البيان
/
في تقريرها الذي صدر مؤخراً أوصت منظمة
الأمن والتعاون في أوروبا الولايات
المتحدة بإغلاقه، منبهة إلى أن المعاملة
التي يلقاها 500 مسجون معتقل فيه تؤجج
الكراهية للولايات المتحدة وتدفع بعناصر
جديدة إلى الانضمام إلى تنظيم القاعدة،
ولفتت إلى أن «الصور المأخوذة داخل سجن
أبو غريب والمعاملة التي يلقاها المحتجزون
في غوانتانامو والشائعات عن تدنيس القرآن
دفعت جيلاً من المسلمين الشبان إلى صفوف
تنظيم القاعدة وجماعات متطرفة أخرى».
ولم تكن هذه المنظمة الوحيدة التي انتقدت
ورفعت صوتها عالياً مطالبة بإغلاق معتقل (إكس
ري) في جزيرة غوانتانامو الكوبية،
فقد تنادت المنظمات الدولية من كل حدب
وصوب إلى ضرورة إنهاء ما أسمته بـ (معقل
صنع الكراهية ضد أميركا وحلفائها).ورأى
كثيرون إن صفة (المقاتلين الأعداء) التي
تضفيها الولايات المتحدة على المعتقلين في
(غوانتانامو) لا وجود لها في القانون
الدولي، ووصفته منظمة العفو الدولية بأنه
معقل التعذيب لهذا العصر متهمة بريطانيا
والولايات المتحدة الأميركية بانتهاكهما
حقوق الإنسان في إطار «الحرب على
الإرهاب».
وكانت السلطات العسكرية الأميركية أقرت في
يونيو الماضي بعدد من الوقائع منها تدنيس
بعض العاملين في المعتقل القرآن والتبول
عليه وركله بالأقدام، بعد أن واجهت ضغوطاً
متزايدة لإغلاق المعتقل، من قبل جماعات
حقوق الإنسان ومؤسسات مثل البرلمان
الأوروبي ومجلس أوروبا والتي انتقدت
الولايات المتحدة مراراً لاحتجاز
المعتقلين في فترات غير محددة وعدم
معاملتهم كأسرى حرب، رغم تذرع واشنطن بأن
دوره أساسي في حماية الولايات المتحدة من
أي هجمات في المستقبل.
و(غوانتانامو) جزيرة تقع على الساحل
الجنوبي الشرقي لكوبا، وعلى مقربة من
أراضي الولايات المتحدة فهي تبعد حوالي 90
ميلا فقط عن ولاية فلوريدا،
يقطنها حوالي 280 ألف كوبي معظمهم يعيش من
زراعة القطن وقصب السكر والصناعات
الصوفية، وخارج المدينة، على بعد خمسة عشر
كيلومترا ترقد القاعدة المثيرة للصداع
والجدل (غوانتانامو باي).
تأسست القاعدة الأميركية عام 1898 عندما
انتصرت الولايات المتحدة على إسبانيا التي
كانت تستعمر كوبا منهية الحرب الاسبانية ـ
الأميركية وفقاً لمصادر أميركية وتذكر
مصادر أخرى إن قصة غوانتانامو تبدأ قبل
نحو مئة عام وبالتحديد في عام 1903 حينما
قبلت كوبا التخلي عن هذه المنطقة، الواقعة
في أقصى جنوب شرق البلاد وعلى مسافة حوالي
ألف كيلومتر من هافانا، لجارتها الصديقة
آنذاك الولايات المتحدة كبادرة امتنان من
الكوبيين للدعم الذي قدمه الأميركيون لهم
أثناء المقاومة الكوبية للاحتلال الأسباني
وذلك في مقابل إيجار سنوي قدره أربعة آلاف
دولار.
وتشير الوثائق إلى أن الولايات المتحدة
وقعت عقداً لتأجير الجزيرة بشكل دائم
وثابت من الكوبيين عام 1903 بعد أن حصلت
كوبا على استقلالها مقابل دفع 2000 عملة
ذهبية وهي تعادل 4000 دولار حينها، وطبقا
للاتفاقيات 1902، 1903، و1934، فإن
الولايات المتحدة بقيت متمسكة بالقاعدة
ورفضت كل المطالب الكوبية منذ قيام الثورة
الكوبية باستعادة الجيب الأميركي الذي
تعتبره كوبا من آثار الاستعمار الإسباني،
ويشار إلى أن الحكومات الكوبية المتعاقبة
رفضت صرف أي شيك من الشيكات التي لا زالت
الولايات المتحدة تقدمها لها حتى الآن في
إشارة إلى اعتراضها على الوضع الراهن.
