المنسيون في منطقة الشرق الأوسط


بقلم خـِــيما  مارتيـن  مـونـيوُث*: (Gema Martín Muñoz)   ترجمه من اللغة الإسبانية جـمـال حـلاوة.  طليطلة الموافق 31/10/2005

  هناك معلومة لها وقع مؤثر تـُـذكرنا بكثافة الصراعات في دول شمال أفريقيا و الشرق الأوسط: اعتماداَ علي تقرير للأمم المتحدة، ففي هذه المنطقة الصغيرة نسبياَ لهذا الكوكب يتجمع ما قدره أل 47,2% من العدد الإجمالي للاجئين في العالم. من ما بين هذا العدد الهائل من المشردين الذين يعيشون في أوضاع إنسانية سيئة، فإن اللاجئين الفلسطينيين يشكلون الأغلبية. فهم في الوقت الحالي يشكلون تجمع اجتماعي مكون من أكثر من أربعة ملايين إنسان، و هم أكبر المنسيون في المجالات الإعلامية، و السياسية، وفي العلاقات الدولية. إنهم الوجه المعتم لتمثيلية الصراع الأطول زمناً في التاريخ المعاصر، و هو الذي لم يستطع المجتمع الدولي أبداً إيجاد حلاً لـهُ. إن هذا يعني، الحكم على عدد ضخم من الناس أن يكسبوا قوتهم على هامش المجتمع الذي يعيشون به و بدون كرامة أو مستقبل، و من نتائج فقدان الحل لهذه القضية، هو النمو الديموغرافي الذي يقوم بدوره  بتوليد أجيالاً من الذين يعيشون في غيتوات غير صحية و كريهة الرائحة، و مع إحساس مطلق بفقدان الأمل في خضم هذا المخزن المفزع للبارود الاجتماعي و السياسي الذي تحولت إليه منطقة الشرق الأوسط.

إن هذا الوضع كان قد نشأ سنة 1948 حين تم إقامة دولة إسرائيل، مما أدى بدوره، إلى عملية الطرد و الحث على الفرار بحق  ألـ 800,000 فلسطيني الذين كانوا يعيشون على الأرض التي تم تحويلها إلى الدولة اليهودية الجديدة. كان ذلك، التعبير الجلي للمأساة الحتمية التي كانت تترصد لهذه المنطقة من العالم حين أقر الاتحاد السوفيتي و العالم الغربي خلق كياناً لدولة مكونة من مُـستعمرين يهود قادمون من الخارج، و بدون تحمل مسئولية أن ما اقترفوه و بشكلٍ لا يمكن تفاديه، سيؤثر على مستقبل السكان الأصليين الذين يقطنون هذه الأراضي و سيفتح أبواب الصراع الأكثر تعقيداً وعنفاً و الأطول عبر التاريخ. إن هؤلاء اللاجئون الفلسطينيون، و هم الذين زادوا عدداً بعد حرب ألـ 67، كانوا قد توزعوا ما بين غزة و الضفة الغربية و الدول المحاذية (الأردن، لبنان و سوريا). سنة1950، قامت الأمم المتحدة بإنشاء وكالة خاصة للعناية بالاحتياجات الإنسانية الأساسية لكل هذا العدد المُستثنى و البلا وطن من السكان، ألا و هي( الأونروا-United Nations for Relief and Works Agency)، و لم يخمن أحد حينها، بأن هذا الوضع سيمتد لنصف قرن من الزمان، و دون أن يكون هناك و إلى الآن أي أمل في الحل. و بناءً عليه، فمن قد كان عددهم 800,000  لاجئ، أصبح عددهم اليوم أكثر من أربعة ملايين، و هناك حالات في الوقت الحالي من الممكن أن نجد فيها خمسة أجيال يعيشون في مخيمات للاجئين. إنها فعلاً لحالات فريدة من نوعها في تاريخ الصراعات. 

