المرأة في مجتمع العراق ... بين عبودية الواجبات و انتهاك الحقوق

 


  د. مروان محل الدليمي  رئيس رابطة الأطباء العراقيين

 كانوا يدرسون على الجثث الموضوعة في مختبر الطب العدلي عندما سأل احد طلاب المرحلة الرابعة في كلية الطب  استاذه عن سبب قطع اليد اليسرى لآحدى الفتيات بعد قتلها , فاجابه : غسلاً للعار.

بهذا الحكم يتم حل مواضيع تدنيس الشرف في مجتمعاتنا حتى و لو كان مبني على الشك دون اليقين القاطع في بعض الأحيان .

لقد شهد تاريخ العراق و على كل المراحل , صراعاً اجتماعياً مريراً بين الحضارة و البداوة , بين المدنية و العشائرية, الى ان حسم و كما هو واضح مع متابعة مجريات الأوضاع الحالية في البلاد , لصالح النظرة العشائرية البدائية و التي تشوبها احداثيات غير مقنعة التفسير و تمتزج معها مفاهيم خاطئة و تحليلات مشوشة لآسس مستمدة من الدين .

كان للمراة في العراق و على مر الأزمنة دور كبير في ادارة مفاصل كثيرة في المجتمع , حيث كانت في الدولة السومرية قائداً للدولة و موجودة في كافة مرافق الحياة العملية و كان لها مكانة و ثقل كبيرين , و لكنها تعرضت لأنتكاسات الفترة الجاهلية الى ان جاء الدين الأسلامي فوازن حقوقها و لكنها تعرضت لأنتكاسة اخرى بعد سقوط بغداد و استمرت في الدولة العثمانيةً.

ان انشاء الدولة العراقية الحديثة في مطلع عشرينات القرن الماضي و سيادة جو سياسي ليبرالي ضمن الحد الأدنى من حقوق المرأة في مجتمع مدني , اعطى زخماً هائلاً و اندفاع لم يتوقف مع كل المحاولات التي كانت تريد تقليص دورها و حقوقها و لحد الآن .

مناظر كثيرة و مشاهدات خاطفة تشخص النظرة المتدنية و التي تنبع من قناعات متراكمة و راسخة لدى المجتمع الذكوري .. حيث تجبر المرأة على الزواج من شخص لا ترغبه و تتخذ قراراتها المصيرية دون اخذ رأيها في احيان كثيرة بضمنها ارغامها على ترك التعليم. اغلب بيوت العراق و حتى في مدنه الرئيسية لها تقاليد و عادات و قيم غريبة ,اذ لا تأكل المراة قبل ان يكمل الرجل طعامه , ليس لها الحق في ابداء رأي في مجتمع الرجال .. حتى ان رؤية رجل  يتقدم زوجته بأمتار و هو يمشي يكاد يكون من المناظر المألوفة .

هذه النظرة المتدنية للمراة و هذا التعامل البدائي و المتخلف مع حقها في الحياة على قدم المساواة مع الرجل له تجذر عميق يمتد الى فترات ليست بالقريبة و نابعة من حالة تراكمية لأرث تاريخي شاذ . هذه النتيجة المرة في مجتمع غير ناضج تحتاج الى آليات كثيرة و اعادة صياغة كاملة لمفاهيم خاطئة و معكوسة و تحتاج الى تحول مجتمعي كبير و هائل , و بناء ثقافة جديدة ناتجة  من مؤسسات بديلة لمؤسسة العشيرة و انضاج الفكر المبني على الأسس المدنية الحديثة .

نحتاج الى خلق و تفعيل مؤسسات لحقوق الأنسان لتشخيص الأنتهاكات ضد حقوق الأنسان و بضمنها حقوق المرأة في المجتمع و ابراز هذه الأنتهاكات على جميع الأصعدة لتكوين رأي عام قادر على الأسهام في بناء هذه الثقافة .

ان الضمان الكامل لحقوق المرأة  يجب ان يوثق دستورياً وعلى وفق كل المعاهدات و الأتفاقيات الدولية بما فيها اتفاقيات جنيف بشأن الحقوق السياسية للمرأة واتفاقية انهاء كل اشكال التمييز ضد المرأة و اتفاقية حقوق المرأة و الطفل .

عودة