إسبانيا و علوني


محمد كريشان

  إسبانيا تنقض حقوقا أساسية خلال مكافحتها للإرهاب ...هذا ما خلصت  إليه منظمة "هيومن رايتس واتش" المعنية بحقوق الإنسان في تقريرها الأخير الذي عددت فيه مجموعة  من الثغرات التي جعلت المحتجزين في قضايا الإرهاب في هذه الدولة مجردين من الحد الأدنى من الضمانات القانونية الضامنة لــ "الإنصاف القضائي" و خاصة ظروف  الاحتجاز و طولها و العلاقة بالمحامي و غيرها

 من يمعن النظر في أبرز ما جاء في هذا التقرير الذي يسرد بالتفصيل  نقاط عدم التزام مدريد بالضمانات التي توفرها مواثيق حقوق الإنسان الدولية وكذلك الالتزامات الأوروبية لإسبانيا في هذا المجال لا يمكن إلا أن يشعر بأن مثل هذه الانتهاكات تزداد إجحافا على إجحاف عندما تتعلق بصحفي يجد نفسه فجأة في خضم قضية تصوره مباشرة أو ضمنيا من الإرهابيين الخطرين كما هو واقع الآن على زميلنا تيسير علوني المعتقل من زهاء الشهرين و الذي يجري التعامل معه للأسف الشديد على أساس أنه متهم حتى تثبت براءته و ليس بريئا حتى تثبت إدانته،  كما تقول القاعدة القانونية الذهبية و البديهية . 

  التقرير يتحدث عن العزل الانفرادي و هو ما يعاني منه تيسير الذي يقضي عشرين ساعة يوميا في وحدة قاتلة لم تبددها مؤخرا إلا بعض الكتب التي سمح له مؤخرا بوصولها إليه.  و بما أن هذا العزل من شأنه ، كما ورد في التقرير، أن يزيد خطورة سوء المعاملة أثناء الحجز فإن الزنزانة التي يقبع فيها تيسير الآن لا يسمح فيها بالتدفئة إلا ساعتين صباحا و مثلها مساء رغم البرد القارس هذه الأسابيع و ذلك بعد أن كانت البطانيات التي سلمت له في البداية مبللة كما اشتكى بنفسه في رسالة له من خلف القضبان... ثم إن تيسير لم يعرض إلى حد الآن على طبيب مختص كما طالب بذلك محاميه و أقره القاضي علما و أنه يعاني من آلام حادة في عموده الفقري تحول أحيانا حتى دون قدرته على الوقوف السليم كما أنه يعاني من مرض القلب و كان يفترض أن يخضع لعملية قسطرة في موعد حدد لسوء الحظ في اليوم الثاني لاعتقاله. أكثر من ذلك لم يزره  طبيب السجن حتى لمجرد الفحص الروتيني العادي إلا بعد أسابيع عديدة بعد أن حملت بزوجته السلطات الإسبانية مسؤولية أية مضاعفات سلبية  قد تحصل جراء هذا الإهمال الذي لا يتحرج في التعامل مع صحفي مشهور في قناة مشهورة و كأنه من عتاة المجرمين الخطرين.

  و كما عبرت المنظمة التي تتخذ من واشنطن مقرا لها،  فإن من دواعي القلق تجاه ما يحدث في إسبانيا الآن أن قانون الإرهاب المعمول به في البلاد يسمح باحتجاز المشتبه بهم مددا يمكن أن تصل إلى أربع سنوات قبل تقديمهم إلى محاكمة يفترض أن تفصل فيما إذا كانوا مدانين أو أبرياء و لنتخيل أي تدمير يمكن أن يلحق بمستقبل أي كان يمكن أن يكون بريئا بعد أن لاحقته شبهة الإرهاب طوال هذه الفترة دون أن يقول القضاء كلمته النهائية في وضعه. و لهذا تحديدا طالب محامي علوني بإطلاق سراحه مؤقتا بأي كفالة يتم تحديدها بسبب وضعه الصحي أولا وانتظارا لمحاكمة قد تتأخر و لا يجوز إبقاؤه في أثناء ذلك رهن وضع بائس كالذي أشرنا إليه لا سيما و قد سبق  للقاضي في اعتقاله الأول أن أقدم على مبادرة من هذا القبيل بكفالة قدرها ستة آلاف يورو على ألا يغادر التراب الإسباني و يؤكد حضوره لدى السلطات كل أسبوع  و هي سابقة سارت بسلاسة،  ناهيك عن أن المبلغ المحدد للكفالة ما كان ليوحي بأن الرجل بالخطورة أو التورط الذين  يتصورهما البعض.

  لاشك بأن الصحفي ليس فوق القانون و لكن ما يطالب به زملاء تيسير علوني و كل المنظمات الصحفية و الإنسانية التي تسانده لا يتعدى مطالبة مدريد ضرورة مراعاة ظروفه الصحية و الدعوة لإطلاق سراحه فورا في انتظار محاكمة لا يزال هؤلاء المناصرون  و كذلك محاموه  يثقون في نزاهتها لتبرئته مما علق به من تشويه مقصود أو غير مقصود.  و بعد أن تقول العدالة كلمتها لن ينس الجميع عدالة القضاء الإسباني  لكنهم لن ينسوا كذلك  مدى الإهانة و الظلم الذين  لحقا بزميل ما كان يستأهل أصلا كل هذه "البهدلة".

 2 فبراير 2005                        

    

عودة