حُكم مجحف على تيسير علوني: الصحافة كساحة للصراع بين الشمال والجنوب


هويدا طه (*) 

ماذا يكشف لنا الحكم الذي صدر بحق تيسير علوني في محكمة أسبانية؟ ذلك الحكم الذي وإن برأ علوني ـ مراسل قناة الجزيرة في مناطق الحرب ـ من تهمة الانتماء إلي تنظيم القاعدة.. إلا أنه قضي بسجنه سبع سنوات مع دفعه غرامة وحرمانه لمدة 25 عاما من حقوقه المدنية كمواطن يحمل الجنسية الأسبانية.. عقابا له علي ما رأته المحكمة (جرائم) ارتكبها: الاتصال بأعضاءٍ في تنظيم إرهابي للحصول علي معلومات صحافية.. والقيام بتوصيل مبلغ من المال إلي أعضاءٍ في التنظيم إبان عمله الصحافي في أفغانستان، وإجراؤه ـ كصحافي ـ مقابلة مع أسامة بن لادن زعيم التنظيم عام 2001، ماذا يتداعي من تساؤلاتٍ أمامنا بعد هذا الحكم.. سواء نحن بنو جلدته أو أمام العالم ككل؟

 أولا: لعل (سهولة) دحض هذه الاتهامات منطقيا وقانونيا هي أكثر ما يثير الدهشة هنا! (أو ربما التوقف.. للبحث عن الأبعاد الأخري في تلك القضية)، فمنطقيا في نظر الهيئات المدنية العالمية المختلفة.. المدافعة عن تيسير علوني.. أو عن حقوق الصحافيين وحق الشعوب عموما في وجود صحافة حرة.. يجب علي الصحافي ـ بل ومن صميم عمله كصحافي ـ أن يبحث عن (مصادر) قريبة من الحدث الذي يحقق بشأنه للحصول علي معلومات.. هكذا يفعل كل صحافي نجح في كشف حقيقة أمر ما.. في قضايا محلية هنا وهناك أو في قضايا عالمية كبري، أما مبلغ الأربعة آلاف دولار الذي تبرع علوني بتوصيله بين أفراد عائلة من المغتربين.. كخدمة إنسانية يقوم بها ربما أي مواطن عربي (أو حتي غير عربي) تجاه مغتربين من بلاده.. فهو مبلغ ضئيل بالنسبة إلي تنظيم كتنظيم القاعدة (يقول الأمريكيون إن شبكة تتبعه.. تتلاعب بالملايين في بورصة نيويورك!)، ولا تشير شواهد عملياته ـ التي تتكلف أكثر من ذلك المبلغ بكثير ـ إلي أن تنظيما بهذا الثراء مضطر إلي تلك الوسيلة لتوصيل مبلغ بهذه الضآلة، وفيما يخص المقابلة التي أجراها علوني مع بن لادن.. فإن قناة الجزيرة التي أجري علوني المقابلة باسمها.. لم تبثها.. بل بثتها محطة CNN، التي حصلت علي نسخة منها (بطريقة غير قانونية!) ولم تُتهم المحطة ومسؤولوها بالضلوع في عمل إرهابي أو غير قانوني! بل وعلوني ليس الصحافي الوحيد الذي أجري مقابلة مع بن لادن.. فمثلا روبرت فيسك الصحافي البريطاني الشهير أجري مقابلة معه كذلك.. ولم يُسمع صوت ادانة له بهذا الشأن هنا أو هناك، وحتي نص الحوار الذي دار بين بن لادن كضيف في المقابلة وتيسير علوني كصحافي محاور.. تضّمن أسئلة استفسارية طرحها علوني عن (جدوي) فتاوي قتل المدنيين الأبرياء في سبيل قضية ما.. مهما كانت مشروعية مطالب هذه القضية، أي أنه حتي ذلك اللقاء الصحافي (المهني) لا يحمل أي إشارة في أسئلة المحاور إلي تحيزه لبن لادن أو تعاطفه مع تنظيمه وعملياته.

هذا منطقيا، أما قانونيا.. فهناك دلائل واضحة قدمتها الهيئات المعنية بملابسات قضية تيسير علوني.. دفاعيا أو رقابيا أو حقوقيا.. تشير إلي أن القضاء الأسباني تجاهل (بتعمدٍ مبيت) المسار القانوني المتعارف عليه للأدلة والقرائن، سواء هذه التي أدين علوني علي أساسها.. أو تلك التي كان يمكن لها أن تبرئ ساحته.. لو أن المحكمة الإسبانية أخذت بها ولم تتجاهل مطالب الدفاع بشأنها.. كسماع شهود معينين مثلا.

