%@ Language=VBScript %>
|
كلمة تيسير علوني في ندوة "حرية الإعلام في العالم العربي والغرب" |
|
بسم الله الرحمن الرحيم السادة الحضور الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فلعلكم تعلمون أنني مجبر على البقاء في إسبانيا بموجب قرار قضائي يمنعني من السفر ما لم تنته إجراءات المحاكمة التي تعرفونها, أحييكم من أعماق قلبي وأدعوكم إلى مواصلة مسيرتكم في الدفاع عن حقوق الإنسان أياَ كان لونه أو جنسه أو معتقده, وبما أنكم تشاركون في هذا التجمع الكريم في اليوم العالمي لحقوق الإنسان فدعوني أعرض عليكم ما أتصوره عن حالتي وأستميحكم عذرا لأنني أعتبر أن هذا نوع من الأنانية, فالمفروض أننا ناشطون للدفاع عن انتهاكات حقوق الإنسان المتعلقة بغيرنا وما حالتي إلا مجرد مثل عما عاناه ويعانيه كثيرون في العالم على خلفية أحداث سبتمبر وأخص بالذكر الملايين الذين حرموا من المساعدات الإنسانية بسبب الإغلاق الجائر لكثير من المنظمات الإنسانية العربية أو التجميد غير المبرر لأرصدتها أو إدخال الرعب في قلوب الكثير من المتبرعين الذين كانوا يدعمون هذه المنظمات , دعونا نتذكر الملايين الذين كانوا يعيشون على المساعدات الطبية والغذائية التي كانت تقدمها لهم هذه المنظمات في بلدان كثيرة مثل أفغانستان وباكستان وبنغلادش والصومال وغيرها , ولعل الوجه الآخر والحق الأهم من حقوق الإنسان هو حرية التعبير وهذا ما أنا بصدده وهذا ما يبرر حديثي عن نفسي هذه المرة, لأنني ربما لست المقصود ولست المستهدف شخصياً بما يجري لي, بل هي رسالة إلى الصحافة الحرة. المحامون الذين يتابعون قضيتي لم يروا في لائحة الاتهامات أي مؤشر يرقى إلى مرتبة الدليل الذي يمكن على أساسه إقامة قضية ضد أي إنسان, والمحضر الذي رفعت القضية على أساسه سبق وأن رفضه ثلاثة قضاة أسبان وأمروا بحفظه في الأرشيف لأنه وببساطة لا توجد قضية ولأن الأمر قائم على أعمال تنصت على هواتف العرب بشكل عام منذ حرب الخليج الثانية, على حد قولهم, أما بعد الحادي عشر من سبتمبر فأي اتهام وأي مؤشر مهما كان تافهاً وخصوصاً إذا كان موجهاً ضد عربي أو مسلم فهو صالح لتوجيه الاتهامات بل والزج في السجن كما حصل في قضيتي. أنا أزعم أن القضية ليست متعلقة بمخالفات يعاقب عليها القانون الجنائي الإسباني واليكم بعض المؤشرات والصدف والمفارقات: عندما كنت أعمل في كابول ولمدة تقارب العامين لم يكن أحد ينتبه إلى عملي على الإطلاق خصوصاً وأن إنتاج مكتب كابول كان ضعيفاً بسبب صعوبات عمل التلفزيون المعروفة في ظل حكم طالبان, وبعد أحداث سبتمبر 2001 توجهت الأنظار إلى مكتبنا على اعتبار أنه انفرد بالتغطية في حينها, وفوراً انتبهت الصحافة الأسبانية إلى وجودي وبدأت الحملات الصحفية وكلها سلبية وتستهدف تشويه سمعتي وبالتالي التقليل من مصداقية الجزيرة والهدف من كل ذلك كما أستنتج هو التقليل من أهمية التقارير والصور الحية التي كنا نرسلها حول نتائج الحرب