حماية الصحفيين العراقيين


د . قيس جواد العزاوي رئيس تحرير صحيفة الجريدة الصادرة في بغداد

بعد قرنين من صدور اول صحيفة اسبوعية عرفتها البشرية وهي "ريلاسيون"  في ستراسبورج عام 1605 صدرت في العراق اول صحيفة عرفها العالم العربي وهي " جورنال العراق" التي اصدرها الوالي العثماني داود باشا الكرجي عام 1816 وكانت تطبع في مطبعة حجرية وتعلق نسخ منها على جدران دار الامارة . وبذلك سبقت العراق مصر باثني عشر عاما .. حيث لم تصدر اول صحيفة مصرية وهي "الوقائع المصرية" الا عام 1828 عندما امر بتأسيسها محمد علي باشا ..

وقد صدرت الصحيفة العراقية الثانية وهي " الزوراء" بعد اكثر من نصف قرن من الاولى اي في منتصف يونيو عام 1869 ، وكانت جريدة إسبوعية رسمية تصدر كل يوم ثلاثاء بأربع صفحات ، باللغتين العربية والتركية وهي لسان حال الولاية . صدر العدد الاول منها بعد شهر من تعيين مدحت باشا واليا على بغداد . بعد ذلك تعددت الصحف مثل صحيفة " الموصل " التي صدرت عام 1885م وهي جريدة إسبوعية رسمية صدرت باللغتين العربية والتركية وصحيفة " البصرة" عام 1889م وهي جريدة الولاية الرسمية ، وهي أسبوعية سياسية أدبية صدرت كل يوم خميس ، باللغتين العربية والتركية ..

الصحافة العراقية عبر العهود

 تلك كانت بدايات صدور الصحف العراقية ، وقد لعبت هذه الصحف دوراً مهماً للغاية في تاريخ الدولة العراقية ، وكانت لسان حال المكونات السياسية والاجتماعية العراقية ، وكانت هدفاً للانظمة القمعية .. ومع ذلك تفاوت تعامل الحكومات المتعاقبة مع الصحف والصحفيين من عهد الى عهد ، ويمكننا ان نميز ما بين اربعة عهود وهي :

1 ـ العهد الملكي ( 1920 ـ 1958) وعرف صدور صحف متنوعة الرسمية منها والمعارضة ولكن بقيود وبتراخيص خاصة .. ومع ذلك لعبت الصحافة الوطنية رائداً في ربط العراق بقضايا الامة العربية وحركة التحرر العالمية وقضايا الاصلاح السياسي والاجتماعي في البلاد .

2 ـ العهد الجمهوري الاول ( 1958 ـ 1968) الذي شهد المرحلة القاسمية (عبد الكريم قاسم) والعارفية ( عبد السلام عارف واخيه عبد الرحمن عارف) .. وفي المرحلتين صدرت صحف متنوعة كانت تتمتع بحريات مهمة ولكنها مع ذلك مقيدة نوعا ما .

3  ـ العهد الجمهوري الثاني (1968 ـ 2003) وهو العهد الظلامي الذي وظفت فيه الصحافة واقلام الصحفيين لخدمة الرأي الواحد والحزب الواحد والقائد الواحد .. ولم تعرف هذه المرحلة صدور صحف معارضة .. وما صدر في بداية السبعينات من صحف مرتبطة بالحزب الشيوعي او الحزب الديمقراطي الكردستاني كانت تتمتع ببعض الحريات المحدودة ولم يكن لها حق نقد الحزب الحاكم او القيادة ، ومع ذلك اختفت كليا فسحة التعدد الصحفي الصغيرة هذه بتوقيع صدام حسين لاتفاق الجزائر عام 1975 مع شاه ايران .. ومنذاك وحتى انهيار النظام واحتلال العراق .. لم تشهد الصحف العراقية عهداً رهيباً منعت فيه التعددية الصحفية وكذلك كل الاراء ماعدا تلك المتطابقة مع رأي الحزب الحاكم والقيادة السياسية مثلما شهدته في هذا العهد .

 4 ـ العهد الجمهوري الثالث ( مارس2003 وحتى اليوم ) عاش العراق في ظل الاحتلال وهو عهد غياب الدولة ومؤسساتها ، وعهد انطلاق الثورة العددية للصحف والحرية للصحافيين العراقيين في كل الاتجاهات ، حريات بلا قيود لم يشهدها العراق من قبل .

