حرية التعبير في العالم العربي بين الاستبداد العربي والأحكام الأوروبية المسبقة قضية المنار أنموذجا


فيصل جلول *

  هل قلت فضائية المنار؟

 ناقشنا في ندوة مدريد في 31  كانون الثاني ـ يناير الماضي المشاكل الناجمة عن استخدام العرب لحقهم المكتسب في التعبير الحر من خلال محاكمة قناة "الجزيرة" في أسبانيا.أشرت حينذاك إلى الصعوبات التي تعترض وسائل الإعلام العربية الحرة إذ تقول ما ترى قوله مفيدا لها ولمشاهديها لاما يراد لها أن تقول, ولأنها تفعل فهي عرضة لردود فعل عدائية من المستبدين العرب من جهة ولأحكام مسبقة وإجراءات عقابية في أوروبا من جهة أخرى. وقلت أن كتم القول في العالم العربي واضح الأسباب والدوافع لكن ما يصعب فهمه هو كتم القول الحر في أوروبا ـ حيث ينتشر أساتذة حرية التعبير ـ وملاحقة الناطقين به أمام القضاء تارة ورشقهم بالأحكام القيمية المسبقة تارة أخرى. و لاحظت أيضا أن الأمر يتصل بوسائل تعبير عربية فعالة ومؤثرة ولو كانت هامشية وتافهة لما أكترث أحد لما تقول. و نبهت إلى أن مثال "الجزيرة" و"المنار" يقع في هذا النطاق ولاحظت أن اجتماع العرب مع الأوروبيين حول منظومة حقوق الإنسان وزفي طليعتها حق التعبير الحر يتيح تعايشا سلميا هو البديل الوحيد لصراع الحضارات والأصوليات والأديان وأن نجاح هذا التعايش رهن باحترام متبادل لهذه المنظومة والابتعاد بها عن الأحكام المسبقة . سأحاول اليوم معاينة قضية "المنار" في ضوء هذه الملاحظات .

تحتل هذه المحطة اللبنانية مكانة مرموقة في شبكة الإعلام المرئي العربي فهي تأتي ـ بحسب  استطلاع مؤسسة جون زغبي الأمريكية ـ في مرتبة تالية لقناة"الجزيرة" في عدد من البلدان العربية. وتفيد معلومات تقريبية إلى أن متوسط عدد مشاهديها يدور حول رقم عشرة ملايين مشاهد وهو رقم كبير بالقياس إلى حداثة بثها الفضائي الذي لا يتعدى خمس سنوات. تعتمد المحطة في نجاحها قواعد التعبير الحر وتخاطب انطلاقا من وجهة نظرها عقول مشاهديها ولا تكتفي بالتعبير عن مشاعرهم فحسب. معلوم أن "المنار"  منعت من البث في فرنسا أواخر العام الماضي عبر قمر يوتل سات الأوروبي بتهمة العداء للسامية والحض على الكره والعنف.

 لقد استند قرار المنع إلى فقرة وردت على لسان أحد ضيوفها وهو خبير سوري في الشؤون الصهيونية إذ قال (23 11 2004)  ما يلي:" .. العدو الصهيوني يحاول من خلال تصدير مواد غذائية للعالم العربي, نشر أمراض وآفات معدية مثل مرض فقدان المناعة".وأظن أن هذه الجملة شبيهة بعبارة منسوبة لحاخام إسرائيلي تناقلتها وسائل الإعلام الفرنسية وفيها يقول " .. العرب أشبه بالصراصير يتوجب التخلص منهم بالمبيدات الكيماوية" مع فارق كبير هو أن وسائل الإعلام التي نشرت أقواله لم تتعرض للمنع ولا حتى للتوبيخ أولفت النظر.هكذا إذن قول ينشر في فرنسا بالعربية يعاقب ناشره بالمنع من البث وقول مشابه ينشر بالفرنسية ويمر مرور الكرام.

 لا بد من التذكير أن قرار منع "المنار" قوبل بالترحيب من المؤسسات اليهودية المؤيدة لإسرائيل في فرنسا باركته في الدولة العبرية لكنه لم يحظى بتأييد مهنيين فرنسيين معروفين من بينهم السيد روبير مينار رئيس منظمة "صحافيون بلا حدود" الذي وصف قرار المنع( بيروت 12 1 2005 ) ب " الخاطئ. حجة المنع غير صحيحة ومدانة. هل يجب منع القنوات العربية التي لا تتفق مع بعض المواقف السياسية الفرنسية؟ التصنيف الأمريكي للقناة بالإرهابية خطير ويعرض حياة العاملين فيها للخطر.المنع يفرض حظرا على انتقاد جرائم الاحتلال ويعتبر تلك الجرائم خارج معايير حقوق الإنسان." ويذهب جان ستفان برونو من صحيفة الأومانيته (نقلاعن جريدة الجزيرة السعودية 11 1 2005 ) في الاتجاه نفسه إذ يقول: "..المجلس الأعلى للسمعي البصري شرطة إعلامية. الضغوط على فرنسا مورست من واشنطن وتل أبيب" لمنع المحطة.

