من تيسير علوني إلى سامي الحاج .. القضية واحدة


د. أحمد بلوافي

وأخيراً أصدرت المحكمة الوطنية الإسبانية حكمها في حق مراسل الجزيرة السابق الأستاذ تيسير علوني، يوم الإثنين 26/09، حكماً يقضي بسجنه سبع سنوات مع غرامة مالية، و تجريده من بعض حقوقه المدنية خلال مدة قضائه الفترة المحددة، وذلك بتهمة التعاون مع خلية إرهابية بعد تبرئته من تهمة الانتماء لتنظيم القاعدة. وقد صدر هذا الحكم في إطار أحكام شملت 24 آخرين بتهمة الانتماء لتنظيم القاعدة في القضية التي عرفت باسم خلية القاعدة في إسبانيا.

لقد صدر الحكم بعد مشاكسات، ومماحكات سيق فيها من التبريرات في كل طور من أطوار القضية ما يذكرنا بما يحدث في محاكم البلاد الشمولية التي تغولت فيها صلاحيات الجهاز التنفيذي على حساب تخصصات واستقلالية باقي السلطات، مما يسمح لها بتطويع الجميع ليكون خاضعاً لأهوائها ورغباتها.

نسجل هذا والوضع لما يصل بعد إلى ذاك المستوى، لكن البوادر والقوانين المسنونة والمقترحة،  تشير إلى أن رياح التغيير التي تشهدها البلاد "الحرة" بعد أحداث 11/09، و11/03، و07/07، تلتقي محصلته النهائية مع ذلكم الوضع الكالح الذي طالما انتهكت فيه حقوق الإنسان في أبشع صورها، وأهدرت فيه كرامته، وصودرت براءته بناء على الظن المبيت!!، أو على ما يستل من شهادات في مراكز الاستنطاق التي يشيب من هول ما يجري فيها الولدان، أوعلى الوشايات الكاذبة التي يعرض فيها أصحاب الذمم الرخيصة خدماتهم بأبخس الأثمان، وانضاف إلى ذلك بعد هذه الأحداث الاعتماد على الأدلة السرية التي يحتفظ بها الادعاء، ويحال بينها وبين هيئة الدفاع بحجة "الأمن القومي للبلد".

فمعاناة علوني بدأت أيام تغطيته الشجاعة والمتميزة لحرب أمريكا على أفغانستان، وتجلى ذلك الأمر في نقل صورة لما يجري من وقائع لتلك الحرب مغايرة للتي كانت تروج لها الآلة الأمريكية الضخمة، والتي تريد للجمهور في أمريكا وغيرها أن يراها ويقبلها دون سواها. هناك ابتدأت فصول هذه المحنة، ومعها دخلت "الجزيرة" معركة "الحرب على الإرهاب"، ووجدت نفسها وجهاً لوجه مع إدارة البيت الأبيض التي كالت لها تهماً عدة، ووصفتها بألقاب ونعوت على لسان أكبر مسئوليها من أمثال رامسفيلد وغيره؛ فتارة تتهم بالترويج للقاعدة، وأخرى تتهم بعدم الدقة في نقل الأخبار، وأخرى بالمبالغة في التحليل والتهويل في نقل الفظائع المرتكبة مما يساهم في تأجيج المشاعر ضد أمريكا في البلاد العربية والإسلامية. وقد نوقش فوق ذلك أمرها على أعلى المستويات بين قطر وأمريكا.

تلك كانت البداية لمعاناة علوني لتنتهي فصولها الحالية وأطوارها السابقة في مدريد أين تعرض لمضايقات ومعاملات لا إنسانية شتى، كما شهد بذلك العديد من المراقبين الحقوقيين والجمعيات التي ساندت علوني في محنته هذه، ومن الأدلة على ذلك سير تطورات القضية وفصولها ثم التهم التي وجهت له. ففي البداية تم إيقافه على أساس الانتماء لتنظيم القاعدة، ولما لم يثبت أمرها انتهى الاتهام إلى "التعاطف مع منظمة إرهابية؟"، وما ندري ما هي حدود التعاطف الذي يجرم عليه القانون الإسباني في هذا المضمار؟ وما هي الأدلة التي اعتمدت لاستصدار مثل هذا الحكم القاسي الذي لا يقارن بحال بما صدر في حق المجندة الأمريكية، انجلاند، التي تناقل العالم أجمع الصور البشعة والممارسات المشينة التي كانت تقوم بها رفقة عشيقها في حق السجناء العراقيين؟ أم أن في الأمر حيثيات أخرى وأطراف "كبرى" أرادت أن يكون الحكم بهذه القوة لتوجيه رسالة لا لبس فيها ولا غموض لكل من تسول له نفسه أن يقترب مما قام به علوني؟!!