الصحافة في عهد التعدد

 يمكننا احصاء عدد الصحف اليومية ونصف الاسبوعية التي صدرت في العراق بعد التاسع من ابريل عام 2003 بـ 201 صحيفة استناداً الى البيبلوغرافيا التي اعدها الباحث العراقي سعد الدين خضر ونشرتها صحيفة " الجريدة" على حلقات .. وعدد الصحف المجازة من قبل نقابة الصحفيين العراقيين هو 100 صحيفة فقط حسب ما اورده مؤيد اللامي رئيس لجنة العلاقات الخارجية الذي يضيف " ان اغلب الصحف لا تلتزم بقانون محدد ولا نستطيع الزامها بشيء بسبب الغاء قانون المطبوعات ، وحاليا لا توجد سلطة رسمية او جهة تشريعية او نقابية تمثل وضع الصحفيين في العراق " .

وتعددت توجهات الصحف في شتى الميادين منها كما يعدد الباحث الصحفي العراقي كريم صبري الساخرة مثل "جريدة جحا" و"حبزبوز" و الفنية مثل "عدسة الفن" و"عيون الفن" ، والرياضية مثل جريدة "الكرة "و"العالم الرياضي" و"الرياضي الجديد" و"السفير الرياضي " و الدينية مثل "البصائر" و"انصار الحوزة" و"الدعوة" و"البيان" و"المجلس" و"قمر بني هاشم " و"الكوفة" و"صوت الجمعة" و"الوفاق الاسلامي" ، وصحف الطوائف مثل "توركمن ديلي " و"الطيف المندائي" و"نيشا " و"صدى السريان" .. وصحف الاحتلال مثل "بغداد الان" ناهيك عن الصحف السياسية المستقلة والناطقة باسم الاحزاب ..

تعددت الاوامر التي اصدرها الحاكم الامريكي للعراق بول بريمر في مجال اطلاق اعلام عراقي جديد والتي رافقتها اوامر اخرى تطلق مجموعة من الممنوعات التي اضافها بريمر لعهد الظلام الذي عرفه العراق طيلة 35 سنة التي سبقت الاحتلال .. ومن هذه الممنوعات نذكر الامر رقم 14 الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقنة بعنوان " النشاط الاعلامي المحظور" الذي وقعه بول بريمر في 10 /6/ 2003 ..

الممنوعات الامريكية في عهد الديمقراطية

ويستكمل هذا الامر ، الامر الذي سبق ان اصدره بريمر في الخامس من يونيو 2003 حول منع تحريض الجمهور على اعمال العنف والاخلال بالنظام .. والذي نص على " يتعرض للاعتقال فوراً اي شخص يصدر بياناً محظوراً في مكان عام او يوزع او يحاول توزيع اية مادة محظورة ايا كان شكلها.. ويعدد هذا البيان ويسير على نهجه بيان "النشاط الاعلامي المحظور" الذي ينص على :

ان المواد الاعلامية المحظورة هي : التحريض على العنف ، التحريض على الاخلال بالنظام ،  اساءة استخدام الاعلام لتقويض الامن ، التحريض على العنف ضد قوات التحالف .. ونلاحظ في باب العقوبات (الجزء الخامس) النص على " يجوز القاء القبض على مسؤولي اية منظمة اعلامية يتبين انها تبث او تنشر او تحاول ان تبث او تنشر مواد محظورة .. ويجوز الحكم عليهم بالسجن عاماً واحداً وبدفع غرامة .. ويجوز سحب ترخيص اية منظمة " ..

واستناداً الى هذه الممنوعات الجديدة قامت قوات الاحتلال بعمليات مداهمة وتوقيف وسحب رخص المنظمات الاعلامية التالية :

