|
اذا صدر قرار ببراءة تيسير علوني ما المغزى وما هو المعنى |
|
المستشار خالد عيسى طه رئيس جمعية محامين بلا حدود ونائب رئيس نقابة المحامين العراقيين البريطانيين |
|
صراع مرير بين ممثل المدعي العام وبين هيئة المراقبين والمحامين وأنا منهم ، وبإشراف من اللجنة العربية لحقوق الإنسان برئاسة الحقوقي الدكتور هيثم مناع ، جلسات وجلسات ومحاكمات تليها محاكمات، وتعددت المحاكمات والجلسات والمتهم واحد هو تيسير علوني، يواظب قسراً على دخول قفص الاتهام مبتسماً مستهزئاً بهذا القدر الذي دفعه أن يعمل بالإعلام والصحافة والفضائيات (الجزيرة)، ليكون نشاطه وإبداعه يشكلان جريمة، يدخل بقامته الطويلة وابتسامته العريضة، ونحن نتابعه بأنظارنا ....! وبدأت رحلة العذاب له ولعائلته ولزوجته د/ فاطمة الزهراء وهي أم لخمسة أطفال، أجهضت السادس بسبب سوء معاملة القائمين على التعامل القانوني معه . أوقف تيسير علوني في 5/9/2003 وتراوحت حالات القسوة والتجمل بالأدب في فترات التحقيق، بعد 11/9/2003 ابتدءوا بقرار حجزه رهن الاعتقال، وتدرجت الشدة ودرجاتها أثناء الاعتقال، إذ منع عنه الاتصال مع أي إنسان حتى زوجته وأطفاله، ثم أصدر القاضي المختص بحبسه احتياطياً ونقل إلى السجن. ما هي التهمة ... هي التهمة التقليدية التي تروج لها الولايات المتحدة الأمريكية وهي التعاون مع منظمة إرهابية – أسامة بن لادن - . من هو تيسير علوني ؟ علوني رجل إعلامي، قليل من الإعلاميين يملكون قدرته الإبداعية ... وشجاعته المتميزة، وقد دفعته هاتين الصفتين المتميزتين إلى نجاح كامل أثناء الحرب العراقية، بشكل أصبح متميز وملفت للنظر، كان علوني موفقاً جداً في مواقفه الشجاعة وأمانته في نقل هذه الصورة التي حفرت في ذهن كل عراقي يحب العراق من الغيارى على الوطن، وأنا منهم يملكون وأملك نظرة احترام له كمراسل لفضائية الجزيرة، ولعله في الأداء الإعلامي وتفانيه في إشغال مركزه كمدير لمكتب الجزيرة في مدريد وحرصه على سفراته المتعددة منها إلى أفغانستان أثناء الحرب أيضاً، هذه عوامل مجتمعة دفعت قوى البغي وقوى الشر إلى الترصد له ومحاولة القضاء عليه، إما بالتصنت أو الاغتيال أو برمي التهم ومنها التعاون مع منظمة إرهابية، وقد تلمسوا هذه التهمة يوم دخل تاريخ السبق الصحفي عندما غطى بشجاعة مقابلة أسامة بن لادن الشخص (الإرهابي بنظر الولايات المتحدة) وغطى منه ومعه في خلال هذه المقابلة معلومات فريدة، وأعطى المجال أن ينقل عن المطلوب الأول بتهمة الإرهاب أن يدلي بما يريد أن يدلي به، برأيي أن عمل تيسير علوني يستحق نوط الشجاعة ونوط التقدير بامتياز، إذ أن القليل استطاعوا أن يركبوا المخاطر ويضعوا حياتهم على أكفهم في متاهات جبال أفغانستان الوعرة ومغارات هذه الجبال العميقة وأن يجلس ويسجل له المقابلة، أتهم أنه على صلة بالقاعدة ولهذا استطاع ان يقابله ، في حين أن الإضبارة التحقيقية تحكي غير هذا، إذ أن هناك صديقين له غير مرتبطين بالقاعدة استطاعوا أن يرتبوا هذه المقابلة لا بارتباط عقائدي فكري مع أسامة، إنما بعلاقات عائلية وصداقة. إن عمل تيسير علوني جعل جنون الأمريكان يجن، فازداد حقد إدارة بوش على فضائية الجزيرة، لهذا السبب والأسباب أخرى منها: أولاً: أن فضائية الجزيرة وهي الفضائية العربية الأولى التي استطاعت أن تدخل دائرة الإعلام، وتتسلق القمم فيه والى الأحسن، إن الجزيرة ... رائعة في الأداء الفكري رائعة في العطاء الإعلامي بحيث أصبحت