|
الإسلام والدستور |
|
الدكتور متروك الفالح |
|
ينشر موقع صدى فصل من كتاب الدكتور متروك الفالح المصلح السعودي والحقوقي المعروف (الإصلاح الدستوري في السعودية الصادر عن الأهالي والمؤسسة العربية الأوربية للنشر واللجنة العربية لحقوق الإنسان) مع التهنئة له وللدكتور عبد الله الحامد والمحامي عبد الرحمن اللاحم والشاعر علي الدميني والشيخ سعيد بن زعير بشمس الحرية مع أمنيات الحرية لكل المعتقلين السياسيين
**************************************
الدستور : هــو الآليات العصرية المؤسسية للاحتساب على السلطات فيما بينها لإقامــة حــياة مدنية إسلامية عــادلة شوروية من أكثر القضايا ذات الحساسية هي قضية الإصلاحات الدستورية في السعودية, وعلى وجه التحديد، قضية مدى تعارض أم توافق الدستور مع الشريعة الإسلامية "القرآن والسنة". ففي بلد عربي مسلم مثل السعودية بني مجتمعها وسلطانها على ثقافة إسلامية محددة ، تولد لدى عامتها ونخبها السياسية والثقافية والدينية تصوراً. قد يكون متعمداً أو تغطية، خاصة من قبل النخب السياسية والدينية، أو قد يكون جهلاً من عامة الناس ومثقفيهم، بأن دستورنا ودستور البلاد هو "القرآن والسنة" وإن أي حديث عن دستور للبلاد أو المطالبة بالدستور يعني إحلال دستور بديل ينافي "القرآن والسنة"، وبالتالي فإن ذلك يعني في ما يعني إن تلك مفاهيم وأطروحات علمانية، بمعنى أنها تهدف إلى فصل الدين في الأحكام الشرعية عن الحياة العامة، أي خروجاً عن المجتمع وثقافته وعلى الدولة وسلطانها. فهل هذا التصور أو سوء الفهم صحيح أم لا من الناحية الموضوعية لمفهوم الدستور والعلاقة الصحيحة مع الإسلام ؟. بداية نقول إننا بهذا الحديث لا نهدف إلى تقديم تأصيل نظري في الفقه السياسي الإسلامي, وإنما طرح بعض الأفكار للمساهمة في إزالة اللبس في مسألة العلاقة بين الدستور و"القرآن والسنة"، وثانياً نتوجه بشكل أساسي للنخب الدينية, والتي غالباً ما يكون لديها فهم خاطئ عن, التعارض بين الدستور والإسلام "القرآن والسنة", وذلك لنوضح عدم صحة ذلك التصور. وثالثاً سيكون هذا الحديث رداً على النخب الدينية والسياسية، والتي تدرك في تصورها، التعارض ليس صحيحا، وإنما تهدف إلى التدليس على الناس وعامتهم لاستخدام الدين سلاحاً ضد الإصلاح والتقدم ودعاته ، من أجل إبقاء الأوضاع على ما هي، خدمة لمصلحة استمرار نفوذها واستبدادها. بداية، لننطلق من الجانب النظري وبالذات فيما ورد في "القرآن والسنة" ونسأل: هل الإسلام مع الظلم أم ضده ؟. هل الإسلام مع العدل أم ضده وهل الإسلام مع الاستبداد والطغيان أم ضدهما ؟ هل الإسلام مع الحرية أم العبودية "غير العبودية لله " ؟ هل الإسلام مع المساواة وكرامة الإنسان أم ضدهما؟. لعل أهم قضية أرسل الرسل بها لتبليغها للناس والعمل بها هي، إقامة العدل "القسط" قال الله سبحانه وتعالى: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط" (آية 25 من سورة الحديد). ويقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً المؤمنين، ومطالبتهم بإقامة العدل: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الأقربين: فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا" (آية 135 من سورة النساء). ويقول الله تعالى مطالباً الناس "المؤمنين" بالعدل حتى مع الخصوم: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يحرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون" (آية 8 سورة المائدة). القسط بمعنى العدل الوارد في الآيات، ليس المقصود به فقط ما يتعلق بالتقاضي والتخاصم في مسائل الحقوق، وإنما هو إضافة إلى ذلك يشمل إقامة التوازن العادل في كافة المجالات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من مناحي الحياة الروحية والمدنية، في سياق إقامة حياة مدنية إسلامية . نظام مدني اسلامي ينسجم مع الحاضر المتطور انطلاقاً من قاعدة صلاحية الإسلام لكل زمان متوازنة ومستقرة قابلة للتطور والتقدم. وعن الموقف ضد الظلم أو الفسق أو البطر أو الترف وهي أمور تعني غياب العدل وانتشار المفاسد، يقول الله سبحانه وتعالى، رابطاً بين الظلم والهلاك، فيقول: " وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً" (الآية 59 من سورة الكهف). ويقول الله تعالى في نفس الاتجاه: "وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون" ( الآية 59 من سورة القصص ). وعن الربط بين البطر وإهدار المال العام وسوء الإدارة وبالتالي تدهور الحياة، يقول الله سبحانه وتعالى: "ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون" (الآية 112 من سورة النحل). وفي الربط بين الترف والفسق والهلاك يقول الله تعالى :"وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً"(الآية16 من سورة الإسراء). والظلم هنا ليس محصوراً فقط بمسألة الكفر وعدم الإيمان، وهو ما يشمله، وإنما يتجاوز ذلك إلى عدم وجود الحياة الصالحة، وحسن الإدارة، والأعمال الصالحة، بما في ذلك غياب العدل وانتشار المفاسد. لذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد أهلك قوم "لوط" ليس لكفرهم وحده، وإنما لفسادهم الأخلاقي، وتجاوزهم في ممارساتهم الحياتية، الحياة الكريمة الصالحة مع العلاقات الزوجية مع النساء، المستقيمة مع الفطرة, إلى العلاقات الجنسية الشاذة مع الرجال. لذلك يقول الله سبحانه وتعالى: "ولوطاً إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين"( آية 28). "إنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر..."