وهي إحدى أكبر القواعد العسكرية الأميركية
في نصف الكرة الأرضية الغربي، تشغل مساحة
قدرها 5,116 كم2 من الأراضي الكوبية
القديمة، بها مركز تدريب لمشاة البحرية
ومستودعات للوقود، الذخائر، خزانات أرضية
للمحروقات، ومطارات لطائرات القوات الجوية
والقوات البحرية الأميركية، كما يوجد في
القاعدة ألفان وثلاثمائة عسكري أميركي،
وفي ما عدا ذلك يصل إلى غوانتانامو بصورة
دورية من 3 ـ 5 آلاف بحار من وحدات سفن
القوات البحرية الأميركية المرابطة هناك.
عدت القاعدة مصدراً للخطر العسكري المباشر
على كوبا، واعتبرها الكوبيون رأس الجسر
الذي تشن منه الأعمال التخريبية العدوانية
ضد الشعب الكوبي إضافة إلى أن لها دوراً
مهماً في خطط أميركا العدوانية، ولذلك فقد
عمد الجيش الكوبي إلى إنشاء قاعدة عسكرية
مجاورة لها على مساحة تبلغ حوالي 20 ميلا
يحظر الكوبيون دخولها، وكانت مسرحا لإظهار
الكراهية بين الكوبيين والأميركيين حين
اعتاد الجنود الموجودين في القاعدتين
المتجاورتين التراشق بالحجارة وتبادل
الشتائم فيما بينهم لفترات طويلة، وتعد
القاعدة البحرية آخر قاعدة عسكرية أميركية
في أميركا اللاتينية، وقد بقيت نقطة خلاف
أساسية بين الدولتين الكوبية والأميركية.
وتذكر الوثائق أن الولايات المتحدة
استشعرت خطرا شديدا من كوبا أربع مرات على
الأقل دفعها إلى فرض حالة الاستعداد
القصوى في القاعدة التي شعر الأميركيون
أنها ستكون هدفا رئيسيا للكوبيين أو من
يساعدوهم، كانت المرة الأولى أثناء الثورة
الكوبية عام 1906، ثم الثورة الثانية التي
قادها الرئيس الحالي لكوبا فيدل كاسترو
ورفيق كفاحه تشيه جيفارا عام 1959 ثم
أثناء أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962
وأخيرا في عام 1964 بعدما أمر الرئيس
كاسترو بقطع إمدادات المياه عن القاعدة
مما دفع الأمريكيين فيما بعد إلى إنشاء
محطة لتحلية المياه وفرت الاكتفاء الذاتي
من مياه الشرب لقاعدة غوانتانامو.
ومن المفارقات في الوضع بين العسكريين
الأميركيين والكوبيين تذكر المصادر
المتعددة أن فرقة قوامها 18 ألف جندي كوبي
قامت بحراسة القاعدة عند اندلاع أزمة
الصواريخ السوفيتية في أكتوبر عام 1962
التي دفعت بالعالم إلى شفير حرب نووية،
وتم زرع المنطقة المحيطة بها بالألغام.
فقدت القاعدة أهميتها الاستراتيجية بعد
انتهاء الحرب الباردة وأصبحت تستخدم بصورة
أساسية كمعسكر تدريب، وقد نقل إليها عشرات
الآلاف من اللاجئين الكوبيين والهايتيين
المهاجرين إلى الولايات المتحدة بشكل غير
شرعي، لكنها عادت إلى دائرة الضوء بعد نقل
أسرى طالبان إليها، وقد خشي الكثيرون من
أن يثير إعلان وصول أسرى من مقاتلي طالبان
إلى القاعدة غضب الحكومة الكوبية، خاصة
وان فيدل كاسترو كان قد انتقد الحرب في
أفغانستان، على الرغم من إدانته لهجمات 11
سبتمبر على الولايات المتحدة.
وتواجه الولايات المتحدة انتقادات دولية
وإنسانية ومطالب بإغلاقها لوضع حد لما سمي
بفضيحة حقوق الإنسان، فأشارت منظمة العفو
الدولية إلى أنه «طوال السنوات الثلاث
الماضية، باتت غوانتانامو تجسيداً
للانفلات القانوني ففي أكثر من 1000 يوم
من الاعتقالات التنفيذية، أمست رمزاً
لمحاولة تقوم بها إحدى الحكومات لوضع
نفسها فوق القانون، ويشكل المثال الذي
تضربه لنا خطراً علينا جميعاً»، كما عدها
الأميركيون «عاراً قومياً» وفقا لصحيفة
«نيويورك تايمز» التي طالبت هي الأخرى
بإغلاق معتقل قاعدة غوانتانامو فوراً.