1 ـ صحيفة الشرقية/ مستقلة مداهمة واحتجاز مدير تحريرها عبد الزهرة نعيم

2 ـ صحيفة النافذة/ مستقلة تم غلقها بشكل نهائي صاحب الامتياز مكي الكليدار

3 ـ صحيفة اليقظة/ مستقلة مداهمة وغلق رئيس تحريرها موحان الظاهر

 واستمرت سلطة الائتلاف تنشر اوامر بول بريمر بتأسيس الاعلام العراقي البديل على الطريقة الامريكية ، فصدر الامر رقم 65 بتشكيل "الهيئة العراقية للاتصالات والاعلام" في العشرين من مارس 2004 وجرى تعيين مجلس امناء خدمة البث العراقية العامة .. كما صدر الامر 66 بتأسيس "شبكة الاعلام العراقية" التي اشرفت على النشاطات الاعلامية الاذاعية والتلفزيونية العراقية ، واشرفت كذلك على الصحيفة الرسمية لسلطة الائتلاف وهي "الصباح" اكثر الصحف العراقية توزيعاً لكونها الصحيفة المركزية التي تنال الدعم الاعلاني والمادي من الحكومة ومن قوات الاحتلال .

السير على النهج الامريكي

وبعد ايام من تشكيل الحكومة المؤقتة الثانية في الثلاثين من يونيو 2004 برئاسة الدكتور اياد علاوي ونهاية حكم بول بريمر ، وعلى اثر الاتهامات والانتقادات الصحفية التي وجهت لشخصية علاوي ، اصدر رئيس الوزراء العراقي الجديد اوامره بتأسيس "اللجنة الإعلامية العليا " لفرض قيود على الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية.

وتنقل صحيفة "الفاينانشيال تايمز" عن السيد إبراهيم الجنابي الذي عين لرئاسة هذه اللجنة قوله "على الرغم من أن اللجنة لم تفرغ بعد من صياغة قانونها الذي اصطلح على تسميته بـ"الخطوط الحمراء"، فأن القانون سيشمل حظر توجيه الانتقادات غير المبررة لرئيس الوزراء العراقي " ..

وكانت من اوائل الاجراءات القمعية لوسائل الاعلام ان حكومة علاوي اصدرت قراراً بالإغارة على مكتب "قناة الجزيرة" في بغداد وإغلاق قوات الأمن له . اما التهمة التي وجهت للجزيرة فهي كما ذكرها رئيس الوزراء نفسه للاعلام "التحريض على العنف والتغطية غير الدقيقة للأحداث".. وفي البداية منعت الجزيرة لمدة شهر ولكن الشهر مدد الى يومنا هذا ...

وتجربة " الجزيرة " مع القوات الامريكية في العراق بدأت قبل احتلال العراق ، فقد سبق للقناة ان اعلمت البنتاجون بإحداثيات موقع مكتبها في بغداد ، ومع ذلك تعرض مكتبها للقصف في الثامن من ابريل 2003 من قبل القوات الأميركية الذي ادى الى مقتل مراسل الجزيرة في بغداد طارق ايوب .

وقد اعتبر الصحافيون العراقيون ان القيود المفروضة على قناة "الجزيرة" مقدمة واضحة لبدء قمع الصحافة في العراق .. ولم ينتظروا طويلاً اذ جرت مداهمة مكتب صحيفة "الحوزة" من قبل قوات التحالف وغلقه لمدة شهرين . و"الحوزة " تصدر باسم تيار السيد مقتدى الصدر ويرئس تحريرها السيد عباس الربيعي . وبعد ضغوط كبيرة من الرأي العام العراقي جرت الموافقة على عودتها للصدور في19/7/2004 ، اي بعد أربعة أشهر من إغلاقها .. وبينما كانت مبررات غلقها هي تحريضها على العنف استناداً الى امر بول بريمر رقم 14  ، اعتبرت اسرة " الحوزة" ان السبب الحقيقي لمداهمة مكتبها وغلقها يعود الى انها انتقدت بشدة اغتيال القوات الإسرائيلية للشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس ..

وفي اثناء الحملة العسكرية الامريكية على انصار السيد مقتدى الصدر في النجف وضعت الحكومة قيوداً كثيرة على الفضائيات العاملة في بغداد حيث منعت من تغطية الهجوم على مدينة النجف الاشرف كما سبق ان منعت من تغطية حرب الفلوجة .. وقد ازداد ضغط الحكومة العراقية على الفضائيات الى درجة ان طلبت احدى الفضائيات العربية وبالتحديد فضائية " ابو ظبي" من كاتب هذه السطور ان لا ينتقد حكومة علاوي عبر نشرتها الاخبارية لكي لا يصبح مصير القناة مثل مصير الجزيرة ، فما كان منه الا ان وسع حملته ضد قوات الاحتلال التي هدمت مدينة النجف الاشرف ، كما انتقد الحكومة التي تريد تكميم افواه الصحفيين .