(أية 29). "ولما جاء ت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين" ( الآية 31). "إنا منزلون على أهل هذه القرية رجساً من السماء بما كانوا يفسقون" (الآية 34 والآيات لسورة العنكبوت). وفي الموقف من الطغيان باعتباره مفضياً إلى الفساد والاستعباد، فإن الله أهلك فرعون وقومه لما طغى، فقال الله تعالى مخاطباً موسى أولاً: "اذهب إلى فرعون إنه طغى" (آية 24)، ثم مخاطباً موسى وهارون سوياً "اذهبا إلى فرعون إنه طغى" (43 الآيات من سورة طه). واستعبد فرعون الناس واستبد بهم، واستخف قومه وأطاعوه، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: "ونادى فرعون قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون" (الآية 51 الزخرف). وحيث أن قومه لم ينكروا عليه هذا الزعم وقبلوا بالذل فاستخفهم، فأطاعوه، وفي ذلك يقول الله تعالى: "فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين" (الآية 54). "فلما اسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم جميعاً" (آية 55 الزخرف). وفي الربط أيضاً بين الطغيان المفضي للفساد فالعذاب، يقول الله تعالى في الإشارة إلى أقوام عاد وثمود وفرعون، فيقول سبحانه وتعالى: "الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربكم سوط عذاب". ( 11-13 الآيات من سورة الفجر). وفي التأكيد على المساواة، وإن أصل البشر واحد، مع ملاحظة فكرة التنوع والاختلاف لإقامة العلاقات الاجتماعية، وإن الفروقات بينهم فيما يخص العلاقة مع الله هي في "التقوى" قال الله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" (آية 13 سورة الحجرات). ويقول الله تعالى: "هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ... "(آيه 189 سورة الأعراف). إضافة إلى ذلك فقد أكد القرآن على الكرامة الإنسانية " بني آدم " ، حيث قال تعالى:"ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً" (آية 270 الإسراء). وهذه المساواة، في الأصل بين الناس، لا تلغي فكرة التفاضل والتراتب في الحياة والعلاقات الاجتماعية، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: "أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون "( 32 الزخرف ) . و"السخريا" الواردة هنا لا تعني تحول البعض إلى عبيد وسخره وإنما الفكرة ترتبط بالتفاوت بين الناس في قدراتهم وإمكاناتهم وطبائع نفوسهم وبالتالي احتياجاتهم لبعضهم البعض في تقديم الحاجات والخدمات وتلك مما يؤسس لإقامة حياه مدنيه (دوله) وفي السياق نفسه تفاضل الناس بالرزق، يقول الله سبحانه وتعالى: "والله فضل بعضكم على بعضكم في الرزق...."(71 النحل). والمساواة في الأصل بين البشر، لا تلغي أيضاً التمايز بين الرجال والنساء نتيجة الاختلاف في تكوينهم الفسيولوجي والنفسي ولذلك ترتب عليه اختلاف في بعض الحقوق والواجبات, كما أشار إلى ذلك القرآن في قضايا الإرث والشهادة والطلاق. وفي الحرية، يؤكد القرآن على آفاق واسعة من الاختيار والتصرف، المربوط بالمسؤولية في الثواب والعقاب الدنيوي والأخروي ، بما في ذلك حرية الإيمان وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (99 يونس)، ويقول الله سبحانه وتعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي...." (256 البقرة) ويقول سبحانه وتعالى: "وهديناه النجدين"(10 البلد). وكذلك يقول الله سبحانه وتعالى:" لست عليهم بمسيطر"(آية 22 الغاشية). وفي سياق الحرية بما هي ضد الاستعباد، ومع التحرر من العبودية، في غير الله، فإن الله أرسل موسى عليه السلام إلى فرعون، في جزء من رسالته، بمطالبة فرعون أن يخلي سبيل بني إسرائيل من الإذلال والعبودية والقهر، فقال سبحانه وتعالى: "اذهبا إلى فرعون إنه طغى" (آية 43 من سورة طه) ... "فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم ... " ( آية 47 طه ) . وفي سياق الحرية بما هي التحرر من العبودية والرق فقد تعامل معها القرآن، بالحث على التخلص تدريجياً, باعتبارها كانت ضمن الواقع الاجتماعي في بداية الرسالة. يقول سبحانه وتعالى: "لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم ولا يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن فكفارته.... أو تحرير رقبة.... " (آية 89 المائدة)، ويقول الله تعالى أيضاً: "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطئا ومن قتل مؤمناً خطئا فتحرير رقبة مؤمنة .... فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة... وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ... وتحرير رقبة مؤمنة .... ( الآية 92 سورة النساء ) وفي هذه المعاني للحرية الجسدية والنفسية، كانت مقولة عمر بن الخطاب الشهيرة ، في معرض مساءلة ابن عمرو بن العاص، والذي اشتكاه أحد أقباط مصر إلى الخليفة عمر ، حيث قال " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً". وإذا كانت حرية التعبير لم تذكر مباشرة في القرآن الكريم ، إلا إن حرية الاعتقاد والرأي, آنفة الذكر, وكذلك ما ورد من آيات بالحث على التفكير والتأمل العقلي "أفلا تعقلون"... "أفلا تتفكرون" ... "وكذلك ما ورد في آية "وأمرهم شورى بينهم" (آية 38 سورة الشورى)، تتطلب بيئة لطرح الآراء وتنوعها والحق في قولها للوصول إلى الرأي المجتمع عليه. وفي حديث رسول الله (ص) كما ورد في صحيح مسلم : "من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس"، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : "أفضل الجهاد قول كلمة حق أو( عدل) أمام سلطان جائر," إشارة واضحة إلى الحق والحض على المجاهرة بالرأي وبالحق، وهو ما يرقى إلى أن تصبح حق وحرية الرأي والتعبير واجب طرحه طالما تتعلق بالحقوق. ورغم أن القرآن والسنة اشتمل كل منهما، أيضاً على منظومة من الحقوق والواجبات والقيم في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، لم نشا التطرق لها، مثل قضايا الزكاة والإرث والموقف من العدوان والعلاقة مع الآخر، ومحاربة الفساد المالي والرشوة والتجسس والعلاقة مع الآخر..."