في أفغانستان ومضاعفاتها على المدنيين بشكل خاص , ويبدوا أن بعض الجهات لم يرق لها وجودي في هذا المكان ولا طريقتي في التغطية وهنا بدأ ما أرى انه مؤامرة رغم أنني لست ممن يفضلون الركون إلى نظرية المؤامرة عند تفسير الأحداث. عندما كانت الحرب على وشك الانتهاء حدثت المفارقة الأولى أو الصدفة الأولى سموها ما شئتم , الثالث عشر من نوفمبر انسحبت قوات طالبان من العاصمة الأفغانية لتدخلها قوات تحالف الشمال وكان حدثاً ضخماً استقطب أنظار العالم أجمع, في هذه الليلة بالذات قصف الطيران الأمريكي مكتب الجزيرة بأربع قنابل ثقيلة وحوله إلى أنقاض وبقي مشاهدو الجزيرة ومعهم عائلتي في سوريا وأسبانيا وكل الناس بمن فيهم من قصفوا المكتب ولفترة طويلة , يعتقدون أنني قتلت تحت الأنقاض ولكن الله تعالى شاء غير ذلك , يرجى ملاحظة أن آخر مكالمة هاتفية أجراها معي قسم المراسلين في الجزيرة أبلغتهم فيها أنني ذاهب للنوم لأنني كنت متعباً جداً في تلك الليلة, وعلى افتراض أن هاتفي كان مراقباًكما تبين لاحقاً فقد أخذت الجهة التي تراقب الهاتف علماً بذلك. في بغداد وفجر اليوم الثامن من أبريل 2003 كنت أتحدث على الهواء مباشرة مع الزميلة المذيعة فيروز زياني واصف ما يجري من معارك طاحنة في محيط المكتب , عندما أطلقت طائرة أمريكية صاروخين على المكتب فاغتالت الزميل المرحوم طارق أيوب وجرحت المصور زهير , ..... صدفة أخرى , أو خطأ آخر كما قال الأمريكيون .... سموه ما شئتم . في اليوم نفسه وفي فندق فلسطين , كنت في الغرفة رقم 1507 التابعة للقناة الثالثة الإسبانية أتحدث من هاتف الزميل كار لوس هيرنانديث مع المدير العام للجزيرة واصف له ماجرى معنا في المكتب, المكالمة استغرقت من ست إلي سبع دقائق دعاني بعدها الزميل كار لوس إلى أن أغسل وجهي وأنفض ثيابي من غبار القصف والى تناول فنجان من القهوة وأن يريني الصور التي التقطها لعملية قصف مكتب الجزيرة, ما أن انتهيت من القهوة حتى حصل انفجار مدوٍ تبين أنه بسبب قذيفة لدبابة استهدفت مكتب رويترز في الغرفة رقم 1503 التي لا تبعد عن موقعي سوى أمتار قليلة, النتيجة كانت مقتل اثنين من الزملاء أحدهما من وكالة رويترز والآخر تابع للقناة الخامسة الإسبانية, صدفة أو خطأ أو ماذا؟؟؟ .... سموه ما شئتم, ولكن هناك صدفاً أخرى ومفارقات عجيبة لا تقل عنها خطورة ولن أثقل عليكم بروايتها. لا أدري إن كان نوعا من البار انويا أو العقدة النفسية ولكنني شعرت بعد هذه الصدف والمفارقات العجيبة, سموها ما شئتم ... شعرت أنني مستهدف شخصياً وأنني سأنال عقاباً من جهة ما, بسبب تغطيتي للأحداث في أفغانستان والعراق, مع الأخذ بعين الاعتبار أن توصية من مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي وصلت إلى أجهزة الأمن الإسبانية منذ وقت مبكر للتحقيق في حالتي أو لإخضاعي للمراقبة لعلهم يجدون في سيرتي الشخصية ما يثير الشبهة, ولكنهم لم يجدوا ولسبب بسيط هو أنه لا يوجد