قضية علوني في كلمات


 إعداد اللجنة الدولية للدفاع عن تيسير علوني

 في سنة 1999 اتفقت كل منCNN  و BBC  و الجزيرة على التفاوض مع المسئولين في أفغانستان حول إرسال مراسلين إلى المنطقة. وقد تمكنت قناة CNN من الحصول على ترخيص عمل. لكنها، على عكس الجزيرة، لم تجد من الملائم آنذاك استغلاله. خصوصا وأن كل حالة نزاع مسلح أو عنيف تشكل بالنسبة إلى وسائل الإعلام المحترفة تحديات يصعب، إن لم نقل يستحيل في بعض الظروف، تجاوزها، مع أن الإعلام الحر ضروري في السلم والحرب.

كانت الجزيرة تهدف إلى إعلام 50 مليون مشاهد بما يجري في أفغانستان. لكنها مطالبة، في سبيل ذلك، بإيجاد صحفي يقبل بالعمل في بلد تتأجج نيران حربه. كما وتتوفر فيه مؤهلات خاصة، كالقدرة على فهم النزاع المسلح، ونقل المعلومات المهمة إلى المشاهدين، والتحكم في رهانات النزاع الاقتصادية، وقبول العمل في بلد فشلت حكومته في التوفيق بين سياستها الداخلية (نزاع مسلح وإسلام متشدد أو متطرف وحرب ضد المخدرات والفساد) والخارجية (تدخل أجنبي وصراع على المصالح...). من المؤكد أن عمل تيسير تحت إمرة نظام طالبان لم يكن أبدا بالأمر الهين. فالـجزيرة هي القناة الأجنبية الوحيدة التي تمكنت من التواجد هناك دون أن يكون لها حق استعمال آلات التصوير. كان عليه أن يكون صحفيا متقصيا ويستعمل الكاميرا الخفية في بلد يعتبر التصوير والتماثيل كفرا. أليست الجزيرة هي من صور وبث عملية نسف بالديناميت تماثيل بوذا في باميان؟  إتلاف آلاف الأفلام بعد غلق قاعات سينما كابول خلال حملات رسمية لطالبان؟

عندما أصبح النزاع المسلح في أفغانستان شأنا دوليا في 7 .10. 2001 عن طريق العملية الأمريكية "الحرية الثابتة"، كان تيسير ينقل على المباشر الكارثة الإنسانية التي ألمّت بالأفغان. فكان يعرض صور المدنيين الجرحى، بعد أن عرض مشاهد الهجوم على السفارة الأمريكية، ثم مشاهد عملية توزيع أكياس الدقيق يوم الخميس 27 سبتمبر/ أيلـول/أيـلول والتي كانت محجوزة في عمارة هيئة الأمم المتحدة.

كان الرد على الدور الذي لعبته الجزيرة في حرب أفغانستان قاسيا، حيث قُصفت مقرات الجزيرة في كابول في 12 .11. 2001. ودون أن يتلقى الصحفيون إنذارا مسبقا يحذرهم من الضربات الوشيكة، مثلما يقر القانون الدولي للحرب. لكن تيسير نجا منه بأعجوبة.

ذهب تيسير علوني إلى العراق في 24 .3. 2003. لكنه لم يمكث هناك إلا فترة زمنية محدودة بسبب تحقيقاته التي لم تُـرض أطرافا معينة. بشكل عام، يمكن القول أن قناة الجزيرة بمراسليها لم تكن موضوع رضى السلطات العراقية والقوات الأمريكية المحتلة. وبعد سفر تيسير لم تقل المضايقات وأغلقت السلطات العراقية في 3 .4 مكتب الجزيرة في بغداد.

  بعيدا عن تيسير، أدت أحداث 11 سبتمبر/ أيلـول والحرب ضد الإرهاب إلى ظهور حالات جديدة من القلق بشان حرية الصحافة. وتزامنت محاكمته مع مناقشة احتمال إصدار قوانين جديدة تحدّ -لأسباب متعلقة بالإرهاب- حرية التعبير في العديد من الدول في الشمال والجنوب. لكن هذه التدابير المقترحة والمعلن عنها لقيت انتقادات حادة بسبب آثارها السلبية على حق التعبير وعمل وسائل الإعلام.

ليس من الغريب والحال كذلك، أن نجد في ملف اتهام تيسير وثيقة صدرت عن السفارة الأمريكية باسبانيا تتهمه فيها بأنه المسئول عن مراسلات القاعدة. وحسب ما جاء في جريدة البايـيـس، فقد حصل تنصت على مكالماته الهاتفية بين 1999 و2000، بطلب من أجهزة الاستخبارات الأمريكية نظرا "لعلاقاته المحتملة مع الإسلام المتطرف".

اتجه تيسير إلى الدوحة في قطر قبل أن يستقدم عائلته في نوفمبر 2001. وعلم عن طريق زميل صحفي اسباني أراد محاورته، أن اسمه موجود في ملف قضائي يتعلق بالإرهاب في اسبانيا، وأن هاتفه كان مراقبا. أخبر تيسير زملاءه بهذه الوقائع، وفي فرصة جمعته مع السفير الاسباني بالدوحة والوزير، أبدى لهما استغرابه بأن يرتبط اسمه بالإرهاب. وفي 3. 2002 بدأ العمل في القسم الدولي بقناة الجزيرة في الدوحة.

ثم كلفته القناة في 3 .7. 2003 بفتح مكتب لها في اسبانيا فعاد إليها. كان واثقا من انه لن يكون محل تهديد بالتوقيف. فهو دون سوابق عدلية ولم تكن له أبدا أية قضية في العدالة. كما أن اسبانيا نظام ديمقراطي وهي بلده. وبعد مرور شهر بدأ يخطط، انطلاقا من غرناطة، للرجوع إلى الدوحة لدواعي مهنية متعلقة بمشروع الجزيرة الاسباني. لكن ليلة سفره إلى الدوحة في 5 .9. 2003، تم توقيفه في بيته بغرناطة بحضور زوجته وأبنائه. 

يوم اعتقال تيسير، كانت الصحافة الإسبانية تتحدث عن أول محاكمة لمنظمة القاعدة في العالم. وقد وضع بالتزار غارثون على رأس المتهمين المطلوبين أسامة بن لادن قبل أعضاء ما يعرف بالخلية السورية-الإسبانية.

كل طرف له غايته. الإدارة الأمريكية لها حساب تصفيه مع من كسر حاجز الصمت في الحرب الأفغانية، بالتزار غارثون يريد العودة لموقع قوي في القضاء الإسباني، أزنار يعبر عن تضامنه الأعمى مع الحرب الأمريكية على الإرهاب، والصحافة الإسبانية شاركت في خلق جو مناهض للإسلام والمسلمين. هكذا نشأت قضية علوني باعتبارها عملية تصفية حسابات توظف القضاء الاستثنائي في البلاد لغايات سياسية ومصلحية مباشرة.

 

عودة