، إلا أن التركيز كان على الأسس والقضايا والمبادئ الكبرى لإقامة حياة مدنية إسلامية، وأهمها التشديد على إقامة العدل ومحاربة الظلم والفساد في كافة المجالات والحقوق المادية والمعنوية وكذلك على التركيز على أصل المساواة المنسجمة على مسألة التفاضل والتمايز الطبيعي، وكذلك الحرية في وجه الاستبداد والطغيان بكافة أشكاله ومجالاته وكذلك حرية ومشيئة التصرف بما في ذلك حرية الإيمان وكذلك إبداء الآراء والتشاور حولها. ومع ذلك فإن القرآن والسنة في أغلب الأحيان لم يحدد الآليات والهياكل والإجراءات، باستثناء الشورى، والتي طبقها الرسول صلى الله عليه وسلم، والتزم بها الخلفاء الراشدون والخليفة عمر بن عبد العزيز، لذلك أمكن ضمان العدل إلى حد كبير في أزمانهم، لإقامة الحياة المدنية الإسلامية، لتحقيق تلك المقاصد والمبادئ. إذا ترك القرآن والسنة تلك الآليات، باستثناء الشورى التي لم ترسخ آلياتها بسبب قصر فترة الخلافة الراشدة، والتي تم إقصائها بتجاهلها, أو بتهميشها بالقول بعدم إلزاميتها وذلك من قبل الحكام والسلاطين والأمراء وفقهائهم، بما في ذلك عدم تحديد آلية وكيفية انتقال السلطة "الخلافة" وكذلك لم يتطرق القرآن ولا السنة إلى الأنظمة والأساليب الإدارية والتنظيمية في قضايا الاجتماع والاقتصاد والإدارة والعلاقات فيها . وما دام المبدأ موجوداً, فان ترك وسائله ناتج عن تقصير المسلمين ,على أن هذا الترك وعدم التحديد ، ليس عيباً بذاته ، بل مقصودا هدفه انسجام الإسلام مع متطلبات وتطورات العصور ذلك أنه مما حسب للإسلام بصلاحيته للزمان والمكان ، وذلك بأن ترك للناس الذين هم أعلم بأمور دنياهم كما جاء في الحديث الشريف تقرير تلك الآليات والهياكل والتنظيمات والأنظمة في كافة المجالات لإقامة حياة مدنية إسلامية حسب مقتضيات ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، بحيث يصار إلى إيجاد الوسائل والآليات المناسبة والمتوازية مع تطور الأحوال. كان لدى الفقهاء وعي بأن للحكومة الشرعية شرطان؛ العدل والشورى وهذا ما تحقق في فترة الخلافة الراشدة وإلى حد ما في عهد عمر بن عبد العزيز، والذي وصف بأنه راشد لأنه "عدل وشاور"، هي الاستثناء في الدولة العربية الإسلامية" الخلافة" والتي تم فيها إقامة العدل بسبب أنه ربط بآلية الشورى المرتبطة والنابعة من إرادة المجتمع "المسلمين والأمة" آنذاك خاصة وإن طريقة وآلية تسلم الخليفة الأول أبو بكر رضي الله عنه كانت مسنودة إلى الآلية المؤسسية الشورية وهي "سقيفة بني ساعدة"، تلك المؤسسة والتي للأسف لم تتطور كمؤسسة انتخابية لانتقال السلطة بحيث تعبر عن إرادة شعبية "مجتمع وأمة". مع إقصاء الشورى عن السلطة في قيامها وانتقالها، أصبحت مسألة العدل غير مربوطة بآلية يمكن أن يضمن تحققها في آفاقها. عندما أسست السلطة الوراثية تم إقصاء الشورى فحدث الخلل، الاستبداد على حساب العدل والشورى والحرية. كانت في الدولة الإسلامية، منذ الخلافة الأموية، باستثناء عهد عمر بن عبد العزيز, كما أسلفنا، وهي السبب الأساسي لما شهده التاريخ الإسلامي من توالي ثورات على الاستئثار بالسلطة والثروة والقرار طوال قرون اتسمت بانعدام الاستقرار ونجم عنها تشظي الدولة لدويلات. وحتى وقتنا الحاضر تقريباً، وخاصة في عدد من البلاد العربية ، كانت هناك ثلاثة آليات لإدارة الدولة والعلاقات الاجتماعية بكافة أبعادها. 1) وجود حاكم أو خليفة أو سلطان أو أمير يأمل أن يكون عادلاً ؟ حتى لو كان مستبداً، ومن هنا كان إقصاء الشورى في عملية اختيار وانتقال السلطة وإدارتها. تم حصر السلطة والسياسة في أشخاص بعينهم، وبالتالي إعطائهم الحق دون غيرهم، ومن هنا كانت شمولية السلطة مشفوعة بفكرة ونظرية طاعة "ولي الأمر". وشمولية سلطاته وعدم الفصل بينهم، بررت عن طريق قياس ذلك على حال الخلفاء الراشدين، باعتبار أنهم يجمعون بين سلطة القيادة وسلطة القضاء في أحيان متكررة. ومع ذلك فإن كان صحيحاً بالنسبة لعدد من الخلفاء الراشدين، ومن في صفتهم وهم محدودين على أية حال، فإن نقاء وتقوى ونزاهة أولئك الخلفاء، وقربهم من عهد رسول الله ومن بداية الدولة، وكذلك عدم تعقيداتها في معظم المجالات، فقد مكنهم ذلك الجمع بين السلطات ولكن في نفس الوقت كانوا ملتزمين بآلية الشورى. أما غيرهم، وهو القياس مع الفارق بدرجة كبيرة، فإنهم أولاً لا يتحلون بصفات أولئك الخلفاء ولم يتمسكوا بها، ثانياً، آلية الشورى لتضمن إقامة العدل والحياة المدنية الإسلامية المتوازنة وحيث أن السياسة بقت فقط "الرئاسة" والإمارة, فإن الأمير أصبح هو كل شئ، وأما بقية الناس فليست سوى رعايا لا شأن لها بالسياسة وخاصة في ظل وتبرير ذلك فقهياً, ثم استخدام مفاهيم في سياق فقه التغلب والضرورة بنيت على أحاديث عن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، لتطور أيضاً فكرة وشمولية الحكام والسلاطين والأمراء إلى آخره. في ضوء تلك الخلفية من إقصاء الشورى وبعده المجتمعي إرادة " المجتمع ـ الأمة " والتي كانت نواته المغيبة هي مؤسسة "سقيفة بني ساعدة"، فإن فكرة الصراع والتنافس والتعاون بين الأفراد والجماعات، وكذلك فكرة المساهمة والمشاركة في إدارة الشئون العامة في الدولة الإسلامية، لم تؤخذ على محمل الجد، بل نظر إليها على أنها محاولة لاغتصاب السلطة. من هنا، كانت حالة من عدم الاستقرار في الدول الإسلامية، حيث التصفيات ومحاولة الانتقام والتغلب على السلطة، على حساب آلية, سلمية لإدارة الصراع والتنافس والتعاون على توزيع الموارد و إقامة العدل, وبالتالي على حساب إرادة وسلطة المجتمع والأمة، والتي لم تتطور ولم تتاح لها فرصة التطور رغم وجود بذور إمكاناتها. إذاً، مع إقصاء آلية الشورى المسئولة أو المناط بها, ضبط العدل ومنع الاستبداد ومع استبعاد مركزها الجماعي في الإدارة (الأمة والمجتمع) المتمثل في نواة مؤسسة "سقيفة بني ساعدة" وحصر السلطة بوكلاء الوالي *[1] والذي يجمع السلطات كلها بيده,مبعداً نفسه عن المحاسبة والشمولية الواردة في الحديث الشريف وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته, وأما الشعب والمجتمع فهم الرعية فما عليهم إلا أن يتبعوا ما يريده الراعي"الولي" . تطور الاستبداد وغياب