ما أخفيه عن هذه الأجهزة أو عن غيرها, وما سفري إلى إسبانيا في صيف 2003 سوى للرد على هذه الحملات الصحفية أو لإيضاح موقفي إن كان هناك ما يستحق الإيضاح. الحملات الصحفية المشبوهة التي استهدفتني في إسبانيا وغير إسبانيا, دفعتني إلى الاعتقاد أن وراءها هدف ما, ربما بسبب العقدة النفسية, وربما كنت مصيباً, ولكنني آثرت عدم السفر إلى إسبانيا رغم التهويل الذي قامت به الصحافة يهدأ قليلاً ويعود الناس إلى رشدهم لان ما كان يقال في الصحافة كان أشياء مخجلة إلى جانب أنها تسر يبات من جهات رسمية فقد تعاونت الأجهزة الأمنية والقضائية هنا في إسبانيا مع الصحافة لإعطاء صورة معينة عني لعلها لازالت راسخة في عقول كثير من الأسبان حتى الآن, رغم أن وجودي هنا خلال الصيف الماضي ساهم في إيضاح كثير من الحقائق, ولم تهدأ حتى الآن فهم يلتقطون أي خبر عني ويوسعونه ويعودون إلى تذكير الناس بمحتويات لائحة الاتهام والى ربط اسمي بأسماء بعض المعتقلين وبعض من لهم صلة بالقضية من قريب أو بعيد وذلك دون أن يكلفوا أنفسهم عناء سؤالي أو سؤال المحامي المكلف بالدفاع عني وذلك لمجرد مقارنة ومقابلة الآراء كما تقتضيه القواعد المهنية السليمة. لعل القليلين من الناس أدركوا أن تغطية قناة الجزيرة للحربين في أفغانستان والعراق كانت لا تروق لصانعي الحرب وأنهم فعلوا وسيفعلون ما بوسعهم لإسكات صوت الجزيرة وهذا ما حصل من خلال اغتيالهم للشهيد طارق أيوب وغيره, أحببت أن أقول لكم أن الحماة مستمرة وستكون في أبرز مظاهرها من خلال محاولة إدانة تيسير علوني ولازلن في أول الطريق, والمستهدف ليس شخص تيسير علوني تحديداً بل قد يكون أي صحفي حر ومتوازن وخصوصاً إذا كان عربياً, أو قد يكون أي ناشط في مجال حقوق الإنسان مثلكم, ولعلكم تدركون طبيعة القوى التي تقف وراء كل هذا وبالتالي تدركون خطورة ما يترتب على مواجهة هذه القوى, فهل نحن مستعدون؟؟ . كان بعض الزملاء يلوموني على تأجيل سفري إلى إسبانيا ويقولون لي دائماً أنها بلد ديمقراطي ولا يعقل أبداً أن يضايقوك ولو مجرد مضايقة بسبب مقالات صحفية, وكان لي رأي آخر وهو أن إسبانيا فقدت وعيها مع الأسف, ويمكن أن يتصرفوا معي بأي طريقة مهما كانت غريبة وأنا أعرف إسبانيا جيداً وأعرف أن صوت العقل يمكن أن يغيب ولو لفترة مؤقتة لمجرد أن بعض المتلاعبين بالعقول يقررون ذلك, قد نستطيع والى حد ما, أن نتفهم أن الولايات المتحدة فقدت وعيها بسبب أحداث سبتمبر, أما أن تفقده أوربا, مهد الديمقراطيات , ونموذج الحريات, وتتصرف بهذه الطريقة, فهذه الكارثة حقيقية . لعل الدكتور هيثم مناع يذكر أنه كان من بين الذين لاموني على مخاوفي ودعاني للسفر إلى إسبانيا بكل ثقة, والى تنحية كل المخاوف جانباً, ومانعت أنا في ذلك لأنني أعرف إسبانيا أكثر منه, وأنا لا ألوم الدكتور هيثم لسبب بسيط هو أنه لم يفقد وعيه, ولكنني ألومه لأنه لا يريد الاقتناع أن إسبانيا .... وأوربا ربما ... فقدت وعيها. |