وما قيل عن هذه المأساة التي يتعرض لها علوني يجري أمره على المصور السوداني، سامي محي الدين الحاج، الذي كان يعمل مصوراً لقناة الجزيرة في أفغانستان، والذي تم اعتقاله في ديسمبر عام 2001 على الحدود الباكستانية – الأفغانية، ثم اقتياده إلى محتشد جوانتناموا الشهير.  فقد ذكرت صحيفة "الجارديان" البريطانية في عددها الصادر بتاريخ 26/9 أن سامي الحاج نقل عن المحققين الأمريكيين قولهم: "إذا أنت عملت معنا فسوف نقدم لك تدريبًا صحفيًّا، وسنمنحك تأشيرة لتعيش في أي مكان ترغب فيه، وستحصل على الجنسية الأمريكية. سنحميك ونعطيك أموالا. سنساعدك في أن تكتب كتابا وسننشره لك. هذا سيساعد أعضاء القاعدة على الاتصال بك والعمل معك".

ونقلا عن وثائق حصلت عليها الصحيفة من "كليف ستافورد سميث" محامي سامي الحاج، قالت الجارديان :"إن الجيش الأمريكي وجّه تهديدا لأسرة الحاج إذا وافق على أن يطلق سراحه، ورفض التجسس بعد ذلك على قناة الجزيرة".

وقال الحاج :"إنه تم استجوابه أكثر من 100 مرة، لكن المحققين لم يوجهوا إليه تهما بالإرهاب. وبدلا من ذلك ... إن أحد المحققين الأمريكيين زعم في أثناء التحقيقات أن الجزيرة تم اختراقها من قبل تنظيم القاعدة، كما أن أحد المذيعين بها على علاقة بالإسلاميين".

واستناداً لذات الوثائق قال الحاج :"إن المحققين سألوه عن مذيع الجزيرة أحمد منصور الذي يقدم أكثر من برنامج في القناة، وخصص حلقة في أحد برامجه لبحث قضية الحاج".

ولم يقتصر التحقيق على الجيش الأمريكي؛ فقد أشار الحاج إلى أن محققين بريطانيين قاموا أيضا باستجوابه خمس مرات، وطلبوا منه التجسس لصالحهم أيضا.

إننا أمام فصول درامية رهيبة تصلح لأن تكون سيناريوهات أو مادة خصبة ومثيرة لإعداد تحقيقات تلفزيونية أو إخراج برامج وثائقية على شاكلة ما أعده المخرج البريطاني، مايكل كيرتس، في برنامجه الشهير "Power of Nightmares"، أو "سلطان الخوف" كما نقلته بعض الفضائيات العربية، أو في شكل فيلم على منوال ما أعده المخرج الأمركي الشهير مايكل مور في "فرنهايت 9/11، Fernheight 9/11"، محور هذه البرامج إذا كتب لها النور هو معاناة الأحرار، من صحفيين وغيرهم، في مجال الإعلام الذين رفضوا أن يكونوا مجرد بيادق أو ببغاوات تردد ما يلقى إليها من مواد أو أخبار من هذه الجهة أو تلك دون تمحيص أو تحر لتمييز الغث من الثمين، والذي يجب أن يصل إلى الجماهير لتطلع عليه ثم تحدد الموقف منه بناء على مصادر حرة تحترم عقلها، وتراعي أخلاقيات المهنة التي ندبت نفسها لها.                                                                                                                                                     

نعم تلك هي القضية البارزة وذاك هو الدرس الجلي الذي يستخلص من هذه المحاكمة أو الاعتقال وأضرابهما مما يتعرض أو سيتعرض له الأشخاص الذين يرون فيما يجري في العالم من ممارسات تحت دعاوى "محاربة الإرهاب" سيقضي على معلم بارز، ألا وهو حرية الكلمة والتعبير، الذي كانت تتبجح به الدول "الحرة" وتتباهى به كأحد الوسائل المهمة التي ساهمت في تقدمها ورقي شعوبها، بل وتحاسب عليه غيرها في ما مضى من أزمان. وقد سجلت جمعيات حقوق الإنسان وبعض وكالات الأنباء العالمية موقفها في هذا المضمار وأشارت إلى أن معالجة "الإرهاب" من الزاوية الأمنية الصرفة من شأنه أن يفضي إلى ممارسات وانتهاكات لحقوق الإنسان مشينة، يصبح أمر إتيانها لا يثير النكير على الأنظمة التي اعتادت على سياسة شعوبها بمثل هذه الأساليب الفجة. فما دام الجميع يتحجج بذريعة "مكافحة الإرهاب"، و"الحفاظ على الأمن القومي"، فلكل مفهومه الخاص بالإرهاب، ولكل أمنه القومي الذي لا يحق للغير التدخل فيه.