المنطق والقانون إذن لا يقبل كلاهما ما حدث لهذا الصحافي.. ما يثير تساؤلات حول (دافع) المحكمة الإسبانية وراء (الإصرار) علي تلك الإدانة.. التي جرفت قضية علوني من محاكمة جنائية تبني علي أدلة نفي أو إثبات.. إلي شكل من أشكال (محاكمة السياسة للصحافة).. وتساؤلات حول مستقبل حرية نشر المعلومات دون تهديد للصحافيين.. حقوقيا وسياسيا وأخلاقيا.. عربيا ودوليا.

 ثانيا: قد لا تجد إجابة لهذه التساؤلات ـ ربما ـ إلا إذا لامست وجه الصراع الرئيسي في المشهد العالمي الحالي، لتكتشف أن كل تفاصيل الظلم والغبن والقهر الذي تتعرض له الشعوب في طموحاتها وحقوقها الإنسانية.. تندرج تحت هذا الصراع الرئيسي.. الذي تأتي (حرية الصحافة) كإحدي ساحاته، صراع يقسم العالم إلي قسمين.. أحدهما في شمال الكوكب تمثله قوة إمبراطورية كبري تتسلح بتقدم تقني مذهل.. وتطلب مجالا حيويا ـ يشمل العالم بأسره ـ لتنتفع بهذا التقدم علي حساب الشعوب حقوقيا واقتصاديا وسياسيا.. حاضرا ومستقبلا، والقسم الآخر يمثله الجنوب عموما وهو شعوب العالم ـ والعالم الثالث علي وجه الخصوص ـ وفي القلب منه العالم العربي.. الذي يشكل إحدي البؤر المتأججة لهذا الصراع بما يتوفر فيه من موارد ومصالح.. تطلبها هذه القوة الإمبراطورية دون مراعاة للعدالة (وإن كانت مراعاة العدالة علي كل حال ليست من صفات الإمبراطوريات الطامحة باستمرار لتوسيع مجالها الحيوي)، وفي هذا السياق فقط ـ سياق الصراع بين شمال متقدم وجنوب مثقل بتخلفه ـ تأتي (مقاومة) الجنوب للغبن، بكل أدوات المقاومة الممكنة ومنها محاولة (كشف الحقيقة) علي يد صحافة حرة تصطف إلي جانب الشعوب.. ويأتي كذلك قمع القوة العظمي لهذه المقاومة في كل صورها.. سواء كانت مقاومة سياسية تمثلها مختلف حركات مناهضة الهيمنة الغربية علي مقدرات العالم.. أو مقاومة عنيفة تمثلها الحركات المسلحة في مختلف أنحاء العالم (والقاعدة واحدة منها وليست الوحيدة علي كل حال).. أو مقاومة فكرية يمثلها أولا رفض النخب الواعية في أنحاء العالم لتلك الهيمنة الممتدة سرطانيا لتشمل جميع مناحي الحياة علي الأرض سياسيا واقتصاديا وثقافيا.. ويمثلها ثانيا (حرية الصحافة) التي تقمعها القوة العظمي.. حتي لا تنتقل الحقائق من مدركات يدركها المفكرون إلي وقائع ينقلها الصحافيون للجماهير، ودع عنك هنا كل الدعاوي الغربية المملة حول حقوق الإنسان وقيم الحرية والديمقراطية.. فهذا بكل بساطة.. كذب! إذ يبدو أن (إنسان الجنوب) لا تقصده وثائق تلك الحقوق والقيم! وما يتعرض له تيسير علوني هو إحدي تفاصيل هذا القمع من قِبل القوة العظمي ضد صحافيين ـ في الجنوب أو في الشمال نفسه ـ يتجرؤون علي (كشف حقيقة القبح) الإمبراطوري في سعيه لقهر شعوب الأرض.. فقد كان علوني هو نافذة العالم الوحيدة علي جريمة ضرب بيوت أفغانستان الطينية وساكنيها بصواريخ وقنابل اليورانيوم المنضب!