 كان حجم الاعتراض على القرار الفرنسي  أكثر اتساعا في العالم العربي حيث فسر "المنع" بغير الأسباب  التي أوجبت قرار "مجلس الدولة" ووصف بأنه يعبر عن انحياز لإسرائيل وغير محايد بل انتقائي لان فرنسا لم تمنع الفضائيات العربية الأخرى التي تعتمد لغة شبيهة بلغة "المنار" وهي أصلا لغة الصراع في الشرق الأوسط بين العرب وإسرائيل. وللتذكير نقول انه في إطار هذه اللغة تحدثت كل وسائل الإعلام العربية والعالمية عن فرضية تسميم إسرائيل للرئيس ياسر عرفات لان العرب والفلسطينيين يعتبرون أن عدوهم جدير بارتكاب عمل من هذا النوع خصوصا أنه جرب من قبل اغتيال خالد مشعل بسم قاتل في عمان قبل سنوات قليلة. لقد استند قرار منع "المنار" إلى هذه اللغة ولعل المعنيين بالقرار يدركون أنه لن يغير لغة الصراع السائدة. فهذه اللغة سائدة ومعمرة بفعل اغتصاب الدولة العبرية لأراضي جيرانها العرب وهي مرشحة للبقاء ولن تختفي إلا باختفاء أسبابها وليس بمنع محطة تكشف النقاب عنها.

   في السياق نفسه من المؤسف القول إن القرار الفرنسي أثلج صدور المحبين ليس فقط للاحتلال الإسرائيلي وإنما أيضا للاحتلال الأمريكي للعراق شأن السيد إحسان طرابلسي الذي خاطب الحكومة الفرنسية متسائلا(لماذا قطعتم ذنب الأفعى(المنار) وتركتم رأسها(الجزيرة).. لقد أثلج قراركم صدور العلمانيين العرب.. لكن "الجزيرة" اشد خطورة على العلمانية والحداثة من قناة "المنار".. و لو يعلم الكاتب أن الثقافة الفرنسية تنطوي على احتقار عميق لكتاب الاحتلال لربما صرف النظر عن كلامه الإستدراجي المسكين عن المحطتين العربيتين.

لا يعكس كلام طرابلسي كل حجم الاعتراض الذي صادفته و تصادفه "المنار" بسبب جاذبيتها الإعلامية.إذ تعتبرها" شبكة أخبار النجف الأشرف" الشيعية(26 5 2004 ) "..قناة بعثية تركت آذان الله اكبر حرصا على الوحدة العربية" وتضيف قائلة أن المحطة تابعة".. لحزب الله العربي الاشتراكي ويهتدي بها أبو مصعب الزرقاوي". لكن بعض دعاة الوحدة العربية والمقاومة العراقية لديهم رأي مخالف للشبكة النجفية(موقع الكادر المناهض للاحتلال الأمريكي للعراق  9   2  2005 ) " .. نقول كفى لفضائية المنار. هي تمتنع عن بث أشرطة المقاومة وتضع نفسها بمصاف قناة الفيحاء المؤيدة للاحتلال وتفتح برامجها للخونة والعملاء أمثال الجلبي والجعفري والحكيم والياور". ويعترض أصوليون في الخليج(موقع الحكمة نت السعودي  ) على المحطة اللبنانية ويعتبرونها كافرة  فهي بنظرهم ليست تابعة لحزب الله بل " لحزب الشيطان"  ويعترض عليها ناطقون من الطائفة الشيعية(منتديات عنكاو العراقية 15 0 20041 ) لأنها  تتبنى "موقفا مخزيا تجاه شيعة العراق". بل هي في مصاف أمريكا نفسها بالنسبة لأحدهم(موقع إماراتي ) إذ يقول" .. أربعة لا تصدقهم. مسيلمة الكذاب. وأمريكا. وقناة المنار". نعم أيها السادة هذه اعتراضات متداولة وكلها موثقة في تاريخ ومرجع معروف.

