|
العرب، بمجموع
دولهم، يتحدثون عن الكارثة في لبنان وكأنها واقعة غداً!
البعض ينصح، وبعض
آخر يحذر، وبعض ثالث ينذر، لكن أحداً منهم لا يتقدم بمقترح محدد، بصيغة
عملية تفتح باباً أو نافذة للحوار.
كلهم يتنقلون بين رئاسة الحكومة ورئاسة المجلس النيابي، يسمعون وقد يناقشون
قليلاً، وقد يهدئون أعصاب المغضبين، وينبهون إلى المخاطر الداهمة، ويحذرون
من الفتنة النائمة التي يلعن الله من يوقظها، فإذا لم تقبل مقترحاتهم التي
تدور في الإطار نفسه، ومنذ انفجار الأزمة، أنكفأوا تاركين للطرفين الفرصة
للتفكير وإعادة النظر في ما سبق لهما ان اعتذرا عن عدم قبوله لأن أحدهما
يرى فيه إلزاماً بأن يعطي أكثر مما يطيق في حين ان ثانيهما يرى فيه انه أقل
مما يستحق.
المقترحات تدور في دائرة مقفلة، ولكنها تفتح الباب <للشارع> حيث لا يحتاج
الأمر الى عناء لكي يتحول <الحوار> إلى <شجار>، خصوصاً وان وسائل الاعلام
الأكثر تطوراً جاهزة للافادة الفورية من <برامج الاثارة>، التي لا كلفة
فيها، إذ هي لا تحتاج إلى أكثر من <اعطاء الهواء> لأي راغب في ركوبه،
واتاحة الكاميرا لكل من يعشق صورته.. بالألوان!
... ولأن كل رأي يستدعي الرأي الآخر، ويمنحه <مشروعية> ما، بحسب القاعدة
الديموقراطية الخالدة، يتم تعميم <الشجار> عبر الأثير إلى كل ناطق بالعربية
في مشارق الأرض ومغاربها وصولاً إلى المغتربات بعيدها والقريب، وإلى كل
<المنافي> التي اختار الكثيرون من اللبنانيين أن يجعلوها أوطاناً بديلة.
.. ونعود إلى الأخوة العرب، ولا سيما إلى قادتهم ملوكاً ورؤساء وسلاطين
وأمراء عرفنا عنهم وسمعنا منهم ما يفيد بحبهم الاستثنائي للبنان، الوطن
الصغير الجميل، وللبنانيين، الشعب الحيوي فائق الذكاء، وحرصهم على أمنه
واستقراره وازدهاره.
اننا نسمع منهم تصريحات تنبهنا إلى ان لبنان ينزلق نحو الحرب الأهلية،
ونسمع عنهم أقوالاً تفيد بأن عدوى الشقاق الذي استولده ورعاه الاحتلال
الأميركي للعراق فاغتال به وحدة شعبه وصدع به وحدة كيانه السياسي، قد تنتقل
إلى لبنان،
بالمقابل فإننا نسمع من ساسة ورجال اعلام غربيين كلاماً لا يمكن المرور به
مر الكرام.. إذ انهم يشيرون ولو من طرف خفي إلى إسرائيل <التي لن تغفر
للبنانيين ما ألحقته بها مقاومتهم، و<حزب الله> تحديداً من خسارة معنوية
هائلة، فضلاً عن فضيحة الفشل العسكري>، وبالتالي فهي عملت وتعمل ولسوف تعمل
أكثر وبأقصى طاقتها من أجل تفجير الفتنة في لبنان أو تفجير لبنان بالفتنة،
فتغرق مقاومته في <المستنقع اللبناني> الذي جربته إسرائيل وتعرف كم هو
مدمر...
وثمة من يزيد في مصارحته فيقول: ان إسرائيل تدرك أن بعض العرب <لا يمانعون>
بل لعلهم قد يشجعون إسرائيل ضمنا على ضرب المقاومة عن طريق اغراقها في دماء
الفتنة الداخلية، فتعفيهم من حرج عظيم، <خصوصاً وان المسؤولية ستلقى على
الطرف الأقوى، داخل لبنان، فإما ان تجبر المقاومة على استخدام سلاحها وفي
هذا مقتلها، وإما ان تمنى بهزيمة معنوية ساحقة تفقد معها اشراقتها وشعبيتها
العربية والإسلامية، فتتبدى وكأنها تستغل نصرها (وسلاحها) من أجل مقعد أو
مقاعد إضافية لحلفائها في حكومة ستبقى في الأحوال جميعاً عاجزة عن
الانجاز>.
? ? ?
السؤال: ماذا بعد النصائح السامية التي نسمعها من القادة العرب؟
ان جميع اللبنانيين يعيشون حالة قلق غير مسبوقة من احتمال ان تنزلق
المواجهة السياسية إلى فتنة طائفية. وهو قلق لم يعرفوا مثله حتى في ذروة
الحرب الإسرائيلية على لبنان. بل انهم أمضوا أيام الحرب وصدورهم عامرة
بالايمان، والزهو بالصمود يملأهم فخراً، وحتى أخبار الخسائر الفادحة التي
اصابت لبنان في
إنسانه وعمرانه لم تأخذهم إلى الحزن... فمن يقصف ويدمر هو العدو، وهذا
متوقع منه وسبق ان جربوه وصمدوا، فكيف وهم يلمسون لمس اليد فشل إسرائيل في
حربها الجديدة على وطنهم؟!
أما الفتنة فهي الكارثة الوطنية الكبرى، بل هي الكارثة العربية العظمى..
وطالما ان القادة العرب يعرفون باقتراب خطر الفتنة من لبنان فان واجبهم
تجاه أوطانهم ودولهم والأمة يملي عليهم واجب التحرك لمنعها قبل ان تشب
نارها التي يكتوي العراق في أتونها وتكاد ألسنة لهيبها تمس كل <دول الجوار>
من حول أرض الرافدين الذي صار الرافد الثالث المتدفق من دماء أهلها أغزر من
مياه شط العرب..
ان لبنان يستحق منهم هذا المجهود،
كذلك فإن سلامة أقطارهم، بل الأمة جميعاً تفرض عليهم هذا الواجب...
وطالما ان التخوف من الفتنة يشغلهم فإن المبادرة إلى منع نشوبها أسهل بما
لا يقاس من محاولة حصرها في موقع انفجارها، إذا هي انفجرت لا سمح الله...
أن لبنان يستحق منهم أن يتحركوا لنجدته بمنعه من السقوط في غياهب الفتنة.
... وإذا ما أرادوا دليلاً فإن الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو
موسى مستعد، بل انه يلح في المطالبة بأن يعطى شرف مثل هذا الدور المجيد.
صحيفة السفير
اللبنانية .6/12/2006 |