|
عائد من مدريد!! |
|
حلمي الأسمر |
|
كل جمعة جعبة الصحفي العربي العائد من مدريد مليئة جدا بالمشاعر السيئة، حتى أني أكاد أجزم أن الملايين من المسلمين والعرب الذين يقيمون في أوروبا ليسوا بعيدين عن "هولوكوكست" من نوع آخر، يشبه المذبحة التي تعرض لها اليهود في أوروبا، في بدايات القرن الماضي! ذهبت إلى مدريد لحضور لقاء تضامني مع تيسير علوني المعتقل هناك لسبب سياسي ليس له أي أبعاد جرمية أبدا، لأكتشف أن علوني ليس إلا واحدا من عشرات العرب المعتقلين أو الملاحقين على نحو أو آخر لنفس السبب؛ وهو أنهم عرب أو مسلمون لهم بشرة سمراء، ويحملون أسماء عربية، وأن مشكلة علوني هي نفسها مشكلة مليون مسلم يعيشون في إسبانيا برسم الاتهام، وأن كلا منهم معرض للزج به في المعتقل وفق قانون مكافحة "الارهاب" وأن ما فعلته تفجيرات 11 مايس آذار في إسبانيا هي نفس ما فعلت 11 سبتمبر أيلول في أمريكا! ثمة أجواء تحريضية سائدة في الاعلام الغربي كله، تهيء الفرصة لتحويل حياة العربي والمسلم في أوروبا إلى حجيم لا يطاق، ربما تتطور مع زيادة هذا التحريض إلى محرقة نفسية وجسدية، والأمثلة كثيرة ومريعة وتستعصي على الحصر، وقد لقيت منها أنا شخصيا الشيء الكثير، ابتداء من الصعوبات التي بدأت مع محاولة الحصول على تأشيرة للسفر، وصولا إلى التفتيش "الإتهامي" الذي يلقاه الواصل لمطار مدريد، وانتهاء بخلع الحذاء لفحصه لدى مغادرة المطار، مرورا بالتعبيرات العنصرية التي تسمعها من سائقي سيارات الأجرة ضد العرب والمسلمين، الذين تحولوا فجأة إلى "غزاة" يحاولون استعادة اسبانيا إلى الحكم العربي! إن خطاب حوار الحضارات يتهاوى تحت طرقات تحويل مسلمي وعرب أوروبا إلى متهمين أو قنابل موقوتة، قابلة للانفجار في أي لحظة، الأمر الذي يدفعك للاعتقاد أن أي لقاء بين الشرق والغرب أصبح مستحيلا في ظل أوهام ومخاوف تفجيرات الأحد عشرين: أحد عشر ايلول وأحد عشر آذار! إنهما كابوسان أو فيروسان أفسدا كل إمكانية في التعايش والأمن والاستقرار، وأيقظا قرونا من المواجهات والحروب والمذابح ومحاكمات التفتيش، التي يجري إحياؤها في إسبانيا للزج بالناس في غياهب السجن بالشبهة، وربما تتطور مع ووقوع تفجير مشابه لتحويل جميع العرب والمسلمين إلى معسكرات اعتقال وجيتوات جماعية، على غرار معسكرات الاعتقال النازية! عائد من مدريد بمشاعر محتقنة وضيق شديد اقل التعبيرات عنه أنني غير مستعد لزيارة تلك البلاد، وربما أي بلد من بلاد الاتحاد الأوروبي الذي بدأ ببناء جدار برلين ضخم بين العرب وأوروبا! ما يجب أن يعرفه من بقي من أصدقاء للعرب في أوروبا العجوز الخرفة، أن انتهاك حقوق العرب والمسلمين في أوروبا هو مقدمة لتحول تلك البلاد إلى دول عالم-ثالثية، لا يقف قمعها عند حدود "الغرباء" بل ربما يمتد لسكان البلاد الأصليين، لأن القمع أعمى!! asmar12@hotmail.com |