|
فها أنا في السجن مرة أخرى، فقط لان المدعي العام يري أن خطر هروبي قائم
وان موعد المحاكمة يقترب وان التهم خطيرة...الخ. إعادة اعتقالي لايوجد لها
أي مبرر كما ذكر كثير من المحامين والخبراء القانونيين ولكن الملفت للنظر
أكثر هو الاتهامات التي تقوم كلها علي التنصت علي مكالمات هاتفية وترجمتها
وتفسيرها بطريقة محرفة وخضعت لتلاعب كبير من قبل المترجم أو من قام
بدراستها وتحليلها. يبدو أنهم لاحظوا أن كلمة الشباب تتردد كثيرا في
المكالمات الهاتفية فاستنتجوا أن هناك تنظيما أو خلية تدعي خلية الشباب وان
هذه الخلية مرتبطة بفلان أو علان المرتبط بدوره مع تنظيم القاعدة.
المصطلح الآخر الأكثر طرافة هو الكنية فحين يتكلم السوريون مع بعضهم لا
يتخاطبون بالاسم المجرد وهذا شائع في الشرق الأوسط بشكل عام أبو فلان وأبو
علان، ملف الاتهام يقول إن هذه أسماء حركية تنظيمية وعندما يردد الإعلام
الاسباني كلمة الياس أي الملقب، لايشك القارئ أو المستمع أن الأمر يتعلق
بتنظيم إرهابي لان الأمر غير وارد في الثقافة الاسبانية. حاولت أن أوضح
لقاضي التحقيق هذه الأمور ولكنه لم يقبل أي إيضاح، حاولت أن احصل علي
شهادات من أساتذة جامعيين من منطقة الشرق الأوسط ولكن بدون جدوي وقد رفض
عدد ممن طلبت منهم ذلك أن يكتب أي شيء، كتب لي احد المحامين العرب وثيقة
تشرح هذه المفاهيم وذهب بها احدهم إلى مكتب ترجمة لترجمتها إلى اللغة
الاسبانية فرفض المكتب ترجمتها، لا اعتب علي احد فالناس تعيش في بلدان
متخلفة والناس قلوبها مقطوعة كما يقال رغم أني طلبت كتابة الوثيقة بصيغة
عامة تفيد بان استعمال كلمة الشباب شائع وهو مفهوم عام قد يطلق علي الزملاء
أو علي الأصدقاء أو حتي علي الأبناء وهي واردة في اللهجة المتداولة في
سورية بشكل خاص وبقية بلدان المنطقة ووردت في مسلسلات تلفزيونية وفي روايات
أدبية تستخدم اللهجة الدارجة أحيانا وآخر مكان قرأتها فيه كان في احدي
روايات عبد الرحمان منيف. أما كلمة أبو فلان فهي أكثر شيوعا وهي عادة
متداولة في بلداننا تطلق حتي علي الأولاد الصغار والملوك والرؤساء مرورا
بعامة الناس. علي أية حال مازال عندي أمل أن يتطوع احد الأساتذة الجامعيين
أو لجنة أو مجموعة لكتابة وثيقة بهذا المعني وتوجيهها إلي من يهمه الأمر
فالشجاعة والمرجلة لم تنعدم بعد في الأمة.
التهمة الأخرى هي علاقتي بالمدعو محمد بهايا الذي يتهمونه بدون دليل انه
كان يمارس دور البريد بين اسبانيا وتنظيم القاعدة وإنني نقلت إليه مبلغ
أربعة آلاف دولار إلي باكستان، هذا المبلغ هو حصيلة بيع أثاث بيته في تركيا
وكان يسكن هناك وانتقل مع عائلته إلي باكستان لممارسة أعمال تجارية واغاثية
وقد أرسلها إلي احد أصدقائه لأحملها له بدوري إلي باكستان وذلك عندما كنت
في إجازة في اسبانيا وقد كتب الرجل المذكور أمام كاتب العدل في تركيا وثيقة
بهذا المعني يوضح فيها أصل هذا المبلغ والوثيقة قدمتها هنا إلي المحكمة
موضحا أن علاقتي بالسيد بهايا هي علاقة أبناء بلد وليس غريبا أن يتبادل
أبناء البلد الواحد في الغربة خدمات من هذا النوع ولكن يبدو أن القاضي لم
يقتنع بذلك، وهذا الأمر ينطبق علي علاقتي بالمدعو مصطفي ست مريم أو أبو
مصعب السوري الذي لا تتعدي علاقتي به علاقة أبناء البلد الواحد في الغربة
بالإضافة إلي أن ما اعرفه عن الرجل هو انه يعارض العنف وقد ربح قضية ضد
صحيفة الحياة أمام القضاء البريطاني بعد أن اتهمه احد صحافييها بأنه يشجع
علي قتل المدنيين أو شيء من هذا القبيل وذلك عام 1996 أما عن علاقته
بالقاعدة فقد صرح علي شاشة الجزيرة من كابل عام 2000 انه لا ينتمي إلي
القاعدة وانه موجود في أفغانستان لمساعدة طالبان بالأمور الإعلامية وانه
يلقي دروسا في بعض معسكرات طالبان تقتصر علي الأمور الدينية. ولكن هذا لم