 ثالثا: أما عن (وسائل) القمع الإمبراطوري لحرية الصحافة ـ كإحدي مظاهر مقاومة الشعوب للهيمنة ـ فهي تتدرج.. من تضليل الرأي العام العالمي إلي قتل الصحافيين مباشرة كما حدث في العراق وأفغانستان وباقي بؤر الصراع.. إلي استخدام (القانون) والقضاء.. في الولايات المتحدة نفسها أو في الدول الدائرة في فلكها.. سواء كانت دولا أخري في الشمال أو دولا مستبدة تابعة في الجنوب نفسه، لذلك لا يختلف كثيرا وجود صحافيين ومصورين في معتقل غوانتانامو عن مقتل صحافيين (عرب وغير عرب.. مسلمين وغير مسلمين) في فلسطين.. ممن يكشفون بشاعة ممارسات إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني.. ولا يختلف كثيرا عن الاعتداء بالضرب علي صحافي كعبد الحليم قنديل أو جمال بدوي في القاهرة.. أو تلفيق التهم لصحافيين في مختلف أنحاء الدول العربية.. ولا يختلف كثيرا عن رضوخ القضاء الأسباني لضغط هذه القوة العظمي من خلال إدانة علوني المبيتة.. شاءت أدلة النفي أو أبت.

 رابعا: الموقف العربي ـ رسميا وشعبيا ـ تجاه قضية علوني هو موقف ملتبس لا يخدمه ولا يخدم القضية الأكبر.. قضية حرية الصحافة بشكل عام كساحة للصراع الأكبر بين القوة الإمبراطورية والشعوب، فالرأي العام العربي سجن نفسه بإرادته (أو لعله بدون إرادته!) في مقولة إن اضطهاد علوني يأتي بسبب أنه (عربي مسلم).. ليتحول الأمر إلي قضية (دينية ثقافية).. ما يترتب عليه وقوع العرب في متاهة الشعور بالاضطهاد علي الهوية العرقية أو الدينية.. وهو ما يجرف المقاومة العربية ـ كجزء من مقاومة الجنوب ـ ضد هيمنة الشمال.. إلي طريق عبثي عنصري دموي يجلب المزيد من القمع في دائرة مفرغة من (الفهم المحدود) لأسباب الصراع الحقيقية، لذلك ربما ينبغي علي الصحافة العربية.. أن تحد من جر جماهيرها في طريق الشعور باضطهاد العروبة والإسلام.. ويكون ذلك باعتماد خطاب منطقي إنساني عقلاني تنويري بالأساس.. يكشف ما يحدث لتيسير علوني ولغيره من الصحافيين علي أساس أنه (حرب أمريكية علي محاولة كشف الحقيقة).. فهناك صحافيون يهود ومسيحيون وصحافيون غربيون وأسيويون وغيرهم اضطهدوا.. وأسباب اضطهادهم جميعا واحدة: محاولتهم كشف الحقيقة، عشرات الأمثلة تجدونها في وثائق المنظمات المدنية المدافعة عن حرية الصحافة في العالم.. والمنظمات المناهضة للقمع الأمريكي للشعوب.

خامسا: فهم الظلم الذي تعرض له تيسير علوني في إطار ما يحكم العالم من صراع بين الشمال والجنوب هو بداية.. أولا نحو انخراط العرب إيجابيا في تيار تكتل سلمي شعبي عالمي.. يواجه هذه الإمبراطورية الشرسة في كل ساحات الصراع ومن ضمنها الصحافة، ونحو الاقتراب من قوي التحرر الإنساني في العالم ككل.. والابتعاد عن فخ تقزيم الظلم العالمي بحصره في مجرد (قضية اضطهاد العربي المسلم) فهذا المنطلق هو ما أدي إلي وجود تنظيم القاعدة نفسه! فتسبب فيما تسبب فيه من مضاعفة الأذي علي الشعوب، وثانيا الفهم الأعمق لما جري لتيسير علوني ـ الذي نتمني فك أسره ـ كما تتمني أيضا كل قوي التحرر في العالم ـ قد يكون خطوة علي طريق (النقد الذاتي) لفهم العرب للعالم ولأنفسهم.. فما زالت العقلية الدينية تهيمن علي محاولتنا تفسير كل ما نتعرض له من غبن ـ تتعرض له أيضا شعوب أخري بملل أخري! إذ ماذا يفيد تيسير علوني حشر آلهة السماء.. في خصومات أهل الأرض؟!

 (*) كاتبة من مصر

 (المصدر: صحيفة القدس العربي الصادرة يوم 5 أكتوبر 2005)

عودة