|
القوانين الاستثنائية في الغرب وأثرها على الصحافي العربي (حالة علوني) |
|
بحث مقدم إلى ندوة حماية الصحافيين في زمن الأزمات ،الأستاذ داوود حسن ، عمان 15/5/2005 |
|
تعتبر حالة الزميل تيسير علوني رئيس اللجنة العربية للدفاع عن الصحفيين ومراسل قناة الجزيرة الفضائية مثالا صارخا على ما يمكن أن يصل إليه انتهاك رسمي منهجي مع صحفي أعزل لا يملك إلا ضميره الحي والتزامه المهني, بعيدا عن العدالة والحقوق المدنية المعروفة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. فكل ما كان يقال لنا عن حريات أساسية حرية الصحافة والإعلام والتدفق الحر للمعلومات وغيرها من القيم الأصيلة التي كنا نعتقد بأن الاقتراب منها يعد من المحرمات في الثقافة الغربية، إذ بها توضع على طاولة عولمة حالة الطوارئ والأدلة السرية وقضاة الإرهاب والمعتقلات غير الشرعية فهل كانت هذه القيم من السطحية بحيث سقطت أمام أول اختبار. تصرفت الإدارة الأمريكية مع العالم الإسلامي منذ 11 سبتمبر بأسلوب الهيمنة الصلفة، وكأن هذه المنطقة إقطاعية برسم التصرف أو غنيمة حرب, الحرب شملت العقول والموارد والأرض ولكن الأخطر أنها استهدفت الإنسان باعتباره قاصر بالضرورة وبالتالي يحتاج إلى من يرشده للحكم الصالح والديمقراطية والأسلوب الأنجع لبيع نفطه وتدريس أبنائه والتعرف على دينه وبناء حزبه السياسي .. الحرب على الإرهاب تحولت إلى إرهاب فكرس مفروض من فوق، بالحرب أو بالابتزاز. ولأن الإعلام هو الأداة الأكثر وسيلة لوصول الولايات المتحدة إلى هدفها وهتك أسرارها في آن واحد كان لابد من تأديب الإعلاميين الخارجين عن الجوقة وترهيبهم, فاستخدمت كل الأساليب الممكنة والمتاحة تحت يديها دون خجل للوصول إلى السيطرة على الصحفيين عنفا وسلما. فقد تعرض عشرات الصحفيين للقتل بقصد مع سبق الإصرار عربا وأجانب في العراق وأفغانستان, ومنهم تيسير علوني الذي نجا من الموت ثلاث مرات متتالية في أفغانستان والعراق, أو اعتقال الإعلاميين لفترات طويلة مثل مصور قناة الجزيرة سامي الحاج في معسكر جوانتانامو منذ نوفمبر عام ألفين وواحد حتى اليوم دون أية دلائل قضائية تدينه. إن أهمية قضية تيسير علوني تنبع من كونه عربي يحمل الجنسية الإسبانية، متأقلم مع الحياة الإسبانية، ومنها جاء ليراقب الوضع في أفغانستان عبر أكبر قناة فضائية عربية. إذن تيسير بكل المعاني شخص تحميه المواطنة الإسبانية ويحميه عمله المهني في قناة شهيرة وتحميه تجربته التي تابعها عشرات الملايين. فإذا كان تيسير علوني موضوع اعتقال وإدانة بهذه السهولة، فهل هناك ضمان واحد لصحفي فري لانس يحمل إقامة مؤقتة ويريد أن يجري تحقيقا حول المتطوعين الأوربيين إلى العراق مثلا؟ هل يمكن لصحفي لم تمدد إقامته بعد أن يذهب ليغطي إضراب من لا يحملون أوراق في كنيسة باريسية؟ نعم، إدانة علوني ترفع الحماية عن كل صحفي عربي في أوربة وتضع فوق رأسه مقص رقابة من نوع جديد، مقص اسمه معنا في الحرب على الإرهاب أو ضدنا لا محالة، أي متواطئ مع الإرهاب. ولكي لا تبقى الأمور (خارجة عن القانون؟) تم اغتيال القوانين والالتزامات الدولية بقوانين استثنائية. فأصبحت قوانين مناهضة الإرهاب طبعة أخيرة لقوانين حالة الطوارئ. وصار التسابق من يقلد من هل المغرب قلد الولايات المتحدة أم السعودية قلدت سورية؟ المزاودة في تغليظ القوانين الاستثنائية مثل قوانين الإرهاب في الكثير من الدول الغربية والعربية وقانون الوطنية (باتريوت أكت) وقانون الأدلة السرية شملت الجميع وإن كانت في مجملها قوانين استلهمت روحها ونصوصها من غابات القوانين الاستثنائية في العالم الثالث التي تحرم المشتبه به من أبسط ضمانات حقوق الإنسان وتعيد المجد لممارسات تنتمي لأبشع الدكتاتوريات. لا تكفي الأدلة السرية والسجون السرية والحروب السرية، بل لا بد من تشويه سمعة الإعلام بتوظيف ثورة الاتصالات في صناعة الأكاذيب في سراديب المخابرات والجيش وممارسة الرقابة على الأخبار وإجبار الصحفيين على ترك مواقع القتال لإخفاء خسائر وفظائع الاحتلال, واحتكار التدفق الحر للمعلومات لتكون من مصدر واحد, وبالصورة التي يرضى عنها أصحاب البيت الأبيض. كل هذا يترك أثره على مصداقية العمل الإعلامي ودوره في تكوين الرأي العام ويخلق ردود فعل رافضة لوسائل الإعلام الحديثة وللتفاعل مع ثقافة الآخر الذي يعاملنا بازدراء محتقرا قدراتنا العقلية وإمكانيات كل شخص من أي بلد وثقافة وقومية ودين على المحاكمة الذهنية لما يرى ويسمع ويتابع. تظل القوانين الاستثنائية التي صدرت في أكثر من بلد غربي الأخطر من الناحية الأخلاقية أولا لأنها تفرض مبدأ حق الأقوى في الكذب والتزوير وفرض تصوره للعالم وأسلوب حياته على الآخرين، ومن الناحية القانونية لأنها وسعت دائرة الاشتباه والاتهام التي تقوم على الظن والتوقعات بدلا من القرائن والأدلة. وتطبق العقوبة فيها منذ أول يوم يعلن فيها اسم أحد المشتبه بهم طبقا لهذه القوانين حيث يبدأ السجن المفتوح المدة والتحقيق خارج نطاق القانون والتعذيب النفسي والبدني كل ذلك في غياب العدالة أو تغييبها. ويتضح لنا يوما بعد يوم أن أكبر القضايا التي تعرض على القضاء الاستثنائي ليست قادرة على الصمود كثيرا أمام أية محكمة طبيعية نزيهة أو مراقبة قضائية مستقلة، وستكون البراءة حليفة المشتبه بهم فيها كما رأينا في قضية تيسير علوني التي تسقط مبرراتها يوما تلو الآخر, حيث اكتشف القضاة، مثلا، أن كتاب الأربعين النووية للإمام النووي مترجم بأربعين سلاح نووي، وأن أحد المتهمين اعتقل في حالة سكر وكان يعمل نشالا ولا علاقة له بالحركة الإسلامية معتدلة كانت أم متطرفة؟ هنا ينحس الإصرار على عقد هكذا محاكمات عرفية أو استثنائية بتحقيق أهداف سياسية رخيصة، ويصبح الطابع الاستثنائي رهبة من إنصاف دولة القانون العادية للضحايا. هى سنة أخرى من السنن التي اقتبسها الغرب وبالتحديد الولايات المتحدة من النظام السياسي العربي مثل التعذيب وتغييب الدستور والقانون وفرض قوانين الطوارئ والمحاكمات العسكرية إلى أجل غير مسمى. أمام هذه البيئة المضطربة من المحاكم والقوانين الاستثنائية لا يستطيع الصحفي أن يستخدم أدواته المهنية في تمحيص ما يقال له عن اتهامات أو اعترافات وقرائن تدين المتهمين كما كان يفعل مع القضايا التي تتناولها المحاكم الطبيعية والعادية حيث يكون من السهل معرفة حقيقة تلك القرائن والأدلة وربما مصادر المعلومات أيضا, ويزداد الأمر سوأ عندما يكون الصحفي هو جزء من هذه المسألة غارقا في بحار من آلاف الأدلة والأوراق كما في قضية تيسير.
في ظروف كهذه لا يستطيع الصحفي العربي ناهيك عن كثير من أقرانه في الغرب أن يعمل في مناخ صحي خاصة وأنه يواجه مستقبلا مفتوحا على كل الاتجاهات ما بين تعرض لسلامته النفسية والجسدية والملاحقة والمراقبة وتحقيقات ومحاكمات قد تستمر سنوات.
لكننا يمكن أن نهدم كل هذا الوضع غير العادي برفضه وتعريته وعبر الإصرار على بناء شبكة تضامن تجمع الشرفاء من العالم العربي والعالم الغربي، لمواجهة القوانين الاستثنائية والضغوط على الصحافيين والتضامن مع من تنتهك حريته وحقوقه من زملائنا المحاكمين والمعتقلين والملاحقين حتى تثبت براءتهم أو إدانتهم في محاكمات عادلة علنية وشفافة, وأن نشجب الصحافة الشوفينية التي تصدر أحكامها المسبقة قبل القضاة داعين لمبادئ عامة عالمية لشرف المهنة. نعم بالإمكان عبر النضال المشترك من أجل إعلام يعتبر الصدق والأمانة وكرامة الإنسان مراجع أساسية له أن نربح الرهان ضد حقبة صعبة تدفع ثمنها اليوم البشرية جمعاء
داود حسن: صحفي مصري عمل في الإعلام المصري المكتوب والسمعي البصري قبل أن ينتقل لقناة الجزيرة، المتحدث باسم اللجنة العربية للدفاع عن الصحفيين
T & F 0033147461988 |