علوني أمام القضاء |
|
إعداد اللجنة الدولية للدفاع عن تيسير علوني |
|
تعرض تيسير علوني، الذي يحمل الجنسيتين السورية والإسبانية، لملاحقة قضائية في مدريد على خلفية ما سمي بخلية القاعدة السورية الإسبانية. إذن بدأت القضية في الإعلام بالحديث عن الانتماء والترويج لتنظيم القاعدة، ثم تغيرت التهمة إلى الانتماء لحركة الإخوان المسلمين. ثم سحبت هذه التهمة سريعا مع تغيير بالتزار غارثون ومغادرته قضاء الإرهاب إلى تهمة التعاون مع القاعدة على أساس حمل مبلغ من المال يقارب 4000 أورو، ثم جرى التركيز على المقابلة التي أجراها تيسير مع بن لادن. في كل مرة كان المحامون ونشطاء حقوق الإنسان يفندون التهمة الموجهة تلد تهمة جديدة ويجري التخلي عن السابقة. وبعد أن قال المدعي العام في المحكمة الوطنية بأنه يدين علوني، لأنه في الشريط المسجل كان يجلس مع بن لادن كمن يجلس مع مرؤوسه، عاد عن ذلك ورست القضية على أداء تيسير لخدمات للسيد مصطفى ست مريم مقابل تسهيل مقابلة مع بن لادن. إلا أن تبيان أن ست مريم منشق عن ابن لادن ومعاد لخطه منذ 15 عاما أحرج المحكمة. فقر قرارها على تعاون مع إرهابيين وليس مع القاعدة مقابل خدمة قدمها له. لكن من حيث المبدأ، في القانون الدولي والتزامات إسبانيا الأوربية والعديد من القرارات القضائية الإسبانية بما فيها ما هو صادر عن المحكمة الدستورية العليا، تستعمل الصحافة أثناء البحث والتقصي وسائل التغلغل. مثل القيام ببعض الخدمات الشرعية الصغيرة بشرط أن لا تكون هذه الخدمات في حد ذاتها جنحا من جهة. ومن جهة أخرى لا تربطها أي صلة مباشرة أو غير مباشرة بارتكاب جريمة ما أو تسهيلها. ولا يمكن القول أن خدمة لزوجة إرهابي جريمة أمام القانون. أما حرية تنقل الأخبار والأفكار فتعتبر شرط الديمقراطية الأساسي المكرّس في المادة 19 من الإعلان العالمي والعهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. لكل ما سبق، ووفقا لتقرير 12 خبيرا دوليا تابعوا المحكمة بتكليف من اللجنة العربية لحقوق الإنسان، نجد أن المحاكمة قد اتخذت طابعا سياسيا منذ اليوم الأول بدلا من الطابع القضائي، وأن القوانين الاستثنائية تحكمت بالمناخ الذي ساد جو المحكمة وبقراراتها. كما وغلّب القضاة الأهداف الأمنية على أحكام العدالة، بالرغم من عدم وجود خطر عام محدق أو ظروف استثنائية يمكن أن تبرر انتهاكات حقوق الإنسان هذه. انتهاكات واضحة لشروط محاكمة عادلة، للحق في البراءة حتى إثبات التهمة، ولمبدأ المساواة في الحقوق بين الحق العام في المتابعة وحق الدفاع. وكلها حقوق ثابتة لا يمكن التغاضي عنها. تحديد الاختراقات بداعي الإرهاب تبقى مبهمة وغامضة، على صورة المادة 576 من القانون الجنائي الاسباني التي أسست عليها محاكمة تيسير علوني. فوق ذلك ذهب القضاة لتبني قراءة فضفاضة للقانون الجنائي لا تتوافق مع مبدأ القراءة الضيقة. الإجراءات المتخذة وتحركات الشرطة سمحت بالتعدي على الحياة الشخصية، كما ولا تستجيب لمتطلبات وضمانات دولة القانون. بما في ذلك التعرف الدقيق على موضوع الدعوى وهو الحركات الإسلامية المسلحة التي لم يطلب خبير واحد ينير المحكمة (التي طلب رئيسها استيضاحات تدل على جهل كامل بالإسلام). إن حق اتخاذ محامي دفاع يختاره المتهم من لحظة توقيفه وحقه بمترجم قد انتهكت منذ اللحظة الأولى للتوقيف، وفيما بعد خلال إعداد الملف. كذلك انتهاك حقه بالتواصل مع عائلته ومع طبيبه المعالج، بدعوى السرية التي تطغى على الإجراءات القضائية بخصوص المتهمين (causa secreta). لقد حرم من حق التواصل مع محاميه والحصول على نصائحه بشكل يضمن حميمية العلاقة مع الدفاع دون رقابة أو تدخل. كما ولم يتوفر للمحامين الاطلاع على وثائق ملفه على الأقل في بداية تكوين الملف (incommunicado). المدعي العام والمدعى عليه لم يكن لهما خلال الإجراءات القضائية نفس الحقوق، كما ولم يعاملهم القضاة بشكل متساو. النائب العام الذي يفترض فيه خدمة الصالح العام، عليه واجب التجرد في خدمتها، والتقيد بمبدأ البراءة حتى إثبات التهمة والطابع القانوني للبراهين. وإن كان بإمكان الإدعاء إعلام الجمهور بسير التحريات القضائية ضد مشتبه به، فليس من حقه بأي حال إبداء الرأي بذنب محتمل قبل صدور الحكم. لكن هذا ما جرى بشكل عادي في اسبانيا، حيث أصدرت الصحف حكمها منذ اليوم الأول للقضية. والظاهر أن الجهاز القضائي هو الممول بالمعلومات من جانب واحد. لقد جرى تهريب المعلومات حول الاتهامات التي ستصدر ومن قبل القضاة قبل صدور الحكم، في حين أن المحامين كانوا يتجنبون الظهور للصحافة. في ذلك ما يعطي صورة أحادية الجانب للدعاوى الموكلة للقضاء. وإذ تعذر تغيير سلوكيات النيابة العامة من واجب المحامين وجمعياتهم أن يخرجوا للرأي العام لإطلاعه على اختراقات معايير القانون الدولي. كما وأن عليهم أن يحملوا هذا النقاش إلى المحافل الدولية لحقوق الإنسان. كون مفهوم جريمة الإرهاب واسع جدا في قانون العقوبات الاسباني، فقد أثر ذلك في قرار المحكمة العليا في تثبيتها أحكام المحكمة الوطنية. ذلك خلافا لما اعتادته منذ أكثر من عشرين عاما، حيث كانت تخفف الأحكام الصادرة عن هذه المحكمة الإستثنائية الطابع أو تلغيها أو تعيد المحاكمة. ومن المؤكد من النقاش بين المراقبين والمدعي العام أن المحكمة لم تطلع جيدا على ملف الدعوى، وكأن الحكم غير قابل للنقاش. إننا نتمنى أن تكون المحكمة الدستورية الإسبانية أكثر جدارة باسمها حتى لا تحال القضية إلى المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان. |