|
لم
ينل تقرير التنمية الرابع الحد الأدنى المطلوب لما
يعرف في لغة الإعلاميين بالبرومو (إشهار
الانطلاقة)، فمنذ أول مؤتمر صحفي في قصر الأمم في
جنيف، بدا واضحا أن الفريق المركزي لا يتحدث بلغة
واحدة، وقد انتقدت الباحثة التونسية نائلة سليني
التقرير لدرجة القول بأننا لا تتعرف على نفسها
فيه. وفي حين شن ما يعرف بالاستئصاليين العرب حملة
على التقرير الذي أعاد بنظرهم الاعتبار لمن كانوا
ومازالوا في جبهة معاداة المرأة (القصد الحركة
الإسلامية السياسية)، تحدث أكثر من باحث إسلامي عن
خطاب تغريبي يتعامل مع قضية المرأة العربية من
خارج أوضاعها وهمومها ورغباتها الفعلية. بل تحدث
أحد الصحفيين الإسلاميين عن الطابع غير الديمقراطي
للتقرير الذي يسعى لفرض تصورات مسبقة على نساء
يرفضن هذه التصورات ويعتبرنها خروجا عن دينهن
وقيمهن الاجتماعية والعائلية.
ليست مهمة هذه السطور الرد على ما كتب، وإنما
توجيه الأنظار نحو منهج البحث المعتمد في إعداد
التقرير، هذا المنهج
الاستنباطي والتركيبي الذي يرفض الوقوع في قالب
مسبق بحكم تعدد التجارب الشخصية ومناهج البحث عند
العناصر المكونة الأساسية للمشروع. من هنا قد لا
يجد أي شخص منا بالمعنى الضيق نفسه في التقرير
بمعنى الانتاج الفردي، ولكن بالتأكيد سيكتشف مع
الآخرين نسيجا فكريا مشتركا يعزز روح البحث
الجماعي عن انتاج محلي يتصدى لمشكلات محلية بأفق
حضارية وعالمية.
عندما نتحدث عن الحضارة العربية الإسلامية هل
نتحدث عن المدارس الفقهية الأربعة أو المذهب
الجعفري كصانعين لهذه الحضارة، أم يجري الحديث عن
تكوين ثقافي جماعي مختلف المنابت والمنابع
والمصادر أستطاع عبر صراعات وتفاعلات بين المعرفة
الحكمية والمعرفة الدينية من التعريف بخير ما أنتج
البشر في حقبة الحضارة هذه.. ولو استمع أي مثقف
لفتاوى ابن تيمية في تكفير الملل والنحل ورده عمن
قال له الغزالي فيلسوف الإسلام ليس في الإسلام
فلاسفة أو التحفظ على عطاء من يخرج عن المدرسة
الحنبلية هل كان بالإمكان إنجاب حضارة بمعنى
الكلمة المتفق عليه في كل الثقافات ؟
إذا دخلنا في منطق "النظرة التغريبية الظالمة"
يمكن أن نقول بأن قراءة المودودي لفكرة الدستور
والدولة الشمولية في الإسلام وبناء التنظيم
السياسي تغريبية أيضا ؟ في كل موضوع وقضية وزمان
ومكان يمكن أن يخرج علينا من يضعنا خارج السرب،
حتى الإمام علي قتل بسيف خارجي باسم الحكم
الإلهي.. ثم هل يمكن اعتبار وجهة نظر العامة في
قضية في وقت وظرف ومكان مرجعا قيميا ؟ ألم تكن
أغلبية الفرنسيين ضد إلغاء حكم الإعدام عندما قرر
الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران إلغاء العقوبة؟
ألا يعتبر معظم الفرنسيين اليوم هذا القرار من أهم
إنجازات الرئيس الفرنسي؟؟ ألم يعتبر أبو الأعلى
المودودي مهنة المحاماة مناهضة للإسلام في 1933
وبعد عشرين عاما طلب من المحامين تبني قضيته أمام
محاكمة جائرة تعرض لها؟ إنني وبكل تواضع وثقة،
أقول بأن هذا التقرير سيكون المرجع الأساسي لقضية
المرأة في العالم العربي في العقد القادم وربما
لوقت أطول، لأن الفريق المركزي محاط بفريق استشاري
ومدعوم من لجان قراء ومعزز بإمكانيات برنامج الأمم
المتحدة الإنمائي (أي قرابة مائة شخص من مختلف
المشارب والتجارب) قد توصل لصياغة متينة لعمل
خلاّق. ولو أخذنا الفصول في صياغتها الأولى
لوجدناها جميعها (باستثناء الفصل القانوني الذي
يعتبر رياضيات العلوم الإنسانية) قد تعرضت لعملية
غسل دم متواصلة أعطت صيغة تستحضر الموضوعية
الجماعية في كل خطوة ومرحلة وموقف.
إنني أدعو كل الباحثات والباحثين العرب لتناول هذا
النص بالتحليل والنقد والتعريف به كوسيلة لرفع
مستوى الحوار حول قضايا نهضة المرأة والخروج من
الثنائيات العقيمة التي تركت آثارا سلبية عليها.
ولعل أية دراسة نقدية جدية تستحث فينا العزم
لاستكمال ما بدأه التقرير، أي جعل نهوض المرأة في
هواجس وجودنا وحياتنا اليومية باعتباره من عناصر
نهضتنا الجماعية
---------------------
خاص
بموقع صدى للحقوق والحريات 10/1/2007 |