وفي الثلاثين من تشرين الثاني / نوفمبر 2005 تعرض ثلاثة من اعلامي اذاعة "راديو الناس "(فتاتان وشاب ) عند توجههم الى مكان عملهم الى اعتداء وصفته الاذاعة بالغادر من قبل جنود امريكيين..

صعوبات العمل الصحافي في العراق

تضم نقابة الصحافيين العراقيين حسب ما صرح به مؤيد اللامي رئيس لجنة العلاقات الخارجية فيها 7000عضو منتمي اليها .. ويمكننا ان نحدد صعوبات عمل الصحافيين العراقيين بالتالي :

1)  ادى حل وزارة الاعلام من قبل الحاكم الامريكي للعراق بول بريمر في نيسان/ ابريل عام 2003 الى فصل 1219 صحافي واعلامي واحالتهم الى البطالة مما اضطر اغلبهم لبيع طاقته وخبرته لمن يدفع ، فقسم منهم هاجر من البلاد والتحق في مؤسسات الاعلام العربي ، واخر التحق بصحف الاحزاب والطوائف وثالث باع قلمه لقوات الاحتلال أو للقوى الارهابية ..

2)  واذا كان الصحافيون في العهد الاستبدادي السابق لا يمتلكون ارادتهم ويرهنون قلمهم للرأي الواحد والحزب الواحد والرجل الواحد ، فإن العهد الجديد وان عمت فيه الحريات وتعددت الاحزاب والصحف ، بيد ان الصحافيين استمروا مرهوني الارادة ، فهامش الحرية محدود وهم يتعرضون بنحو يومي الى ضغوطات الانتماءات الدينية والطائفية والاثنية والعشائرية والمناطقية والحزبية .. وعليهم اما ان يدخلوا طرفاً في الانتماءات هذه او يراعونها بنحو يضيق عليهم هامش المناورة  ..

3)  وبالاضافة الى ما سبق فإن حريات العام الاول بعد نهاية الاستبداد قد انتهت بصدور ممنوعات السيد بريمر وباضطراب الوضع الامني .. وقد ادى الانفلات الامني المرعب الى سقوط العشرات من الصحافيين ، وساد الخوف الكبير في صفوفهم من المنظمات الارهابية والميليشيات الحزبية وقوات الاحتلال .. واذا ما الغيت الرقابة على الصحف والصحفيين فقد تحول الرقيب خشية من الضغوطات الانفة الذكر الى داخل عقل الصحافي نفسه . كيف يمكن للخائف أن يمارس حريته ؟

4) كثرة البؤر المتوترة في العراق واضطرار الصحفيين للتحرك في كل الاتجاهات لتغطية الاحداث جعلهم لقمة سائخة للمفخخات والمتفجرات والاغتيال والاختطاف ، فهم مهددون بالقتل من الجماعات الآرهابية وبالقتل العشوائي والمنع والأعتقال من قبل القوات الأمريكية والشرطة العراقية .

5)  ومن الملاحظ ان اغلب الصحف الصادرة تعبر عن رأي الحزب او الطائفة او الدين او القومية التي تنتمي لها وتتنفس ، كما يقال ، برئة واحدة مما يغيب تعددية الآراء ، في وقت ينبغي فيه على الصحافة كسلطة رابعة ان تمارس عملها بموضوعية فتراقب وتنتقد دون تعصب او محاباة او قيود  .

6)  طورت القوات الامريكية ظاهرة جديدة في صفوف الصحفيين والصحف ، فقد اشترت اقلام البعض لكي يكتبوا لقاء مبالغ مقالات تشيد باعمال قوات الاحتلال .. وقد اكتشف الكونغرس الامريكي ان القوَّاتُ الأمريكية تَكْتبُ المقالاتَ، وتقدم في الصحافة العراقية على إنها تقارير إخبارية .. ونشرت اسماء الصحف ومسؤوليها مثل جريدة "الدستور" باسم الشيخ، وجريدة "المؤتمر" احمد ألجلبي، وجريدة "المدى" زكي عبد الزهرة.

