السابقة الإسبانية


محمد كريشان

دعوة ملحة للغاية إلي كل الزملاء الصحافيين أن يطلعوا علي النص الحرفي للحكم الصادر علي الزميل تيسير علوني، إن لم يكن بدافع التضامن فليس أقل من أن يكون ذلك بدافع الفضول المهني، والأهم من الأمرين بدافع الحيطة لأن ما حصل لتيسير يمكن أن يحصل بسهولة شديدة لأي منهم وإن في سياقات مختلفة.

 ثماني صفحات متاحة باللغة العربية علي موقع الجزيرة نت حرصت المحطة التي يعمل بها المراسل التلفزيوني الشهير الذي حكمت عليه المحكمة الاسبانية العليا بسبع سنوات سجنا أن يترجمه أخصائيون إلي العربية وكذلك الفرنسية والانكليزية ويوزع علي أوسع نطاق ممكن حتى يقف الجميع في العالم كله أمام هذه السابقة ـ الفضيحة. لقد جرت هذه الترجمة ووضعت علي ذمة الجمهور علي خلاف من كان يعتقد بأن ذلك لن يحدث لأن في هذا الحكم ما ترغب هذه المحطة في إخفائه أو التستر عليه.

إقرأوه كاملا رجاء! ليس مطلوبا أن تنبروا لاحقا للتنديد والتضامن ولكن فقط للتمعن في مدي خواء الاتهامات من أية مرتكزات وجيهة وفي مدي الرغبة الجامحة في معاقبة صحافي بجرم حرصه علي التميز والتمتع بشبكة مصادر تمكن عن طريق(ها) ـ الأشخاص سابقي الذكر ـ من الوصول إلي بن لادن وقبل ذلك من لعب دور الوسيط مع حكومة طالبان في أفغانستان كي تسمح للسيد تيسير بفتح مكتب لمحطة الجزيرة كما أن الحكم لم يعتقد بأن علوني اعتمد علي شبكة معارفه السابقة في إسبانيا لتسهيل مهمته الجديدة في أفغانستان بل رأي ضمنا أن المحطة لم توظفه أصلا إلا لوجود هذه الشبكة لديه، وهذا غير صحيح ولم تسأل عنه المحكمة المحطة، وهو علي افتراض صحته لا يجرم تيسير في شيء طالما أن الحكم نفسه أقر صراحة ـ وهذا يحسب للمحكمة علي كل ـ بأن تيسير ليس عضوا لا في القاعدة ولا في شبكتها الإسبانية المفترضة.

الغريب أن الحكم يشير إلي أن الأدلة التي تحيط به (أي تيسير) نابعة من تصريحاته هو نفسه (!!) وطالما أن تيسير لم يصرح طوال المحاكمة إلا بأن صلاته وخدماته لبعض الناس لم تكن إلا في سياق إنساني عادي أولا وفي سياق بناء علاقات للحصول علي معلومات ثانيا، وهذا بداهة ديدن كل صحافي في العالم كله، يصبح الحكم كله بني علي تجريم ما لا يجرم خاصة عندما يقر نص الحكم أن هذا الصحافي، وبسبب تحفزه للحصول علي معلومات دسمة (هكذا!) حول تلك الشبكة (القاعدة)، قدم يد العون إلي الشخصين المذكورين (أورد اسميهما الحكم) مقابل الحصول علي المعلومات التي يحتاج إليها (يد العون هذه تمثلت حسب الحكم نفسه في ثلاثة أشياء: مساعدة شخص علي إيجاد مسكن وأنه اعتبره قاطنا في بيته عبر ترك عنوانه البريدي علي منزل تيسير لتجديد بطاقة إقامة وإيصال مبلغ 4000 دولار إليه في أفغانستان).

الحكم يصل في النهاية إلي ذروة إبداعه حين يقول في صيغة الحكمة الكونية الجديدة أنه بما أن الحقيقة المعلوماتية (أو الصحافية)، ككل الحقائق، لا يمكن الحصول عليها بأي ثمن، فإن السيد تيسير علوني حين أراد الحصول علي الحقيقة مساعدا أفراد بحجم مصطفي ومحمد قد قام بارتكاب جناية التعاون مع منظمة إرهابية وهو ما يحاسب عليه الآن .

بهذا المعني فقط كم صحافيا تونسيا يجب أن يكون الآن وراء القضبان بحكم العلاقات والخدمات التي جمعته بقيادات منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، وهي منظمة إرهابية إلي الآن في الولايات المتحدة!!؟ وكم صحافيا لبنانيا أو سورية يمكن أن يحاسب علي الشيء نفسه مع شخصيات من حزب الله أو حماس؟!! وإذا ما اعتمدنا نحن نفس المنطق كم مراسلا صحافيا في الولايات المتحدة أو إسرائيل مثلا يمكن أن نتهمه بالتواطؤ مع المخابرات الأمريكية أو الموساد؟!! وعلي أيام الحرب الباردة كم صحافيا غربيا كان يمكن اعتقاله بتهمة العلاقة مع عناصر من المخابرات الروسية والأوروبية الشرقية؟!! أو لم يكونوا جميعا يلهثون وراء الخبر والسبق؟! أليس التعاون معهم وهم يدركون جيدا صفتهم يجعلهم الآن مع تيسير علوني في نفس الزنزانة؟!!

 (المصدر: صحيفة القدس العربي الصادرة يوم 12 أكتوبر 2005)

عودة