معسكران وموقفان سياسيان!


 بقلم: حياة الحويك عطية

تاريخ 30/09/2006
بدموعي ، لا بالحبر...بدموع الفخر والاعتزاز والكرامة لا بدموع التسول. بدموع تساوي الزغاريد في اعراس الشهداء واعراس الحياة.  تلك الدموع التي انتزعها دون استئذان ودون مقدمات سيد النصر اللبناني ، منذ الاستهلال الاول لخطابه بصوت مشحون بالانفعال، حتى لكأنه غيرصوته المالوف ويد ترتفع بشارة البركة والنصر وترتجف انفعالا بدورها. بهذه الدموع التي ان هي الا دموع القوة اكتب. هل اكتب؟ ولاقول ماذا؟ وماذا بعد ما قاله الزعيم المضيء الذي قاد المقاومة اللبنانية إلى وقفة العز التي تساوي الحياة. ولكن هل كان لكل بلاغة العرب ان تحرك في الروح شيئا لولا بلاغة الفعل؟ هل كان لكل الخطب ان تستل الدموع لولا صور كرامة امة هدرت طويلا طويلا ، وداس الغاصبون على عينيها وجبينها طويلا طويلا ، في مقابل صور رجال ونساء متوهجين داسوا بارواحهم على عيون الذل وجبينه وغسلوا بدمائهم عار امة لم تعد ابدا خير امة اخرجت للناس؟ لولا صخرة صمود ونخوة كبرياء وشلال عطاء تضافرت كلها من فلسطين إلى العراق إلى لبنان ، حتى اذ فاجانا الاخ الصغير الطري اليدين واللسان بحقيقة ان تعميق الوعي وترسيخ الايمان وتربية الكرامة يمكن ان تحوله إلى اسد كبير ، ضربتنا المفاجاة بالذهول الحائر بين الفرح والاعتزاز من جهة ، والالم والاسى على الثمن الغالي الذي نضطر لدفعه، دون خيار بينه وبين كرامتنا الوطنية والشخصية ، ذاك الخيار الذي لم يكن للامم الحية يوما ان تناقش فيه اوتتردد في الدفع.
بين الموقف الابي لهؤلاء الملايين الذين تجمع مليون منهم في ساحة الضاحية ، وبين الموقف الخياني الذي يحاول من خلاله الاخرون في لبنان وفي العالم العربي ان يلتفوا على النصر المدفوع الثمن غاليا ، وله وحده يرخص هذا الغالي. لم يتردد نصرالله في ان يصفهم بالاذلاّء وكانه يستحضرسلفا عظيما كبيرا هو الشيخ عبد الرحمن الكواكبي واروع نصوصه :»المفاهيم المقلوبة» حيث يعدد المفاهيم التي تنقلب بفعل طبائع الاستبداد ، فاذا الشجاعة تهورا والجبن حكمة ، والكبرياء عجرفة والذل تعقلا.
لم يلعب نصر الله على العواطف ، ولكن كان لا بد للعواطف الا وان تلعب كالعواصف ، في حين كان هو يركز مفاصل سياسية واضحة ، بالنسبة للحرب ، مجرياتها وخواتمها ، بالنسبة للوضع العربي ، بالنسبة للوضع الداخلي وبالنسبة للوضع الدولي فيما يخص منطقتنا منه. كان دقيقا وعميقا في كل لفظ وفي كل تعبير ، وحتى في رسم علامات الترقيم شفويا وبالاشارة ، وكان دقيقا في الالتزام بالمفاهيم الاساسية والثوابت ، كما كان دقيقا في تلمس سيكولوجية المتلقي (على اختلاف المتلقين ) وما من شك في ان مئات المحللين يعملون منذ ظهر هذا اليوم على تحليل الخطاب ، بدءا من اسرائيل وانتهاء باميركا مرورا بكل العالم. خاصة وان السيد قد وضع مقاومته منذ البداية في معادلة اميركا ومشروع الشرق الاوسط الكبير لا في معادلة العدو الاسرائيلي. كانت الحرب هذه المرة اميركية وباداة اسرائيلية لا شك ان لها فيها مصلحة وهوى وقرار وبمساهمةبريطانية.
ولعله سكب المياه على قلوب اللبنانيين الذين جف ريقهم لرؤية طوني بلير في عاصمتهم قبل ان تجف دماء ابنائهم ويجرف ركام بيوتهم الذي دمر بسلاح اميركي شحن علنا عبر مطارات بريطانيا بلفور. بل سقى عطش الكثيرين الذين قال باسمهم استحالة شراء الكرامة بملء البطون ، وسقى احلى ما سقى حرقة المقاتلين و اهالي الشهداء الذين كان لبطولاتهم الفضل فيجعل اسرائيل تستجدي وقف الحرب ، واذا بالسياسيين التجار يبيعون الناس فضل وقف الحرب بفعل نشاطهم الديبلوماسي ، ودموعهم الذليلة.
تحليل خطاب السيد يحتاج إلى الكثير بعد الهدوء ، لكن اهم ما أرساه يظل انه ركز على نقطة اوضحها تمام الوضوح وهي ان الانقسام في لبنان انقسام سياسي لا طائفي ، انقسام بين موقفين تندرج في كل منهما كل الطوائف. وكدا في كل الوطن العربي.

 المصدر:وكالات. 

 

عودة