يظهر حاصل تلخيص الاعتراضات على المحطة اللبنانية أنها شيعية وضد الشيعة ومناهضة للمقاومة العراقية ومؤيدة لها. وعلمانية بوصفها بعثية ومناهضة للعلمانية بحسب الطرابلسي. ومعادية للاحتلال الأمريكي ومؤيدة لجماعته.ويهتدي بها "الزرقاوي" والمتعاملين مع الاحتلال. وهي تمثل حزب الله وحزب الشيطان وهي سامية ومعادية للسامية في الآن معا .. الخ يبدو لي انه من الصعب أن تتعرض وسيلة إعلام لمثل هذا القدر من الاعتراضات والاتهامات ما لم تكن محايدة بهذا القدر أو ذاك تجاه التيارات المذكورة وما لم تكن حرة في بث مواد إعلامية متنوعة وتعددية ومفيدة لمشاهديها المتنوعين فهل تستحق حظر البث في فرنسا وأوروبا؟

يصعب علي ن أضيف أوصافا نقدية أكثر من تلك التي أطلقتها منظمة "صحافيون بلا حدود" على قرار المنع. سأشير فقط إلى أن القرار ربما تأثر بالحسابات السياسية الفرنسية الجديدة في لبنان وفلسطين والعراق حيث تحتفظ "المنار" بنفوذ لا يستهان به وربما أيضا بالجاذبية المتزايدة للقناة لدى مشاهديها بين المهاجرين والفرنسيين من أصول عربية في فرنسا.وفي ظني أن الضحية الأكبر لهذه الحسابات ليست المحطة وحدها وإنما حرية التعبير في العالم العربي.فكيف ذلك؟

تمثل حالة "المنار" كما "الجزيرة" تحديا يطال حق التعبير الحر بامتياز.وتطرح سؤالا كبيرا يحتاج إلى رد شجاع:هل يحق لوسيلة إعلام معينة أن تعبر بما تريد أم بما يراد لها أن تعبر؟ الجواب البديهي هو انه لا تعبير حر بلا خيار حر في القول بغض النظر عن مصدر القول أي عن هويته وثقافته وانتمائه السياسي.  وفي اعتقادي أن حقل التعبير الحر في الغرب يقوم أصلا على هذه القاعدة . أن العرب المحرومين من حرية التعبير يفهمون هذا المعنى عندما يستمعون إلى الخطب الغربية المطالبة بنشر الحريات في العالم العربي وبالتالي لا يمكنهم أن ينظروا بعين العطف إلى قرار منع "المنار" بل سيصب هذا القرار الماء في طاحونة القائلين عن حق بازدواجية المعايير الغربية ومتهمي الغرب بالنفاق و الزاعمين أن فرنسا لا تشكل استثناء في الجوقة الغربية وكل ذلك من شأنه أن يقلص مساحة  اللقاء المشترك على مبادىء وحقوق الإنسان التي يراد لها بإخلاص أن تكون رابطا قويا بين العرب والغرب ومجالا حيويا للتعايش السلمي والتفاعل الحضاري بين الطرفين.

إن قذف وسائل الإعلام العربية الحرة التي تتمتع بثقة عشرات الملايين من العرب والناطقين بالعربية ووصفها بالإرهابية والأصولية و اللاسامية والحاقدة والعنصرية والعدائية ربما يعكس ضيقا غربيا بنجاحها في انتزاع حقها في التعبير واستخدام هذا الحق بما يتلاءم مع ثقافة العرب السياسية وطموحهم ونظرتهم لأنفسهم وللعالم.لا أشك في أن الاتهامات المذكورة تنطلق من أحكام مسبقة ومقاييس إيديولوجية وهي عموما لا تتوخى التواصل مع الإعلام العربي الحر ولا ترغب في التعامل معه تعاملا نديا.لذا يصعب على عشرات الملايين  من مشاهدي "الجزيرة" و"المنار" أن  ينظروا بعين العطف إلى منع المحطتين من البث في فرنسا  وأمريكا والعراق بقرار من أساتذة وأبطال الحريات  في العالم.!!!

أيها السادة

نحترم مجلس الدولة الفرنسي ونحترم المؤسسات الفرنسية وانطلاقا من هذا الاحترام نقول أنها أخطأت في قرارها بمنع قناة "المنار" من البث في فرنسا.كنا نأمل أن ينظر المجلس في الشكوى المرفوعة ضد  المحطة اللبنانية من منطلق حرية التعبير المقدسة في هذا البلد والآخذة بالتوسع في العالم العربي وليس من منطلق لغة الصراع السائدة في الشرق الأوسط بين العرب وإسرائيل. وكنا نأمل ألا يصدر القضاء الفرنسي قرارا يصفق له المستبدون وأعداء العرب وحدهم ومازلنا نأمل أن تعيد فرنسا النظر في هذا القرار وأن تعيد أسبانيا النظر في قرار محاكمة "الجزيرة" عبر مراسلها تيسير علوني وما زلنا نراهن على صحوة في البلدين لأننا ببساطة لا نريد أن نصدق أن هذا العالم لا يتسع إلا لصحافة الإيمبديد وإعلام المارينز.

شكرا لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 ----------------------------------- 

*  كاتب وصحافي لبناني، مستشار اللجنة العربية لحقوق الإنسان في فرنسا   

                                                                 

عودة