لمحة تاريخية عن بنازير بوتو القائدة الباكستانية

     

لقد ولدت بنازير بوتو في مدينة كراتشي عام 1953، أي أن عمرها الآن (54) عاماً. ووالدها هو ذو الفقار علي بوتو أحد قادة الباكستان المشهورين. وقد اعترفت مؤخرا في مقابلة لها لإحدى الجرائد في لندن بأن أمها من أصل كردي. وبالتالي فالدماء الكردية تجري في عروقها وشرايينها وليس فقط الدماء الباكستانية. وبما أنها من عائلة أرستقراطية رفيعة تنتمي إلى إقليم السند فإن عائلتها أرسلتها للدراسة في أفضل الجامعات الانجليزية: أوكسفورد. وقد تخرجت من هناك عام 1977 وعادت إلى البلاد لكي تحتل مكانتها وتساهم في تطويره. ولكن الحظ لم يبتسم لها كثيرا. هذا أقل ما يمكن أن يقال، فقد نظم الجنرال ضياء الحق انقلابا على والدها يوم 5 يوليو 1977، ثم سجنه لمدة عامين تقريبا قبل أن ينفذ فيه حكم الإعدام عام 1979.
وهذه الفاجعة العائلية أثرت كثيرا على شخصية بنازير بوتو لأنها كانت متعلقة جدا بوالدها ولأنها كانت لا تزال في ربيع العمر (24 سنة فقط). وربما لهذا السبب قررت دخول معترك السياسة من أجل الانتقام لوالدها الشهيد. ومعلوم أن ذو الفقار علي بوتو ساهم في حكم الباكستان منذ عام 1966 بصفته وزيرا للخارجية وحتى عام 1977 عندما كان رئيسا للجمهورية بعد أن كان رئيسا للوزراء أيضا. وبالتالي فقد احتل جميع المناصب الكبرى في البلاد قبل سقوطه المدوي على يد جنرال أصولي.
هذا وقد اعتقلت ابنته بنازير بوتو بعد سقوطه ثم أطلق سراحها وأبعدت إلى الخارج لكي تعيش حياة المنفى. ومن هناك عادت عام 1986 لكي تقود المعارضة السياسية ضد ضياء الحق وقانون الطوارئ. ثم تضيف المؤلفة قائلة: ولحسن حظها فإن الزمن هو الذي انتقم لها من ضياء الحق. ففي 17 أغسطس من عام 1988 يموت ضياء الحق في حادث طائرة مشبوه.
وبعد بضعة أشهر من ذات العام يفوز حزب الشعب الباكستاني الذي أسسه والدها في الانتخابات التشريعية. ولذا أصبحت بناظير بوتو رئيسة لوزراء الباكستان في الأول من ديسمبر عام 1988. وكانت هذه هي أول مرة تصل فيها امرأة إلى منصب رئاسة الوزراء في بلد إسلامي كبير، وقد أزعج وصولها التيار الأصولي المتشدد إلى أقصى حد ممكن. فمن الصعب على المتزمتين أن يقبلوا بوجود امرأة على رأس الدولة. نقول ذلك وبخاصة انها امرأة جميلة ذات وجه صبوح ومشرق.
ولكن رئيس الجمهورية غلام إسحاق خان أقالها من منصبها بعد أقل من سنتين من ذلك التاريخ: أي في شهر أغسطس من عام 1990. وكانت حجته في ذلك أنها ارتكبت بعض التجاوزات مع زوجها واستغلت المنصب لغايات شخصية ومنافع مادية. والواقع أن زوجها آصف علي دخل السجن بسبب ذلك من عام 1990 إلى عام 1993 ثم أطلق سراحه. ولكن حزب بوتو، أي حزب الشعب الباكستاني، خسر الانتخابات النيابية التي نظمت عام 1990.
ثم مرت الأيام وعادت بوتو إلى السلطة من جديد عام 1993 حيث أصبحت رئيسة للوزراء. وكان أول قرار اتخذته هو إطلاق سراح زوجها من السجن. وفي الولاية الثانية للحكم أصبحت بنازير بوتو أكثر حنكة ودهاء في إدارة شؤون الحكم. واستطاعت بالتالي أن تعالج بعض المشاكل الحساسة بفعالية أكبر. كما وعرفت كيف تتحالف مع بعض أجنحة السلطة العسكرية والمخابرات لاتقاء شرها.
ولكنها اصطدمت من جديد بصعود الحركات الأصولية في الشارع الباكستاني. وكانت هذه الحركات ضدها منذ البداية ليس فقط لكونها امرأة وإنما أيضاً لكونها تحمل أفكارا جديدة وتحديثية لإصلاح البلاد، وهي أفكار مضادة للأصوليين بل ومرفوضة من قبلهم تماما. فهم يرون فيها تقليدا للغرب ورجسا من عمل الشيطان.
ولذلك فإن حزبها خسر الانتخابات عام 1996 لمصلحة الحزب الأصولي: الجماعة الإسلامية. وفي نفس العام تم اغتيال أخيها مرتضى بوتو من قبل رجال البوليس في كراتشي. والغريب في الأمر هو أن البعض اتهمها بارتكاب هذه الجريمة لأن أخاها كان المنافس السياسي الأول لها!