مع مضي الوقت، رأت وكالة الأونروا كيف يتم تخفيض ميزانيتها في إطار منظمة الأمم المتحدة بشكل كبير بنفس الوقت الذي تتمدد و تـتـكيـس به المشكلة عبر الزمن، مما يستدعيها للإعتماد على التبرعات الخاصة و الازدواجية. و عليه، نجد اليوم أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في الأردن يبلغ 1.780.701، و في لبنان يبلغ   400.582، و في  سوريا 424.650، و في الضفة الغربية 687.542، و في قطاع غزة 961.645، و هو ما يشكل في هذه الحالة ألـ 80% من عدد سكان غزة، و هم يعتمدون بشكل أساسي على عمل المتطوعين و على ذاكرة الدول و المؤسسات الخاصة كي لا ينسوا هذا الجزء المهمل من البشرية. و ضمن هذا الإطار الصعب من أجل البقاء، من الضروري الكشف عن الأهمية الكبرى لوكالة الأونروا بالنسبة لهؤلاء اللاجئون الفلسطينيون، فهي ليست فقط الحائط الذي يسند الطريق لضمان الحدود الدنيا من الرعاية الصحية العامة، بل و تقوم بتحسين الحد الأدنى من البنية التحتية (توصيل المياه، تحويل البيوت الأكواخ الغير صحية إلى بيوت ذو معايير دنيا للحياة بها)، و توفر ما هو عمل جوهري و أولي، ألا و هو ضمان التعليم الابتدائي و الإعدادي في بعض الأحيان كما هي الحال في لبنان. إلا أنها أيضاً تعتبر ذو أهمية كبرى بالنسبة لهم من الناحية السياسية و الرمزية، فما دامت الأونروا قائمة، و من هنا أهمية دعمها مادياً و تثبيتها كمؤسسة دولية، فإن قضية اللاجئين الفلسطينيين ستبقى موجودة على الخريطة الدولية لتذكرنا جميعاً بأن هناك مشكلة إنسانية و سياسية لجزء كبير من مواطنين هذا العالم و هي  تستدعي الحل. لهذا السبب فإن وكالة الأونروا، توافقاً مع أهميتها الإنسانية و السياسة الاستراتيجية التي يوجب عليها تحقيقها و تمثيلها، اتخذت القرار بإنشاء لجان وطنية لجمع التبرعات العامة و الخاصة الضرورية كي تبقي قائمة و كي تحقق العمل الإسعافي الإنساني الذي تقوم به منذ سنة 1950. لقد تم إختيار إسبانيا لتكون الدولة الأولى لإنشاء لجنة وطنية للأونروا، برئاسة السيد/ إميليو  مِـنِـندث  دِل  فايـِـه (www.unrwace.org) ، و هو باعتقادي خيار صائب. نأمل بأن يكون الإسبان قادرون على أن يكونوا على مستوى التوقعات، و نحن الذين و كما يبدو يثير قلقـنا ما أسماه  فرانـتـز  فانـُن ((Frantz Fanon في كتابه الرائع حول عنف الإستعمار بـِ "الهالكون إلى الأبد على هذه الأرض."

إلا أنه و علاوة على الواقع الإنساني الغير قابل للنقاش، علينا الأخذ بعين الإعتبار الأهمية السياسية لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين كجزء جوهري يلزم حله للوصول إلى شرق أوسط  مستقر و ديموقراطي. إن حق العودة الذي يرعاه القانون الدولي لهؤلاء المواطنين بلا وطن (و ذلك لعدم وجود دولة فلسطينية)، لهو مسألة بارزة لا زالت تـنـتـظر كي يكون هناك حلاً للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. و هو أيضاً مسألة شائكة بالنسبة للاجئين المقيمين في الدول العربية المجاورة لفلسطين، فهؤلاء يقيمون في كل من الأردن و سوريا و لبنان بناءً على مبدأ أنهم فلسطينيون، و بالتالي،  فهم مشبعين بعوامل مقاومة سياسية و وطنية راسخة كي لا يتم امتصاصهم كمواطنين لهذه الدول، إضافة إلى أن الأوضاع الإجتماعية و الإقتصادية و البطالة الموجودة في تلك الدول تفرض صعوبة إضافية لدمجهم. و عليه، فهم رمزٌ للتناقضات لحالة التـَـكَـيُـس التاريخي لهذا الصراع الذي يعبر عن واقع الشرق الأوسط: فمن جانب واحد، هم يمثلون رمزياً القضية الوطنية العربية-الفلسطينية التي يدافع الجميع عنها، و من الجانب الأخر، فهم يعيشون أوضاع حقيقية من العزلة الإجتماعية و الإقتصادية و من الإحباط السياسي و المدني،  بحيث أن الأمر انتهى بهم ليُـكَـونوا غيتوات إجتماعية و سياسية مريبة بنظر هذه الدول التي يمثل بالنسبة إليها مستقبل الفلسطينيون، أحد شروط تحولها نحو الديموقراطية في إطار دولة القانون. و هنا، مرة أخرى تتجاهل إسرائيل معضلة رئيسية و تلجأ إلى تكتيك الأمر الواقع لنقل مسؤولياتها نحو الدول العربية. و عليه، فنجد حقيقة وجود ملايين اللاجئين الذين يرون أنفسهم على حافةٍ هاوية إجتماعية و وطنية و بدون أمل في المستقبل، إلا أنهم و بنفس الوقت مُـكَونٌ  ديموغرافي  و سياسي هام يؤثر في مستقبل الدول المقيمون بها. 