7)  وعلى الرغم من الاوضاع الامنية المتردية ومخاطر العمل فإن الصحافة المناضلة أدت خدمات وطنية كبيرة نذكر اهمها : توعية المواطنين سياسياً ومعرفياً وثقافياً ونبذ احادية الفكر وشخصانية القيادة ونزعات الاستبداد ، تصديها للاحتلال ، نقدها الشجاع لسوء اداء الحكومات العراقية المتعاقبة ، كشفها عن المرتشين والمفسدين والعملاء ، دفاعها عن القضايا الاجتماعية مثل القضاء على البطالة وحل الازمات اليومية ، دفاعها عن مكانة المرأة في المجتمع ورفضها القوانين التي تحدد من دورها السياسي والاجتماعي ، ناهيك عن دفاعها عن القضايا الوطنية مثل مطالبتها بتحديد جدول زمني لانسحاب القوات الاجنبية من العراق ورفضها تغيير العلم العراقي واعتماد علم شبيه بعلم اسرائيل  ...

مخاطر العمل الصحفي في العراق

 لسنة ثالثة بقي العراق البلد الاكثر خطورة على حياة الصحفيين والاعلاميين في العالم عموما ، فقد قتل من الصحافيين في العراق خلال هذه السنوات اكثر مما قتل منهم في حرب فيتنام طيلة عشرين عاماً ( 1955 ـ 1975) .. ولا يوجد رقم محدد لعدد القتلى من الصحفيين والاعلاميين فهناك ارقام عدة نذكر منها :

 ـ لجنة حماية الصحفيين ومقرها في نيويورك تذكر في تقرير لها نشر بداية هذا العام ان عدد القتلى من الصحفيين هو 60 وتقول ان هذا العدد يفوق ما سقط من الصحفيين في الجزائر طيلة الصراع الدامي الذي امتد من 1993 الى 1996 . وترى اللجنة أن النيران الامريكية قتلت 13صحفياً منذ بداية الحرب .

ـ اتحاد الصحفيين العرب ذكر في بداية عام 2005 انه خلال عامين 2003 – 2005، وفي ظل الاحتلال الأمريكي للعراق،  قتل 73 من الصحفيين والإعلاميين ومساعديهم واختفاء 3 وخطف 10 بينما كانوا يؤدون مهامهم في كشف الحقيقة ، ونشرت قائمة الاتحاد اسماء الضحايا جميعهم . وقد اضفنا الى القائمة هذه اسم اول صحفي عراقي اغتيل في العراق وهو عقيل الجنابي رئيس تحرير جريدة "الفيحاء" في مكتبه بالجريدة في حزيران/ يونيو 2003  .

 ـ جريدة " واشنطن بوست" نشرت في السادس من حزيران /يونيو عام 2004 تقريراً يقول ان أكثر من 85 إعلاميا لقوا حتفهم في العراق في غضون عامين .

 ـ منظمة "مراسلون بلا حدود" وهي منظمة دولية جادة في تقاريرها ذكرت في اخر تقرير لها نشر في الثالث والعشرين من شباط / فبراير " باغتيال الصحفية اطوار بهجت السامرائي والمصور عدنان خير الله ومهندس الصوت خالد محمود الفلاحي يرتفع عدد قتلى الصحفيين في العراق الى 82 صحفياً واعلامياً .. سبعة منهم قتلوا منذ الاول من كانون الثاني/ يناير 2006 .. ان اطوار بهجت هي الصحفية السابعة التي تسقط ضحية في العراق منذ احتلاله" .

وتضيف المنظمة "منذ بداية احتلال العراق في اذار/ مارس 2003 خطف 38 اعلامياً 5 منهم قتلوا من قبل الخاطفين ( 4 عراقيين وايطالي هو انزو بالدوني) وقد تم تحرير الباقين .. وقد وقعت 23 حالة خطف في العاصمة بغداد وضواحيها " . وفي تقرير اخر للمنظمة ذاتها اعتبر بغداد هي الاخطر في البلاد على الصحفيين ، حيث سقط فيها 27 قتيلاً من الصحفيين وتأتي بعدها مدينة الموصل التي سقط فيها 12 صحفياً " .

 ونلاحظ ان اكثر القنوات التلفزيونية في عدد الضحايا هي قناة " العربية" حيث فقدت 11 صحفياً واعلامياً وتلتها قناة "العراقية" التي فقدت 10 قتلى .