العدل في ظل ثقافة أساسها لم تكن مدنية، جمعت بين البطش والقسوة. من هنا أصبحت الدولة هي السلطان والخليفة والأمير ... الخ ولكنها "الدولة- الفـرد". وللأسف فأن الكتابات الحديثة في الفقه السياسي لم يتغلغل اجتماعيا ولم يتيح لها التطبيق الفعال وكذلك حتى الفكر السياسي العربي الحديث، والمهتم بقضايا الدولة، لم يعط فكرة الدولة والمؤسسات المدنية كثير اهتمام، ولم يتبنها إلا منذ وقت قريب جداً، ولا زال هناك من يفكر بنفس الطريقة القديمة، في تبرير وجود "الدولة ـ الفرد" وكذلك " الفرد ـ البطل" "والمحرر" "العادل ـ المستبد" وغيرها من مسميات تبجيلية خادعة. من هنا فإن ثقافة الحياة المدنية وآليات الدولة المعاصرة باعتبارها مؤسسات وليست أفراداً, أهملت وأغفلت عمداً أو جهلاً بل إن هناك مع الأسف من لا زال يؤصل للاستبداد والطغيان بالتشديد على شمولية سلطة الحاكم في الدولة الإسلامية وعدم الفصل بين السلطات. 2) الآلية الأخرى والتي كانت ولا زالت مستمرة في كثير من البلدان العربية والإسلامية هي وجود "قاض أو قضاة" يتميزون بالنزاهة والأمانة والصدق وعن طريقهم يتم تطبيق العدل وخاصة في نقاط التقاضي والتخاصم بين الناس. كان القاضي أو القضاة في السابق وفي فترات الدولة الإسلامية غير الحديثة، وبتلك المواصفات ولعدم تعقيدات الحياة يمكن أن يحققوا قدراً مقبولاً من العدل ولكن في ظروف الدولة الحديثة وتكاثر سكانها وتنوع وتضارب مصالحها والاحتياجات، فإن هذه الآليات بالتأكيد لن تكون كافية، وستكون قاصرة عن تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية، وخاصة لن تحقق القدر اليسير من العدل. لذلك بدأ أنه مع تزايد الاستبداد لدى "الدولة ـ الفرد"، فإن استقلال القضاة ـ ليس من حيث القضاة أنفسهم فقط وإنما بوجود معايير وآليات تمنع تدخل الحاكم "السلطة التنفيذية" وأجهزتها بشئون القضاة كسلطة قضائية وكمؤسسة. وطبقاً لنظرية ولي الأمر، فإن الحاكم. كما هي مطبقة في بعض من البلاد العربية ومنها السعودية على وجه التحديد، يعتبر هو القاضي الأول وما القضاة إلا وكلاء ينوبون عنه، وبالتالي فإن الحاكم ـ الملك يستطيع في العقوبات التعزيرية رفض الأحكام وطلب تغييرها، هذا فضلاً عن عدم وجود مدونة لأحكام وعقوبات التعزير معروفة وواضحة "محددة وموحدة ومعلنة" 3) آليات الاحتساب على السلطة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" لنبدأ أولاً بأدلة من القرآن والسنة على الاحتساب على السلطة أو السلطات والأمر وبالمعروف أو النهي عن المنكر: أولاً : الأدلة من القرآن الكريم: 1) قال تعالى "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" (104 سورة آل عمران). ويلاحظ في هذه الآية الكريمة أن الأمر لم يقتصر فقط على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على العموم، وإنما قدم لها بالدعوة إلى الخير وتلك يمكن الاستدلال فيها على القيام بكل الأعمال الخيرة بما في ذلك مسألة تقديم الاقتراحات والآراء والأفكار الإصلاحية لخير المجتمع وتقدمه . 2) وقال الله تعالى "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ( 110 آل عمران). ويلاحظ في هذه الآية الكريمة إن القيام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حق متاح لأي فرد في المجتمع وليس فقط كوظيفة لفئة محددة كما هي الآية الأولى. 1) قال الله تعالى "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" (آية 71 التوبة). 2) قال تعالى " فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون" (آية 165 سورة الأعراف). وفي الآية الكريمة فإن الذين ينهون عن السوء فهم أولئك الذين ينكرونه وبالتالي نجاهم الله فسلموا، وأما الذين ظلموا منهم ، فهم أولئك الذين فسقوا "إيماناً أو سلوكاً" وأيضاً الذين سكتوا ولم ينهوا عن الظلم والفسق فعذبوا عذاباً شديداً. ثانياً: الأدلة من السنة على الاحتساب على السلطة "السلطات" الأمـر بالمعروف والنهي عن المنكر: 1) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم .[2] ويلاحظ في هذا الحديث أن حق الإنكار واجب على كل فرد وكل حسب طاقته، ولذلك فإنه بالنسبة "لدعاة الإصلاح الدستوري والمجتمع الأهلي المدني" فإن الوسيلة هي الكلمة والآراء والمقترحات والتعبير عنها "باللسان" لأن ذلك مما يقع في قدرتهم وإمكاناتهم المعرفية والقدرة على التعبير عنها بالرأي كتابة أو خطابة .... الـخ . 2) عن ابن مسعود رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يأمرون، ومن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" رواه مسلم .[3] ويلاحظ في الحديث أعلاه أن الرسول صلى الله عليه وسلم, يجعل من الاحتساب, بكافه وسائله, بما في ذلك الاحتساب عن طريق الكلمة "اللسان", جهادا ومجاهدة. والمقصود من وتعرفون وتنكرون، أي تعرفون أفعالهم الموافقة للشريعة وتنكرون بعضها لمخالفتها لها. وأما المقصود بقول "من رضي وتابع أي من رضي بفعلهم وافقهم عليه فهو العاصي. [4] 3) وعن عدم تناهي بني إسرائيل عن المنكر كما وردت في (الآيات 78ـ 81 .. المائدة)، وإن علمائهم أخذوا يجالسونهم ولا ينكرون عليهم ... قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث عن ابن مسعود رضي الله عنه، محذراً المسلمين أن يكونوا مثل أولئك من بني إسرائيل، "كلا" والله لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه عن الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم رواه داوود والترمزي [5] 4) وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي (ص): "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" رواه الترمذي . [6] 5) عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال، سمعت رسول الله يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعميهم الله بعقاب منه" رواه أبو داوود والترمذي والنسائي [7] والمقصود بأن يأخذوا على يده، أن