الدعوى ضد شارون: أسبانيا بدل بلجيكا؟


بقلم: جوزف سماحة

 يمر الخبر عادياً. في الأسبوع الأول من الشهر الجاري أقدمت أسبانيا على تعديل بعض قوانينها. بات يحق لقضائها أن يحاكم على جرائم ارتكبت ضد الإنسانية ولو أنها حصلت خارج الأراضي الوطنية ولم تطل مواطنين أسباناً.

يمر الخبر عادياً مع أن فذلكة التعديل تشير إلى أن "الصلاحية الكونية" الجديدة أعلى من المصالح الوطنية. ويعني ذلك أن مدريد ترفض، من حيث المبدأ، التعرض لضغط اقتصادي أو سياسي أن يجعلها تتراجع.

وصلت أسبانيا إلى هذه النقطة في سياق تطور مديد يعود إلى نهاية السبعينات وينطلق من دولة في أميركا اللاتينية: غواتيمالا. كان البلد خاضعاً لحكم عسكري، ارتكبت جرائم بين 1978 و1986. في أواخر 1999 أقامت ريغوبرتا مانشو وآخرون دعوى ضد ثلاثة ديكتاتوريين توالوا على السلطة وضد خمسة جنرالات خدموهم. وحظيت الدعوى باهتمام خاص لأن مانشو حائزة على جائزة نوبل للسلام.

 صادفت الدعوى إقدام القاضي الأسباني الشهير بلتازار غارثون على إطلاق ملاحقة الديكتاتور التشيلي أوغستو بينوشيه ما أدى إلى عملية توقيفه الشهيرة في لندن والتي لم تتم فصولاً في بلاده حتى اليوم.

استندت مانشو في دعواها إلى أن سلطات غواتيمالا هاجمت لاجئين إلى السفارة الأسبانية وقتلت 37 شخصاً بينهم والدها بما يمنحها حق الادعاء الشخصي ويلزم مدريد بالتجاوب لأنها معنية مباشرة.

وتدعّم هذا الاتجاه بتأكيد لجنة الحقيقة التي أنشئت في غواتيمالا لاحقاً أن تلك المرحلة السوداء شهدت قتل 150 ألف شخص واختفاء خمسين ألفاً (بين 1962 و1996) وذلك من أصل تعداد السكان البالغ عشرة ملايين نسمة.

وبما أن الغالبية العظمى من القتلى هم من جنود المايا فإن وصف الإبادة الجماعية ينطبق عليهم بما يجعل من هذه الجريمة جريمة ضد الإنسانية خارجة عن مفهوم مرور الزمن. وبما أن غواتيمالا رفضت تفعيل القضاء بات اللجوء إلى أسبانيا ضرورياً.

 الرد الأسباني الأولي جاء محدوداً. فلقد اعتبر القضاء أن من حقه إجراء محاكمة تطال حصراً المواطنين الأسبان الذين سقطوا في الهجوم. إلا أن هذا الرد تطور لاحقاً ليعانق فكرة "الصلاحية الكونية" ولكن المحاكم لم تنتظر ذلك لأنها أصدرت حكماً قبل سبعة أشهر بسجن ضابط أرجنتيني لمدة 640 سنة لارتكابه جرائم ضد الإنسانية.

حلت أسبانيا، إذن، مكان بلجيكا في ما يخص اختصاص المحاكم. والموضوع مهم عند استذكار ما حصل للدعوى المرفوعة ضد أرييل شارون في بروكسل وكيف جرى إحباطها. وصدمهم أيضاً لأن بلجيكا ما زالت تشهد محاولات لتطبيق قانون "الصلاحية الكونية" الذي أقر عام 1993 ثم أفرغ من مضمونه. ومن المحاولات في هذا الخصوص الدعوى التي أقيمت الشهر الماضي ضد حسين حبري.

 لقد جرى التداول كثيراً بالدعوى التي أقيمت ضد أرييل شارون وكادت أن تقود إلى إجراء محاكمة له. غير أن بلجيكا اضطرت إلى تعديل قوانينها بعد تكاثر الدعاوى وتشرذمها وابتذالها: واحدة ضد جورج بوش الأب، واحدة ضد كولن باول، واحدة ضد ديك تشيني، واحدة ضد فيديل كاسترو، واحدة ضد توني بلير...

لقد أدت هذه الفوضى إلى إدخال تعديلات تقصر الحق في المحاكمة على حالات محددة كان يكون القاتل بلجيكياً أو مقيماً في بلجيكا. وفي حال كان الضحايا بلجيكيين فالأمر ممكن ولكنه معقد. إلا أن هذه الفوضى لم تكن السبب الوحيد والأبرز. مما لا شك فيه أن بروكسل تراجعت تحت ضغط الحملة المشتركة التي شنتها "إسرائيل" والولايات المتحدة عليها.

 فلقد استحضرت تل أبيب ترسانة الذرائع المعهودة من أجل منع محاكمة شارون: من اتهام بلجيكا باللاسامية إلى التركيز على أن الرجل تعرّض إلى المساءلة ونال عقابه عن دوره في مجازر صبرا وشاتيلا! أما الولايات المتحدة فأوصلت الأمر إلى حد التهديد بنقل مقر حلف شمال الأطلسي من بروكسل طالما أن بعض عسكرييها المندوبين إليه قد يتعرض إلى الملاحقة.

وجاء الموقف الأميركي المشار إليه في سياق الرفض القاطع لفكرة محكمة الجزاء الدولية واحتمال إقدامها على طلب جنرال أو دبلوماسي أميركي أمامها. والمعروف أن واشنطن تفضل إقامة محاكم خاصة ولكنها ترفض وجود محكمة وطنية أو دولية ذات صلاحية كونية، وتعاقب كل منضم إلى محكمة الجزاء ما لم يوقع معها على اتفاق يستثني مواطنيها من نطاق عمل هذه الهيئة.

 استفادت الولايات المتحدة و"إسرائيل" من أجواء ما بعد تفجيرات سبتمبر من أجل إرغام بلجيكا على التراجع وتعديل قوانينها. وكان في الحسبان أن ما تقوم به أميركا في العالم، وما تقوم به "إسرائيل" في الأراضي المحتلة مدخل إلى محاكمات لا تنتهي يمكن لها أن "تعرقل الحرب على الإرهاب".

 لم يكتف الطرفان بهذا الانتصار الجزئي. فما لوحظ هو أن محاولة جرت على صعيد كوني من أجل تحويل أرييل شارون من بطل لمجازر صبرا وشاتيلا إلى بطل للسلام في الشرق الأوسط. ويبدو أن هذه المحاولة تحقق نجاحاً بعد الانسحاب المزعوم من غزة، بدليل ما يسمونه سقوط جدار الرفض العربي والإسلامي والاستقبال الحافل الذي لاقى الرجل في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

إن الخطوة الأسبانية المشار إليها يمكنها أن تعيد الموضوع إلى المربع الأول لأنه بات ممكناً نقل الدعوى ضد شارون إلى مدريد. هذه فرصة ربما للرد على بروباغندا "رجل السلام". غير أنها خطوة يشك في أن تحظى بأي رعاية رسمية عربية أو دولية.

هل يمكن لواحدة من هيئات المجتمع المدني أن تبادر؟.

 *كاتب لبناني

 صحيفة البيان الإماراتية 24/10/2005

عودة