يقنع المحكمة أبدا ولعل القارئ يلاحظ معي أنني أقدم هذه الدفوعات والوثائق
التي اتعب كثيرا في الحصول عليها وأنا في الأصل غير مجبر علي ذلك لان
القانون والدستور يعتبراني بريئا حتي تثبت إدانتي ولكن الأمر هنا يجري
معكوسا تماما فهم يلقون بالتهمة علي شكل إدانة قاطعة وعلي المتهم أن يثبت
براءته بالوثائق والشهادات وهذا مخالف للدستور الاسباني ثم أن الاتهامات
ظنية وعبارة عن توقعات لا أدلة عليها فهم مثلا يتهمونني بعلاقتي مع محمد
بهايا الذي لا يزال متهما بدوره ولم تثبت عليه أية تهمة ولم يجر معه أي
تحقيق أو محاكمة ولا احد يعرف مكان إقامته أصلا كذلك علاقتي بالزعيم
المزعوم للخلية المزعومة للقاعدة في اسبانيا عماد الدين بركات أو أبو
الدحداح فهي علاقة لا تتعدي أي علاقة عادية بين أبناء البلد الواحد وكانت
علاقة محدودة نظرا لأنه يعيش في مدريد وأنا في غرناطة. الحكومة الاشتراكية
الحالية طرحت مشروع تحالف الحضارات فهي فكرة جيدة كبديل للحروب الاستباقية
الأمريكية وهي موجهة إلي العالم الإسلامي دون غيره ولكن ألا يجدر بهذه
الحكومة أن تلتفت إلي الممارسات التي تجري ضد الجالية المسلمة داخل اسبانيا
من قبل أجهزة الأمن والقضاء.
عندما يسأل بعض الصحافيين العرب وزير الخارجية موراتينوس عن قضيتي يقول انه
لا يستطيع التدخل في قرارات القضاء لان اسبانيا دولة ديمقراطية والقضاء
فيها مستقل وهذا بنظري كلام فارغ وهراء لان قرار اعتقالي الأخير صدر تحديدا
من المدعي العام وهذا يتبع مباشرة لوزير العدل هو في حكومة ثاباتيرو شأنه
شأن موراتينوس وغيره من الوزراء.
أدعو جميع زملائي من الصحافيين العرب الضغط علي أي مسئول اسباني يزور
البلاد العربية وسؤاله عن الممارسات غير الدستورية التي تجري بحق الجالية
المسلمة في اسبانيا ومنها ما يجري في قضيتي ثم القرار القضائي المفاجئ بسجن
إمام مسجد فوينخرولا علما بان الحكم القضائي الذي يقل عن سنتين لا يجري
تنفيذه حسب العادة المتبعة قانونيا واعتقال إمام آخر في مسجد قرب برشلونة
واتهامه بأنه علي علاقة بمجموعة من 38 شخصا تم اعتقالهم في رمضان الماضي
بتهمة التخطيط لتفجير المحكمة الوطنية وذلك دون تقديم أي دليل علي وجود هذا
التخطيط حتي الآن. ثم هناك قضية الذين اعتقلوا في شمال اسبانيا وسموهم
عصابة ديكسان وهو نوع من مواد التنظيف كانوا يعملون في تنظيف أحواض السباحة
به ووجدوا عندهم مواد أرسلوها إلي أمريكا لتحليلها فجاءت النتيجة أنها لو
خلطت بمواد أخري يمكن أن تصنع متفجرات فيا سبحان الله، حتي الماء العذب لو
خلط بمواد أخري يمكن أن يصبح متفجرات أو مخدرات أو أي شيء آخر. ثم قرار
وزير الداخلية الصادر قبل أشهر ويقضي بترحيل أي أجنبي يشتبه به وذلك دون
الحاجة إلي أدلة ودون وضع معايير واضحة تحدد من هو المشبوه ومن هو النظيف
والترحيل يتم إلي بلدان عربية تكفي فيها الشبهة لعقوبات تصل إلي الإعدام.
أي أن وزارة الداخلية تصدر بطريقة غير مباشرة أحكاما قاسية يتم تنفيذها في
بلدان أخري وبعض الدول العربية تقع في هذه المصيدة وتنفذ رغبات الحكومة
الاسبانية التي عجزت عن تنفيذها في اسبانيا حفاظا علي سمعتها الديمقراطية .
أؤكد في النهاية دعوتي إلي جميع محبي العدالة والحرية للضغط علي الحكومة
الاسبانية بجميع الوسائل السلمية المشروعة وأنا اعني هنا الحكومة وليس
الشعب الاسباني المتضامن مع القضايا العادلة وهو لا يستحق إلا كل خير.
بدعوي مكافحة الإرهاب تبيح الحكومة الاسبانية جميع الممارسات غير القانونية
وغير الدستورية ضد الجالية المسلمة وبما أن الضحايا هم من المسلمين الذين
لا بواكي لهم فلا بأس. أنا واثق أنهم لو كانوا أمريكيين أو استراليين أو
أوروبيين لما تجرأت هذه الحكومة علي مثل هذه الممارسات.
تيسير علوني اسبانيا
17/12/2004 |