يمنعوه من الظلم باليد أو باللسان أو بالقلب. [8] في سياق الاحتساب على السلطة، بما هي أمر بالمعروف ونهي عن المنكر, بما في ذلك القيام بالنصيحة والدعوة إلى الخير متوجهاً في تحقيق ذلك إلى السلطة والمجتمع والشعب (الأمة)، وهو ما قد يشمل إلقاء الخطب والمحاضرات والندوات في مختلف المنابر العامة وبما يشمل طرح الآراء والرؤى في قضايا الإصلاح وتوعية الناس في أمورهم ومصالحهم ، فهناك حديث الرسول (ص) يقول فيه : "الدين النصيحة قلنا لمن ؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". [9] وكلمة النصيحة هنا كلمة جامعة ، تعنى بأمور الدين الروحية والمدنية" قولاً وعملاً " وبالنسبة لعامة الناس فالنصيحة تشمل إرشادهم لمصالحهم في دنياهم وآخرتهم، بما في ذلك دفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، والذب عن أموالهم، وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل [10]. والنصيحة بهذا المعنى الواردة بالحديث ، تعني أولاً إنها وهي تتوجه ليس فقط للحكام, وإنما لعامة الناس فإنها لا يمكن أن تكون سرية بل علنية، وحق للناس على من لديهم المعروفة والإمكانية في تقديم النصيحة في أمور حياتهم، ومنها بدرجة أساسية الدفاع عن قضايا العدل ومحاربة الظلم والفساد وما ينتهك حرياتهم وحقوقهم المادية والمعنوية، في كافة المجالات، بما في ذلك المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتوعيتهم لها بكل وسيلة سلمية ممكنة. تلك الأدلة من القرآن والسنة على الاحتساب على السلطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ونود أن نشير إلى أن الاحتساب على السلطة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويركز على الأمر بالمعروف السياسي والنهي عن المنكر السياسي، وأهم أمر بالمعروف السياسي، هو إقامة العدل والأمر به، والدعوة إليه كتابة أو خطابة أو تقديم رؤى، ولتحقيق ذلك، بما في ذلك ما يتعلق بالوسائل والآليات والهياكل والطرق والأساليب السياسية الحديثة لتحقيق ذلك. وأما النهي عن المنكر السياسي فإنه يشمل أيضاً النقد، ومحاربة الفساد والظلم والمظالم والمحسوبية وتبيان ذلك للسلطة وعامة الناس بكل طريقة ووسيلة سلميه ممكنة. ورغم إن الأدلة القرآنية والسنن النبوية الشريفة تقدم تلك الإمكانية للاحتساب على السلطة لصالح الأفراد والجماعة وفي سبيل إقامة حياة إسلامية عادلة شورية، إلا إن الممارسة بهذه الإمكانية كانت أولاً تـتـم فـي: أولاً : إما على شكل فردي يحاذر السلطة. ثانياً : أو على شكل هيئة ولكنها خاضعة للدولة أو السلطان، وبالتالي غير مستقلة وعادة تركز تلك الهيئة على أمور الاحتساب الأخلاقي والآداب والسلوك الإسلامية وهذا أمر هام, كما هو حال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية، ولكنها لم تكن تمارس الاحتساب السياسي "الأمر بالمعروف، الأمر بالعدل والنهي عن المنكر، عن الظلم". بل فوق ذلك فإن تاريخ الدولة الإسلامية في قديمها وحديثها، كما هي حالة السعودية وبعض البلدان العربية، لا تسمح بالاحتساب عليها، من قبل الأفراد من أهل العلم والرأي والخبرة والاختصاص في كافة المجالات, والذين يمتلكون القدرة المعرفية والتحليلية لتقديم الرؤى والمقترحات والإصلاحات، من خلال الهياكل والآليات المحايدة، والتي في حالة تبنيها يمكن أن تساهم في ضمان إقامة العدل ومحاصرة الظلم والفساد وإقامة حياة مدنية إسلامية شورية عادلة. وعادة ما تنظر مثل هذه الدول للاحتساب الفردي عليها بحساسية مفرطة، وغالباً ما تحاول تقييده ومحاصرته واتهام من يقوم به بالتحريض والفتنة، رغم إن أراء بعض الفقهاء تشدد على إن الاحتساب على السلطة في المجال السياسي لا يحتاج إلى إذن وموافقة منها، كما قال في ذلك عديد من الفقهاء كابن تيمية وأبو حامد الغزالي وغيرهم، لأن القيام بالاحتساب حق للفرد والجماعة، بل إنه يتجاوز الحق إلى كونه واجباً لمن لديه قدرة، ولذلك فإن القيام به تجاه الاستبداد والسلطة الجائرة اعتبر على إنه يوازي الجهاد حيث إن في ممارسته "أثمان ومشقة" يمكن للمحتسب والمصلح أن يدفعها بأي لحظة. إذن الاحتساب الفردي غير مسموح به من قبل السلطات والدول، وخاصة في عدد من الدول العربية، وإذا قبلت به فتقبله على مضض وتحاول أن يكون في أضيق الحدود (وغير علني ... سري ... النصيحة والمناصحة سراً)، وذلك للتحكم وإغفال المجتمع وعامتهم، رغم ما لهم من حق على المحتسبين بالنصح لهم وتوعيتهم كما مر بنا في الحديث السابق. وإذا كان الاحتساب على السلطة فردياً وغير مسموح به من تلك الدول، فإنها في المقابل، سوف تشعر بقلق أكبر من الاحتساب الجماعي "المجتمعي- المؤسسي" على السلطة. ولضمان عدم حدوث الاحتساب المجتمعي المؤسسي عليها، قامت معظم الدول العربية, أ كانت تقول أنها تطبيق الشريعة الإسلامية أم لا، ولضمان عدم حدوث الاحتساب المجتمعي المؤسسي عليها، بشكل كبير ومنهجي وخاصة بعضها، بمنع أي إمكانية لقيام تكوينات المجتمع الأهلي المدني "الجمعيات والاتحادات والنقابات" المهنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والسياسية أو بالهيمنة عليها وتحويلها إلى مؤسسات شكليه. وفي حالة قيامها أو وجودها, فإن تلك الدول والسلطات تعمل على عدم فعاليتها الاحتسابية "الامر والنهي عن المنكر" وخاصة في المجال السياسي في قضايا الحقوق والحريات والمصالح والعدالة في كافة مجالاتها، وكل حسب مجاله واهتماماته وتتم عادة عدم الفعاليات لتلك التكوينات الأهلية المجتمعية ، من خلال محاولة تلك الدول السيطرة عليها باختراقها أو التضييق عليها. بموازاة ذلك عملت عديد من الدول العربية، بوعي أو بجهل بتدمير التكوينات الاجتماعية الأهلية التقليدية (الأسر والعشائر والطوائف ... الخ) . نتج عن هذه وتلك نتيجتان متلازمتان: الأولى، من خلال غياب الرقابة والمحاسبة سواء أكانت مؤسساتياً على مستوى تركيب السلطة نفسها "عدم وجود فصل السلطات والرقابة فيما بينها" أم