هي المصدر للإعلام والأخبار لأهم فضائية حتى CNN الأمريكية الشهيرة، وهذا التسلق نحو إعلام متميز وواضح والذي لم يسبق أن يدخل في الحسابات الأمريكية، رغم كل النظريات الاستباقية بمفهوم البنتاغون، جعل الحقد على الجزيرة بشكل يصل التمني بمحقها من الأرض. الجزيرة رائعة ومتفردة بموضوعية المعلومة الإخبارية، وحيادية الموقف على اعتبار أن رأيها يخاطب جماهيراً يفترض أن يكون واعياً.. واعياً لمستقبله... واعياً بتقديره لهذا الأداء الجديد من حيث التقنية واللغة والبرامج . الجزيرة رائعة بمراسليها مثل تيسير علوني وغيرهم من الشخصيات التي تجعل المشاهد المتبع يملك وضوح الرؤيا لما يجري من قصف عشوائي ومخالفات لاتفاقيات جنيف، وخاصة الاتفاقية الرابعة لسنة 1949، لاشك أن هذا جميعاً لا يصب في مصلحة الاحتلال، إذ أن المحتل يريد خاصة للعراق وأفغانستان يوم قامت الطائرات والبوارج بقصف المدن والمراكز المدنية بشكل عشوائي، حتى أن الطائرات كانت إذا لم تستطيع أن تساوي البناية بالأرض تجدد هذه الغارة وتزيل البناية من الوجود، راسمة فرصة كبيرة للشركات الأمريكية بإعادة البناء ومن الأساس . في هذه المساحة وفي هذا التناقض بين الادعاء بتطبيق الديمقراطية في العراق، وهو هدف من أهداف إزالة نظام صدام حسين، وبين الواقع المرير الذي واكبه تيسير علوني ونقله بأمانة إلى الرأي العام العربي والإقليمي والأوربي، مما حشد الكثير من الآراء المناهضة للحرب، وغير المتفقة مع بوش في قراره اللا شرعي، واستثناء من الإدارة الدولية ، ذهب تيسير علوني ضحية هذه الإدارة السوداء في إتيان الجرم وإخفائه. علوني نجح في إظهار الواقع، علوني نجح في حشد ملايين الأوربيين ودول أخرى في سير في مظاهرات طويلة لا تنتهي ضد الحرب وأساليب الحرب. علوني نجح أيضاً في إحراج الإدارة الأمريكية وقوى التحالف في مصداقية شعاراتها، هكذا أحيل علوني نتيجة هذا الصراع إلى القضاء الاسباني، والقضاء الاسباني يتفرد في تركيبته الوظيفية، إذ أن الحكام يمثلون أحزاباً في العقيدة ويطبقون قوانين تصدرها هذه الأحزاب مؤتلفة من البرلمان، إذ أن تعيين القاضي يكون باقتراح من الحزب الذي ينتمي إليه، على أن يجد هذا الاقتراح تأييداً في البرلمان، وهكذا تجد القضاة الجالسين على المنصة يمثلون تيارات سياسية تقود البلاد. إن المحكمة الوطنية الخاصة التي واكبنا على الحضور إليها مع المتهم في جلسات متعددة، وبعد أن أصدرت قراري التجريم والحكم ونال الأستاذ تيسير علوني عقوبة السجن سبع سنوات، إلا أن مواكبة الجزيرة على ملاحقة القضية ووضع ثقلها الإعلامي في صالح المتهم تيسير علوني ورفاقه، واستمرار الزخم الواضح الذي بذله الدكتور هيثم مناع، باعتباره يمثل حركة حقوق الإنسان العربية والمنظمات الأممية، كل هذا التعاون بين الجزيرة واللجنة العربية لحقوق الإنسان التي أبت ترك علوني لمصيره يواجهه مفردا، مراعية حالة الرعب التي نالت من عائلة علوني. وباشرت إدارة الجزيرة مسؤولية ترتيب أوضاع العائلة المالية، واستمرت اللجنة الدولية للدفاع عن تيسير في الدعم والمطالبات وواصل أعضائها الحضور، ودعمت هذا الحضور بتوزيع كتاب ترجم الى ثلاثة لغات أجهد الدكتور إبراهيم التاوتي نفسه متبرعاً بتنظيم هذا الكتاب الذي يحكي قصة تيسير علوني من تاريخ توقيفه في 5/9/2003 الى هذا اليوم . لقد أجرينا مقابلات مع رئيس المحكمة العليا، التي نظرت بالاستئناف المقدم من قبلنا ومن المحامين المحليين، وشعرت