إن الوضع في لبنان، و هو في هذه الحالة أيضاً يـُشكل صورة أشعة مصغرة لكل التحديات و المشاكل التي تحدد الواقع الحالي في الشرق الأوسط، و حيث قمت في زيارة له قبل بضعة أيام و شاهدت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين هناك و أنا بصحبة مسؤولين من الأونروا، و قد تعرفت على أرض الواقع إلى التعقيدات الضخمة لهذه المسألة. فعلاوة على الخبرة الشخصية الصعبة التي تعنيه مشاهدة العديد من المرات شروط الحياة اللاإنسانية التي من الممكن أن يحيا بها الإنسان لعقود من الزمن، و بدون أن يعني ذلك أي شعور بالقلق من طرف القوى العظمى و من قبل رجال السياسة الدوليـيـن، فاللاجئين الفلسطينيين هم الضحايا و هم جزء من الوضع الصعب الذي يعيشه لبنان. هناك أكثر من 400.000 فلسطيني في لبنان يشكلون تحدياً كبيراً  لـه و لهذا السبب، هناك رفض راديكالي لبقائهم و لدمجهم، و هو ما ينتج عنه الغياب التام للحقوق الصحية و التربوية، و حقوق العمل...الخ. هذا يعني التهميش و العزل في غيتوات، و ما يجب التنبه لـه،  بأن ذلك الوضع قائم منذ عقود. إن عدد سكان لبنان هو ثلاثة ملايين نسمة و معدل البطالة فيه حسب الإحصاءات الرسمية هو 20%. الفلسطينيون هناك يشكلون ألـ 10% من السكان، و هو ما يعني أن هناك سبب اجتماعي-اقتصادي تستخدمه السلطات اللبنانية لعدم السماح للفلسطينيين للحصول، عملياً، على أي نوع من الأعمال، ما عدا تلك الأعمال التي لا تحتاج لمؤهلات و على نطاق محدود. من جانب أخر، فإن المسألة الطائفية هناك لها حجم مضخم و حاضرة  داخل الدائرة العامة و السياسية للبنان، و عليه فإن أي دمج للفلسطينيين هناك سيعني مـدٌ ديموغرافي جوهري للهوية الإسلامية السنية. إضافة إلى ذلك، فهناك تجمعات متوهمة لقطاعات لبنانية هامة تنعت بالفلسطينيين تهمة كونهم من المسؤولين عن جانب من الحرب الأهلية اللبنانية، و يرون و كأنهم حصان طروادة في داخل البلد. نتيجة لذلك فهناك وضع غير قابل للمصالحة،  و هو وجود ما يقارب النصف مليون من المواطنين الفلسطينيين الذين يعيشون بجانب ثلاثة ملايين لبناني في بلد لا يمكنه أن يتقدم بشكل مستقر و ديموقراطي، دون أن يحل مسألة مستقبل هؤلاء المواطنون الذين يـُـخـضِـعـهُـم، متذرعاً بالحجج الإقتصادية و الطائفية و السياسية، إلى التهميش و ينقصً من حقوقهم بشكل ساطع. إلا أن المسألة هي أن كل من لبنان و سوريا والأردن لا يمكنهم حل القضية وحدهم، فهم ضحية لعدم وجود حل دولي لصراع تـتحمل مسئوليته بدرجة أولى دولة إسرائيل. إن سياسة الأمر الواقع قد فرضت عليهم وضعاً يديرونه، دون أن يستطيعوا تجنب ذلك، بشكل سيئ و مفتعلين بنفس الوقت أخطاراً كبرى لنزاعات داخلية، لأن  هذا الجيل الكبير الحجم من الشباب الفلسطيني الذي يقطن مخيمات اللجوء، بحاجة لأن يستعيد الأمل في المستقبل، و إلا، فهم إما يحاولون الهجرة إلى العالم النامي و بأي طريقة، أو أن يتحولوا إلى ممثلين عن الغارقين أكثر و أكثر في بحر الكره و الإحباط.

 * أستاذة جامعية لمادة علم الاجتماع في العالم العربي و الإسلامي في جامعة مـدريـد المستقلة.

عودة