على مستوى الاحتساب الفردي أو المجتمعي المؤسسي، مدعوماً دعماً واضحاً في استقلال القضاء، أصبحنا أمام دول عربية، ومنها من يقول إنها تطبق الإسلام وإن دستورها القرآن والسنة، وفيها الاستبداد "الانفراد بالسلطة" والسلطة المطلقة والاستئثار بها هو السائد المهيمن، فاستشراء الظلم والمظالم، بما في ذلك الفساد المالي والإداري وسيطرة نخب من عائلات متحالفة مع السلطة أفرغت قضايا التنمية وتوزيع الموارد لمصلحتها ونفوذها، وانتهكت الحقوق, والحريات تم مصادرتها, فضاعت الكرامة الإنسانية للمواطنين، وقل الاهتمام بالمصلحة العامة، وتناقص الانتماء والولاء، فأصبحنا أمام دول هشة غير قادرة على مسايرة ومواجهة التحديات الداخلية والمخاطر الخارجية مما يجعلها تعرض مجتمعاتها لأشد احتمالات الخطر إلا وهو التفتيت ومشاريع التقسيم ومشاريع إعادة صياغة خرائط وإخضاع المنطقة بما ينطوي على تلك من مخاطر حقيقية. ثانياً : كان ولا زال اندلاع الصراع الاجتماعي والحرب الأهلية والعنف، في عدد من الدول العربية، نتيجة متلازمة للاستبداد وغياب المشاركة الشعبية تماما مثلما كان في الدولتين الأموية والعباسية، عن طريق إقصاء آلية الشورى الملزمة والمنتخبة دورياً وبتفويض من المجتمع (الأمة)، وبالتالي خلل أو غياب العدل في كافة المناحي والمجالات. ولذلك فإن انخراط أعداد متزايدة من الشباب في العنف، كان نتيجة طبيعية ولربما حتمية للاستبداد السياسي، مع غياب المشاركة وآلياتها، وكذلك عدم وجود أطر وتكوينات مؤسسات المجتمع الأهلية والمدنية، لكي يتيح لهؤلاء الشباب الانخراط فيها والإفصاح عن رغباتهم وآرائهم ورؤاهم ومطالبهم وإمكانية إيجاد أطر تقدم لهم التوجه والقيادة والمشاركة والأمل في حياة أفضل. ولكي نضمن تحقيق العدل والقضاء على الاستبداد، فإننا بحاجة إلى آليات وهياكل وإجراءات تتضمن عناصر أساسية من خلالها يمكن أن نصل إلى انتظار الوسائل المناسبة للتحقيق الأمثل لمقاصد الشريعة الإسلامية والتي لم تعد الوسائل والأدوات السابقة الماضية كافية أو قادرة على تحقيقها وضمان تطبيقها وتلك الوسائل والآليات والهياكل والإجراءات والعناصر التي يمكن أن تحقق لنا العدل وتقضي على الاستبداد وتضمن حقوق الناس وحرياتهم يوفرها ويتضمنها "الدستور". والدستور بهذا المعنى "ليس كفراً ولا إيماناً"، بل هو آليات وهياكل وإجراءات وعناصر محايدة لإقامة حياة مدنية إسلامية ( أو سواها حسب المرجعية)، وهنا المرجعية الإسلامية "القرآن والسنة". وقبل أن ندخل في تفصيل عام عن هياكل وآليات الدستور، نقول إن الدستور يمكن أن يقاس على تنظيمات وأنظمة وآليات وهياكل، تستخدمها الدول للمساعدة في تسيير بعض شئون الحياة، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر نظام المرور. ونظام المرور يتكون من عناصر تتعلق بالقيادة للسيارات ، والإشارة الضوئية التلقائية، وكاميرات المراقبة، وأجهزة رصد السرعات "الرادار" والشبكات الإلكترونية إضافة إلى نظام العقوبات والجزاءات للمخالفات ..... الخ. وفي السعودية، وقبل أكثر من خمسين عام أو حولها، لم يكن هناك نظام مرور، ولا مسارات ولا طرق معبدة ولا رقابة على السير. ومع الوقت أصبحت الحاجة ملحة لاستخدام تلك المنظومة من عناصر نظام المرور، وهذه لم تكن أصلاً موجودة في البلاد العربية أو الإسلامية، وإنما تطورت في الغرب، كنتيجة طبيعة لتطور مجتمعاتها وتقنياتها، بما في ذلك السيارات والآليات والنقل والحاجة إلى تنظيمها. فهل نظام المرور "حرام أم حلال"؟ وهل نظام المرور "إيمان أو كفر"؟ وإذ لم يرد في القرآن والسنة فهل يعني إن أي نظام أو تنظيم حياتي يأتي من تجارب الآخرين والحضارة الإنسانية، يعتبر مخالفاً للقرآن والسنة والدستور؟. والدستور في جوهره آليات وهياكل وإجراءات وعناصر، تضمن العدل، وتقضي على أو تحد من الاستبداد، وصولاً إلى إن الدستور ما هو في النهاية إلا "السلطة المقيدة" "الحكومة المقيدة" (أ والملتزمة) بذلك، من خلال الممارسة وتطبيق تلك الآليات والهياكل، مسنوداَ ذلك بدعم شعبي يصوت عليه، بحيث يكون المجتمع ـ الشعب "الأمة وإرادتها" الأمر باعتبار السلطة للأمة في تحقيق مقاصد الشريعة, فهي أي الأمة المخولة بتقرير مصالحها واتخاذ الوسائل المناسبة لتحقيق مقاصد الشريعة والتي تتجلى من خلال الانتخابات العامة الدورية النزيهة للمواطنين مع ضمان حرية التصويت. والدستور من حيث هو آليات وهياكل وعناصر يتكون ببساطة من العناصر والهياكل الآتية: 1) إقرار الدولة بالحقوق والحريات الأساسية. 2) فصل السلطات وآليات الرقابة والمحاسبة. أ – السلطة التنفيذية ب- السلطة النيابية ( الشورى المنتخبة الملزمة) .ج- السلطة القضائية. 3) ضمان وتعزيز استقلال القضاء "تعزيز استقلال القضاء(السلطة القضائية عن طريق وجود معايير معترف بها دولياً تقبلها الدولة وتأخذ بها). 4) السماح بتكوينات المجتمع الأهلي المدني من جمعيات واتحادات ونقابات بالتشكل والعمل والمحافظة على مصالح المنتمين لها والقيام بحماية الحقوق والحريات والرقابة في الشئون العامة والاحتساب على السلطات وعلى التكوينات الاجتماعية الأخرى. وبدون الدخول في التفاصيل [11]، فإن المهم في تلك الآليات والهياكل هو أن نصل بالفعل إلى "السلطة المقيدة" وذلك عن طريق: 1- آلية فصل السلطات وآلية الرقابة والمحاسبة أو يمكن تسميتها في الإسلام "التراقب والتحاسب المؤسساتي في الإسلام للسلطات على بعضها البعض وفيما بينها". إن كل سلطة من تلك السلطات الثلاث لها اختصاصها وصلاحياتها في أداء وظائفها ومهامها: "السلطة التنفيذية" أو الحكومة، تختص أساساً بالتنفيذ ورسم السياسات العامة وتصريف أمور إدارة الشئون العامة والخارجة عن طريق الأجهزة الحكومية - الوزارات وفروعها، وما تسمى "الإدارة العامة" أو البيروقراطية؛ السلطة النيابية المنتخبة شعبياً ودورياً يتولد لها من تلك الانتخابات التفويض الشعبي ومشروعية ممارسة سلطتها نيابة عن المجتمع ـ الشعب