ويقول هؤلاء كبرهان على مزاعمهم: لقد كان أخوها يتمتع بشعبية كبيرة في البلاد في حين أن أخته انخفضت شعبيتها إلى حد كبير بسبب قضايا الفساد التي ارتكبت في عهدها وبالأخص من قبل زوجها.
ولكن لم يستطع أحد تقديم أي برهان على هذه الاتهامات الخطيرة، فهل يعقل أن تقتل امرأة أخاها؟ نقول ذلك وبخاصة ان العائلة كانت قد فجعت بوالدها قبل فترة من الزمن. وفي عام 1999 اضطرت بنازير بوتو إلى مغادرة البلاد والعيش في المنفى مرة أخرى، وكل ذلك بسبب تهم الفساد التي تلاحقها. وقد اختارت أن تعيش متنقلة بين الإمارات العربية المتحدة وانجلترا، وقد أنكرت تهمة الفساد المنسوبة إليها، ورفضت عام 2002 أن تمثل أمام المحكمة للنظر في الأمر.
وعندئذ أصدرت المحكمة قرارا بمنعها من دخول الأراضي الباكستانية، إضافة إلى ذلك فإن الرئيس برويز مشرف طلب من البرلمان التصويت على القرار التالي: ممنوع على أي شخص أن يمارس مهنة رئيس الوزراء أكثر من مرتين. وهذا يعني قطع الطريق عليها ومنعها من العودة إلى السلطة بأي شكل كان. وبالطبع فقد تراجع عن ذلك لاحقا تمهيدا للتحالف معها.
لقد حاولت بنازير بوتو أثناء حكمها أن تحسن وضع المرأة في الباكستان ولكن المعارضة الأصولية وقفت في وجهها ومنعتها من تحقيق ذلك. فقد حاولت مثلا تخفيف القوانين كحد الرجم مثلا أو قل طالبت بتعليقها وليس بإلغائها. ولكن النواب المتشددين كانوا لها بالمرصاد وأجهضوا المحاولة.
وترى المؤلفة أن السياسية التحديثية لبنازير بوتو كان يمكن أن تنجح لولا هذه المعارضة العنيفة من جهة المتشددين ولولا قضايا الفساد والثراء غير المشروع التي أحاطت بزوجها على وجه الخصوص.
فهذه القضايا شوهت سمعتها إلى حد كبير وأساءت إلى عهدها. ينبغي العلم بأن الحكومات الفرنسية والبولونية والاسبانية والسويسرية أرسلت وثائق إلى السلطات الباكستانية تبرهن فيها على تورط بوتو وزوجها المشؤوم في شؤون الفساد. ويبدو أن زوجها قد هرّب مبالغ ضخمة إلى الغرب عبر البنوك السويسرية كما يفعل معظم قادة العالم الثالث. ولهذا السبب أمضى ثماني سنوات في السجن أنه سجن مرتين، ولم يطلق سراحه في المرة الثانية إلا عام 2004.
وبعد أن خرج من السجن رفع دعوى ضد السلطات الباكستانية بتهمة التعذيب، وقال لجمعيات حقوق الإنسان العالمية بأنهم عذبوه في السجن بشكل مروع ولا إنساني. ووافقت هذه الجمعيات على دعمه بعد أن اقتنعت بصحة كلامه، واعتبرت أن هذه الممارسات في السجون الباكستانية شيء مدان من قبل الأمم المتحدة والقوانين الدولية. فالسجن بحد ذاته تعذيب ولا ينبغي أن نضيف عليه تعذيبا آخر. ثم تختتم المؤلفة كلامها قائلة:
مهما يكن من أمر فإن مستقبل بوتو لا يزال أمامها وليس خلفها على عكس ما يتوهم خصومها. فهي تتمتع بشخصية كاريزمية محببة على عكس زوجها المكروه. ويبدو أن الغرب يدعمها لكي يواجه بها الطالبان والقاعدة وبقية الجماعات الأصولية.

 

مؤلفة هذا الكتاب هي الصحافية والباحثة ماري انغلار المختصة بشؤون العالم الإسلامي والعالم الثالث بشكل عام. وهي تقدم هنا صورة تاريخية عن بنازير بوتو القائدة الباكستانية المعروفة.
*الكتاب:بنازير بوتو، رئيسة وزراء - الباكستان وناشطة سياسية
*الناشر:كومباس بوينت بوكس - لندن ، نيويورك 2007

عودة

 

الصفحة الرئيسية

خاص بقضية تيسير علوني

رواق الدكتور هيثم مناع

انتهاكات حقوق الإنسان

انتهاكات حقوق الصحفيين

انتهاكات حرية التعبير

انتهاكات حقوق العمل الخيري

الحقوق المدنية في سورية

قضــايا الخــليج العـــربي

قضــايا لـبنانـــية

قضــايا فلسطينية

قضــايا عــراقــيـة

مقالات وأخبار عامة

تقــاريــر ودراسـات

بيــانات عامــــة

حملات تـــضامــن

أقلام حرة - أدبيات

مكـــتبة فنيـــة

مواقع ذات صلة

 

 

 

 

 

 

alonysolidarity@wanadoo.fr