|
تيسير علّوني يصارع الثيران!! |
|
مخلص برزق |
|
بسم الله الرحمن الرحيم في آخر عمل إعلامي مصوّر لـه، سلّط تيسير علوني الأضواء على ما يمكن اعتباره وصمة العار ومعلم التخلف ورمز الهمجية والبدائية والوحشية.. وقل ما شئت عن قوم أباحوا لأنفسهم التلذذ بمنظر الدماء التي تسيل في حلبة تشبه إلى حد كبير مثيلات لها أقامها الرومان سابقاً ليطلقوا لساديّتهم العنان برؤية دماء المصارعين مفتولي العضلات وهم يواجهون بعضهم البعض في جولات دموية لا تسمح إلا ببقاء واحد فقط على قيد الحياة، أو تلك التي يتم فيها إطلاق أسد يتضور جوعاً على المحكوم عليه بالإعدام.. كان ذلك في أزمان التخلف والبدائية.. لكنها هذه المرة في إحدى دول الاتحاد الأوروبي التي تصنف كعالم أول – فيما يصنفوننا عالماً ثالثاً- وفي زمن التحضر والتمدن والرقي الذي يفترض فيه مراعاة شعور البهائم العجماوات فضلاً عن بني البشر على اختلاف ألوانهم وسلالاتهم. دخل علوني عش الدبابير بإثارته لموضوع لا يسر الأسبان عرضه على الملأ لما فيه من فضح لممارسات لا إنسانية تعد جزءاً من التراث أو الفولوكلور الذي يرفض المنتفعون من استمراره والمستفيدون من بقائه حتى التفكير بإيقافه والكف عنه.. بل وتنأى كافة الأحزاب السياسية الإسبانية عن الحديث عنه خوفاً من عواقب ذلك. فخلال نصف ساعة فقط حشد علوني ما يكفي من الصور والمشاهد المثيرة للتقزز عن مصارعة الثيران في إسبانيا حتى إن المشاهد لا يملك إلا أن يتعاطف مع الثيران المغلوبة على أمرها في الوقت الذي لا يستطيع دفع شعور غامر بالشماتة لدى إصابة المصارع المتعجرف بقرون الثور المسكين. ومع أنني لا أجزم بأن قيام السلطات الإسبانية باعتقال تيسير علوني جاء على خلفية معاقبته على جرأته في تناول موضوع حساس جداً يعتبره بعض المتنفذين هناك خطاً أحمر لا يسمح بتجاوزه، إلا أن ذلك لا يمنع أن يكون أحد الأسباب التي زادت من حماسة الجهات الأمنية المعنية بملفه للتسريع بتنفيذ الأوامر العليا التي صدرت من وراء المحيطات والتي أشارت إليها "فاطمة الزهراء" زوجة علوني في مقال لها حول ظروف اعتقال زوجها وملابسات ذلك.. زجّوا به في سجن انفرادي معتم لايقي حرّاً ولا قرّا، وحرموه من الرعاية الطبية اللازمة، وكأني بهم قد تقمصوا شخصية مصارعي الثيران فظنوه ثوراً أصيلاً من سلالة برافو العريقة فوضعوه في ما يشبه تلك الغرف المظلمة التي يبقى فيها الثور فترة من الزمن تسبق إخراجه للحلبة التي يواجه فيها مصيره المحتوم.. غاب عنهم أن فعلهم ذلك انعكس عليهم فغرقوا هم في ظلمات غيهم وبغيهم وظلمهم حتى غدوا هم أنفسهم كالثيران المحشورة بين جدران الأقبية المظلمة التي تقبع أسفل حلبات المصارعة.. أما هو فلم يزده الاعتقال إلا شموخاً فغدا فارس الكلمة الصادقة والمصارع الذي لا يبزّ بعدما صرع بسيف الكلمة الصادقة ثيران الكذب والتضليل التي أطلقها الرئيس الأميركي ووسائل إعلامه في الحلبة الأفغانية والحلبة العراقية. ظنوا أنه سيترنح تحت وطأة السهام التي وجهوها نحوه باتهامه بتهم عديدة ما أنزل الله بها من سلطان فتارة حاولوا وصمه بالإرهاب وتارة زعموا أنه عضو في القاعدة وأنه من رجال بن لادن وتارة جعلوه خطراً على الأمن القومي الإسباني ثم هو عضو في جماعة الإخوان المسلمين!! تكسرت تلك السهام على صخرة الحقيقة بأن تيسير علوني لم يرتكب "جرماً" سوى أنه وقف في وجه آلة الكذب الأميركية وقام بما لم تقم به جيوش جرارة في عالمنا العربي والإسلامي. وكان طبيعياً أن تتحول حزمة الاتهامات المتهافتة تلك إلى حراب حادة سددها علوني وبقوة لسمعة القضاء الإسباني وأجهزته الأمنية حتى أصبحنا نرى ونلمس ذلك جلياً واضحاً من خلال حجم التعاطف المتزايد على كافة الأصعدة وفي أكثر من موقع ومحفل، ما يشكل نزيفاً مستمراً لدى الإسبان مثلهم في ذلك مثل الثور الذي تتكاثر عليه المناخس (السهام) المغروسة في ظهره حتى لا يبقى أمامه إلا تلقي الطعنة الأخيرة بسيف المصارع.. والمصارع هنا ليس إلا عملاق الجزيرة تيسير علوني!! |