أو الأمة, ومهمة هذه السلطة النيابية هو إصدار القوانين والقرارات وسنها طبقاً لأحكام الدستور ومرجعيته في مصادر الأحكام؛ والسلطة القضائية تقوم بتطبيق الأحكام المنصوص عليها دستورياً والمؤسسة على مرجعيات محددة في مصادر الأحكام، وكذلك بالبث بمشروعية وشرعية القرارات الصادرة من السلطات الأخرى، وذلك عن طريق وجود محكمة دستورية عليا (شرعية)، بالفصل في المنازعات بين الأفراد والأطراف بما يحفظ ويصون الحقوق وعلى قدم المساواة. إضافة إلى ذلك، وهذا هو المهم أيضاً، فإن تلك السلطات ورغم أنها تقوم في أداة وظائف واختصاصات كل في مجالها، إلا أن كل منها، مناط بها، طبقاُ للدستور، القيام بمراقبة عمل السلطات الأخرى وإمكانية التدخل للحد من تجاوز الصلاحيات والمخولة دستورياً وعدم إساءة استخدام السلطة وهذه هي آلية ووظيفة يمكن تسميتها بالتراقب والتحاسب. فالسلطة النيابية "ممثلة للشعب والمجتمع" تراقب أعمال وسياسات الحكومة وتحتاج الحكومة والسلطة التنفيذية إلى إقرار وموافقة السلطة النيابية على كثير من أعمالها؛ فالميزانية العامة للدولة وصرفها تحتاج إلى موافقة من السلطة النيابية ، وكذلك تعيين الوزراء ومسائلتهم عن أعمالهم وأيضاً المصادقة أو رفض توقيع الاتفاقات الدولية وخاصة الأمنية والعسكرية... الخ. والسلطة القضائية عن طريق المحكمة الدستورية العليا الشرعية تراقب أعمال وقرارات كل من السلطات التنفيذية والنيابية، فإذا وجدت أن تلك القرارات تتعارض مع الدستور وأحكامه، بما في ذلك عدم انتهاك حقوق وحريات المواطنين الأساسية فإنها تصدر أحكاماً ملزمة تجاه السلطة المخالفة، بإلغاء تلك القرارات أو القرار. إضافة إلى ذلك، تكون مؤسسات المجتمع الأهلي المدني وتكويناته المختلفة، والتي يضمن الدستور قيامها وعملها واستقلاليتها، بالرقابة المؤسسية المجتمعية على السلطات، وهو ما يمثل "آلية الاحتساب على السلطة" إسلامياً ولكن بطريقة مؤسسية وليست فردية وبكافة المجالات ذات الصلة بالعدل والحقوق والحريات والمصالح الخاصة والعامة وضد الفساد والمظالم ... الخ، وكذلك تقوم مؤسسات المجتمع الأهلي المدني بالاحتساب على بعضها البعض للحفاظ على الحقوق والمصالح والتوازن في سياق المصلحة العامة . هناك عدة نقاط تحتاج إلى توضيح فيما يتعلق بتلك الآليات الدستورية وعدم تناقضها مع القرآن والسنة. الأولى تتعلق بمسألة الحقوق والحريات العامة للمواطنين "حقوق الإنسان" وكذلك بمصادر الأحكام ذات الصلة بالدستور أو بالحقوق أو بعمل السلطة النيابية. فنقول أن المرجعية ذات الأولوية في كل ذلك هي الأحكام القطعية الواردة في القرآن والسنة فيما يتعلق بالحقوق والحريات، ومصادر أحكام الدستور لعمل السلطات. إضافة إلى ذلك فإن الحقوق والحريات الأساسية التي تقرها السلطة النيابية المتصلة بالمواثيق الدولية المنسجمة مع الإسلام وغير المتعارضة تعتبر جزءاً من تلك المنظومة الحقوقية. الثانية: تتعلق بآلية فصل السلطات وخاصة فيما يتعلق بالسلطة النيابية فهذه في بعدها الإسلامي والقرآني وسنة النبي وسيرة الخلفاء الراشدين هي "الشورى الملزمة" والمنتخبة شعبياً ودورياً في المجتمع. وأما من المؤهل لذلك التمثيل "تمثيل الناس والمجتمع" "في تلك السلطة ـ الشورى الملزمة " فهم من يطلق عليهم أهل الحل والعقد من أهل الرأي والخبرة والعلم والاختصاص في كافة المجالات الحياتية بما في ذلك أهل الاختصاص في الشريعة الإسلامية، وأولئك وهؤلاء جميعاً هم من يطلق عليهم القرآن "أولي الأمر" والذي تنطبق عليهم الآية الكريمة التالية قال الله تعالى : "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، ولو لا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً" (الآية 83 من سورة النساء). "أولوا الأمر" في الآية السابقة هم، كما قال بذلك، النووي في شرح صحيح ومسلم، أهل العلم والمعروفة والرأي . [12] ، ويقول بذلك أيضاً الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، حيث يقول "أولي الأمر" المقصود بهم، أهل الرأي والعلم والنصح والرزانة الذين يعرفون الأمور. [13] والثالثة تتعلق بمؤسسات المجتمع الأهلي المدني وهذه تمثل الجمعيات والاتحادات والنقابات في المجالات المهنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية ... الخ . والمهم هنا إن هذه الآلية تسمح للمجتمع والجماعات والأفراد المنتمين لها بالاحتساب على السلطات بطريقة "مؤسسية سلمية ومشروعة"، وفي سياق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الشئون العامة، وما يتصل بالعدل باعتباره من أهم وأولويات الأمر بالمعروف، والنهي عن النظم والفساد باعتباره من أهم أولويات الإنكار السياسي. إذن تصبح هذه الآلية بالاحتساب على السلطة، هي الآلية المؤسسية "المجتمعية" للأفراد والجماعات المنخرطين بها، للقيام بالاحتساب على السلطة، وفيما بين تلك المؤسسات الأهلية المدنية، وبطريقة سلمية دستورية مشروعة ، وبما يحقق أيضاً آليات وأطر اجتماعية بانخراط المواطنين من أبناء المجتمع بما في ذلك الشباب منهم في تلك التكوينات، مما يساهم في الحد من العنف واتجاهاته، مع تكامل ذلك مع الحد من الاستبداد، عن طريق آلية فصل السلطات ودخول المواطن العملية السياسية، وأن يكون جزءاً أساسياً منها وبحق وضمان دستور مصوت عليه شعبياً يؤكد على "إرادة الأمة والمجتمع في تحقيق مصالحه المشروعة في الشريعة" باعتبارها منبـع الولاية و مناط الحكم ومرجعيته، ويشكل أساساً المشاركة الشعبية بآلية الشورى الملزمة (السلطة النيابية المنتخبة). فإذا كان الدستور بهذه الآليات يصل بنا إلى ضمان تحقيق العدالة في آلية الشورى الملزمة، ضمن آليات فصل السلطات والقيام بالرقابة والمحاسبة والتراقب والمحاسبة بين السلطات وعلى بعضها البعض، وضمن آلية استقلال القضاء، وكذلك آلية المجتمع المدني في الاحتساب على السلطات من خلال الأمر بالمعروف والنهي المنكر، ويحد عن طريقها من الاستبداد ويصون الحقوق والحريات العامة، والكرامة الإنسانية، إسناداً إلى مرجعية إسلامية بالأحكام، حيث أن " أحكام الشريعة الإسلامية" تمثل المصادر الأولى وذات الأولوية في التطبيق كلما كان هناك نصوصاً قطعية عليها, فهل الدستور بديل " القرآن والسنة " أم هو التطبيق الأمثل للشريعة الإسلامية وتحقيق مقاصدها؟ في تحقيق وضمان العدل ومنع الاستبداد، وإقامة حياة مدنية إسلامية عادلة، تؤسس لخير المواطن والمواطنين من أبناء المجتمع والأمة، بما يعمل على نموهم وتقدمهم، وإمكانية أن يتنافسوا فعلياً مع الأمم الأخرى في المساهمة في الحضارة الإنسانية، ولربما تقديم نموذج للتقدم والحياة وفي سياق روحي ومدني متوازن. وباختصار نقول إنه لا عدل من دون شورى، ولا شورى من دون إلزام، ولا إلزام من دون محاسبة ومراقبة واحتساب، ولا محاسبة أو مراقبة أو احتساب من دون دستور. الدول والمجتمعات الحديثة أصبحت معقدة في شئونها العامة والخاصة وفي كافة مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية والسكانية والثقافية والقيم والمعتقدات السياسية... الخ ، بحيث تطلب إدارتها على نحو فعال لتحقيق العدل والحياة الصالحة ومقاومة الظلم والفساد وتجلياتها إمكانات وآليات جديدة. والدستور هو الآليات والهياكل الحديثة التي تقدم هذه الإمكانيات. والوسائل القديمة لتحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية ، لم تعد في ضوء مثل هذه التعقيدات كافية أو قادرة على أن تحقق تلك المقاصد . من هنا فإن الحاجة ماسة إلى الاستفادة من الهياكل والآليات الدستورية التي تحقق ما عجزت عنه تلك الوسائل والآليات القديمة. والدستور بمرجعية إسلامية أساسية وتطبيق آلياته يعيد الآلية "الشورى الملزمة"، السلطة النيابية، فاعليتها وروحها في سياق الدستور الإسلامي. وإذا كان الدستور يحقق العدل (القسط) الذي أمر الله الناس ليقوموا به, فأنه يعتبر من الدين, ذلك أن ابن القيم الجوزية في تفسيره للآية (25 من سورة الحديد). يقول "...فأي طريق أستخرج بها العدل والقسط فهي من الدين ليست مخالفه له, فلا يقال إن السياسة العادلة مخالفه لما نطق به الشرع بل موافقة لما جاء به , بل هي جزء من أجزائه " [14] وكما أشرنا سابقا إلى مثال نظام المرور وأهميته في تسيير المسألة المرورية، وما يتعلق بها وأخذه من قبل تجارب وحضارة الآخرين، فإن تجربة الدولة الإسلامية الأولى في أيام الخلافة الراشدة أيضاً قد مرت بتجربة مشابهة، من حيث استيرادها لمفاهيم وآليات "الدواوين" أو ما يمكن تسميته "بنظام الإدارة"، ولم يكن ذلك يمثل تعارضاً مع القرآن والسنة، رغم إنه نظام استخدم من حضارة أخرى وتلك الحضارة كانت كافرة. إن حسن الإدارة والنظم والآليات في حياة مدنية متطورة قد تجعل أمماً كافرة أكثر عدلاً من أمم ودول مسلمة، وكذلك أقدر على مقومات القوة والانتصار وهذا ما نراه هذه الأيام من قبل تلك الدول والأمم، وليس غريباً أن ينصر الله الفئة الكافرة على الفئة المؤمنة نتيجة امتلاك أسباب القوة والإدارة والتعامل مع معطياتها انطلاقاً من ذلك التصور للعلاقة السليمة بين الدستور والإسلام " القرآن والسنة " ثم صياغة خطاب " نداء إلى القيادة والشعب معاً : الإصلاح الدستور أولاً " ، والذي قدم إلى القيادة السعودية بعد منتصف الشهر الأخير من العام 2003 م ، وذلك على بناء صيغة إسلامية وعلى مرجعية إسلامية ولذلك فقد كان من بين الموقعين عليه ، والذين بلغوا إجمالا مائة وستة عشر شخصاً من أبرز النخب المعرفية والثقافية والشرعية والمهنية السعودية ـ أكثر من خمسة وعشرين من أساتذة عقيدة وتربية إسلامية وقضاة ودعاة ومنهم رموز وفعاليات إسلامية معروفة. وتمشياً مع مشروعية الاحتساب على السلطة، في سياق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجال السياسي، فإن دعاة الإصلاح الدستوري السلمي والمجتمع الأهلي المدني قدموا وطرحوا تلك الرؤى الإصلاحية الدستورية للقيادة والشعب انطلاقاً من أنها تمثل دعوة للخير والإصلاح لإقامة حياة مدنية إسلامية شورية عادلة، وعملاً بقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) :"الدين النصيحة قلنا لمن ؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. وهذه دعوة إصلاحية دستورية سلمية وأما تطبيقها وتنفيذها فيعود إلى الفعاليات الاجتماعية وإلى تفهم وإدراك القيادة لاغتنام الفرصة واعتبارها من ضرورات الانتقال إلى حياة مدنية إسلامية شوروية عادلة، تنفي مع قيامها مسببات العنف والاحتقانات واحتمالات الصراع الاجتماعي المفتوح ومشاريع التفتيت والتقسيم أو الإعاقة أو التبعية والاستعباد للبلد والمجتمع والمنطقة عموماً . [1] * ابعد نفسه عن المحاسبة والشمولية الواردة في الحديث الشريف وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، وأما الشعب والمجتمع فهم الرعية فما عليهم إلا أن يتبعوا ما يريده الراعي "الوالي". [2] المصدر " رياض الصالحين .. حققه شعيب الأرناؤوط " بيروت " مؤسسة الرسالة طبعة 3/1422هـ ـ 2001 م ص 93 . [3] المصدر نفسه 93 – 94 [4] المصدر نفسه ص 94 [5] المصدر نفسه ص 95 [6] المصدر نفسه 95 [7] المصدر نفسه ص 97 [8] المصدر نفسه ص97 ، هامش # 1 . [9] صحيح مسلم يشرح النووي " بيروت " : دار ابن حزم ، ط 14231 هـ ـ 2002 م ص 161-163 [10] المصدر نفسه ص 162 [11] للمزيد في التفصيلات أنظر الجزء الخاص بالدستور . [12] عن رأي النووي في ذلك انظر صحيح ومسلم ، بشرح النووي " بيروت " دار بن حزم ط 11 ، 1423هـ 2002 م ص 1427 . [13] وعن رأي الشيخ السعدي أنظر، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ، تيسير الكريم الرحمن في تيسير كلام المنان ، بيروت : مؤسسة الرسالة ط 1 ـ 1423هـ ـ 2002 م [14] العلامة شمس الدين أبي عبد الله ، محمد بن القيم الجوزية ، الطرق الحكمية ، قدم له وشرحه وخرج أحاديثه ، زهير شفيق الكبي (بيروت) : دار إحياء العلوم ط 1 1423هـ / 2002م ص 25 . |