 وتعتبر آن كوبر المديرة التنفيذية للجنة حماية الصحفيين في  تقرير لها نشر في الثالث من كانون الثاني/ يناير 2006  ان الحرب في العراق كانت السبب في وفاة أكثر من ثلاثة ارباع الاجمالي العالمي للذين اغتيلوا لاسكاتهم او معاقبتهم .. وان العراق اصبح اكثر بلدان العالم فتكا للعاملين في وسائل الاعلام في تاريخ لجنة حماية الصحفيين الذي يمتد الى 24 عاماً .. واضافت كوبر " ان الحرب في العراق ربما تقود الى الاعتقاد بأن الصحفيين يفقدون حياتهم في ميدان المعركة ولكن الحقيقة هي ان ثلاثة من بين كل اربعة صحفيين تعرضوا للاغتيال وان القتلة نادراً ما قدموا الى العدالة .

 خاتمـة

كما عرضنا فإن اوضاع الصحفيين العراقيين تبدو مزرية من ناحية وخطرة من ناحية ثانية وتستدعي تحسين الظروف المعاشية لهم وكذلك توفير الحماية الدولية .. ونحن ندعو الحكومة العراقية الجديدة وندعو البرلمان المنتخب ان يضع برنامجاً مشتركاً مع نقابة الصحفيين هدفه تحسين اوضاعهم المعاشية وتوفير الضمانات الاجتماعية لاسرهم في حالة تعرضهم للمخاطر التي يمكن ان تفقدهم حياتهم فتبقى اسرهم فريسة الجوع والفاقة كما هي حالتهم اليوم .

 وربما يكون من واجب الدولة ايضاً توفير شروط افضل لعمل الصحفيين ، شروط تمنحهم ضمانات تحول دون الاستغلال السياسي والمهني والطائفي لعملهم ، فهم يعانون في مثل ظروف الاستقطابات الطائفية من مستقبل مجهول .

 اما عما يواجهه الصحافيون العراقيون من مخاطر عمل  فيصف روبرت شو مدير الاتحاد الفيدرالي للصحفيين اوضاعهم بالمزرية ويرى أن مراسلي الصحافة الغربية يتمتعون بوسائل التأمين والتدريب على مواجهة المخاطر فضلا عن معدات خاصة، غير أن المراسلين العراقيين لا يملكون مثل تلك الوسائل. وهم يعانون من المضايقات ليس من قبل "المتمردين" فحسب، بل ايضاً من قوات الأمن العراقية، حيث يتم الاستيلاء على ما بحوزتهم من مذكرات وملاحظات صحفية وكاميرات ..

ان الاعداد الهائلة لضحايا العنف والاقتتال والاغتيال في صفوف الصحفيين العراقيين ، لم يدفع الحكومة العراقية ولا حتى الدول المشتركة في القوات المتعددة الجنسيات لفتح ملف تحقيق في ظروف مقتل هذه الاعداد الكبيرة من الصحفيين ولم يقدم اية فرد من الجناة للعدالة .. وبالاضافة الى ذلك فقد عجزت المؤسسات الامنية العراقية والقوات المتعددة الجنسية عن توفير الحماية اللائقة لهم .. الامر الذي يدفعنا لطلب الحماية العربية والدولية بعد ان بلغ السيل الزبى .

اننا ندعو من هنا اخوننا في نقابة الصحفيين المصريين وكافة النقابات الصحفية العربية للوقوف الى جانب اخوانهم الصحفيين العراقيين ، كما ندعو المنظمات غير الحكومية والانسانية مثل "منظمة مراسلون بلا حدود " و"لجنة حماية الصحفيين" ومنظمات حقوق الانسان وبالتحديد اللجنة العربية لحقوق الانسان" ، والجمعيات القانونية المعنية ، والنقابات الصحفية في الدول الديمقراطية ومنظمة الامم المتحدة بنحو خاص ان تتحمل مسؤولياتها الانسانية والاخلاقية في هذا المجال .

وربما يكون الامر الاكثر عجالة هو التحرك سريعاً لتوفير صندوق دعم لعوائل اسر شهداء المهنة من الصحفيين والاعلاميين العراقيين ، هذه العوائل التي وجدت نفسها في كل مرة تفقد عائلها الصحفي ضحية البؤس والجوع والمذلة لعدم وجود اية ضمانات اجتماعية او تقاعدية الا في حالات نادرة جداً .

عودة