي الوقت نفسه، التي يحاول فيه مجموعة من الخبراء الذين عرفوا الأمم المتحدة بما لها وما عليها، محاولة زرع فكرة الأمن الإنساني. يتعرض مجلس الأمن لأزمة ثقة على كل الأصعدة، وظيفية أم بنيوية أم سياسية كانت. فمنذ قرابة العقدين عندما بدأت فكرة إصلاح مجلس الأمن تدخل في أدبيات المنظمات غير الحكومية بشكل منهجي وقوي، تشهد هذه المؤسسة المطلقة الصلاحيات تعارضا صارخا في صعود دورها على الصعيد العالمي من جهة، وسلبية هذا الدور التي تنعكس مباشرة على مصداقية المجلس والأمم المتحدة بشكل عام من جهة ثانية. ففي السنوات الخمس التي تلت سقوط جدار برلين تضاعف عدد الاجتماعات الرسمية السنوية للمجلس، ترافق ذلك بارتفاع عدد المشاورات غير العلنية من 20 إلى 195 وتمخض كل ذلك عن ارتفاع القرارات من 25 إلى 72 ومداخلات الإعلان الرئاسي من 20 إلى 85. الفقرة السابعة من المادة الثانية للميثاق (ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي؟ لدولة ما، وليس فيه ما يقتضي الأعضاء أن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم هذا الميثاق، على أن هذا المبدأ لا يخلّ بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع). هذه الفقرة بدأت تدخل عالم النسيان مع تعزز فكرة حق الدول الكبرى في التدخل الانتقائي والمتحيز على حساب ميثاق الأمم المتحدة.
في هذا الوضع بالذات، بدأت أكثر من شبكة ومؤسسة غير حكومية
منذ 1992 بطرح ضرورة إصلاح مجلس الأمن باعتبار هذا المجلس يتمتع بسلطات
تسمح بكل أشكال تعسف السلطان. فرغم اعتبار العديد من الدول والاتجاهات
الديمقراطية لنظام الحكم في العراق مصيبة داخلية وإقليمية، إلا أن طريقة
تعامل مجلس الأمن مع العقوبات المفروضة عليه بضغط أمريكي بريطاني كانت تثير
الاشمئزاز، وطالما ربطها الباحثون الحقوقيون بالنقاط السوداء لمجلس الأمن
التي تذكر بشّل فرنسا وبريطانيا مجلس الأمن عن إصدار قرار بشأن العدوان
الثلاثي على مصر أو مقاومة بريطانيا والولايات المتحدة في الثمانينات لفرض
عقوبات اقتصادية على النظام العنصري في جنوب إفريقيا في الثمانينات وتوظيف
الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي لصلاحياتهما في المجلس لشل قرارات
تتعلق بفيتنام وأفغانستان..
منذ أحداث 11 سبتمبر، وضعت الإدارة
الأمريكية مجلس الأمن أمام أحد خيارين: إقرار الخطوط العامة لسياستها، أو
تجاوز وجوده. وبذلك، نصبت نفسها بكل المعاني فوق هذا المجلس، في هدم منهجي
للأسس التي قامت عليها الأمم المتحدة. القرار 1701 أمريكي فرنسي معدل بضرورات تسمح بقبوله خارج حدود إسرائيل. ولكنه قرار جد رديء ويمكن القول أن نقاط القوة فيه عندما يكون غامضا لأنه في النقاط الواضحة قرار يعطي إسرائيل في نيويورك ما عجزت عن تحقيقه في مارون الراس. إسرائيل خاضت الحرب ببرنامج واضح أسماه أولمرت إعادة لبنان عشرين سنة إلى الوراء. لذا حطمت البنية التحتية للبنان وليس البنية التحتية لحزب الله، قتلت المدنيين أولا، عادت بأخلاق الحروب إلى ما قبل حلف الفضول.. لا عهد ولا قانون كل مدني لبناني هدف لأنه لم يعلن الثورة على حزب الله، كل من يركب سيارة محملة بالخضار هدف عسكري، كل من يسعف بناية مدنية محطمة هدف، كل من يشارك في جنازة يمكن أن يدخل في النعش القادم.. نحن أمام حالة همجية فوق المحاسبة تحتقر القانون الإنساني الدولي وهيئة الأمم المتحدة وتنال حماية مطلقة من الإدارة الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية. لا شك بأن الإدارة الأمريكية الغارقة في المستنقع العراقي تبحث عن أية نقاط ارتكاز تعيد لها الإعتبار. المشكلة أن ما يسمى الحرب على الإرهاب والعدوان الأمريكي الإسرائيلي قد أعلنا احتضار الشرعية الدولية في المفهوم الذي ولدت معه بعد الحرب العالمية الثانية. الآن من يحترم قرارات الأمم المتحدة؟ لا بد من تعبئة الفراغ الناجم عن هذا الاحتضار بتعزيز مقومات العدالة الدولية. ولا يجب أن يغيب عن البال أن هناك قبل وبعد الحرب السادسة، لن تكون الأمور كما كانت، لقد زجت الحرب بمئات آلاف الشبيبة إلى الفعل السياسي والتفكير بضرورة الدور السياسي، وهذا إنجاز هائل سيعطي الحياة السياسية دما جديدا إن لم نقل سيكون في صميم عملية غسيل دم أصبحت أكثر من ضرورية. اليوم، تسعى الإدارة الأمريكية لفرض أمنها القومي على العالم باعتباره أمنا ضروريا لهذا العالم، وفرض تصورها للأمن الإقليمي باعتباره الأنسب لمصلحة الشعوب. إلى أي حد يمكن لهذا التوجه أن يودي بنا إلى الأمن الإنساني الذي يتحدث عنه خبراء الأمم المتحدة.. القنابل الانشطارية التي قدمتها الإدارة الأمريكية للجيش الإسرائيلي عشية صدور إدانة مجلس حقوق الإنسان وقرار مجلس الأمن، تعطي الإجابة على هذا السؤال.
القدس العربي 15/8/2006 مفكر وحقوقي عربي من سورية |
عودة للملف اللبناني عودة لرواق الدكتور هيثم مناع