وفي آخر إشارة لاستفحال هذه الظاهرة وعدم وضع حد لها ما نقلته وكالة رويترز للأنباء يوم الأربعاء (28/09) من أن سلوك القوات الأمريكية في العراق، بما في ذلك الاعتقالات المتزايدة للصحافيين وحوادث إطلاق النار عليهم تمنع وصول تغطية كاملة للحرب للرأي العام الأمريكي. وقالت رويترز في رسالة بعث بها ديفيد شليسنجر مدير التحرير العالمي للوكالة إلى السناتور الجمهوري من فرجينيا جون وارنر رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ أن القوات الأمريكية تحد من قدرة الصحافيين المستقلين على العمل. وأشار شليسنجر إلى قائمة طويلة من الحوادث المثيرة للقلق تعرض فيها صحافيون محترفون للقتل و/أو الاحتجار دون وجه حق و/أو تعرضوا لإساءة معاملة بطريقة غير مشروعة على أيدي جنود أمريكيين في العراق. كما حث وارنر على أن يطالب رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي، بحل هذه القضايا على نحو يقيم توازنا بشكل أفضل بين المصالح الأمنية المشروعة للقوات الأمريكية في العراق وحقوق الصحافيين المشروعة أيضا في مناطق الحرب بموجب القانون الدولي.

وأضافت الرسالة أن القوات الأمريكية بتقييدها قدرة وسائل الإعلام على تغطية أحداث العراق تغطية كاملة ومستقلة تحول بصورة غير مناسبة دون حصول المواطنين الأمريكيين على المعلومات ... وتقوض نفس الحريات التي تقول الولايات المتحدة إنها تسعي لتعزيزها .

وقال شليسنجر أن الجيش الأمريكي رفض إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في مقتل صحافيي رويترز واعتمد بدلا من ذلك على استجواب قام به ضباط من الوحدات المسئولة برئت فيها ساحة الجنود. كما تقاعس الجيش الأمريكي عن تنفيذ توصيات نتيجة تحقيقه في مقتل واحد من صحافيي رويترز هو المصور الفلسطيني مازن دعنا الحاصل على جائزة، والذي قتل بالرصاص بينما كان يصور فيلما أمام سجن أبو غريب في آب (أغسطس) 2003. وقال شليسنجر إن رويترز وغيرها من وكالات الأنباء العالمية حسنة السمعة تشعر بقلق لكبر عدد الصحافيين الذين تحتجزهم القوات الأمريكية ولسرعة تزايده.

وأضاف أن الدافع وراء معظم هذه الاعتقالات نشاط صحافي مشروع مثل امتلاك صور وأشرطة فيديو لمسلحين اعتبر الجنود الأمريكيون أنها تظهر تعاطفا واضحا مع الهجمات المسلحة. وفي معظم الحالات احتجز الصحافيون لفترات طويلة في سجن أبو غريب أو في سجون معسكر بوكا قبل إطلاق سراحهم دون توجيه اتهامات. وهناك أربعة صحافيين عاملين لحساب وسائل إعلام دولية محتجزون في الوقت الحإلى في العراق دون توجيه اتهامات لهم ودون تمثيل قانوني في العراق. ومن بينهم مصوران يعملان مع رويترز وصحافي حر يعمل أحيانا مع الوكالة. وهناك مصور يعمل مع شبكة تلفزيون سي.بي.اس. الأمريكية محتجز منذ نيسان (أبريل) الماضي رغم أن محكمة عراقية تقول أن قضيته لا تبرر محاكمته.

ومن المعلوم أن هذه الممارسات خلفت ما لا يقل عن 66 قتيلاً من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام معظمهم عراقيون في حرب العراق منذ آذار (مارس) 2003. وتقر القوات الأمريكية بقتل ثلاثة من صحافيي رويترز أحدثهم وليد خالد فني الصوت الذي قتله جنود أمريكيون بالرصاص في 28 آب (أغسطس) بينما كان في مهمة صحافية في بغداد. وتعتقد رويترز أن صحافيا رابعا كان يعمل بالوكالة لقي حتفه في الرمادي في العام الماضي قتل على يد قناص أمريكي. وكتب شليسنجر أن الوضع الذي يزداد سوءاً للصحافيين المحترفين في العراق يحد مباشرة من قدرات الصحافيين على أداء مهامهم والأهم أن له تأثير مثبط على وسائل الإعلام ككل.

هذا هو وضع تلك الأحكام التي صدرت في حق علوني في سياق تطورات فصولها، وتلك هي إحدى ضحايا وآثار الحرب المشرعة على ما ينعت اليوم بالإرهاب، و لا أخال أن الأمر سيتوقف عند هذا الحد، بل القرائن والمؤشرات في شكل قوانين وأنظمة والتي ستصدرها كثير من الدول أو تعمد إلى تطبيق الموجود منها بشكل صارم تصب في خانة رؤوية ممارسات مثل هذه أو قريب منها.

_________________         

عن موقع مركز الدراسات الإسلامية

عودة