أنا شخصياً أن هناك أملاً يلوح في الأفق بأن هذه المحكمة ستأخذ بملاحظاتنا المشتركة مع المحامين، والتي هي برأي الشخصي لا ترتفع إلى مستوى أدلة الإثبات القانونية ليصار إلى حكمه سبع سنوات. أنا شخصياً واثق أن المحكمة عند التحقيق من دفوعنا لإصدار حكم البراءة، كما أتصور وكما أشعر وكما طرق لسمعي من الغير إنها ستأخذ بعدم جدوى اعتبار المكالمات التلفونية والمتصنت عليها خلاف القانون والدستور الاسباني وبدون إذن القاضي المختص لا يجوز الأخذ بها والحكم بالإدانة واعتبارها كمستمسك جرمي. ثانياً: أن دفع مبلغ 600 دولار إلى أخيه أمير ليس جرماً، وإنما واجباً أخلاقياً يتمسك به العرب وكل الخيرين في العالم المحافظين على رابطة الدم العائلية، ولا يجوز اعتبار هذا المبلغ مرسل إلى القاعدة ، لأن اسم أخيه الأمير وفي تنظيمات القاعدة يعود إلى رتبة قيادية في القاعدة، ثم إن القاعدة بذاتها لها مواردها الخاصة الواسعة، وأن أسامة بن لادن بالذات أحد أغنى أغنياء العالم السعوديين، فمثل حركة القاعدة لا تحتاج إلى بضعة دولارات يرسلها المتهم تيسير علوني، كذلك نأمل أن لا تأخذ المحكمة بالتراجم الخاطئة للرسائل، وهي مشوهة نتيجة الترجمة الخاطئة وعدم فهم المعنى الصحيح للمكالمات التلفونية والرسائل المتبادلة. ثالثاً: لا يمكن أن نتصور أن المحكمة ستأخذ على تيسير علوني حرصه على استضافة أصدقائه وأقاربه في داره الواسعة في برشلونة، فالضيافة واجب بالنسبة للعادات لدى الشعب الذي ينتمي إليه تيسير علوني. نحن نتوقع الكثير من المحكمة العليا، وأن تعمل بجد على رفع الإحراج الذي سببته المحكمة الوطنية، والإجراءات المتخذة فيها، وفعلاً علمت وأنا في مدريد أن هناك ثلاث مغاربة محكومون بثمان سنوات وهي أكثر من حكم تيسير قررت المحكمة براءتهم. برأيي أن هناك اتجاه معين يختلف عن الاتجاه السياسي الذيلي للإدارة الأمريكية، حيث رفع الوزراء الجدد عند الانتخابات شعار سحب الجنود الاسبان من العراق، كما أن هناك اتجاه تخفيف العداء للأفكار العربية والإسلامية، وعدم التمادي بلصق تهمة الإرهاب على كل نشاط يأتي من العرب أو المسلمين، إن ألمي كلما أسافر إلى اسبانيا يزداد عمقاً وأتألم كيف أن هذا الشعب العريق.. الشعب الذي خالط الفاتحين المسلمين والعرب ثمانمائة سنة، وترك في هذا الشعب أثاراً ومعالماً في كل اسبانيا، وخاصة في الجنوب وهم فخورين ويحنون إلى هذه العلاقات، كيف نستطيع أن نهضم أن مثل هذا الشعب يقف ضد المصالح العربية. باعتقادي إن هذه الانفعالات أو التصرفات الذي لا تنسجم مع الشعب الاسباني، ستنحسر يوم يتقلص النفوذ الأمريكي والتخطيط الإسرائيلي، يوم تجد أن الشعب الاسباني هو الأول الذي يقف مع الحقوق الفلسطينية والشعب الفلسطيني وحركات التحرر، نحن جميعاً نقف وأيدينا على قلوبنا بإنتظار القرار الحاسم بالإفراج عن الإعلامي تيسير علوني، آملين أن يصدر بأقرب فرصة، داعين الله أن يرجع إلى عائلته. علماً بأن أساس وركيزة تمسكي وتمسك الجميع بمواصلة الجهد القانوني لا ينحصر فقط بتيسير علوني وكونه عربي، بل إننا وأنا واثق اننا نعمل من أجل الديمقراطية، من أجل حرية الصحافة، من أجل حماية الصحفيين والإعلاميين بأن يؤدوا واجبهم وهم السلطة الرابعة في المجتمعات الراقية، نخاطب الجميع وخاصة القانونين والمحامين ان يتحدوا ويقفوا يداً واحدة ضد الممارسات القمعية التي سببت هذه المأساة للإعلامي تيسير علوني. أبو خلود 11 ابريل 2006 |