|
المواطنة نصاباً لتكامل الدين والمدينة ودولتنا الحديثة تعطِّل اجتماع المتعدّد |
|
هاني فحص |
|
أن
تتحول الأرض التي نقيم عليها إلى وطن، والإنسان الذي يعيش فيها ويشارك في
صوغ حياتها إلى مواطن، ويوثق هذا الواقع في دستور، تلك هي المواطنة، أي
مشاركة المواطن الأصيل في صنع القرارات، ما يتيح له تكوين نظرة متوازنة إلى
ذاته وبلده وشركائه في صفة المواطنة، على أساس المساواة في الحقوق
والواجبات. ولعل من أهم مشكلاتنا مع دولتنا الحديثة، عربياً وإسلامياً، أنها قصّرت في أداء دورها الجامع لاجتماعها المتعدد، فأغرته بعدم الاجتماع، أي عدم اكتمال نصاب المواطنة في وعيه وسلوكه وعلائقه، فإذا الأديان والمذاهب والجماعات عموماً، كيانات متفاصلة في الكيان الواحد، ومفتوحة على المزيد من الكينونات الفرعية على مقتضى الخصوصيات المتحققة أو المخترعة أو المتوهمة، ما أغرى أعداءنا بالتدقيق في اختلافاتنا، واستغلال خلافاتنا في توليد فوارق إضافية، لتأسيس الصراعات عليها، وتفجيرها في لحظات اكتمال قناعاتنا بضرورة النهوض والتضامن وتحقيق التنمية الشاملة، وتغليب جاذب الاندماج على جاذب الانسلاخ بين مكونات المجتمع أقواماً وأهل أديان ومذاهب. إن الدولة المعاصرة الموصولة بأصولنا، أي التي لا ترى مثالها ناجزاً جاهزاً في موروثها، ولا ترى الحداثة تحديثاً شكلانياً قاطعاً مع الذاكرة، أي الدولة التي لا تفتعل معركة بين الثابت والمتغير، هذه الدولة هي الكفيلة بتحويل المواطنة من فرضية إلى واقع واحتياط من الوقيعة. وتكف (المواطنة) عن أن تبدو وكأنها بديل للدين أو المذهب أو أي رابطة أو جماعة مؤسسة على مشتركات موروثة أو مستحدثة. ويكف الدين أو المذهب أو الجماعة الأهلية أو المدنية عن أن تبدو وكأنها بديل للدولة أو الوطن، بما في ذلك من إفراغ للدين من معناه وللوطن من مواطنيه، الذين، وليكونوا مواطنين أو إذا أصبحوا مواطنين، أصبح الوطن سكناً لهم وهم سكن له، ومن دون مواطنة قائمة على الحق والقانون والحرية والعدل والحب الذي يحتمل الاختلاف ويتحمله بل يقتضيه، يصبح الوطن مكاناً محايداً يابساً وبارداً، وفراغاً في الروح، يسهل التنازل عنه أو نسيانه. أقول هذا والإسلام السياسي يجاهر بمشروع دولة دينية، أي مذهبية اقصائية، إن لم تكن مذهباً من داخل المذهب، ما قد يجعل المواطنة كناظم علائقي وقانوني، امراً مستبعداً، إلا في حدود استتباع الأكثرية الغالبة للأقلية المغلوبة، فهل يغير ذلك من قناعتنا بأن الله تعالى لم يتعبدنا بشكل من أشكال الدولة، بل ترك مساحة الدولة حيزاً لعقلنا المشترك الذي يجدد العقد بين الحاكم والمحكوم كلما تجددت الشروط؟ ومن الشروط توكيد الشراكة بين العالمين الديني والمدني، بين الفقيه ورواد الحقول المعرفية المختلفة، وبالتالي، فإننا معنيون بتكوين ورشة تتدبر رؤية لدولة مدنية، بمعنى أنها تعيد الدين إلى المدينة حافظاً صائناً مصوناً، وتعيد المدينة إلى الدين مكاناً حيوياً تختلف فيه العقائد وتعالج فيه الحرية كسورها بذاتها، ويتعدد فيه الاجتماع ويلتئم في ظل الدولة الجامعة، تحقيقاً لنصاب الوحدة في الكثرة ونصاب الكثرة في الوحدة كمعادل موضوعي للتوحيد. ويشكل هذا الإنجاز الذي لا بد من المداومة عليه حتى لا يتناقص أو يتآكل، مدخلاً وشرطاً لمشروع حضاري يقوم على الشراكة في ما بيننا، عرباً ومسلمين، وبيننا وبين الآخرين، كل الآخرين، إلا من أصر على أن يعزل نفسه أو ينعزل، لأننا إذا ما شرعنا في السلوك الإقصائي فلن نضمن ألا يتحول إلى إلغاء كامل لكل الشركاء واحداً تلو الآخر، كما حصل في التجارب الشمولية، الدولة متغير والاجتماع متغير، وهذا التغير في الواقع - منعكساً في الوعي - لا يمس بثوابت العقيدة. والإسلام لا يمكن أن يتورط أو يورط أحدا في تحويل المتغير إلى ثابت، تماماً كما لا يتحول الثابت إلى متغير، لأنه بذلك يعرض الثوابت إلى الاهتزاز، والثوابت لا تستغني عن مساءلتها والحوار معها تعزيزاً لها لا تقويضاً. ونلاحظ ان هناك متغيرات في الفقه بالنسبة إلى كثير من القضايا في مختلف أبواب الفقه، تمثل قراءة جديدة للنصوص على أساس مستجدات في الواقع العلمي والثقافي والعلائقي، مما لاحظه الفقهاء.
من هنا مثلاً، وبناء على عدم وجود رصيد نصي لبعض الأحكام في القرآن الكريم،
يتحرك فهم الفقهاء أو بعضهم لاستيعاب مسألة الردة كإشكالية معقدة لم يتعرض
القرآن الكريم إلى إصدار حكم بالقتل بناء عليها، كما هو شأن رجم الزاني
والزانية، وقتل الفاعل والمفعول في اللواط، وقتل من أنكر ضرورة من ضرورات
الدين, أو الحكم باسترقاق الأسرى، أو تنصيف دية المرأة المسلمة بالنسبة إلى
الرجل (لم يعد العمل في إيران مبنياً على هذا الحكم ويعمل بالمساواة طبقاً
لمسلك فقهي جديد)... وهذا ما يحيلنا على السنة الشريفة باعتبارها ناتجاً
معرفياً مصدرياً من داخل العمليتين التاريخية والاجتماعية، ما يعبر عنه في
الأدبيات الفقهية بظنية السند وقطعية الدلالة، بما يعنيه ذلك من كون السند
أصلا، وهو عرضة للمساءلة، وكون الدلالة فرعاً مع عدم استحالة النقاش في
قطعية دلالتها، طالما أن المسألة مسألة إفهام ومسألة نص عربي محكوم بنظام
بياني يتيح تعدد الأفهام... ومن الأمثلة الساطعة على ما ذكرناه ما حصل
بالنسبة إلى مشاركة المرأة في العملية الانتخابية في التجربة الإيرانية. (*) كاتب ورجل دين من لبنان. صحيفة الحياة اللندنية في 1/8/2005 |