عائدون من دمشق يوردون الأسباب التي تدفعها لاعتبار نفسها معنية بالنصر.. قراءتان لبنانيتان متناقضتان لخطاب الأسد

عماد مرمل

تاريخ 17/08/2006
لم يُعط الانتصار "التاريخي والاستراتيجي" الذي حققه حزب الله على إسرائيل فرصة ان يأخذ مداه وأن تكتمل معانيه، انسجاما مع "التقاليد" اللبنانية في "استهلاك" أي إنجاز و"استنزافه".
هكذا، وبسرعة قياسية، أُريد لهذا الانتصار ان ينزلق من "قمم" مارون الراس وبنت جبيل وعيترون وعيتا الشعب والطيبة والخيام وغيرها الى "زواريب" الساحة الداخلية، حيث يصبح الانجاز وصانعوه في موقع الاتهام، في واحدة من أكثر المفارقات اللبنانية مدعاة للقرف والاشمئزاز.
والغريب ان هناك من يستعجل طرح الهواجس حول مفاعيل الانتصار ويستسهل مطالبة أصحابه ب"كشف حساب"، فيما عرض التلفزيون الاسرائيلي شريطا مصورا، أمس الاول، وفيه الكثير من الابعاد الرمزية التي اختزنها مشهد رجال القوة الامنية المشتركة في ثكنة مرجعيون.
ولا تخفي أوساط في قوى 14آذار وجود مخاوف حقيقية في صفوف بعض هذه القوى من الانعكاسات المحتملة للانتصار الذي حققه حزب الله على موازين القوى المحلية، وتشير هذه الاوساط في مجالسها الخاصة الى ان تراكمات الاحتقان الطائفي والمذهبي توفر لتلك المخاوف "بيئة ملائمة" حيث ان هناك داخل فريق "الاكثرية" من يعتقد ان الحزب سيستقوي بإنجازه على خصومه سعيا الى تغيير المعادلة السياسية التي رست في البلاد منذ الانتخابات النيابية الاخيرة.
وترى الاوساط المشار اليها ان خطاب الرئيس بشار الاسد أمس الاول قد عزز الهواجس المثارة وأعطى مشروعية للتساؤل الذي كان النائب وليد جنبلاط قد طرحه حول الجهة التي سيهديها السيد حسن نصر الله انتصاره، لافتة الانتباه الى ان الأسد أحرج حزب الله نفسه عندما اتهم مجموعة سياسية لبنانية بالعمالة لاسرائيل، "لانه أوحى بذلك ان الحزب يجلس في الحكومة الى جانب عملاء، عدا عن ان كلام الرئيس السوري يشكل إدانة لنصف الشعب اللبناني الذي تمثله المجموعة المتهمة بأنها منتج إسرائيلي"، وتعتبر هذه الاوساط ان على حزب الله ان يساهم الآن في "تعميم" الشعور بالنصر لكي يطال جميع اللبنانيين حقا وليس شريحة منهم فقط، وأن عليه أيضا ان يرد بشكل او بآخر على الاسد، لان من شأن توضيح كهذا ان يرطب المناخ المحتقن في البلاد.
وتحذر الاوساط المنتمية الى فريق 14 آذار من ان خطورة خطاب الاسد تكمن في انه انطوى على تعبئة وتحريض للمواطنين الذين دفعوا ثمن العدوان الاسرائيلي ضد قيادات لبنانية جرى تصنيفها في الخانة الاسرائيلية، "في استعادة للدور السوري الذي لا يعيش إلا فوق التناقضات".
ولكن اللافت للانتباه مؤخرا هو تمايز موقف "تيار المستقبل" عن مواقف اتجاهات آخرى في معسكر 14 آذار حول طريقة مقاربة ملف سلاح المقاومة، إذ ان التيار لم يكن موافقا على "تسرع" بعض شخصيات "الاكثرية" في إثارة هذا الملف، في هذا التوقيت بالذات، وهناك في "المستقبل" من يتحدث صراحة عن عدم جواز "حرق المراحل" واستعجال البت في مصير سلاح المقاومة قبل ان ينجلي غبار العدوان الاسرائيلي، ولكن أصحاب هذا الرأي يعتقدون أن حزب الله يجب ان يشجع في المقابل على بناء الدولة القادرة والقوية وأن يبادر الى اتخاذ الخطوات المناسبة التي تصب في هذا الاتجاه بما يطمئن الشرائح الشعبية والسياسية الموجودة خارج إطار الحزب.
في هذه الاثناء، يعكس العائدون حديثا من دمشق قراءة لخطاب الاسد تختلف جذريا عن تلك التي تكونت لدى خصوم سوريا في لبنان. يقول العائدون إن سوريا "شريكة" في "تضحيات" المواجهة ضد إسرائيل، ويكفي انها تحملت ما لا يحتمل من الضغوط السياسية والحصار الدولي بسبب دعمها للمقاومة ورفضها اي مساومة على مصيرها، وبالتالي فإن هذا يمنحها الحق بأن تعتبر نفسها معنية بالنصر الذي حققته المقاومة، خلافا لحال بعض الاطراف المحلية ممن كانوا "محايدين" في الحرب إن لم يكونوا "متواطئين" مع الذين شنوها.
ويشير العائدون من دمشق الى ان سوريا التزمت "الصمت" خلال فترة المواجهة بالاتفاق مع المقاومة وحرصا عليها، ولذا فإن على البعض ان يكف عن اللعب على هذا الوتر، "وإذا كان هناك من يحق له ان يتذمر من موقف سوريا فهو حزب الله والحزب راض، فلماذا يحاول الآخرون تصوير الامور على غير حقيقتها".
ويؤكد العائدون ان دمشق كانت قد اتخذت قرارا سياسيا حازما بدخول الحرب ردا على أي اعتداء إسرائيلي مع ما استوجبه هذا القرار من استعدادات عسكرية، ويروي هؤلاء ان هناك صواريخ كانت في حال جهوزية لقصف إسرائيل ردا على الضربة الاولى التي كان يمكن ان تتلقاها الاراضي السورية.
ويرى العائدون ان خطاب الاسد يوحي بأن سوريا حسمت خيارها بالانتقال من مرحلة الصمود الى مرحلة المقاومة، ويتحدثون في هذا الاطار عن نقاش جدي يدور حول إمكانية إطلاق مقاومة شعبية لتحرير الجولان، تكون مستوحاة من تجربة حزب الله، ويقولون ان الرئيس السوري الذي فقد الامل في بعض الانظمة العربية بعد تواطئها مع العدوان على لبنان يراهن الآن على نبض الشارع العربي وهو ربما يعزز انفتاحه على المعارضات العربية انسجاما مع السياق الذي اختاره.
ولعل هذا الموقف السوري المتشدد من سلوك عدد من الانظمة العربية يأتي امتدادا للتوتر الذي كان قد عبر عنه الاجتماع الاخير لوزراء الخارجية العرب في بيروت حيث ساد الجلسة المغلقة آنذاك تشنج في المواقف بين وزير الخارجية السوري وليد المعلم ووزراء آخرين رفضوا تضمين البيان الختامي إشارة واضحة الى المقاومة، ما دفع المعلم الى التهديد بالخروج الى وسائل الاعلام وفضح ما يجري، فكانت "التسوية" على مضض بالكلام عن لبنان ومقاومته.

المصدر:جريدة السفير اللبنانية.  بتاريخ 17/08/2006 

 

عودة